المحتويات

في 20 كانون الثاني/يناير 2020 التقى عددٌ من زعماء العالم في ألمانيا وأعلنوا عن إطار الحوار الليبي الداخلي الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية الليبية الأخيرة بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والقوّات المسلّحة العربية الليبية التابعة للمشير خليفة حفتر من خلال توحيد القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية المتنافسة تحت إشراف المجلس الرئاسي المعاد تشكيله، بصفته القائد الأعلى للقّوات المسلّحة.

لكن الحرب الأهلية استؤنفت في آذار/مارس 2020 وانهارت المحادثات السياسية لتصل لاحقًا إلى طريق مسدود. إلا أن الفصائل المتخاصمة توصّلت إلى اتفاق وقف إطلاق نار دائم في تشرين الأول/أكتوبر 2020، تضمّن أيضًا إحياء هدف الوحدة العسكرية. والمفترض أن تخدم مؤسسة عسكرية موحّدة الحكومة المؤقتة التي شكّلها منتدي الحوار السياسي الليبي في 5 شباط/فبراير 2021، حتى إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في كانون الأول/ديسمبر 2021. يتيح وقف إطلاق النار فرصة قصيرة الأمد لإحلال السلام. لكن عملية التوحيد التي تقودها الأمم المتحدة والإطار المؤسساتي لما بعد النزاع سيحدد الطابع السياسي للدولة، وستتحدى العلاقات العسكرية المدنية الناتجة بشكل جدي التحول الديمقراطي في ليبيا.

تسوية سياسية

ستُحدد سمتان رئيستان لاتفاق التوحيد العسكري العلاقات العسكرية المدنية. أولًا، يمنح الاتفاق الشرعية المؤسساتية للقوّات المسلّحة العربية الليبية، التي اعتُبرت لسنوات المؤسسة العسكرية النظامية الوحيدة في البلاد. يعطي هذا الاتفاق الأفضلية للقوّات المسلّحة العربية الليبية منذ البداية، مع خطة لتصنيف الجماعات المسلّحة في جميع أنحاء ليبيا والتمييز بين القوّات النظامية التي يجب الحفاظ عليها والميليشيات التي ينبغي تفكيكها. ثانيًا، ستُختتم المحادثات السياسية باستبدال رئاسة حكومة الوفاق الوطني المكونة من تسعة أشخاص، بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج، بما يسمى بمجلس رئاسي مكون من ثلاثة أشخاص. يقاس الاختلال الوظيفي للرئاسة المكونة من تسعة رجال برفض المجلس الرئاسي منذ عام 2016 من قبل حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي يعتبر الداعم السياسي الرئيس والمخطّط للقوّات المسلّحة العربية الليبية.

أنس القماطي
أنس القماطي هو مؤسس ومدير عام معهد صادق في طرابلس.

تستند عملية التوحيد التي تقودها الأمم المتحدة إلى الاعتقاد بأن السلام الدائم يمكن تحقيقه من خلال تسوية بين حكومة الوفاق الوطني والقوّات المسلّحة العربية الليبية على أساس إضفاء الشرعية المؤسساتية على القوّة العسكرية التابعة لحفتر ومجلس رئاسي وسلطة تنفيذية معاد تشكيلهما حديثًا ، وإن كانا ضعيفين، لتوجيه البلاد نحو الانتخابات الوطنية. يمثل هذا الأمر إشكالية للعلاقات العسكرية المدنية لسببين. أولًا، بخلاف الشارة والزي العسكريين، فإن القوّات المسلّحة العربية الليبية ليست جيشًا غير نظامي فحسب، بل هي في الواقع جيشان غير نظاميين أحدهما يتمثل بمستوى أدنى مكون من شبكة تقليدية قَبلية مصمم للتحصين ضد الانقلابات والحفاظ على نظام استبدادي، والآخر يتمثل بمستوى أعلى مكون من حرس إمبراطوري مصمم لإبقاء الشبكة التقليدية القبلية تحت السيطرة والحفاظ على السلطة الاستبدادية لرئيسها. لا تتوافق الأسس التأسيسية للقوّات المسلّحة العربية الليبية مع الحكم الديمقراطي المدني.

ثانيًا، من خلال إعادة تشكيل المجلس الرئاسي والسلطة التنفيذية لإرضاء القوّات المسلّحة العربية الليبية، تخلق اتفاقية السلام سابقة خطيرة وتتحدى مبدأً أساسيًا في الدول الديمقراطية الحياد العسكري والخضوع للحكم المدني. إن الصورة على المدى القصير تبدو قاتمة. فمن خلال إضفاء الشرعية على القوّات المسلّحة العربية الليبية، ستواجه الحكومة الجديدة مقاومة كبيرة من قبل العديد من الجماعات المسلّحة والمجتمعات في ظل حكومة الوفاق الوطني، التي عانت من استنساخ للجيش في عهد الزعيم السابق معمر القذافي وأطاحت بهذا النظام خلال الثورة في عام 2011. ومن ثم فإن إعادة تشكيل المجلس الرئاسي يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تجدّد النزاع عندما يتم استبدال إعادة تشكيل المجلس الرئاسي المفضل للقوّات المسلّحة العربية الليبية من خلال انتخابات رئاسية ديمقراطية في نهاية عام 2021.

تاريخ قوّات مسلّحة من مستويين

بعد مرور ما يقرب من عقد من الزمن على سقوط القذافي، لا تزال المؤسسات الليبية في وضع صعب للغاية. ولا يمتلك أي من الفصيلين السياسيين المتنافسين قوّات عسكرية نظامية. لا تملك حكومة الوفاق الوطني جيشًا نظاميًا وقد تم إنقاذها إلى حد كبير من قبل الجماعات المسلّحة والميليشيات التي احتشدت من جميع أنحاء غرب ليبيا خوفًا من عودة الحكم الاستبدادي تحت قيادة القوّات المسلّحة العربية الليبية في 4 نيسان/أبريل 2019. في المقابل، غالبًا ما توصف القوّات المسلّحة العربية الليبية بأنها الجيش النظامي والوطني الوحيد في ليبيا، لكنها في الواقع إعادة تجسيد لجيش نظام الجماهيرية السابق، وهي قوّات مسلّحة من مستويين صممها القذافي للحفاظ على قبضته الاستبدادية على ليبيا لأكثر من أربعة عقود. يشار إلى المستويين من هذا النظام العسكري باسم جيش أبو بكر، على اسم وزير الدفاع السابق المقرب من القذافي أبو بكر يونس جابر، وجيش معمر الذي يتكون من كتائب النخبة التي خدمت مباشرة تحت قيادة القذافي.

جيش أبو بكر

خشي القذافي حدوث انقلاب في السنوات الأولى من حكمه فأضعف جيشه قبل أن يحوله إلى أداة للحفاظ على النظام. تم إضعاف جيش أبو بكر في البداية من خلال التآكل التدريجي لقوّاته الاحتياطية، والتفكيك الروتيني للوحدات العسكرية التي كان القذافي يخشى من إمكانية تآمرها ضده، وتفكيك نظام اتصالات هذا الجيش لمنعه من تنظيم انقلاب. مع ذلك أظهر الانقلاب العسكري الفاشل في عام 1993 أن جهود الإضعاف هذه لم تكن كافية، وسارع القذافي في عملية هندسة اجتماعية من أجل توليد ولاء قبلي وثقافة ريعية داخل الجيش والمجتمع ككل.

أسس القذافي اللجنة الشعبية الاشتراكية في عام 1994 وكلّفها بتشجيع الهوية والانتماء القبلي، لا سيما في الجيش، لخلق شعور بالاستثمار في استمرارية نظام القذافي والحفاظ عليه. قدّم نظام الرعاية القبلية هذا لأفراد القبائل امتيازات اجتماعية واقتصادية جديدة من خلال الفساد الاقتصادي. نشأت ثقافة الريعية في المجتمعات القبلية الأوسع، مدفوعة بالفساد الصغير والتوظيف في الحكومة من أجل توليد السلطة والامتيازات والحفاظ على النظام الحاكم. لم يكن جيش أبو بكر مصممًا لمحاربة عدو خارجي، بل كان نظام رعاية داخلي مصمم لإحباط أي محاولة محلية للإطاحة بحكم القذافي الاستبدادي من قبل المجتمع الأوسع.

جيش معمر

في المقابل، تم تشكيل جيش معمر وتدريبه لمكافحة التهديدات الخارجية بحيث يعمل كحرس إمبراطوري، وإبقاء التهديدات الداخلية وجيش أبو بكر تحت السيطرة. قاد الوحدات العسكرية في هذا الجيش مقربون من القذافي ولاحقًا أبناؤه، مثل كتيبة امحمد المقريف، بقيادة البراني اشكال، والكتيبة 32 تحت قيادة خميس القذافي. كانت سياسة القذافي ناجحة في تحقيق التوازن حتى أسقط الربيع العربي نظام الجماهيرية من خلال عملية انشقاقات عن جيش أبو بكر، والتدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي، وما تلاه من إنشاء جماعات مسلّحة ثورية جديدة أدت إلى تآكل احتكار القوة الذي كان يتمتع به سابقًا جيش أبو بكر وجيش معمر.

جيش حفتر ذو المستويين

أسّس حفتر القوّات المسلّحة العربية الليبية في عام 2014 في شرق ليبيا على خلفية اغتيالات وصراع على السلطة بين الجماعات القبلية والثورية المسلّحة في بنغازي. بدأ على الفور في تشكيل شبكة تقليدية قبلية تشبه جيش أبو بكر. وعيّن بلعيد شيخي رئيسًا للجنة شعبية اشتراكية جديدة مكلفة بتوفير رعاية قبلية بدوية في غالبها في القوّات المسلّحة العربية الليبية. نجح حفتر وصالح في تشجيع ولاء القبائل البدوية من خلال تعيينهم في مناصب قيادية عُليا في القوّات المسلّحة العربية الليبية. ومع ذلك، كان للأسس القبلية للقوّات المسلّحة العربية الليبية تأثير كبير على النسيج الاجتماعي لشرق ليبيا. وبدأ كبار قادة القوّات المسلّحة الليبية يطالبون صراحة بإحراق المنازل والتهجير القسري للقبائل غير البدوية الذين يُدعون بالأتراك ما أدى إلى تهجير أكثر من 100 ألف نسمة من أهالي بنغازي.

صمّم حفتر نظام حرس إمبراطوري خاص به على أساس الولاء الديني والعائلي. أنشأ حفتر مجموعة من الكتائب المدربة والمجهزة جيدًا بقيادة ابنه صدام حفتر وصهره أيوب الفرجاني، المنتمي إلى الكتائب السلفية المدخلية المرتبطة بحفتر بعقيدة دينية. انضم مثل هؤلاء إلى القوّات المسلّحة العربية الليبية كواجب ديني، عندما أصدر زعيمهم الديني في المملكة العربية السعودية فتوى في عام 2014 تنص على أن حفتر هو الحاكم الشرعي في ليبيا. يوجد انقسام واضح بين الجماعات القبلية المسلّحة النظامية في القوّات المسلّحة العربية الليبية والحرس الإمبراطوري السلفي التابع لحفتر، والذي يتوفر لديه معدات وتدريب أفضل ويتحكم في مخزونات أكبر بكثير من الأسلحة والذخيرة.

استخدم حفتر نهج الجزرة والعصا لإبقاء جيشه القبلي تحت السيطرة. القوّات المسلّحة العربية الليبية متجذرة ومشاركة بعمق في اقتصاد النهب، حيث تسيطر الجماعات المسلّحة في القوّات المسلّحة العربية الليبية على جزء كبير من الاقتصاد العام الشرقي أو تحت إشراف هيئة الاستثمار العسكري التي أنشأتها القوّات المسلّحة العربية الليبية لتوليد الدخل وتوزيعه على حفتر وجماعاته المسلّحة الأكثر ولاءً. ومع ذلك، لم يتردد حفتر في مواجهة المستوى الأدنى من القوّات المسلّحة العربية الليبية واستخدام العنف والإكراه في حال تحديهم له. أصدر فرج اقعيم، قائد كتيبة من بنغازي في القوّات المسلّحة العربية الليبية، إنذارًا لحفتر لمغادرة شرق ليبيا في عام 2017. ورد حفتر بإرسال كتائب نجله لاعتقال اقعيم واستعادة النظام.

ثقافة عدم الثقة

على الرغم من العلاقات الاجتماعية والسياسية الراسخة والنظام التقليدي، يخشى حفتر جيشه ولا يثق به، حيث ذهب إلى حد تزويروفاته في عام 2018 من أجل تحديد ولاء قادته القبليين. لجأت القوّات المسلّحة العربية الليبية إلى استخدام المرتزقة الذين تم تجنيدهم إلى حد كبير من قبل الإمارات العربية المتحدة وروسيا كمكمّل للحرس البريتوري وكبديل عن النواة القبلية للقوّات المسلّحة العربية الليبية، والتي لم يتمكن حفتر من تزويدها بالسلاح وإرسالها إلى طرابلس دون المخاطرة بحدوث تمرد في بنغازي.

لدى القوّات المسلّحة العربية الليبية حساسية خاصة تجاه النقد. أنشأت هذه القوّات لجنة عسكرية في نيسان/أبريل 2020 لمواجهة جائحة كورونا وهدّدت علنًا باحتجاز الليبيين في الداخل والخارج لانتقادهم جهودها في مكافحة الجائحة. تم اختطاف عضو برلماني لانتقاده العلني هجوم القوّات المسلّحة العربية الليبية على طرابلس في تموز/يوليو 2019، وتم قتل ناشط بارز بعيار ناري في بنغازي لانتقاده انتهاكات القوّات المسلّحة العربية الليبية في شرق ليبيا. يوضح هذا الأمر عملية إحداث التوازن المعقدة والمطلوبة للحفاظ على النظام، ولكن أيضًا يوضح التحدي طويل المدى المتمثل في الحفاظ على القوّات المسلّحة العربية الليبية كقوة موحدة ومتماسكة. إن القوّات المسلّحة العربية الليبية هشّة للغاية، وتتمحور حول لعبة وطنية تقوم على نظريتي فرّق تسد والولاء من خلال العائلات والفتاوى. إذا مات حفتر أو تم استبداله، فلن تنهار القوّات المسلّحة العربية الليبية فحسب، بل يمكن أن يؤدي ذلك إلى إعادة فتح النزاعات القديمة وبدء حروب جديدة.

السلام بأي ثمن؟

على الرغم من أن الأمم المتحدة قد قدمت ضمانات للانتقال الديمقراطي ما بعد النزاع في ليبيا، إلا أن إطارها التفاوضي والمؤسساتي لإنهاء النزاع الليبي الحالي يتعارض مع الواقع ويلقي بظلال من الشك على العملية الانتقالية والآفاق طويلة الأجل لعلاقات عسكرية مدنية سليمة. يحفز مسار الحوار العسكري مشاركة القوّات المسلّحة العربية الليبية على أساس الشرعية المؤسساتية المهمة والاعتراف الدولي من قبل الأمم المتحدة، لكن لا يشترط هذا المسار وجود إصلاح هيكلي يهدف إلى تحويل القوّات المسلّحة العربية الليبية إلى مؤسسة خاضعة للدولة ومحايدة وضمان توافقها مع الانتقال السياسي. لا يزال المسار العسكري هو فرصة الإصلاح الوحيدة، ولكنه سيواجه مقاومة كبيرة في شكله الحالي من قبل المدنيين والجماعات المسلّحة على حد سواء، إذ يخشى هؤلاء من نظام حُكم تُقرّه الأمم المتحدة سبق لهم أن حملوا السلاح للإطاحة به في عام 2011، ثم قاتلوا لمقاومته مرة أخرى في نسخته الأخيرة خلال محاولة استيلاء حفتر على السلطة في عام 2019.

يبقى الشاغل الرئيسي هو دور ووظيفة المجلس الرئاسي وعلاقته بالقوّات المسلّحة. لقد أنجزت القوّات المسلّحة العربية الليبية ما لم تستطع تحقيقه من خلال الحرب بشكل أساسي عبر المفاوضات ودون تنازلات: إطار تفاوضي يمنحها شرعية مؤسساتية مهمة واعترافًا سياسيًا دوليًا دون إصلاح، فضلًا عن وجود واجهة للحكم المدني لا تشكك في سلوكها أو تسعى للتلاعب أو إصلاح هيكليتها المكونة من عدة مستويات أو الهياكل القبلية فيها. يضمن إطار عمل الأمم المتحدة سلامًا قصير المدى على حساب الطابع السياسي للدولة طويل المدى، والذي سيتم تحديده على مدار الشهور التسعة للفترة الانتقالية في ليبيا. فبدون وجود إصلاحات عسكرية حاسمة لتكوين وهيكليات القوّات المسلّحة العربية الليبية، ستظل ليبيا في طريقها إلى نزاع آخر قبل نهاية عام 2021.