بعد مرور مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير، يتعيّن على البلاد إعادة النظر في نموذجها الاقتصادي في خضم الأزمة الاقتصادية الحادّة التي تشهدها بالتزامن مع تداعيات الاضطرابات الإقليمية. واقع الحال أن لبنان يكاد ينزلق إلى عداد الدول الفاشلة العاجزة عن تزويد مواطنيها بالمواد الغذائية وبالخدمات الأساسية، نتيجةً لانهيار النظام المالي والمصرفي، فيما تقع البلاد رهينة طبقة سياسية فاسدة تفتقر إلى الكفاءة. إذاً، وسط هذه البيئة المحمومة، لا بدّ من إعادة النظر في دور القطاع الزراعي من أجل بناء نموذج اقتصادي مستدام من شأنه الحد من التفاوتات بين المناطق وضمان الأمن الغذائي.

الزراعة في لبنان: بدءاً من تأسيس الدولة ووصولاً إلى الأزمة الراهنة

لطالما أثّرت الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مسار تنمية القطاع الزراعي في لبنان. ففي أعقاب المجاعة الكبرى التي ضربت جبل لبنان بين العامَين 1915-1918، كانت متطلّبات تأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي والحؤول دون تكرار سيناريو المجاعة دافعاً أساسياً لإنشاء دولة لبنان الكبير، من خلال ضم مناطق غنية بالأراضي الزراعية هي البقاع وعكار والجنوب. لكن خطط تنمية القطاع الريفي والزراعي سرعان ما واجهت جملةً من التحديات السياسية، وبالتالي فشل الانتداب الفرنسي (1923-1943) في تعزيز الاقتصاد الريفي وتقليص التفاوتات بين المناطق، وتخلّى عن خططه الرامية إلى تحقيق التنمية الريفية، من أجل كسب تأييد الوجهاء الريفيين.

كنج حمادة
كنج حمادة خبير اقتصادي متخصّص في التنمية وناشط سياسي في لبنان.

في الفترة ما بين 1943 و1958، خاض لبنان مرحلة التحوّل إلى نموذج بات معروفاً بـ"الجمهورية التجارية"، وشهد خلالها تدفّقاً لرأس المال الإقليمي وللّاجئين الفلسطينيين الذين شكّلوا يداً عاملة رخيصة، وعزّزت الطفرة النفطية فرص التبادل التجاري مع دول الخليج. ولم تسعَ الدولة فعلياً في تلك الحقبة إلى الاستفادة من النمو الاقتصادي من أجل تطوير القطاع الزراعي. ففي أرجاء البلاد كافة، وخصوصاً في محيط مخيمات اللاجئين الفلسطينيين قرب الساحل وفي سهل البقاع، انحسرت زراعة الأصناف المحلية التقليدية لتحلّ محلها زراعة الفواكه المعدّة للتصدير وحفنة من شركات الصناعات الزراعية الكبرى. إذاً، بات الإنتاج الغذائي موجّه نحو التصدير الإقليمي، ما أحدث تحوّلات جذرية في الديناميكيات الاجتماعية.

ففي بلدة عرسال الواقعة في البقاع الشمالي مثلاً، أحدث تبدّل أنماط الإنتاج من الزراعة الرعوية إلى زراعة أصناف معدّة للتصدير مثل الكرز والمشمش، تغييرات جذرية في الديناميكيات الجنسانية والاجتماعية على السواء. فتراجع دور المرأة تدريجياً بعد أن كانت عنصراً أساسياً في دورة الإنتاج الزراعي، فيما ضعُف التعاون من أجل إدارة موارد الأراضي بشكل مستدام، والتي تُعتبر من سمات النظم الزراعية الرعوية التقليدية.

في هذا السياق، شكّلت الإصلاحات التي أُجريت في عهد الرئيس فؤاد شهاب في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات محاولة فريدة من أجل وضع سياسات خاصة بالقطاع الزراعي والريفي ومعالجة التفاوتات القائمة. لكن الإصلاحات الشهابية لم تغيّر النظام القائم. وفشلت الأنماط الزراعية الموجهة نحو التصدير والاستثمارات ذات الارتباطات السياسية في الصناعات الزراعية، في تحفيز النمو الاقتصادي المحلي، بالتزامن مع حدوث طفرة سكانية تُعزى إلى تحسين نوعية الرعاية الصحية وانخفاض معدّل وفيات الرضّع. وقد أدّى غياب الفرص الاقتصادية في الأرياف إلى تزايد موجات النزوح إلى بيروت وتنامي أحزمة البؤس حول العاصمة، ما أجّج جذوة النزاع الاجتماعي وأسهم لاحقاً في إشعال الحرب الأهلية في العام 1975.

خرج لبنان من الحرب في العام 1990 يعاني من انقسامات على أسس سياسية ومناطقية. ولم تملك الدولة أي رؤية سياسية للنهوض بالقطاع الزراعي الذي بات يعتمد على دور المانحين الدوليين والأفرقاء المحليين غير الدولتيين في صوغ سياسات ترمي إلى إنماء المناطق. انطبق ذلك خصوصاً على التنمية الريفية في معظم المناطق ذات الغالبية الدرزية، فضلاً عن بلدة بشري في شمال لبنان، وبلدة دير الأحمر في البقاع الشمالي، والمناطق الخاضعة إلى نفوذ الحزبين الشيعيين الأساسيين حزب الله وحركة أمل.

يواجه لبنان منذ العام 2011 صدمتين قوّضتا قدرته على توفير الأمن الغذائي لسكانه، وهما الأزمة السورية التي اندلعت في مطلع العام 2011، والأزمة المالية في أواخر العام 2019. فقد تسبّبت الحرب في سورية بنزوح حوالى 1.5 مليون لاجئ سوري إلى لبنان، ما أدّى إلى ارتفاع الطلب على المواد الغذائية. ومع أن هذا الطلب شكّل عبئاً على البلاد، كان له أيضاً تأثير ايجابي، إذ ارتفعت القيمة الحقيقية للإنتاج الزراعي بنسبة 10 في المئة مقارنةً مع مستويات ما قبل الأزمة. واستجابةً لهذا الطلب المتزايد على المواد الغذائية، لجأ السكان إلى الاستثمار في الزراعة، وبخاصة في الخيم الزراعية والخضار على أنواعها والبطاطا. وقد أظهرت صور التقطتها الأقمار الاصطناعية لساحل عكار والبقاع الشمالي اتّساع المساحات الزراعية بعد العام 2011.1 وقد أتاح هذا الاستثمار المحلي فرصاً مدرّة للمداخيل للبنانيين ولعدد كبير من اللاجئين السوريين العاملين في القطاع الزراعي. وعلى الرغم من غياب الدعم السياسي، استطاع القطاع الزراعي اللبناني التأقلم بسرعة في وجه التهديدات المحدقة بالأمن الغذائي، وإرساء الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز قدرة المناطق الريفية على الصمود.

لكن الأزمة المالية وانهيار قيمة الليرة وضعا الأمن الغذائي للفئات الضعيفة من اللبنانيين واللاجئين في دائرة الخطر. فبين تشرين الأول/أكتوبر 2019 وتشرين الأول/أكتوبر 2020، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 240 في المئة، وازدادت أسعار المواد الغذائية بنسبة كبيرة بلغت 367 في المئة. في هذا السياق، كشفت بيانات تمّ جمعها من متاجر البقالة (السوبرماركت) في بيروت عن تراجع أحجام مبيعات المنتجات الغذائية الفاخرة، من الأغذية الصحية والحلويات المستوردة وتحضيرات الطهي المرافقة للوجبات وغيرها، بنسبة 56 في المئة، فيما زادت مبيعات المواد الغذائية الأساسية كالحبوب والمعكرونة والسكر والأرز بنسبة 105 في المئة.2

وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، حافظ متوسط استهلاك سلة من المنتجات الطازجة في العام 2020، بما فيها البطاطا والبندورة والخيار، على استقراره بشكل ملحوظ مقارنةً مع العامين 2018 و2019.3 بيد أن هذا الاستقرار قد لا يصمد في وجه انهيار الإنتاج المحلي، وهو لا يعبّر سوى عن قدرة الطبقة المتوسطة الحضرية على مواجهة الأزمة مالياً. ولغاية الآن، لم تتوافر بيانات حول أنماط الاستهلاك لدى الفئات الضعيفة من السكان. من جهته، قدّر البنك الدولي أن مستويات الفقر والفقر المدقع في أوساط الأسر اللبنانية خلال العام 2020 قد بلغت مستويات مرتفعة وصلت إلى 45 و22 في المئة على التوالي. بدورها، أشار تقرير "تقييمات جوانب الضعف" الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن حوالى 37 في المئة من أسر اللاجئين السوريين تعاني من انعدام الأمن الغذائي. بعبارة أخرى، يُرجّح أن ربع الأسر اللبنانية تقريباً (تلك التي تعاني من الفقر المدقع) وأربع من كل عشر أسر سورية تقلّل عدد وجباتها اليومية تمن ثلاث وجبات إلى وجبتين.

لم تؤثّر الأزمة المالية على الأمن الغذائي من حيث ارتفاع الأسعار فحسب، بل باتت لكنه تهدّد قدرة لبنان على إنتاج المواد الغذائية. يمارس مورّدو المستلزمات الزراعية منذ تسعينيات القرن المنصرم الضغوط من أجل التوصل إلى نموذج إنتاجي يعتمد بشكل كبير على استيراد البذور والشتول والأسمدة والمبيدات وأنظمة الري. وحتى وقت ليس ببعيد، استمرت الأمور على هذا النحو بفضل سياسة مصرف لبنان بتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وسياسة القطاع المصرفي التي تفسح المجال أمام موردي المستلزمات الزراعية في الحصول على تسهيلات ائتمانية، ليقوم هؤلاء بدورهم بتسليف المزارعين. لكن هذا النظام انهار الآن، مهدّداً قدرة لبنان على الإنتاج الزراعي.

فعلى سبيل المثال، ارتفعت كلفة إنتاج الخضار في العام 2020 بنسبة تقدّر بنحو 40 في المئة منذ العام 2019، عند احتسابها بالليرة اللبنانية.4 في المقابل، ازدادت تكاليف الاستثمارات الجديدة، كأنظمة الري الجديدة أو المعدات الضرورية للخيم الزراعية، بنسبة 80 في المئة، إذ بات المزارعون مضطرين لشراء ما يحتاجون إليه وفقاً لمتوسط سعر صرف يوازي 2000 ليرة لبنانية للدولار الواحد أواخر العام 2019، وحوالى 3500 ليرة للدولار الواحد في ربيع العام 2020، مقارنةً مع السعر الرسمي البالغ 1500 ليرة للدولار الواحد قبل اندلاع الأزمة. عموماً، أشار موردو المستلزمات الزراعية ومقاولو الخدمات الزراعية إلى انخفاض في المبيعات يبلغ متوسطه 40 في المئة، ما يعكس اعتماد المزارعين استراتيجيات ترمي إلى خفض التكاليف، شملت إلغاء الاستثمارات المخطط لها مسبقاً، أو تقليص المساحات المزروعة، أو زيادة المساحات المخصصة للمحاصيل الأقل كلفة كالقمح، والاعتماد على البذور المحلية أو تلك المهرّبة من سورية، واستخدام الري الإنسيابي، الذي لا يتطلب شبكات ري بلاستيكية مستوردة، بدلاً من الري بالتنقيط، فضلاً عن الحدّ من استخدام الأسمدة ومواد أخرى لحماية النباتات.

في المجمل، تمكّنَ القطاع الزراعي من تحمّل التأثير الأوّلي للأزمة المالية لأن ارتفاع الأسعار عوّضَ جزئياً عن زيادة التكاليف الإنتاجية في القطاع. ولكنْ ثمة خطر كبير بحدوث انهيار في الإنتاج في موسم 2021، نظراً إلى تراجع سعر صرف الليرة إلى مستويات وصلت إلى 8000 ليرة للدولار الواحد، ما يؤدّي، وفقاً للتقديرات، إلى زيادة كلٍّ من التكاليف التشغيلية بنسبة 175 في المئة، وتكاليف الاستثمارات الجديدة في قطاع الخضار حتى 350 في المئة.5 وفي ظل هذه الضغوط، قد لا يتمكّن عدد كبير من المزارعين من الحفاظ على مستوياتهم الإنتاجية، ما يُفقِد أعداداً كبيرة من اللبنانيين واللاجئين السوريين فرصاً لكسب المداخيل. إضافةً إلى ذلك، ستؤدّي زيادة أسعار المستلزمات الزراعية إلى انتشار واسع للزراعة الموجَّهة نحو التصدير، فيما تحتاج البلاد بصورة خاصة إلى حيازات صغيرة ومستدامة، ترتبط في ما بينها بواسطة تعاونيات، وتُنتج المواد الغذائية للأسواق المحلية.

العوائق أمام التنمية الزراعية

لقد كانت استجابة الحكومة اللبنانية للأوضاع في القطاع الزراعي محدودة، بل صدرت المواقف بصورة خاصة عن أفرقاء غير دولتيين، مثل المجتمع المدني وحزب الله الذي دعا إلى "جهاد زراعي وصناعي". فقد دأب الفريقان على تمجيد الزراعة والعودة إلى الأرض في فترة الإغلاق التي فرضها انتشار فيروس كورونا. يسعى حزب الله إلى تجديد ارتباطه مع قاعدته الشعبية من خلال استخدام موارد البلديات والتعويل على الخبرات التي اكتسبتها مؤسسة جهاد البناء التابعة له في مجالَي التنمية الريفية والدعم المجتمعي. ولكن المبادرات التي أطلقها الحزب والمجتمع المدني لم تحقق إنجازات تُذكر حتى الآن، في ظل تفاقم المشاكل المالية والسياسية التي تعانيها البلاد.

إلى جانب الترويج لشكل من أشكال الاكتفاء الذاتي الزراعي، ركّزت الحكومة على مجموعتَين من الخطوات. تهدف المجموعة الأولى إلى دعم قدرة المزارعين على الحفاظ على الإنتاج والاستثمار في الزراعة، بما في ذلك من خلال إنتاج المستلزمات الزراعية محلياً. وتسعى المجموعة الثانية من الخطوات إلى معالجة المسائل البنيوية والسياساتية الأساسية التي تقف عائقاً أمام قدرة القطاع الزراعي على النمو والتوسّع بصورة مستدامة.

تُعتبر أبرز العوامل التي تعرقل تطوير القطاع الزراعي متجذّرة بعمق في النظام اللبناني الجائر والزبائني، حيث يسيطر عدد صغير من الأشخاص النافذين على الموارد والفرص. يُشار إلى أن هذه العوامل سياسية اجتماعية بصورة أساسية، وارتباطها بالبنى التحتية الزراعية والمسائل التقنية هو مجرد ارتباط ثانوي. نورد في ما يلي ستة عوائق أساسية:

  1. الطبيعة غير النظامية للعمل الزراعي: يُقدَّر أن نحو 90 في المئة من اللبنانيين، وتقريباً جميع السوريين، الذين يعملون في الزراعة، يزاولون أعمالهم بطريقة غير نظامية. فاليد العاملة الزراعية غير منظَّمة، إذ ما من تعريف قانوني لمهنة "المُزارع"، ولا لعبارة "الاستثمار الزراعي" كعمل تجاري. ونظراً إلى غياب التعريفات للوضعَين القانوني والتجاري، يفتقر العمّال الزراعيون إلى أشكال الحماية الاجتماعية، مثل التغطية الصحية أو المعاشات التقاعدية.
  2. تنظيم الأراضي والوصول إليها: تسيطر نسبة عشرة في المئة من مالكي الأراضي على ثلثَي الأراضي الزراعية، وعند التدقيق في ملكية الأراضي، يتبيّن بوضوح أنها تعود لشخصيات سياسية نافذة. تُقسَم الحيازات الزراعية إلى (1) حفنة قليلة من العقارات الكبيرة التي تستفيد من التسهيلات الائتمانية وتحصل على المستلزمات الزراعية، وهي مدمجة بالكامل في الأنشطة التجارية والصناعية، و(2) مجموعة كبيرة من الأراضي الزراعية المجزّأة والصغيرة في معظم الأحيان، التي تعاني من نقص الرسملة وتُدار بطريقة غير مستدامة. يُضاف إلى ذلك أن عدداً كبيراً من العمّال الزراعيين اللبنانيين، وجميع العمّال الزراعيين السوريين، لا يملكون أراضٍ. فهم إما يعملون لدى مالكي الأراضي حيث يتولون الإشراف على بساتين كبيرة ومتوسطة الحجم، وإما يستأجرون الأراضي لزراعة محاصيل موسمية أو إنشاء الخيم الزراعية. يؤدي هذا الخلل في ملكية الأراضي إلى تدنّي الإنتاجية وتدهور الأراضي، لأنه يشجّع الممارسات غير المستدامة مثل الاستعمال المفرط للمستلزمات الزراعية، ما يسفر عن تلوّث التربة والمياه. كذلك، تتسبب قوانين الميراث التي تسهّل تجزئة الأراضي الزراعية بتعطيل الجهود الرامية إلى تحقيق وفورات الحجم.
  3. الحصول على التمويل: لا يستطيع المزارعون الحصول على القروض لتمويل استثماراتهم أو تكاليفهم التشغيلية. وقد ساهم مورّدو المستلزمات الزراعية، الذين كانوا المصدر الأساسي للاقتراض قبل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان، في تكثيف الاستخدام غير المستدام للمستلزمات الزراعية. إذاً، ثمة ثغرة كبيرة بين القروض التي تؤمّنها المؤسسات المالية وبين حاجات المزارعين، ناهيك عن غياب الثقة والتفاهم المتبادلَين. فأكثرية المؤسسات المالية اللبنانية لا تُبدي حماسة لإقراض المزارعين الصغار، ولا يُظهر سوى عدد قليل جدّاً منها اهتماماً واستعداداً لتخصيص موارد للقطاع الزراعي. ومن جهة أخرى، يتردد المزارعون في التوجّه إلى المصارف طلباً للقروض، ويفضّلون الحصول على قروض غير نظامية من خلال علاقاتهم الاجتماعية الخاصة ومورّدي المستلزمات الزراعية.
  4. الحصول على خدمات ما بعد القطاف: لا يستفيد المزارعون من خدمات ما بعد القطاف، بما في ذلك فرز محاصيلهم، وتصنيفها، وتخزينها في البرّادات، وغيرها. والسبب هو أن هذه الخدمات غالباً ما تكون تحت سيطرة مشغّلين يجمعون بين الزراعة والتجارة، ولا سيما في ما يتعلق بالصادرات اللبنانية الأساسية مثل التفاح والبطاطا والحمضيات. يؤدّي احتكار التجّار والمزارعين الكبار لخدمات ما بعد القطاف إلى استحواذهم على الجزء الأكبر من القيمة المضافة التي يمكن أن يحصل عليها المزارعون من محاصيلهم، وذلك عبر إرغامهم على بيعها بأسعار متدنّية خلال فترة القطاف حين يكون هناك فائض في العرض. يُضاف إلى ذلك أن هيكليات ما بعد القطاف، بما في ذلك أسواق الجملة، تُدار بطريقة سيئة. تشير التقديرات إلى أن سوء تداول المحاصيل بعد القطاف، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى البرّادات، يتسبببخسارة ما لا يقل عن 15 في المئة من مجموع الإنتاج الزراعي.6
  5. إدارة الأسواق المحلية: لا يزال بيع المنتجات الزراعية عن طريق وسطاء ينوبون عن المزارع من أكثر الممارسات شيوعاً في مجال بيع المحاصيل، مع أنه يقلّص هوامش ربح المزارعين وقدرتهم على المساومة. وبما أن المزارعين وجمعياتهم غير قادرين على تأمين الكمية المناسبة للسوق، يقوم الوسطاء بتجميع المحاصيل الزراعية وتوزيعها. يؤثّر غياب المعلومات الشفّافة عن أسعار الجملة، وكذلك تدنّي مستوى البنى التحتية، وصعوبة النقل، والميل إلى تجنّب المخاطر، في قرارات المزارعين فيضطرون إلى بيع محاصيلهم من خلال الوسطاء. وبصورة أساسية، تعيق الإدارة غير المناسبة لأسواق الجملة حاجزاً أمام تطوير سلاسل القيمة الزراعية المحلية وتحسينها.
  6. ضعف قطاع التعاونيات: يجب على الأفرقاء المنخرطين في سلاسل القيمة الزراعية في لبنان تغيير تصوّرهم ومفهومهم عن دور المزارعين والجمعيات التعاونية ورسالتهما. غالباً ما يُنظَر إلى التعاونيات بأنها امتداد محلي لإدارة الدولة أو لمنظمات إنمائية غير حكومية، بدلاً من مؤسسات اقتصادية تنتمي إلى القطاع الخاص وتُقدِّم نموذجاً للإدارة وتوزيع المداخيل أكثر ديمقراطيةً وإنصافاً على الصعيد الاجتماعي. ففي الواقع، تستخدم الأحزاب السياسية اللبنانية الجمعيات التعاونية للتحكّم بالمزارعين وبالمنتجين في الأرياف، ولتطبيق سياسات للتنمية الريفية مفروضة بحكم الأمر الواقع. كذلك، تعيق الإدارة العامة في لبنان نمو القطاع من خلال تفسير القوانين بطريقة عفا عليها الزمن، ما يحدّ من إنشاء التعاونيات وتطويرها.

نشرت وزارة الزراعة في أيلول/سبتمبر 2020 استراتيجيتها الوطنية لفترة 2020-2025 التي تطرّقت فيها للمرة الأولى إلى مسائل استراتيجية بروحية تحليلية معمّقة مقارنةً مع جهودها السابقة. تتمحور هذه الاستراتيجية حول خمس ركائز، تضمنت للمرة الأولى مسألة الأمن الغذائي. أما الركائز الأخرى فتقوم على إجراء تحسينات تقنية لزيادة الإنتاجية في القطاع الزراعي والصناعات الزراعية، ورفع مستوى تنافسية سلاسل القيمة في مجال الأغذية الزراعية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الإمكانات المؤسسية.

ولكن الحكومة اللبنانية تميل عادةً إلى وضع استراتيجيات موجَّهة نحو المانحين، إذ تُقدّم لهم مجموعة خيارات للتدخل كي يختاروا منها ويطبّقوا ما يرونه مناسباً. لذلك، فشلت معظم استراتيجيات الوزارة في معالجة المسائل السياسية والقانونية الأساسية لأن المانحين وصنّاع السياسات يتردّدون، لأسباب مختلفة، في إجراء إصلاحات قانونية وبنيوية طويلة الأمد. وقد حال ذلك دون تحقيق التنمية الريفية، وبالتالي دون تحسين أوضاع المزارعين وعمّال الأراضي الزراعية ورفاههم.

مسارات الإصلاح المحتملة

يحتاج القطاع الزراعي في لبنان إلى إصلاحات تشريعية ومؤسسية عميقة. لذا، لا بدّ من تغيير قواعد اللعبة في القطاع بشكلٍ جذري، يحاكي ما حدث في أعقاب الإصلاحات الشهابية التي قادت إلى الإطار المؤسسي الحالي للقطاع الزراعي.

يُعدّ إقرار قانون يُنظّم الأعمال المتّصلة بالزراعة وتربية الماشية، وينظّم اليد العاملة في القطاع الزراعي من أبرز الإصلاحات التي يمكن أن تُحدِث تحوّلاً في القطاع الزراعي. فمن شأن هذا القانون أن يسهّل إنشاء الشركات ويضمن حقوق المزارعين الصغار في قطاعٍ يُعتبر فيه حجم الأعمال من العوامل الأساسية لتحديد إمكانات المساومة الاقتصادية. ويجب أن ينظّم القانون أيضاً العمل الزراعي ويفرض تطبيق معايير العمل اللائق للبنانيين وغير اللبنانيين على السواء. وينبغي أن يترافق تنظيم القطاع الزراعي مع وضع خطط للرعاية الصحية والتقاعد.

يكمن الإجراء الثاني في إصلاح قوانين حيازة الأراضي والميراث، ما قد يُحدث تحوّلاً إضافياً في القطاع الزراعي. يجب أن ينص القانون على تنظيمات واضحة وعادلة لاستخدام الأراضي وأن يفرض تطبيقها. ويجب أن يمنع كذلك تقسيم الأراضي إلى أجزاء مساحتها أقل من عتبة معيّنة. فضلاً عن ذلك، ينبغي أن ينظّم القانون عقود تأجير الأراضي، بما يُجيز ممارسات مستدامة في إدارة الأراضي ويفرض تطبيقها.

أما الإجراء الثالث فهو توسيع القانون المتعلق بالتعاونيات بهدف تعزيز التضامن وإنشاء الشركات ذات التوجّه الاجتماعي. يجب إصلاح القانون بما يسهم في تسهيل إنشاء التعاونيات؛ وتحديد معايير وقواعد تمويل التعاونيات وتنظيم حساباتها المالية؛ وحذف البنود الواردة في القانون السابق والتي تقوّض استقلالية التعاونيات وقدرتها على النمو.

ويتمثّل الإجراء الرابع في تطبيق إصلاحات بنيوية تقوم على فرض تنفيذ قوانين وتنظيمات السوق التنافسية بما يؤدّي إلى إلغاء الكارتيلات في القطاع الزراعي، وتحسين إدارة أسواق الجملة وخدمات ما بعد القطاف. فلا يزال إنشاء أسواق للبيع بالجملة تتّسم بالفعالية والإنصاف مهمةً صعبة وحافلة بالتحديات، إذ يقتضي ذلك وضع قواعد واضحة، وتقديم معلومات شفّافة عن الأسعار، وتسعير السلع استناداً إلى تصنيفها بحسب مستوى الجودة، واعتماد ضوابط مطبَّقة كما يجب حفاظاً على صحّة النباتات. ولا بدّ من إدارة وزارية جريئة من أجل تطبيق هذه الإصلاحات البنيوية بنجاح، ولكن لسوء الحظ، ليست الوزارة جاهزة لاتخاذ خطوات مماثلة في الوضع الراهن.

خاتمة

لقد ألقى السياسيون، وكذلك منظمات المجتمع المدني والمبادرات الأهلية في بعض الحالات، المسؤولية على كاهل المواطنين اللبنانيين في تحقيق أمنهم الغذائي، فطلبوا منهم أن يزرعوا الأرض في جميع المساحات المتاحة والصالحة للزراعة. تُعتبر هذه الفكرة المثالية عن الاكتفاء الذاتي غير واقعية، وحتى غير مستحبّة، لا بل إنها تُعفي أيضاً السياسيين من أيّ نوع من المسؤولية أو المساءلة.

ليست الزراعة على الإطلاق حلاً سحرياً للأزمة الاقتصادية في لبنان، بل على النقيض من ذلك، يبدو القطاع الزراعي من بين القطاعات التي قد تتكبّد المعاناة الأكبر. فزيادة كلفة المستلزمات الزراعية ستعمّق الهوّة على نحوٍ مطّرد بين الحيازات الصغيرة والشركات الكبيرة الموجَّهة نحو التصدير، ما يُلقي بأعداد متزايدة من الأشخاص في شراك الفقر، ويفاقم على الأرجح عملية تراكم الأراضي. إذاً، يرتبط تحسّن القطاع الزراعي بإجراء إصلاحات تشريعية وبنيوية عميقة من شأنها إرساء توازن في توزيع القيمة المضافة بين المزارعين وغيرهم من الأفرقاء المنخرطين في سلاسل القيمة الزراعية. ما لم تُتَّخذ أي خطوات، قد تخسر البلاد قطاعاً شغّل جزءاً من اليد العاملة وساهم في ترسيخ دعائم السلم الأهلي، ما قد يشعل في نهاية المطاف إوار الاضطرابات والنزاعات.

هوامش

1 تتوافر عند الطلب صور الاستشعار عن بعد، التي تمّت مشاركتها بشكل خاص مع المؤلّف في إطار مشروع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

1 مقابلة أجراها المؤلّف، بالاشتراك مع المحلل الاقتصادي في المجال الزراعي فيليب غرونديه، مع مدير مبيعات في أحد المتاجر الكبرى التابعة لسلسلة متاجر عالمية في بيروت، لبنان.

3المصدر السابق.

4 حسابات قام بها المؤلّف استناداً إلى أبحاث ميدانية ومقابلات أجراها مع مزارعين.

5 المصدر نفسه.

6 يُرجّح أن سوء تداول المحاصيل بعد القطاف، بدءاً من الأرض الزراعية مروراً بالتخزين ووصولاً إلى السوق، تسببَ بخسائر أكبر بكثير من 15 في المئة. مقابلة أجراها الكاتب مع هالة شاهين، الخبيرة في تداول المحاصيل بعد القطاف في الجامعة اللبنانية، بيروت، 28 أيلول/سبتمبر 2020.

هذه المادة مرخّصة بموجب أحكام وشروط رخصة المشاع الإبداعي العمومية (نَسْبُ الـمُصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية).