المحتويات

وافق السودان في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2020 على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. جاء هذا القرار في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شطب السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وزاد هذا الأمر حدّة الانقسامات بين السلطات العسكرية والمدنية في السودان. أيّد رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شباط/فبراير 2020، ونائبه محمد حمدان "حميدتي" دقلو، التطبيع مع إسرائيل. كان رئيس الوزراء المدني السوداني، عبد الله حمدوك، أكثر حذرًا بشأن التعامل مع إسرائيل وصرّح في أواخر أيلول/سبتمبر 2020 أن التطبيع يتطلب "مناقشة عميقة مع المجتمع."

تُلخص هذه الاستقطابات الحادة المستقبل الغامض للعلاقات العسكرية المدنية في السودان. على الجانب الإيجابي، التزمت القوات المسلحة السودانية بشكل صارم باتفاق المرحلة الانتقالية الموقع في تموز/يوليو 2019، والذي نتج عنه تشكيل مجلس السيادة المؤلف من أحد عشر عضوًا والمكون من ممثلين مدنيين وعسكريين، وانتخابات مقررة في أواخر عام 2022. وعلى الرغم من هذه التعهدات، فإن البرهان ومسؤولون كبار آخرون في القوات المسلحة السودانية ينخرطون في حملة خفية لترسيخ نفوذهم السياسي والاقتصادي على السودان بعد المرحلة الانتقالية وتهميش المعارضة داخل صفوف القوات المسلحة السودانية، ما قد يعرض المسار الديمقراطي للسودان للخطر.

العودة: السلطة السياسية

تمثل الجهود التي تبذلها القوات المسلحة السودانية في توطيد سلطتها عودة إلى ماضي السودان—إلى ما قبل عهد الرئيس السابق عمر البشير—ومسارًا جديدًا للقوات المسلحة السودانية. كانت الانقلابات العسكرية سمة متكررة في الحياة السياسية في السودان، حيث أطاحت القوات المسلحة السودانية بدكتاتورية الرئيس الأسبق جعفر النميري في عام 1985 وأطاحت بالحكومة الديمقراطية في السودان في عام 1989. وبعد مواجهة محاولة انقلاب في عام 1990، قام البشير بتقسيم القوات المسلحة السودانية إلى فصائل قبلية وعربية وقومية وإسلامية، واستخدم الرعاية لضمان بقاء كل فصيل على ولائه لنظامه. منعت هذه الاستراتيجية القوات المسلحة السودانية من العمل كقوة سياسية مستقلة وموحدة حتى إنشاء المجلس العسكري الانتقالي في نيسان/أبريل 2019.

صاموئيل راماني
صامويل راماني مرشح لدرجة الدكتوراه في قسم السياسة والعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد.

على الرغم من التوحد قصير المدى للمجلس العسكري الانتقالي حول الحاجة إلى الإطاحة بالبشير ومنع ثورة شعبية كاملة، عادت الانقسامات داخل القوات المسلحة السودانية إلى الظهور بسرعة. على عكس النهج الحذر للقوات المسلحة السودانية في قمع المتظاهرين، ارتكبت قوات الدعم السريع، بقيادة حميدتي، مجزرة في الخرطوم في 3 حزيران/يونيو 2019، أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 241 شخص. أدى رد الفعل العنيف ضد هذه المجزرة إلى قيام البرهان بالتوصل إلى تسوية سياسية مع المعارضة السودانية من شأنها تأمين نفوذ القوات المسلحة السودانية على المدى القصير. قبلت قوات الدعم السريع هذه الاتفاقية على مضض.

على الرغم من التسوية البراغماتية مع كتلة المعارضة المكونة لقوى الحرية والتغيير، فإن القوات المسلحة السودانية في وضع يجعلها تحافظ على هيمنتها السياسية والاقتصادية في المستقبل المنظور. ضمنت اتفاقية الانتقال الدور المهيمن للقوات المسلحة في الحياة السياسية لمدة 21 شهرًا وسمحت للمجلس العسكري الانتقالي بتعيينمسؤولين في وزارتي الداخلية والدفاع السودانية. كما يدعم الاتفاق قيادة القوات المسلحة في مبادرات إصلاح قطاع الأمن، ما يحرم السلطات المدنية من التأثير على حل أحد أكثر التحديات السياسية إلحاحًا في السودان.

ضمنت القوات المسلحة السودانية أن عملية الانتقال في السودان لا تؤدي إلى تغييرات كبيرة في الأفراد. نظرًا لمنح أعضاء مجلس السيادة حصانة من الملاحقة القضائية على الجرائم في عهد البشير، ولا يمكن إلغاء هذا التنازل إلا بتصويت من المجلس التشريعي الانتقالي، فقد احتفظ حلفاء البرهان إلى حد كبير بمناصبهم المتميزة. ومن خلال تهميش جماعات المعارضة الإقليمية، مثل التنسيقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، استبعدت القوات المسلحة السودانية أشد منتقدي المؤسسة العسكرية السودانية من العملية الانتقالية. علاوة على ذلك، ضمنت المواقف البارزة للبرهان وحميدتي التعاون المؤقت لأقوى شخصيتين عسكريتين في السودان في جهودهما لتقويض سلطة حمدوك.

الاستمرارية: الرعاية الاقتصادية

نتيجةً لثلاثة عقود من روابط الرعاية بين الدائرة المقربة من البشير والقوات المسلحة السودانية، تحافظ المؤسسة العسكرية السودانية أيضًا على وجود اقتصادي هائل، تسعى إلى الحفاظ عليه وتعزيزه. نظرًا للحملات العسكرية التي قادها البشير في دارفور وجنوب كردفان، تلقت القوات المسلحة السودانية حصة متزايدة من عائدات النفط والذهب، وبحلول وقت الإطاحة بالبشير، تم توجيه 60 في المئة على الأقل من ميزانية الدولة السودانية إلى القوات المسلحة والأمن في البلاد. حافظت القوات المسلحة السودانية على موقعها الاقتصادي المتميز حتى سقوط البشير، على الرغم من أن هيمنتها تعرضت للخطر بسبب انفصال جنوب السودان في عام 2012 وتحويل ثروة البشير إلى أجهزة أمنية منافسة، مثل جهاز الأمن والمخابرات الوطني، خلال سنواته الأخيرة في السلطة.

منذ انقلاب نيسان/أبريل 2019، صمد الجيش السوداني أمام الضغط الموازي من السلطات المدنية السودانية وحافظ على هيمنته الاقتصادية. أدى النمو المقيد للقطاع الخاص في السودان—بسبب الاستثمارات الأجنبية المحدودة، والعقوبات المفروضة بموجب وجود البلاد على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، ومحاولة حمدوك تأمين استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار—إلى ترسيخ الهيمنة الاقتصادية للقوات المسلحة السودانية بشكل أكبر. ونتيجةً لاستيلاء قوات الدعم السريع على منجم جبل عامر للذهب في دارفور في عام 2017، بالإضافة إلى سيطرتها على ثلاثة رواسب ذهب سودانية رئيسية أخرى، تحتفظ هذه القوات بالسيطرة على أكثر مصادر الإيرادات الاقتصادية ربحًا في السودان. شددت السلطات المدنية في السودان مرارًا وتكرارًا على الحاجة إلى تأميم احتياطيات الذهب في السودان، لكن هذه التطلعات لم تنجح في كسب الزخم المطلوب.

على الرغم من أن النفوذ السياسي والاقتصادي قصير الأمد للقوات المسلحة السودانية في وضع آمن، إلا أن مسؤولي القوات المسلحة السودانية قلقون من أن سلطتها المؤسسية قد تنهار في نهاية المطاف بسبب الاحتكاكات الداخلية والاستيلاء على السلطات المدنية من البرهان في أيار/مايو 2021. ومن أجل منع حدوث هذا السيناريو، استخدمت القوات المسلحة السودانية الإكراه لتهميش المعارضة داخل المؤسسة العسكرية وسعت بنشاط للحصول على دعم دولي من خلال تعزيز أجندة سياسة خارجية مستقلة عن السلطات المدنية السودانية.

الانقسامات الاجتماعية

الشرخ الرئيسي في المؤسسة العسكرية السودانية، والذي ألهم الإجراءات القسرية التي قامت بها القوات المسلحة السودانية، هو الانقسام بين أعضاء مجلس السيادة المتحالفين مع البرهان والقوات خارج المنظومة، مثل الموالين للبشير وقوات الدعم السريع. ظهر هذا الانقسام على السطح في أيار/مايو 2019، عندما قاوم البرهان تأثير الإسلاموية داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بينما تواصل حميدتي مع الفصائل الإسلامية وتعهد بالتمسك بالشريعة الإسلامية في السودان بعد الانقلاب. وبعد اتفاق المرحلة الانتقالية، واصل الموالون للبشير تعطيل العملية السياسية، وتم ربط التمردات مثل محاولة الانقلاب في 11 تموز/يوليو 2019 وتمرد جهاز الأمن والمخابرات الوطني في 14 كانون الثاني/يناير 2020 بشخصيات من النظام القديم. نأت قوات الدعم السريع بنفسها علنًا عن هذه المحاولات لعرقلة الانتقال السياسي في السودان، لكنها استمرت في العمل كمؤسسةشخصانية تتمتع بالولاء المطلق لحميدتي بدلًا من الدولة السودانية، وتتحدى بقوة سيطرة الحكومة السودانية على دارفور.

من أجل تهميش عناصر من المؤسسة العسكرية السودانية تتحدى هيمنة القوات المسلحة السودانية وتحافظ على الوضع السياسي الراهن، لجأت القوات المسلحة السودانية إلى الإكراه بشكل دوري. على الرغم من أن البرهان رفض في البداية تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، إلا أن الحكومة الانتقالية السودانية حلّت حزب المؤتمر الوطني الذي يقوده البشير في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، واستبدلت رئيس المخابرات السوداني آنذاك، اللواء أبو بكر مصطفى، بعد استجابته البطيئة على تمرد جهاز الأمن والمخابرات الوطني في كانون الثاني/يناير. أدت محاولة اغتيال حمدوك في 9 آذار/مارس 2020، إلى مزيد من الحملات القمعية ضد الموالين للبشير وتسببت في وضع جهاز المخابرات العامة، المؤسسة التي خلفت جهاز الأمن والمخابرات الوطني، تحت سيطرة وزارة الداخلية. وقد حظيت هذه الإجراءات بالدعم المتحمس من السلطات المدنية السودانية وسمحت للقوات المسلحة السودانية بتأطير نفسها كقوة استقرار تستحق موقعًا طويل الأمد من النفوذ السياسي.

البُعد الدولي

بالإضافة إلى توحيد المؤسسة العسكرية السودانية والأجهزة الأمنية المختلفة تحت مظلة القوات المسلحة السودانية، يسعى الجيش السوداني إلى الحصول على دعم دولي لتعزيز قوته المؤسسية. على الرغم من أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحافظان على علاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع، إلا أن مشاركة البرهان السابقة في نشر القوات السودانية في التدخل العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن سمحت له بالحفاظ على علاقات وثيقة مع القادة في كلا البلدين. كما أكد البرهان استقلاله عن السلطات المدنية في مجال السياسة الخارجية من خلال الإشادة بدور مصر في الاستقرار في السودان، حيث تصاعدت الخلافات بين حمدوك والسلطات المصرية بشأن مشروع بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير.

يؤكد توطيد شراكات السودان مع إسرائيل وروسيا في خريف عام 2020 على قدرة المؤسسة العسكرية السودانية على إملاء أجندة السياسة الخارجية للخرطوم من جانب واحد. في كثير من أنحاء العالم العربي، كان يُنظر إلى تطبيع السودان مع إسرائيل على أنه إشارة على استعداد القوات المسلحة السودانية لتوجيه السياسة الخارجية السودانية بالإكراه في الاتجاه المفضل لها. كانت الهوة بين الرأي العام السوداني، الذي أيد بقوة حق تقرير المصير للفلسطينيين، وتعاطي المؤسسة العسكرية مع إسرائيل مدهشًا بشكل خاص. كما يمكن ربط اتفاق 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 الذي أبرمته روسيا لبناء قاعدة بحرية في بورتسودان بجهود المؤسسة العسكرية السودانية لجذب دعم موسكو أمام مطالب الولايات المتحدة بالتحرير.

على الرغم من أن السودان قد اتخذ خطوات ملحوظة نحو التحول الديمقراطي، فقد استفادت القوات المسلحة السودانية من بنود التسوية السياسية في السودان لتعظيم نفوذها على المدى القصير واستخدمت مزيجًا من الإكراه والأحادية الدبلوماسية لتعزيز نفوذها على المدى الطويل. سيعتمد نجاح جهود تعزيز سلطة المؤسسة العسكرية السودانية على قدرة القوات المسلحة السودانية على توحيد الأجهزة الأمنية في السودان والحفاظ على دورها المهيمن على الاقتصاد السوداني.