مقدّمة

توجّه الولايات المتحدة منذ ثلاثين عامًا رسائلَ متضاربةً إلى الإسرائيليين والفلسطينيين.فبينما دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على التعبير عن دعمها لحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية، امتنعت عن استخدام نفوذها لوقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني.وفي الوقت ذاته، تستخدم هذا النفوذ بانتظام لتقييد المساعي الدبلوماسية والقانونية التي يبذلها الفلسطينيون في سبيل تحقيق تطلعاتهم المشروعة.ولم تحاسب تلك الإدارات إسرائيل على تعهداتها القانونية والتزاماتها أثناء عملية السلام، ونزعت صفةَ الأولوية عن الحكم الرشيد والمساءلة في السياق الفلسطيني، فقوَّضت بذلك فعليًا جهودَ القواعد الشعبية الإسرائيلية والفلسطينية التي دعمت التوصل إلى حلٍّ سياسي من خلال المفاوضات.

إذًا، ثمة حاجةٌ إلى مقاربةٍ جديدة لحل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني تسمحُ للولايات المتحدة بتحقيق نتائجَ أفضل بجهدٍ أقل، وضرر أقل أيضًا.وتتطلب المقاربة الجديدة إيلاء الأولوية للحقوق والأمن الإنساني - ونُطلق عليها هنا اسم المقاربة المستندة إلى الحقوق - والحاجة إليها أمسُّ ما تكون وفقًا لتقريرٍ نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش وذكرت فيه أن إسرائيل ترتكبُ جرائمَ ضد الإنسانية، بما فيها ممارسات الاضطهاد والفصل العنصري بحق الفلسطينيين.صحيحٌ أن هذه المقاربة تنطوي على تحولٍ في تركيز الإدارة الأميركية، إلا أنها تنسجم مع استراتيجية الرئيس جو بايدن للأمن القومي الأميركي بعمومها، إذ توطّد تحالفات الولايات المتحدة مع سائر الأطراف الفاعلة، وتساعد في استرداد مصداقيتها ومكانتها الدولية.وهذه المقاربة هي الأقدر على تغيير الحسابات السياسية التي تُشغِل الإسرائيليين والفلسطينيين في الوقت الحاضر وتلهيهم عن التوصل إلى حلٍ سياسي دائم.ولكن ما شكل المقاربة المستندة إلى الحقوق، وكيف عساها أن تنجح؟

تغيير النموذج: مقاربة مستندة إلى الحقوق

الحُجة القائمة على القواعد والمعايير

إن المقاربة المستندة إلى الحقوق التي تتبنى القيم والمعايير الدولية في ممارسة السياسة الخارجية ليست مفهومًا جديدًا بالكامل.بل شدّدت الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية على القيم والمعايير في معرض دعوتها إلى إرساء نظامٍ دولي قائم على قواعد محدّدة.وأفضت جهودها إلى توقيع اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين والشعوب الرازحة تحت الاحتلال في زمن الحرب، وإلى استحداث منظومة الأمم المتحدة التي تشتمل على معاهدات وآليات لتعزيز احترام حقوق الشعوب ورفاهها، والعمل على إنهاء الاستعمار.ولكن للأسف، أخذَ هذا النظام العالمي يئنّ تحت وطأة تناقضاته منذ زمن في إطار مسعى الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها.ويرى البعض أنه ربما تهدَّم واندثر، ولا سيما بعد أن أرسى الرئيس السابق دونالد ترامب أسلوبًا في إدارة السياسة الأميركية أكثر اعتمادًا على الصفقات المصلحية.

تمادت سياسات ترامب بالتأكيد في تقويض الإطار المعياري للسلم والأمن الدوليين، ولا سيما في سياق حل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.وتمثل خطة "السلام من أجل الازدهار" التي طرحتها إدارته لحل جميع قضايا الوضع النهائي العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، سواء بمشاركة الفلسطينيين ومشاورتهم أو من دونها، مثالًا صارخًا عن تجاهل حكم القانون.

ينعتُ خبراء في حقوق الإنسان، ووكالاتٌ تابعة للأمم المتحدة، ومنظماتُ حقوقِ إنسانٍ رائدةٌ في فلسطين وإسرائيل، ومؤخرًا منظمةُ هيومن رايتس ووتش، سياساتِ إسرائيلَ تجاه الفلسطينيين بأنها نظامٌ من الهيمنة ينطبق عليه الوصف القانوني للفصل العنصري، ويفرض ذلك على الولايات المتحدة أن تُعيد النظرَ في مقاربتها لحل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.فلم تعد عملية أوسلو للسلام وحلها القائم على الدولتين رائجَين اليوم في إسرائيل كما في السابق، ولا سيما بعد إقرار القانون الأساسي الذي ينص على أنإسرائيلَ دولةٌ قومية للشعب اليهودي، وبعد صعود أحزاب سياسية إسرائيلية تدعو علنًا إلى وضع سياسات تضمن التفوق اليهودي. وبما أن من المستبعد أن يقبلَ الفلسطينيون بنظامٍ دائمٍ يقوم على المعاملة التمييزية وغير المتساوية وعلى التهجير المستمر، لا يعرف أحدٌ ما ستؤول إليه الأمور في الأشهر والسنوات المقبلة، ولكن من المؤكد أن الفجوةَ الشاسعةَ في القوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تعني أن الانخراط الأميركي والدولي ضروري لمنع الحرمان الدائم لقرابة نصف السكان القاطنين تحت السيطرة الإسرائيلية، ولدرء التداعيات السلبية التي سيخلّفها ذلك في منطقةٍ متزعزعة أصلًا.1

على الرغم من أن النظام الدولي الذي أُنشئ في أعقاب الحرب العالمية الثانية عَجز عن منع وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان - مثل التطهير العرقي في يوغسلافيا السابقة، والإبادة الجماعية في رواندا، وتهجير أبناء الروهينغيا قسرًا من ميانمار - فإن ذلك لا ينفي تأثير الولايات المتحدة في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. بل يذكِّر ذلك بضرورة تدارك الأثر الضار الذي تُلحقه السياسة الأميركية على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني؛ فاستجابةٌ دوليةٌ وأميركية هادفةٌ وإيجابية - وإنْ متواضعة - للوضع الإسرائيلي-الفلسطيني يمكن أن تساعد في تغيير التوجهات السلبية على الأرض.وعلاوةً على ذلك، يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليةً كبيرة عن النزاع الذي زُرعت بذوره عند تقسيم الأرض إلى دولتين عرقيتين-دينيتين بتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947.وابتُليت الأمم المتحدة منذ ذلك الحين بهذه القضية، حيث تعاملت مع الشواغل الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، والحروب العربية الإسرائيلية المتتالية، وتردّي حالةُ حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.

غدت التناقضات بين قيم الولايات المتحدة المعلنة وبين سياساتها إزاء إسرائيل وفلسطين مصدرًا للتوتر المتنامي في السياسة الأميركية، ولا سيما في أوساط المواطنين الأصغر سنًا والأكثر تقدمية والمدافعين عن العدالة العرقية.وباتت حقوق الإنسان الفلسطيني جزءًا من مناظرات الانتخابات التمهيدية الرئاسية، التي بيَّنت بوضوح أن غالبية الناخبين الأميركيين يفضلون مقاربةً تجاه فلسطين وإسرائيل متوافقةً مع القيم الأميركية؛2 وثمة أعضاء تقدميون بارزون في الحزب الديمقراطي يدعون الإدارة الأميركية إلى "التعامل مع الملف الفلسطيني الإسرائيلي على أساس القانون الدولي وحقوق الإنسان". وأدرجت حركة "من أجل حياة السود" في برنامجها السياسي، من منطلق اعترافها بترابط أنظمة القمع وطابعها العابر للحدود، دعوةً لإعادة تخصيص الأموال المصروفة على إرسال الأسلحة إلى إسرائيل، وإنفاقها بدلًا من ذلك على الأولويات المحلية. وأقرنت ذلك بالإشارة إلى انتهاكات إسرائيل المستمرة لحقوق الفلسطينيين الإنسانية.وحتى في صفوف الديمقراطيين عمومًا، بات معظمهم يفضلون الآن ممارسةَ الضغط على إسرائيل لكي تقدم تنازلات للفلسطينيين، ويُصرُّ نحو ثلثي الشعب الأميركي على أنهم لا يريدون أن تنحاز بلادهم لأي جانب في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

سوف يظل تعامل الولايات المتحدة مع الإسرائيليين والفلسطينيين - في الداخل والخارج - يتعارض مع القيم الأساسية التي تتبناها الولايات المتحدة.وقد تجلّى هذا التناقض بين السياستين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - بدعمٍ تام من الرئيس الأميركي - أنه سيمنع عضوة في الكونغرس الأميركي ذات الفلسطينية الأصل من دخول إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة برفقة وفد من الكونغرس، لأنها تدعم حق الأميركيين الآخرين في مقاطعة إسرائيل لأسباب سياسية - وهو فعلٌ يستدعي الحماية القصوى بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي.

ولكن ما هي القواعد التي يجب أن تقوم عليها المقاربة المستندة إلى الحقوق؟ستكون البداية من القواعد المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة؛ والقانون الدولي العرفي المُلزم لجميع الدول؛ والشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تتكون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.إنّ العديد من القواعد المتضمَّنة في تلك الصكوك موجودة فعلًا في السياسة الخارجية الأميركية بموجب المادة ب502 من قانون المساعدات الخارجية التي تنص على أن "أحد الأهداف الأساسية لسياسة الولايات المتحدة الخارجية يتمثل في تعزيز الالتزام الدولي بحقوق الإنسان التي تعترف بها جميع البلدان".

قضت محكمة العدل الدولية، الذراع القضائي للأمم المتحدة، في رأيها الاستشاري الصادر في العام 2004 بأن على إسرائيل التزامات تجاه الفلسطينيين بموجب القانون الإنساني ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية.ورأت المحكمة أن إسرائيل، بتشييدها جدارًا داخل الضفة الغربية المحتلة ونظامًا مرتبطًا به، انتهكت حقوقًا إنسانية مثل الحق في تقرير المصير، والعمل، وحرية التنقل، وحماية العائلات والأطفال، والحق في ظروف معيشية لائقة والحق في الرعاية الصحية والتعليم.وقضت أيضًا بأن جميع الدول الأطراف في اتفاقية جنيف - ومن بينها الولايات المتحدة - مُلزمةٌ بضمان الامتثال للاتفاقية ووقف كل المساعدات المقدمة لإسرائيل التي تعينها على انتهاك الاتفاقية.

وهكذا، فإن المقاربة المستندة إلى الحقوق لا تتمسك بالقيم من أجل القيم وحسب، وإنما من أجل التعهدات المُلزمة بموجب التشريعات الفدرالية والقانون الدولي.

الحجة القائمة على المصالح

حتى إنْ بدا الاتفاق التفاوضي الذي يصب في مصلحة الولايات المتحدة بعيد المنال، من شأن المقاربة المستندة إلى الحقوق أن تهيئ الأرضية كثيرًا للحل لأنها تفرض تكاليف على إدامة الوضع الراهن.أي أن المقاربة المستندة إلى الحقوق لن تكون عبارة عن سياسة مؤقتة تركّز على التخفيف من حدة النزاع إلى حين تبلور ظروف سياسية مؤاتية أكثر، بل ستكون الوسيلة التي تستحدث تلك الظروف الضرورية.

أولًا، تجعل هذه المقاربة من الولايات المتحدة وسيطًا أكثر مصداقية يمكِّن القادة الفلسطينيين والإسرائيليين من التوصل إلى اتفاق،بعد أن ظلت فجوةٌ في المصداقية تشوب الوساطة الأميركية لعقود.وبينما يريد الإسرائيليون وقيادتهم دورًا أميركيا حصريًا، تساور الشارع الفلسطيني شكوك، إذتُظهر أحدث استطلاعات الرأي أن 51 في المئة من الفلسطينيين لا يتوقعون معاملةً منصفة من الولايات المتحدة حتى في عهد بايدن، وأن 48 في المئة يعارضون "العودة إلى المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بقيادة الولايات المتحدة".إن انعدام الثقة في الوساطة الأميركية يعني أن القادة الفلسطينيين يدخلون المفاوضات بقليل من الثقة في قدرتهم على إقناع شعبهم بالاتفاقيات، ما يجعل أيديهم مكبلة.أمّا في إسرائيل، فقد تعزز التأييدُ الشعبي للسيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفة الغربية لأن الإسرائيليين يدركون أن المطلوب هو مشاركة شكلية وحسب في العملية. ولو وُضعت حقوق الإنسان في صميم العملية وكانت هناك مساءلة عن انتهاكات الحقوق والقانون الدولي، لازدادت ثقة الفلسطينيين في الدور الأميركي، ولاتضحت التوقعات للقادة الإسرائيليين، ومن ثم لقواعدهم الشعبية.

ثانيًا، إن تبني مقاربة الحقوق في صميم العملية قادرٌ على حثِّ ثقة الشارع الضرورية وتوليد الزخم للتوصل إلى اتفاق سياسي.يعتقد نحو 75 في المئة من الفلسطينيين أن فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة في السنوات الخمس المقبلة إمّا منخفضة وإمّا منخفضة جدًا.ويعتقد نحو 62 في المئة أن حل الدولتين لم يعد ممكنًا.وكذلك في إسرائيل، حيث يعتقد نحو 85 في المئة من الإسرائيليين أن الحل في السنوات الخمس المقبلة إمّا مستبعد وإمّا مستبعدٌ جدًا.وهذه الآراء مرتبطةٌ بلا شك بالفشل المتكرر لعملية السلام، وبالواقع المتدهور على الأرض.

لا يجد القادة الإسرائيليون أو الفلسطينيون حافزًا في الوقت الراهن يدفعهم لإيجاد قواعد سياسية شعبية تدعم الحل التفاوضي.ففي إسرائيل، لم تفرض المقاربة الأميركية أي تكاليف حقيقية على السياسات القومية اليمينية حتى مع استمرار السياسة الإسرائيلية في الانحدار نحو اليمين على مر السنين.وكانت رسالة واشنطن أنه لا ينبغي تعريض العلاقة الأميركية الإسرائيلية للخطر من خلال الضغط على إسرائيل بسبب سلوكها تجاه الفلسطينيين.3في إسرائيل، تضافرت الأحزاب السياسية حول سياسات معادية للفلسطينيين، من دون خوف من تنفير حليفها المحوري الذي كان يهدف في الظاهر إلى التوسط لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.أما الفلسطينيون فيرون أن هيكل الحوافز يعني أن الأحزاب السياسية الملتزمة بالمفاوضات ستعمل عن غير قصد على تقويض شرعيتها حين تلتزم في كل مرة بعملية سلامٍ فاشلة تطالبهم بالكثير، بينما تتوسع المستوطنات الإسرائيلية من دون حسيب أو رقيب.

لو ترتبت على السياسات الإسرائيلية التي انتهكت الحقوق والالتزامات السابقة تكاليف متصلة بالعلاقة الأميركية الإسرائيلية، لاضطرت إسرائيل إلى إعادة النظر في حساباتها وانتهجت سياسات أكثر إذعانًا للتفاوض السياسي،ولسمحَ ذلك للأحزاب الفلسطينية الملتزمة بالمفاوضات بكسب ثقة قواعدها الشعبية.

ثالثًا، تستطيع المقاربة المستندة إلى الحقوق أن تقوِّمَ الخَلل في ميزان القوى، وتمنح الفلسطينيين بعضًا من القدرة على الفعل لتعزيز الإجماع الدولي حول حقوقهم، ما قد يُحفِّز إسرائيلَ أيضًا على اتخاذ التزاماتها بجدية أكبر بصفتها سلطة احتلال، والتفاوض على إنهاء النزاع بما يتفق ومبادئ الشرعية الدولية.إن المقاربة الأميركية السابقة - المتمثلة في صياغة المواقف تجاه مقترحات السلام أو معاييره بمشاركة إسرائيل وبموازاة عرقلة المناورات الدبلوماسية والقانونية الفلسطينية في الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية - سمحت لإسرائيل فعليًا بإدامة احتلالها من دون أن تتكبّد أي تكلفة.

إن المقاربة المستندة إلى الحقوق لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تَعِد بتعزيز الأهداف والمصالح الأميركية في قضايا تتجاوز منطقة الشرق الأوسط لتطال قضايا من قبيل الاستبداد، والقومية، وعداء المهاجرين، وحقوق اللاجئين.ومن شأن تلك المقاربة أيضًا أن تسحب البساط من تحت أعداء الولايات المتحدة الذين يستغلون الحماية الأميركية لإسرائيل من الخضوع إلى المساءلة في المحافل المتعددة الأطراف ومع الدول الثالثة، وسيمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر مقارنةً مع الصين وروسيا بينما تشتد المنافسة على النفوذ الإقليمي في السنوات المقبلة.

المقاربة المستندة إلى الحقوق في الممارسة العملية

عند تبنِّي مقاربة تستندُ إلى الحقوق تجاه إسرائيل-فلسطين، ينبغي للولايات المتحدة أولًا:

  • أن تعيَ أنها، إذ تحافظ على سياستها الحالية تجاه إسرائيل-فلسطين، تتسببُ في ضرر بالغ وتُسهم في مفاقمة الوضع.ينبغي للولايات المتحدة أن تراجع علاقتَها الثنائية مع إسرائيل، بما في ذلك المساعدات الأمنية، لتضمن أن السياسة الأميركية لا تُديم الاحتلال العسكري الإسرائيلي ولا تُساعد على انتهاك حقوق الإنسان.
  • أن تعترفَ بعدم تكافؤ العلاقة بين إسرائيل (دولة) والشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال العسكري أو اللاجئ في بلدان ثالثة.تنص اتفاقية جنيف الرابعة على عدم جواز حرمان الشعب الرازح تحت الاحتلال "بأي حال ولا بأية كيفية" من الانتفاع من الحماية التي كفلتها لهم هذه الاتفاقية، وأي اتفاقيات يوقعونها.يسعى هذا القانون الإنساني إلى الحدّ من الظلم المتأصل المرتبط باضطرار الشعوب المحتلة إلى التفاوض على شروط حريتها.ويمثل الدعم الأميركي للتنازلات عن الأراضي بينما لا يزال الفلسطينيون يقبعون تحت الاحتلال انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة الذي ينص عليه القانون الدولي العرفي.
  • أن تشيرَ إلى أنها ستظل تدعم الحماية المتساوية للفلسطينيين بموجب القانون حتى مع إصرار إسرائيل على منع تطبيق حل الدولتين وإدامة حصارها على غزة.إسرائيل مُلزمة، كما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري للعام 2004، إزاء الفلسطينيين القاطنين تحت سيطرتها وفقًا للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان. ونظرًا إلى طول عهد الاحتلال العسكري الإسرائيلي، ينبغي على التزامات حقوق الإنسان المستحقة للفلسطينيين أن تماثل الحقوقَ المستحقة لمواطني إسرائيل نفسها.وينبغي على الولايات المتحدة أن تصرِّح بأن الوضع الراهن في ظل غياب تطبيق حل الدولتين غير مستدام وغير مقبول كذلك.
  • أن تضعَ حدًّا لحماية إسرائيل من عواقب انتهاكاتها للقانون الدولي وعرقلة الفلسطينيين الساعين لاستخدام آليات المساءلة.يدعو قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334 جميعَ الدول إلى اتخاذ خطوات فورية لمنع أعمال العنف ضد المدنيين ومحاسبة المنتهكين.وبما أن الولايات المتحدة دولة طرف في اتفاقية جنيف الرابعة، فإنها مُلزمةٌ بتطبيق الحماية التي تنص عليها الاتفاقية للشعب الرازح تحت الاحتلال.إن المساعي الأميركية المبذولة لحماية إسرائيل من التبعات القانونية المترتبة على مشروعها الاستيطاني في المحافل الدولية - كحجب التمويل عن الهيئات المتعددة الأطراف أو ممارسة النفوذ غير المشروع أو الضغوط الدبلوماسية على الدول الثالثة أو على المحكمة الجنائية الدولية لتجنب اتخاذ إجراءات في هذا الصدد - تقوِّضُ المسؤوليات الملقاة على عاتق الولايات المتحدة.

الخاتمة

تقف الولايات المتحدة اليوم عند مفترقٍ حاسم في علاقتها مع العالم، إذ تسعى لتأكيد قيادتها ودعمها لنظامٍ دولي مبني على القواعد.
يقتضي هذا الموقف مقاربةً جديدة تضع حقوق الإنسان في صميم عملية صنع السياسات المعنية بالقضية الإسرائيلية-الفلسطينية.وهي مقاربةٌ واجبةٌ أخلاقيًا نظرًا إلى جسامة أزمة حقوق الإنسان وطول عمرها، وهي فرصةٌ للولايات المتحدة من أجل تحقيق أهداف سياستها الأوسع في المنطقة وخارجها.

يوسف منيّر، باحث ومحلل فلسطيني أميركي، وزميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن العاصمة متخصص في الصراع العربي الإسرائيلي.

هوامش

1وفقًا لدائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، بلغ عدد سكان إسرائيل 9,054,000 نسمة في العام 2019، من ضمنهم 1,597,483 فلسطينيًا يعيشون في إسرائيل (وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني).وفي السنة ذاتها، أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بأن عدد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بلغ 5,038,918 نسمة.وبما أن مجموع السكان في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة يبلغ 14,092,918 نسمة، يمثّل عدد الفلسطينيين البالغ 6,636,401 في العام 2019 أقل من نصف السكان بقليل.

2انظر، على سبيل المثال، استطلاعات منظمة بيانات من أجل التقدم (Data for Progress) التي تبين أن نسبة الديمقراطيين المؤيدين لخفض المساعدات المقدمة لإسرائيل بسبب انتهاكها حقوقَ الإنسان تماثل نسبة الداعين إلى خفض المساعدات المقدمة لمنتهكي حقوق الإنسان عمومًا (64 في المئة).

3انظر، على سبيل المثال، التزام حملة الرئيس جو بايدن الانتخابية.