المحتويات

تُوصف المؤسسة العسكرية الجزائرية عادةً بأنها دولة داخل الدولة ، وكامتداد لجيش التحرير الوطني، الجهاز السياسي لجبهة التحرير الوطني التّي خاضت حرب الاستقلال (في الفترة الممتدة بين 1954 و 1962)، الأمر الذّي منح النخب العسكرية شرعية لإدارة البلاد بالتحالف مع نخب مدنيَة سلطوية مقربة منهَا، وإقصاء النخب ذات التوجهّات الديمقراطيَة. و على الرغم من هذا التميّز الذّي حظيتبه المؤسسة العسكرية ضمن النِظام السياسي الحاكم، لم تخلو الساحة السياسية الجزائرية تاريخيًا من المنافسة بين الرئاسَة وجهاز المخابرَات من جهة والنخبة العسكريَة من جهة أخرى، حيث كانت تلك الجهة الأولى قادرة على التفاوض مع النخب العسكرية وتحييدها .

تميز حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة (في الفترة الممتدة بين 1999 و 2019) بتحقيق مكاسب كبيرة في صراعهِ مع الجنرالات؛ وذلك من خلال استغلال مكانته الدوليّة لمنع شبح الملاحقات الدولية عن القادة العسكريين المتورطّين في الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، والتي شهدت مقتل 200000 مدني، والمعروفة بالعشرية السوداء . لقد حظي بوتفليقة بدعم جهاز المخابرات بقيادة الجنرال توفيق (محمد مدين)، خاصةً في الفترة ما بين عامي 1999 و2006. وقد انتهى هذا الدعم خلال الصراع مع الجنرالات بتثبيت حليف بوتفليقَة، أحمد قايد صالح على رأس أركان الجيش.

استراتيجية الواجهة المدنية للعسكريين

منذ الإطاحة ببوتفليقة في العام 2019، شهدت "الجزائر الجديدة" تغيّرات في موازين القوّة لصالح النخب العسكرية المؤثرة من دون منافسين سياسيين أو أمنيين حقيقيين؛ لقد خاض بوتفليقة معركةً شرسةً أشبه بتصفية حسابات شخصيَة مع القادة العسكريين؛ وإن وجدت أيّ رغبة عند الرئيس الحالي عبد المجيد تبّون في فرض سيطرته على العسكر فهو لن يجد حليفًا قوّيًا في صفوف قوى الأمن إذ قام بوتفليقة بتهميش أجهزة المخابرات، وألحقها خليفته أحمد قايد صالح بصورة غير دستورية بالمؤسسة العسكرية عقب إقالة مدير المخابرات بشير طرطاق في سياق حراك 22 شباط/فبراير 2019 .

بلقاسم القطعة
بلقاسم القطعة هو باحث مساعد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة.

بعبارة أخرى، يبدو أنّ الرئيس تبّون غير مجهز للضغطِ على القادة العسكريين؛ فمن جهة، تلاشت مخاوف الجنرالات من الملاحقات الدولية بفعل المصالحة الوطنية والتغيرات في صفوف كبار الضباط، ومن جهة أخرى يبدو أنّ الملفات التّي ملكها جهاز الاستعلام والأمن (التسمية السابقة للمخابرات الجزائرية) فقدت قدرتها على الضغط وانتزاع تنازلات من النخب العسكرية. إضافةً إلى كل ما سبق، تخلو الساحة السياسية من أي شخصية مدنية ذات رأس مال سياسي يستطيع أن ينتشل الرئاسة من الرعاية العسكريَة .

عادت المؤسسة العسكرية إذًا إلى السياسة كخصمٍ سياسي وحكمٍ وكصانعة قرار؛ لكنّ هذه المرة من دون رئاسة قوية منافسة لها ومن دون جهاز مخابرات قادر على الضغط عليها . لقد احتكمت المؤسسة العسكرية إلى الحركة الشعبية، المعروفة بالحراك، وسلبت شرعيتها من الشارع، وحوّلت مطلب الشعب بالتغيير، إلى تغيير ضمن نفس النظام ووفق الثقافة السياسية القائمة على سيادة المؤسسة العسكرية على الحكم المدني.

على المدى القريب ستضغط المؤسسة العسكرية على تبّون للقيام بمزيد من الإصلاحات، والتّي على الأغلب ستقتصر على تجديد المؤسسات التمثيلية وإجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادِية كافية لتأجيل عودة الجماهير إلى الشارع. وعلى المدى المتوسط، سيكون الجيش مجبرًا على إيجاد بديل للرئيس تبّون (البالغ من العمر 75 سنَة) الذّي فشل في تقديم نفسهِ كمصلح ذو مصداقية كونه أحد بيروقراطيي نظام بوتفليقة والذّي تدرّج في سلّم الوظائف وصولًا إلى منصب رئيس الوزراء. وقد تصبح المؤسسة العسكرية لاحقًا مجبرًة على تعيين شخصية أقّل معارضة من داخل أو خارج نظام الحكم ، وقادرة على تقديم تنازلات للمؤسسة العسكرية؛ وفي أي حال لا يمكن لأيّ رئيس في الجزائر حتى لو كان منتخبًا بطريقة ديمقراطية أن يُحدث تغييرًا بارزًا ما لم تتعاون معه النخبة العسكرية، إذ تعتبر المؤسسة العسكرية حاليًا الجِهاز الأقوَى في الدولة.

اليد العسكرية العليا في السياسة الخارجية

لطالما كان للقادة العسكريين صوتٌ مسموع في صناعة السياسة الخارجية وتوجيهها؛ لكن، مقارنةً بفترة حكم بوتفليقة سيكون للمؤسسة العسكرية في الجزائر الجديدة الصوت الأعلى في إدارة الملفّات الأمنية والإقليمية والدولية ، وذلك بسبب طبع الرئيس تبّون السياسي ومحدودية علاقاته العامّة خارجيًا. مستقبلًا ، ستزداد حدّة فرضِ وجهة نظر المؤسسة العسكرية على توجهّات السياسة الخارجية الجزائرية كالحفاظ على العداء الاستراتيجي مع المغرب قائمًا، والانخراط دبلوماسيًا في نزاعات منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، والحفاظ على الوضع القائم في العلاقة مع فرنسا، والدفع نحو المزيد من الاعتماد على روسيا كحليف استراتيجِي بحجّة التطبيع المغربي-الإسرائيلي.

وعلى الرغمِ من سماح التعديلات الدستورية لعام 2020 للمؤسسة العسكرية بالقيام بمهام أمنيَة خارج الحدود الوطنية ، لن تخوض هذه الأخيرة أي حربٍ كبرى في المنطقة وذلك لتجنّب التورّط العسكري المباشر ومعارضة المجتمع الجزائري للقتال خارج الحدود الوطنية . ستعمل المؤسسة العسكرية على أداء مهمّات استخباراتية وقتالية محدودة خاصّة على الحدود الجنوبية، كمراقبة وملاحقة الجماعات الإرهابية والمهربين والجماعات الإجرامية الدولية. كما ستعمل القيادة العسكرية على التنسيق أكثر مع فرنسا لكونها القوّة الأهّم في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، وستتحرك بحذر في إطار الاتحّاد الإفريقي.

حماية الفساد عن طريق محاربته

ستتخذّ محاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية صيغة مشابهة لما وصفته دالية غانم "الحد من التغيير عبر التغيير"؛ أيّ حماية الفساد عن طريق المعركة التّي يخوضها النظام الحاكم ضدّه، والتركيز في هذا الإطار على الفساد الاقتصادي والحصول على مكاسب مالية وامتيازات اقتصادية خارج الإطار القانوني الذّي ينظّم معاشات وامتيازات العسكريين. لا يوجد في الجزائر اقتصاد عسكري على النمط المصري؛ أي لا تنخرط المؤسسة العسكرية في نشاطات تراكم الثروة عن طريق الأعمال الاجتماعية والعسكرية بالتعاون مع مدنيين، واستثمار الموارد في مشاريع تجعل المؤسسة العسكرية منافسة للمدنيين في السوق. في الجزائر الجديدة، يوجد صناعة عسكرية محدودة التأميم معتمدة على شركاء أجانب؛ ولعلّ الطابع الريعي للاقتصاد الجزائري المعتمد على ريع النفط والغاز الذّي يوفّر ميزانيات عالية للدفاع من دون الخضوع للمساءلة البرلمانيَة والتحقيق الإعلامي يَحول دون تطوّر نموذج اقتصاد عسكري جزائرِي. هذا بدوره، لن يحقق إلا القليل في إطار الحد من الفساد.

في سياق اقتصادِي ريعي، ومع غياب اقتصاد عسكري ضخم ومعقّد يجد القادة العسكريون طرقًا أخرى للحصول على منافع موازية؛ في البدء تشكّل بيروقراطية الدولة المدنية مصدرًا للامتيازات والمداخيل. على المستوى الوطني تتفاوض النخبة العسكرية مع الوزراء والمدراء العامين لإفادة مشاريعهم العقارية والحصول على تسهيلات اقتصادية وجبائية وتخفيف القيود البيروقراطية؛ كما تسهم الشركات العائلية في حصول النخبة العسكرية على مناقصات وصفقات وطنية مع وزارة الدفاع الوطني، ومع باقي الوزارات. على المستوى الجهوي، تتشكّل شبكة مصالح مكونة من العسكريين ذوي النفوذ والمحافظين، يلعب فيها القادة العسكريون على المستوى الجهوي من جهة، والنخب المدنية التقليدية للنظام الحاكم (المنتمين إلى الحزب الحاكم غالبًا) دورًا محوريًا من جهة أخرى. وأخيرًا، على المستوى المحلّي تتشكّل شبكات مصلحة وفساد بين رؤساء البلديات والأمناء العامين للبلديات وقيادات عسكرية دنيا كقيادات الدرك الوطني (وهي قوّات شرطية تابعة لوزراة الدفاع الوطني).

وخارج بيروقراطية الدولة الرسمية، تجد المؤسسة العسكرية ضالتها في الاقتصاد الموازِي الذّي تعدّ المناطق الحدوديَة بيئةً خصبة له (على طول الحدود مع تونس وليبيا شرقًا، ومع المغرب وموريتانيا غربًا، ومع مالي والنيجر جنوبًا)؛ وتشمل عمليات التهريب طيفًا واسعًا من النشاطات والسلع، بدءًا بالمواد الغذائية وصولًا إلى البنزين والمخدرات والذهب. وفي الداخل الجزائري الذّي لا تصل إليه قوّات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية ينفرد قادة المناطق العسكريين ومن ينوب عنهم بخلق شبكات فساد مع المهرّبين تتخذ شكلين رئيسين، هما التعاون مع المهربين لتسهيل عبورهم مقابل عمولات، والاستحواذ على المواد المُصادرَة من طرف المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى ملكيات شخصية يتحاصصها ذوي النفوذ في مناطق التهريب.

وفي الوقت الذّي يعتقد البعض أنّ مهندسِي "الجزائر الجديدة"، سيقضون على الفساد؛ يبدو أنّ الأصّح هو أنّهم يعملون على تحديد جيل معيّن من الفاسدين وإزالته لصالح صعود جيل جديد من الفاسدين يتخفّى وراء شرعية الحراك الشعبي الذي شهد مطالبات من قبل المتظاهرين بالقضاء على من وصفوهم بالعصابة. تقليديًا، كان جهاز الاستعلام والأمن مسؤولاً عن ملفات فساد النخب العسكرية؛ وكانت هذه الملفات بمثابة بطاقات ضغطِ توظّفها كلا من المخابرات والرئاسَة لانتزاع تنازلات من النخبة العسكرية ، من خلال إقالة زملائهم أو دفعهم لقبول إحالتهم للتقاعد. ومع خضوع هذا الجهاز لوزارة الدفاع الوطني وضعف الرئاسَة والمجلس الشعبي الوطني والقيود المفروضة على الإعلام، ستستمّر ظاهرة الفساد في الجيش في فرض نفسها كأسلوب للإثراء الشخصِي بين أفراد النخبة العسكرية عبر استغلال نفوذهم واستثنائهم من المساءلة التّي تتّم عبر المؤسسات الديمقراطية.

تراجع الثقة السياسيَة بالمؤسسة العسكرية

في حالة الاستقرار لا تعدّ مسألة الثقّة ذات أهميّة بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية ؛ يكفي أنّ تشتعل شرارة الحراك من جديد لتعود القيادَة العسكرية لبناء جسور الثقّة بينها وبين السياسيين من جهة، وبينها وبين الجماهير الغاضبة من جهة أخرى. قدّم القادة العسكريون أنفسهم أثناء حراك فبراير كحكامٍ في الصرّاع على السلطة السياسية، وكمساندين لمطالب الشارع؛ وقد حظيت المؤسسة العسكرية بثقة الأحزاب السياسية، كما حظيت مؤقتًا بثقة المتظاهرين ما مكنّها من دفع بوتفليقة للاستقالة في نيسان/أبريل 2019.

حسب نتائج استطلاع المؤشر العربيّ، وهو استطلاع رأي ينفذّه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ تعدّ الثقة في المؤسسة العسكرية مرتفعة في الجزائر، حيث أنّها أكثر مؤسسة تحظى بثقة المستجيبين. كما يلاحظ من الشكل أعلاه ، ارتفعت نسبة الثقة من 61 في المئة عام 2011 إلى 87 في المئة في الاستطلاع الأخير الذي نُفذّ في الفترة الممتدة ما بين 25 أيار/مايو و20 تمّوز/يوليو 2020؛ أي في سياق ما بعد الحراك وانتخابات كانون الأول/ديسمبر 2019، والتّي ساد فيها مناخ من التفاؤل بشأن تنظيم انتخابات نزيهة تساهم في تغيير نوعِي في بنية النظام السياسي الحاكم والنخبة المسيطِرة عليه.

بالرغم من ذلك تُظهر نتائج الإستطلاع أنّه في الفترة اللاحقة عن الموجة الأولى لثورات الربيع العربيّ انخفض مستوى الثقة في المؤسسة العسكرية من 61 % في 2011 إلى 56 % في 2012-2013؛ قد يرجع الأمر إلى خيبة أمل مجتمعية حول قيام المؤسسة العسكرية بدورٍ إصلاحي في النظام السياسي الحاكم حيث أنّ نظام بوتفليقة في تلك الفترة عرف استقرارًا بسبب الإصلاحات والوعود السياسية التّي أطلقها. وتكرر ذات النمط من الإجابات المعبرّة عن تبدّد الأمل من أي دورٍ تغييري من قبل المؤسسة العسكرية بعد انتخاب بوتفليقة لولاية رابعة، إذ انخفضت مستويات الثقة من 81 في مئة عام 2014 إلى 67 في المئة عام 2015، مما يعكس تبدد الأمل بعد التفاؤل الذي صاحب الربيع العربي.

إذًا، يلتقط استطلاع المؤشر العربي نمطًا للأمل وخيبة الأمل بشأن الدور السياسي المتوقع مجتمعيًا من المؤسسة العسكرية؛ يبدو أنّه في الغالب سيفقد قادة المؤسسة العسكرية في الجزائر الجديدة مصداقيتهم كحكامٍ موثوقين في إدارة الأزمَات السياسية من قبل الشارع والأحزاب السياسية بناءً على سلوكهم تجاه الحراك واندفاعهم لإجراء انتخابات رئاسية دون حوار ودون وجود ضمانات كافية لنزاهة هذه الانتخابات. فمن جانب، تحتاج عملية استرجاع ثقَة الشارع السياسية بالمؤسسة العسكرية إلى سماح هذه الأخيرة بحدوث تغيير نوعي على مستوى النظام السياسي .

ومن جانب آخر، تتطلع الأحزاب السياسية المعارضة نحو الحصول على مناصب تشريعية بارزة في المجالس البلدية، والبرلمان وتتخيل هذه الأحزاب إقدام المؤسسة العسكرية والرئيس تبّون على إضعاف الأحزاب التقليدية الحاكمة والتّي عُرفت قبل حراك فبراير بأحزاب التحالف الرئاسي (جبهة التحرير الوطني، التجمّع الوطني الديمقراطي، تجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية الجزائرية)، لصالح صعود أحزاب جديدة كحركة البناء الوطني (الإسلامية)، والجيل الجديد (العلماني). حدوث نقلةٍ كهذه لا يتّم إلّا في إطار صفقة بين الطبقة السياسية والمؤسسة العسكرية تحافظ الأخيرة بموجبها على تأثيرها التنفيذي، باعتبارها الجهاز الأقوى في النظام الجزائري في مقابل تنافس الأحزاب على السلطة التشريعية.