خلال العقدين المنصرمين، كان لبنان يترنّح مرات عدة على شفير أزمات مالية واقتصادية. ومع بدء شعور العديد من اللبنانيين بمضاعفات وتبعات هذه الأزمات، اندلعت احتجاجات شعبية كبيرة في تشرين الأول/أكتوبر 2019 احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية وعلى فساد النخبة السياسية. وفي خضم الأزمة النقدية والاقتصادية، ضربت جائحة كورونا البلد مع بداية ربيع 2020 لتكرّس الأزمات الاقتصادية والمالية وتزيد حدة تبعاتها على اللبنانيين. كل هذه التطورات تضافرت لتزيد من حدة الفروقات بين الفئات الاجتماعية- الاقتصادية، وبدا ذلك جلياً في ازدياد سوء التوزيع ودرجات التفاوت بين الفئات الاجتماعية في عدد من المناطق اللبنانية وفي ما بينها، الأمر الذي أظهر الى العلن الطبيعة البنيوية الهشّة لسياسات الدولة في مسألة إعادة التوزيع.

كوثر دارة
كوثر دارة مستشارة في التنمية الاقتصادية والإدارة المالية العامة في بيروت، لبنان.

مقدّمة

لطالما كانت التفاوتات المناطقية مشكلة أساسية في لبنان، حتى خلال أيام الانتعاش الاقتصادي و"البحبوحة". فالحكومات المتعاقبة، منذ اتفاق الطائف عام 1989، فشلت في ردم الفجوات التنموية بين المناطق، فبقيت النواحي (أو المناطق) الطرْفية، كشمال لبنان، وسهل البقاع، وجنوب لبنان، مهمّشة ومُتأخرة، فيما تركّزت جهود التنمية على بيروت وضواحيها. وباتت هذه التفاوتات المناطقية تمثّل تهديداً حقيقياً للتماسك الاجتماعي. وفي حال لم تعالَج هذه التفاوتات، فستؤدي إلى المزيد من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية، ما سيُفاقم الاحتجاجات الشعبية التي لاتزال متواصلة حتى اليوم.

في موازاة ذلك، تم التعامل مع وباء كورونا المستجد في بداية انتشاره على أنه الوباء "الظالم العادل"، أي البلاء الذي يصيب الجميع ولكن بشكل متساوٍ. فقد كان يُفترض، نظرياً، أن تضرب الجائحة كل فئات السكان بشكل عادل، من دون تمييز من حيث الإثنية، أو الوضع الاجتماعي، أو الدخل، أو العمر، أو الجندر. غير أن ما جرى أتى مخالفاً لهذه النظرية، حيث أدت تأثيرات الوباء إلى مضاعفة التفاوتات القائمة، لا بل أفرزت أيضاً فروقات جديدة. والحال أن هذا كان متوقعاً، لأنه قُبيل الأزمة لم يمتلك لبنان الآليات أو السياسات الآيلة إلى تعزيز المساواة في المجتمع، والتي كان يُفترض أن تشمل إجراءات فعالة تسهم في الحد من الفقر، وتضمن حصول السكان على خدمات الحماية والضمان الاجتماعيين بشكلٍ متساوٍ، وكذلك تؤمن الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل، وإلى خدمات الكهرباء والماء، وكذلك إلى البنى التحتية الأساسية.

وهكذا، في ظل البيئة الاجتماعية والاقتصادية المتداعية في لبنان، بدأ الفقر يسجل منحى تصاعدياً. ويقدّر البنك الدولي بأن معدل انتشار الفقر في العام 2020 قد يطال 50 في المئة من السكان بعد أن كان 27 في المئة العام 2011. أما الفقر المدقع (الفقر الغذائي) فيُتوقع أن يقفز إلى 22 في المئة العام 2020. وعلى الرغم من عدم توافر تقديرات حديثة للفقر على مستوى المناطق الجغرافية، إلا أن حدة وقسوة الأزمات التي يشهدها لبنان ستؤدي إلى استفحال معدلات الفقر وإلى جعل الفقراء أكثر فقراً، والمناطق الفقيرة أصلاً أكثر تهميشاً. وتشير المعطيات إلى أن أعلى مستويات الفقر في البلاد كانت تسجَّل تاريخياً في المناطق الطرْفية. وتعود أحدث المعطيات المتوافرة حول توزّع الفقر مناطقياً إلى العام 2011،  وتظهر أن 38 في المئة من المقيمين في البقاع، و36 في المئة من المقيمين في شمال لبنان، و25 في المئة من المقيمين في جنوب لبنان يعيشون في حالة فقر، مقارنةً مع 16 في المئة فقط في بيروت. ومع أن هناك نقصاً في المعطيات، إلا أن ارتفاع معدلات الفقر وتداعياته على مستوى المناطق كان واضحاً من خلال مؤشراد عدة سيتناولها هذا التحليل ولا سيما تلك المتعلق بالدخل والتعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

تقلّص المداخيل بسبب الأزمات المالية والاقتصادية

أدى تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية إلى تدنٍّ غير مسبوق في مداخيل الأسر. فقد أسفر انخفاض قيمة الليرة اللبنانية عن ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، ذلك أن معظم الاستهلاك المحلي يعتمد بشكل أساسي على الاستيراد. نتيجةً لذلك، قفزت معدلات التضخّم ووصلت إلى 90 في المئة على أساس القيمة المتوسطة السنوية في حزيران/يونيو 2020، فيما كان سعر السلع الاستهلاكية كالمواد الغذائية يشهد ارتفاعاً أعلى بكثير من مستوى التضخم الإجمالي. ومن المتعارف عليه عالمياً أن الأُسر الأكثر فقراً تنفق الجزء الأكبر من مدخولها على الغذاء. وفي لبنان وعقب ارتفاع الأسعار، باتت غالبية الأسر غير قادرة على تلبية حاجاتها من المواد الغذائية، خاصة الفقراء والمهمشين. وبالتالي، يُتوقّع أن تتزايد أعداد الأسر والأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذا لم يستطيعوا تأمين حاجاتهم الأساسية. ومع تباطؤ الطلب الإجمالي، تحاول القطاعات الاقتصادية احتواء أكلافها التشغيلية عبر تقليص أنشطتها وصرف موظفيها أو، في أفضل الأحوال، خفض رواتبهم، وفي بعض الأحيان تقليص ساعات العمل. وهذا أدّى إلى تزايد معدلات البطالة أو البطالة الجزئية، ودفع الناس إلى الانخراط في الاقتصاد غير النظامي.

وقد تقاقمت التفاوتات في مستويات الدخل بسبب اعتماد أنظمة عدة لأسعار الصرف في البلد. فالعاملون في لبنان يحصلون على رواتبهم إما بالدولار الأميركي أو بالليرة اللبنانية. قبيل الأزمة وفي ضوء سياسة الحفاظ على ثبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار، لم يكن هناك اختلاف في الدخل الاسمي بين من يحصلون على أجورهم بالليرة أو بالدولار. وقد بدأ التفاوت الحاد في الدخل بعد تدهور سعر الصرف، الذي أدى إلى انخفاض كبير في قيمة العملة الوطنية، وذلك في أعقاب احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019. وعلى أثر ذلك، تدنت القيمة الشرائية لمداخيل الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة بما يفوق 80 في المئة. أما من يحصلون على رواتبهم بالدولار فقد واجهوا أحد احتمالين: أولئك الذين يتقاضون بالدولار المحلي - أي من خلال الحسابات الموجودة في المصارف التي فرضت قيوداً استنسابية على الرساميل – باتوا غير قادرين على سحب أموالهم بالدولار، وانما فُرض عليهم تحويل ودائعهم إلى الليرة اللبنانية قبل سحبها وفق سعر 3900 ليرة لكل دولار. وهو ما يعني خسارة اسمية بنحو 40-55 في المئة وفقاً لسعر الصرف السائد في السوق، حيث فاق فيه سعر الدولار الـ7000 ليرة. أما من يتقاضون رواتبهم بالدولار عبر تحويلات من خارج لبنان، ففي وسعهم سحب أموالهم بالدولار، ثم تحويلها إلى العملة الوطنية بحسب سعر الصرف السائد في السوق.

وقد لاحظت كاتبة هذا المقال أن موظفي القطاع العام يعتبرون من بين أكبر الخاسرين من ناحية القدرة الشرائية لمداخيلهم، إذ يتلقى هؤلاء دخلهم بالليرة اللبنانية حصراً. وعند التدقيق بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لموظفي القطاع العام، يلاحظ أن معظم هؤلاء يتحدّر من مناطق فقيرة أو هشّة. وتشير الإحصاءات إلى أننحو 13.7 في المئة من القوى العاملة اللبنانية يعملون في القطاع العام. ويرتفع هذا المعدل إلى 31 في المئة في محافظة عكار، و26 في المئة في محافظة بعلبك- الهرمل، و19 في المئة في محافظة النبطية، بالمقارنة مع 6 في المئة في محافظة بيروت. ويشير تركّز موظفي القطاع العام في المناطق المهمّشة الطرْفية وخسارة قدرتهم الشرائية إلى أن الموجة الأخيرة من الأزمات ضربت الأطراف بشكل أكبر من المركز، ما قد ينعكس حكما في حدة التفاوتات المناطقية.

التعليم ذو الجودة العالية بات ترفاً  

لم تقتصر الأزمة الاقتصادية على تدهور الدخل وتزايد عدد الأسر الواقعة تحت الفقر، بل طالت أيضاً نوعية التعليم التي من الواضح أنها تأثّرت بشكل كبير من مفاعيل الأزمات المتلاحقة. فخسارة الدخل حدّت من قدرة الأهل على تسجيل أبنائهم في مدارس ذات نوعية جيدة، ولا سيما الخاصة منها، والتي لم تعد نسبة عالية من السكان قادرة على تحمل أكلافها المرتفعة.

في العام 2017، كان نحو 70 في المئة من التلاميذ ملتحقين في مؤسسات تعليمية خاصة. بيد أن هذا المنحى بدأ يتغيّر بشكل جذري مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع المداخيل. ويشار الى أن تكاليف التعليم في المدارس الخاصة بدأت بالارتفاع بعد تطبيق قانون سلسلة الرتب والرواتب الجديدة في آب/أغسطس العام 2017، والذي أدى إلى زيادة كبيرة في أجور المعلمين في المدارس الخاصة والرسمية. ونتيجةً لزيادة كلفة التعليم في المدارس الخاصة، ارتفعت معدلات التسجيل في المدارس الرسمية (وفق بيانات الأُسر في 2018-2019) من نحو 30 في المئة إلى 47 في المئة في كل أنحاء البلاد.

لكن هذا التحوّل من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي لم يسجَّل بشكل متساوٍ في كافة المناطق. فقد ارتفعت معدلات التحاق الطلاب في المدارس الرسمية بشكل أكبر في المناطق التي عانت تاريخياً من مستويات فقر مرتفعة، من بينها محافظات عكار، حيث (وفقاً لحسابات الكاتبة) بلغت نسبة التحاق التلاميذ في مدارسها الرسمية 68 في المئة، وفي النبطية 58 في المئة، وفي جنوب لبنان 57 في المئة، وفي شمال لبنان 53 في المئة. ويشار إلى أن هذه الأرقام تعكس الوضع قبيل تنامي الأزمة المالية والاقتصادية، ما يعني أن الوضع حالياً بات أسوأ وأن أعداداً أكبر من الأسر أقدمت على نقل أولادها من المدارس الخاصة إلى قطاع التعليم الرسمي.

وقد أدى انتشار جائحة كورونا إلى تسجيل المزيد من التحديات والحدّ من امكانية حصول الطلاب على تعليم نوعي. فقد عمدت المدارس إلى تبنّي تقنيات تعليم جديدة تطبيقاً لقواعد التباعد الاجتماعي للحد من انتشار الوباء. وتبعاً لذلك، أغلقت المدارس والمؤسسات التعليمية أبوابها ولجأت بدلاً من ذلك إلى التعليم عن بُعد، سواء عبر الإنترنت أو عبر البث التلفزيوني.

غير أن اعتماد التعليم عن بعد يتطلّب وجود شبكة إنترنت يمكن الاعتماد عليها، إضافةً إلى طاقة كهربائية غير مُتقطعة، وهو غير متاح حالياً لنسبة كبيرة من الأسر المقيمة في لبنان. فاللبنانيون جميعاً يعانون من تغطية رقمية سيئة وطاقة كهربائية متقطعة. وقد أظهرت دراسة أخيرة أن نسبة 54 في المئة فقط من الأُسر تستطيع الوصول إلى خدمة الإنترنت بشكل أو بآخر، فيما يبقى جزء كبير من السكان غير قادر على الحصول على هذه الخدمة. كما أن التفاوتات واضحة عبر المناطق: فبيروت تمتلك أعلى نسبة اتصال بالإنترنت وتبلغ 65.5 في المئة، فيما تُسجّل أدنى نسبة في عكار (25.5 في المئة) وبعلبك- الهرمل (33.5).

ويتكرر الأمر ذاته بالنسبة للحصول على الطاقة الكهربائية بشكل دائم، حيث هناك أيضاً تباينات كبيرة بين المناطق. فبسبب الانقطاع المُتكرر للكهرباء، يصبح من الضروري توفير مصدر بديل للطاقة كي يكون التعليم عبر الإنترنت مُمكناً. وتُعتبر المولدات الكهربائية البديل الأكثر شيوعاً. يحصل نحو 84 في المئة من الأُسر المقيمة في لبنان على الطاقة من المولدات، مع تفاوت كبير بين المناطق. ففي عكار، 92 في المئة من الأُسر مرتبطة بالمولدات، فيما تتدنى هذه النسبة إلى 42.5 في المئة فقط في سهل البقاع. وتعود أسباب النسبة العالية في عكار إلى أن التغذية الكهربائية عبر الشبكة العامة منخفضة جدّاً، لذا تعمد معظم الأسر إلى استخدام البدائل. كل هذه التفاوتات في مجال توفر خدمتي الإنترنت الكهرباء، وفي ظل تزايد الاعتماد على التعليم الرسمي، تفاقم التحديات المرتبطة بالتعليم في المناطق الطرْفية أكثر من المركز.

التفاوت في الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية

يعاني القطاع الصحي أيضاً من التفاوت واللامساواة في التغطية، وقد جاءت الأزمة الاقتصادية لتفاقم هذا الوضع. على الرغم من الجهود التي بُذلت لتوفير تغطية صحية شاملة، غير أن هذا الطموح لايزال بعيد المنال لأساب هيكلية متعددة أهمها تعدّد المؤسسات الصحية الضامنة – وزارة الصحة العامة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وشركات تأمين عدة في القطاع العام وصناديق التعاضد – وصعوبة توحيدها أو إدراجها كلها في إطارٍ معياري يضمن العدالة والشفافية. وتُظهر آخر الإحصاءات الرسمية أن حوالى 44 في المئة من اللبنانيين لا يحظون بأي نوع من التأمين الصحي، وثمة تفاوتات بين المناطق في هذا السياق أيضاً. فشمال لبنان وعكار تستحوذان على النسبة الأكبر من السكان الذين لا يتمتعون بتأمين صحي، بنسبة 53 و55 في المئة على التوالي، فيما يسجّل كل من جبل لبنان وبيروت أعلى مستويات من التأمين الصحي، حيث أن لدى 64.6 و57.2 في المئة من سكانهما على التوالي نوعاً من أنواع التأمين الصحي.

يُعدّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نظرياً المؤسسة التي من المفترض أن توفر تأميناً صحياً واجتماعياً لكافة شرائح الشعب اللبناني. غير أن الصندوق لا يغطي حالياً سوى 46.8 في المئة من المواطنين الذين لديهم تأمين صحي. أما الباقون فيحصلون على التأمين من خلال صناديق عامة أو خاصة أو مشتركة – مثل تعاونية موظفي الدولة التي تغطي موظفي القطاع العام، وصندوق قوى الأمن الذي يغطي الجيش وسائر الأجهزة الأمنية، وصناديق التعاضد المخصصة للقضاة، والبرلمانيين، وأساتذة الجامعة اللبنانية وغيرهم – إضافةً إلى التأمين الخاص.

ويعود المستوى المتدنّي من تغطية الضمان الاجتماعي جزئياً إلى ضعف تطبيق القانون الذي يلزم أرباب العمل بتسجيل موظفيهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ووفقاً لآخر الإحصاءات الرسمية، تُسجَّل أعلى مستويات الالتزام في جبل لبنان (52.6 في للمئة) وبيروت (51.2 في المئة)، لكن كلما ابتعدنا عن العاصمة، كلما تراجع تطبيق القوانين التي ينص عليها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. على سبيل المثال، بين محافظات لبنان، تسجّل عكار أدنى نسبة من السكان المسجلين في الضمان الاجتماعي (26.7 في المئة)، تليها محافظة بعلبك-الهرمل (28.4 في المئة). أما الذين ليس لديهم أي تغطية صحية فتتكفّل وزارة الصحة العامة بتغطيتهم كملاذ أخير. وتشمل تغطية الوزارة تأمين تكاليف الاستشفاء وتوفير

خدمات صحية أولية من خلال شبكة مؤلفة من 238 مركزاً للرعاية الصحية في أرجاء لبنان كافة. وقد ألقت جائحة كورونا عبءاً إضافياً على نظام الرعاية الصحية، ولاسيما على موارد وزارة الصحة، ما سيؤثّر بشكل سلبي على قدرتها على خدمة الأعداد الكبيرة من الأشخاص المحرومين من التأمين الصحي.

في المحصلة، يقتضي الطلب المُلح على الخدمات العامة إجراء المزيد من الاستثمارات في كل هذه القطاعات من أجل تلبية الحاجات المتنامية. لكن، نظراً إلى حجم الدين العام، تتّجه الحكومة نحو احتواء أكبر للنفقات المالية – بما في ذلك اتّخاذ إجراءات تقشفية تهدف إلى تقليص حجم الاقتراض. وتهدف الحكومة من خلال سياساتها المالية إلى تخفيض قيمة الدين العام، الذي تجاوز 140 مليار ليرة (أي أكثر من 92 مليار دولار) في حزيران/يونيو 2020- وفقاً لسعر الصرف الرسمي وهو 1500 ليرة للدولار الواحد. وفي ظل غياب خطة لإعادة هيكلة الدين، يُعدّ خفض العجز المالي والعمل تدريجياً على توليد فائض مالي أولي هو السبيل الوحيد لتقليص حجم الدين. غير أن هذا الأمر يتطلّب زيادة الإيرادات العامة أو خفض النفقات أو الاثنين معاً. لكن اليوم، ليس لدى الحكومة سوى قدرة محدودة على زيادة الإيرادات، وهو وضع تفاقم بسبب تراجع الطلب وقرار الحكومة السماح بتأجيل استيفاء الضرائب المتوجبة سعياً للتخفيف من الأعباء المتزايدة على القطاعات الاقتصادية التي تعاني من الأزمة، إضافةً إلى اللجوء إلى الإقفال الإلزامي لاحتواء فيروس كورونا. لكن، من جهة أخرى، قد تؤدي محاولة احتواء الإنفاق إلى خفض النفقات المرتبطة بالبرامج الاجتماعية، والتحويلات إلى الأسر، والأجور والرواتب، والذي يُعدّ أمراً غير ممكن بالنظر إلى الطبيعة المتشابكة والمتشعّبة للأزمات التي تضرب لبنان حالياً، والتي تولّد حاجة إلى المزيد من هذه النفقات وليس العكس.

تواجه الحكومة اللبنانية معضلة كبيرة ومعقدة لجهة رسم السياسات العامة. فالطلب على الخدمات العامة، مثل الرعاية الصحية والتعليم، آخذٌ في الارتفاع نتيجة الأزمات الاقتصادية والمالية وفيروس كورونا، وتأثيراتها على المداخيل ومفاقمة التفاوتات بين المناطق. لذا، يتعيّن على الحكومة العمل على تلبية هذه الحاجات المتزايدة، خصوصاً في المناطق الأكثر حرماناً. غير أن هدف الحكومة المالي المتمثل في تقليص الدين يتطلّب خفض الإنفاق العام للحد من العجز وتوليد فائض مالي أولي. أمام هذه المعضلة، ليس أمام الحكومة مروحة واسعة من الخيارات، فيما هي تتخبّط من أجل تحقيق أهداف السياسات العامة الملحّة والمتناقضة، وسط آفاق تُنبئ بأن اللااستقرار الاجتماعي سيزداد حدة.

ما التدابير التي قد تساهم في تخفيف التفاوتات المناطقية؟

في ضوء الوضع المتأزم، تستطيع الحكومة اللجوء إلى عدد من آليات إعادة التوزيع لتقليص التفاوتات المناطقية. ويبقى تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية أداة مهمة في السياسات المتبعة لمعالجة الأسباب الجذرية للامساواة الاجتماعية. وقد وصف رئيس البنك الدولي الحماية الاجتماعية بأنها "وسيلة للحد من الفقر، وتحقيق مستوى أكبر من المساواة بين الجنسين، وخفض التفاوتات الاقتصادية، وتشجيع الوظائف الجيدة". وهذا يعني الحصول على الخدمات، كالرعاية الصحية والتعليم، وتوفير الحماية لجميع الفئات العمرية. وتنطوي الركائز الأساسية لمثل هذا النظام على المساعدة الاجتماعية والبرامج التي لا تعتمد على الاشتراكات، ونظم المعاشات التقاعدية القائم على الاشتراكات، وإعانات البطالة والإعاقة، والسياسات الفعّالة لسوق العمل من أجل تحسين قابلية التوظيف وتوفير المعلومات حول سوق العمل. هذه هي السياسات والبرامج الرئيسة التي تستخدمها الدول على نطاق واسع خلال فترات الركود والانكماش الاقتصاديين، والتي تخفف من حدّة تأثير التدابير التقشّفية على الفئات الضعيفة والمهمشة، كما أنها تستجيب بشكل فعال للأزمات التي يتسبّب بها الإنسان أو الكوارث الطبيعية.

غير أن لبنان لم يتمكن من  تطوير مثل هذه البرامج والسياسات على نحو جيد، ولايزال أمامه طريق طويل وشاقّ قبل التمكّن من وضع نظام حماية اجتماعية عادل وشفاف ويستجيب لتبعات الأزمات. فعلى سبيل المثال، تُعتبر تغطية نظام المعاشات التقاعدية محدودة- وهو أحد أبرز ركائن الحماية الاجتماعية- إذ إنه يغطي موظفي القطاع العام حصراً، الذين يمثّلون أقل من 15 في المئة من القوى العاملة. في المقابل، لا يوجد أي نظام للمعاشات التقاعدية يغطي كبار السن من موظفي القطاع الخاص. إضافةً إلى ذلك، لا يوجد في لبنان نظام يقدّم إعانات بطالة خلال فترات الركود الاقتصادي في لبنان.

وتتمثّل إحدى خيارات توزيع الدخل، التي أثبتت مدى فعاليتها في معالجة نقاط الضعف والحدّ من التفاوتات، في تقديم المساعدة النقدية أو العينية إلى من يحتاجها. وتُعتبر التحويلات النقدية فعّالة عادةً، بحيث تعطي الشخص أو الأسرة حرية الحصول على ما يحتاج إليه مع تجنّب حصول اختلالات السوق. في هذا السياق، أنشأ لبنان البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً، الذي لا يُستغل بالقدر الكافي راهناً، على الرغم من الاستثمارات الضخمة والجهود التي بُذلت لتأسيسه وتشغيله. قد يكون تطبيق هذا النظام بمثابة نقطة الانطلاق للوصول إلى الفقراء والمستضعفين، وعلى وجه الخصوص في أكثر المناطق حرماناً. مع ذلك، يحتاج هذا النظام إلى مزيد من التعزيز لتحسين التغطية، وتطوير رزم المساعدة المناسبة، والاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات الناس خلال الأزمات. من هذا المنطلق، تُعتبر المساعدة النقدية المشروطة فرصة لترشيد خطط الدعم الموجودة، التي لا تستهدف بشكل جيد الفئات المطلوبة وتحمّل الدولة أعباء مالية ونقدية كبيرة. ويتولّى مصرف لبنان راهناً أحد أكبر برامج الدعم، والذي يهدف إلى دعم استيراد السلع الأساسية ، غير أنه يُعتبر غير مستدام، إذ إنه يشكّل استنزافاً كبيراً لاحتياطيات المصرف من العملات الأجنبية.

ويمكن أن تشمل هذه الخيارات الأخرى تعزيز برامج الأشغال العامة والبنى التحتية التي تتطلّب عدداً كبيراً من العمّال في المناطق الفقيرة. ويمكن أن يتم تحقيق أهداف عدة من خلال هذه البرامج: تحسين البنية التحتية والخدمات في تلك المناطق من جهة، واستحداث فرص عمل، الأمر الذي يمكّن العمّال من الحفاظ على سبل عيشهم وتحسين مهاراتهم في الوقت نفسه من جهة أخرى.

أخيراً، يمكن للحكومة الاستفادة بشكل أفضل من البلديات، إذ إنها تُعتبر وسيلة فعّالة لتحسين الحوكمة المحلية والاستثمار والاستجابة لاحتياجات وأولويات التنمية المحلية. ومن المرجح أن تتسبب الأزمات الاقتصادية والمالية بتعريض الاستدامة المالية للبلديات للخطر، والتي فاقمتها الإجراءات المتخذة لاحتواء فيروس كورونا. وسيؤدي الوضع الاقتصادي والمالي المتردّي إلى معدلات جباية أقل للضرائب والرسوم، ما سينعكس سلباً على حصة البلديات من هذه الأموال، التي ستنخفض بدورها. وبالتالي، يتعيّن على هذه الأخيرة، استجابةً لانخفاض تحصيل العائدات، اللجوء بشكل أكبر إلى التخطيط وإلى إنفاق مواردها المحدودة بشكل أكثر فعالية، وتخصيص هذه الموارد لتلبية الحاجات والأولويات الملحة. وفي ظل غياب اللامركزية الإدارية، يُعتبر التخطيط على المستوى المحلي خطوة أساسية تعزز من إمكانية التخطيط الملائم على مستوى الحكومة المركزية، والذي يأخذ في الحسبان احتياجات المناطق الطرفية، حيث أن الحكومات المحلية هي في وضع أفضل يمكّنها من تحديد حاجات المناطق وإبراز نقاط ضعفها وقوتها.

تُضعف التفاوتات المناطقية الترابط بين الأطراف والمركز، وتعمّق الانقسام الأفقي بين المواطنين والانقسام العمودي بينهم وبين حكومتهم. وإذا ما سُمح لهذه التفاوتات بالتوسّع أكثر، فقد تتحوّل إلى قنبلة موقوتة تهدّد الاستقرار والأمن والتماسك الاجتماعي. إذاً، ليست معالجة هذه التفاوتات مجرد مسألة تنمية متوازنة وحسب، بل هي تتعلّق أساساً بتكوين مجتمع موحّد يتمتّع فيه المواطنون بفرص متكافئة، ما يمكّنهم من التماسك أمام الأزمات والصدمات.

هذه المادة مرخّصة بموجب أحكام وشروط رخصة المشاع الإبداعي العمومية (نَسْبُ الـمُصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية).