المحتويات

تحتاج السياسة الأمنية الأميركية، وذلك منذ فترة طويلة تعود إلى ما قبل الدعوات التي انطلقت مؤخرًا، لتقليص حجم الوجود العسكري الأميركي في البلدان العربية وإنهاء الحرب في العراق وأفغانستان، إلى إعادة ضبط وتصحيح واسع النطاق. فقد أسهمت المستجدات الأخيرة، مثل صعود الصين على الساحة العالمية، والتحديات غير العسكرية مثل جائحة كورونا والتغيّر المناخي، واستقلال أميركا المتزايد في مجال الطاقة، والتطورات التكنولوجية السريعة، في تسليط الضوء بقوّة على طبيعة المقاربات العسكرية التي لم تعد تتماشى مع العصر الراهن. ففي هذا المشهد المتحوِّل، تبدو هذه المقاربات قديمة ومنتهية الصلاحية، ومن مخلّفات زمنٍ بعيد.

ولا يقتصر الأمر على خطر التقادم وانتهاء الصلاحية فحسب، بل إن الانخراط الأميركي ذا الطابع الأمني الشديد في الشرق الأوسط، والمتجذّر في شحنات الأسلحة التقليدية، وفي القواعد العسكرية بشكلها المعهود، والروابط الثنائية مع دول عربية سلطوية والتي قدّمت العلاقات العسكرية على الأشكال الأخرى للنفوذ الأميركي – هذا الانخراط لم يستوفِ مطلقًا وعوده الكاملة. ولم يجعل المنطقة أكثر أمانًا، بل أفسح المجال لتدخّل دول عربية حليفة للولايات المتحدة عسكريًا في اليمن وليبيا على نحوٍ لم يساهم في تعزيز المصالح والقيم الأميركية، ناهيك عن تسبّبه بكوارث على المستويَين الإنساني والاستراتيجي. ولم ينجح أيضًا في عزل إيران عن المنطقة أو في كبح تدخّلها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وسواها من الدول. ببساطة، تتحرك طهران وفقًا لقواعد مختلفة، عبر القفز فوق ما تعتبره شبكة لتطويقها عسكريًا بقيادة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وذلك من خلال الاستعانة بأدوات متباينة مثل الوكلاء غير الحكوميين (أو غير تابعين للدولة)، والصواريخ البالستية والحرب السيبرانية، وعبر لجوئها بصورة متزايدة إلى الطائرات المسيّرة.

ولم تنجح المساعدات الأمنية أيضًا في تعزيز جيوش الشركاء العرب الإقليميين بما يُمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم بموثوقية دون الحصول على المساعدة من الولايات المتحدة، أو بما يمكّنهم من المشاركة، بطريقة مجدية، في عمليات متعددة الأطراف تقودها الولايات المتحدة. فتلك المساعدات لم تولّد، فيما خلا استثناءات قليلة، تأثيرًا أميركيًا ملموسًا على سلوك حلفاء الولايات المتحدة على المستويَين الداخلي والخارجي. لا بل أسوأ من ذلك، غالبًا ما تسببت، هذه المساعدات، بتوريط الولايات المتحدة في الانتهاكات التي يرتكبها أولئك الحلفاء في الداخل، وجعلت صنّاع السياسات الأميركيين يترددون في انتقادهم خوفًا من خسارة القدرة على نشر قوات أميركية في تلك البلدان. حتى الحديث عن الفائدة التي يحققها استحداث وظائف أميركية من مبيعات الأسلحة في الشرق الأوسط ينطوي على مبالغة.

غالبًا ما استُخدِم التحدّي الذي يطرحه التنافس بين القوى العظمى، وبصورة خاصة توسّع النفوذ الروسي والصيني في الشرق الأوسط، ذريعةً كي تُبقي أميركا على وجودها في لعبة التسلّح الإقليمية. وفقًا لهذه الحجة، يجب على واشنطن أن تواظب على تزويد حلفائها بالأسلحة للحؤول دون تحوّلهم إلى موسكو وبكين من أجل تلبية احتياجاتهم الدفاعية. فقد تحوّل جميع حلفاء الولايات المتحدة تقريبًا في المنطقة نحو مورِّدين خارجيين آخرين، بما في ذلك نحو دول أوروبية فضلًا عن روسيا (وبدرجة أقل الصين)، وكثيرًا ما يهدّدون بالإقدام على هذه الخطوة التي يستخدمونها ورقةً للضغط على واشنطن أو للتعبير عن امتعاضهم من السياسات الأميركية. ولكن الحلفاء العرب لا يزالون يدركون أنه ليس بمقدور المورّدين الآخرين منحهم ضمانات أمنية شاملة، وحين يشترون أسلحة من أطراف ثالثة، غالبًا ما يُبدون استياءهم من تدنّي نوعية المواد، وغياب الخدمة المستدامة والمتابعة، ومشكلات التكامل والتشغيل المتبادل.

ولكن الأهم أنه في حالة التنافس مع الصين، هو أن الولايات المتحدة تخسر المعركة من خلال تمسّكها بأسلوبها القديم. ومما لا شك فيه أن الصينيين يصدّرون الأسلحة، لا سيما الطائرات المسيّرة، إلى المنطقة، إلا أنهم يركّزون بصورة أكبر على تسويق أنفسهم في صورة مورِّدي التقدم الاقتصادي والتحديث، فيما يتركون لأميركا تحمّل العبء الأمني من خلال خوضها مغامرات عسكرية باهظة التكلفة واحتفاظها بوجود عسكري يبدو وكأنه سيدوم إلى الأبد.

ولكن الحجّة الدامغة الأخرى خلف تعذّر الاستمرار في تطبيق المقاربة الأمنية الأميركية القائمة في الشرق الأوسط غير مرتبطة بعوامل خارجية عن المنطقة مثل دخول قوى عظمى على الخط، أو التطورات التكنولوجية، أو حتى الحاجة الملحّة إلى الإصلاح والتجديد داخل الولايات المتحدة.  بل إنها تنبع من التغييرات الهائلة التي تحدث داخل الدول العربية، أي النزعات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية والديمغرافية التي كانت وراء اندلاع الانتفاضات العربية في عامَي 2011 و2019، والتي تسارعت وتيرتها في حالات كثيرة بفعل الصدمات الارتدادية التي أحدثتها الجائحة.

ويأتي في مقدّمة هذه التحديات التراجع الطويل الأمد في الطلب العالمي على النفط وتأثيره على النموذج الريعي الذي تعتمد عليه جميع الدول العربية تقريبًا سواءً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. باختصار، لن تتمكّن الأنظمة العربية قريبًا من الاعتماد على توزيع الثروة الهيدروكربونية سواء تلك التي تولّدها بنفسها من خلال الصادرات أو تلك التي تحصل عليها بطريقة غير مباشرة من خلال المساعدات أو الاستثمارات، كي تستمر في تعويم نفسها. وغالب الظن أن النتائج التي ستتمخض عن نهاية حقبة النفط التي ترتسم في الأفق، والتي تُضاف إلى الضغوط التي تسببت بها الجائحة الحالية، ستكون ذات تداعيات عميقة على الاستقرار الاجتماعي، بما يُقوِّض القواعد السلطوية المطبَّقة حاليًا في الحكم والقائمة على المحسوبيات واستمالة المعارضين والإكراه والقطاع العام المضخَّم بدلًا من ممارسة الحكم من خلال إشراك الجميع، وتحقيق الإنتاجية الاقتصادية، وتطبيق عقد اجتماعي حقيقي. الحاجة إلى التغيير ملحّة جدًا نظرًا إلى ازدياد أعداد السكّان الشباب في المنطقة، والذين سبق لهم أن أظهروا نفاد صبرهم من الوضع القائم في موجتَين أساسيتين من الاحتجاجات التي زعزعت استقرار الأنظمة خلال العقد الأخير.

لكن الحكّام العرب، مع استثناءات قليلة، تقاعسوا عن إجراء التغييرات الضرورية لبناء اقتصادات منتجة ومنوَّعة، ناهيك عن إرساء حوكمة متجاوِبة وخاضعة للمساءلة. فمستويات الإنفاق الدفاعي المرتفعة على نحوٍ استثنائي والتي تُخصَّص في معظم الأحيان لشراء منتجات باهظة التكلفة وتهدف لتعزيز مظاهر هيبة الأنظمة، مثل المقاتلات المتطوّرة، تدل على أنهم لا يزالون ينظرون إلى الأمن القومي من منظارٍ ضيّق عفا عليه الزمن، مع تركيزهم على ضمان بقاء أنظمتهم وممارسة مناورات النفوذ الإقليمية، بدلًا من بناء المؤسسات التربوية والصحية ومؤسسات الحوكمة الضرورية لدعم اقتصادات حيوية وقابلة للنمو. وقد استمرت الولايات المتحدة، من جهتها، في تغذية هذه الشهيّة للسلاح، وبالإشارة إلى الخطوات الأخيرة التي أقدمت عليها إدارة الرئيس جو بايدن، من خلال وقف شحنة أسلحة مقترَحة إلى السعودية، فقد جرى الاتفاق عليها خلال عهد دونالد ترامب، تؤشّر إلى احتمال حدوث تحوّل.

يجب أن يتوسّع ذلك التحوّل ليشمل إعادة صياغة تصوّر أوسع نطاقًا للسياسة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط من أجل المساعدة على رفع التحديات الداهمة التي يواجهها المواطنون في المنطقة، ومن أجل تحقيق المصالح الأميركية على نحوٍ أفضل، وكذلك للانسجام بصورة أوثق مع القيَم الأميركية. يعرض الباحثون في هذه السلسلة من المقالات حججًا ومقترحات للقيام بذلك، واضعين في اعتبارهم حدود التأثير الأميركي على سلوك الأنظمة في البلدان العربية ومجموعة التحديات الاستثنائية، في الداخل وفي مختلف أنحاء العالم، والتي تسترعي اهتمام صنّاع السياسات الأميركيين. تبدأ المقالات بالاعتراف بالاحتياجات المشروعة للدول العربية الحليفة للولايات المتحدة من أجل الدفاع عن أراضيها، وبتعدد مستويات اعتمادها على الولايات المتحدة. وتتضمن أيضًا إقرارًا بالتحديات التي تطرحها الأنشطة الروسية والصينية في المنطقة، وكذلك بتأثير مبيعات الأسلحة الأوروبية الذي غالبًا ما يجري تجاهله. ولكن المقالات تدعو في المجمل إلى خفض المكوّن العسكري في الانخراط الأميركي مع الحلفاء العرب وصقله وإعادة ضبطه من أجل إفساح المجال أمام اعتماد وسائل أكثر فاعلية واستدامة للالتزام غير العسكري وتحرير الموارد الضرورية لذلك.

خيارات تغيير السياسة الأميركية

تتطلب إعادة تأطير الالتزام الأميركي في الشرق الأوسط من أجل وضع تعريف للأمن أوسع نطاقًا ومتمحور حول الإنسان، تحوّلًا في الموارد المالية والبشرية في الجانب الأميركي، بحيث تُوجَّه نحو الدبلوماسية والتنمية بدلًا من توظيفها بصورة أساسية في العلاقات العسكرية، ولكن من شبه المؤكّد أن كلفتها سوف تكون أقل بكثير على المستويَين المالي والبشري. ويبدو أن المسؤولين في إدارة بايدن يدركون ذلك، وهذه نقطة تُسجَّل في رصيدهم، فقد أشار وزير الدفاع لويد أوستن مؤخرًا إلى ما أسماه "الردع المتكامل"، حيث يؤدّي الجيش دورًا داعمًا للدبلوماسية. ولكن على الولايات المتحدة أن تُغيّر أمورًا كثيرة في تعاملاتها مع الدول العربية قبل أن تتحوّل هذه الرؤية إلى واقع.

من أقوى الحجج التي تُستخدَم دفاعًا عن هذه الدعوة إلى تغيير الوضع القائم على مستوى الالتزام الأمني الأميركي مع العالم العربي الإشارة إلى أن هذا الالتزام لم يحقق ببساطة الوعد بإرساء الاستقرار في المنطقة أو تعزيز المصالح الأميركية. وفي هذا الصدد، يلفت روبرت سبرينغبورغ، في انتقاده للمساعدات الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، إلى أن الشحنات الضخمة من الأسلحة التقليدية التي واظبت الولايات المتحدة على إرسالها إلى شركائها طوال عقود لم تساهم في تعزيز إمكاناتهم وقدراتهم العملياتية لمواجهة التهديدات التي تعترضهم. بل إن الاعتبارات المتعلقة بالسمعة والضمانات الأمنية الرمزية المرتبطة بتدفقات الأسلحة الأميركية هي التي تُحفّز إلى حد كبير شهيّة الأنظمة العربية للأسلحة. يدعو سبرينغبورد، من خلال اقتراحه إطار عمل جديدًا، إلى خفض حجم شحنات الأسلحة فضلًا عن زيادة التركيز على تحسين الإمكانات المؤسسية والرأسمال البشري في المؤسسات الدفاعية العربية، مع التشديد على الإشراف المدني وسيادة القانون والشفافية. وفي الوقت نفسه، يقترح استكشاف إطار أمني جديد في الشرق الأوسط لمنع النزاعات وتخفيف العبء الأمني على كاهل الولايات المتحدة، وقد روّج محللون وباحثون لهذه الفكرة منذ فترة طويلة، مع استشهادهم على نحوٍ شائع بنموذج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ولكن تبيّن أن الانتقال إلى هذه الهندسة أمرٌ في غاية الصعوبة.

أحد الأسباب، وفقًا لما يشير إليه إميل حكيّم في مقاله، هو أن حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج باتوا معتادين على الحصول منها على ضمانات شاملة متجذّرة في مبيعات الأسلحة وفي القواعد العسكرية، من أجل التصدّي لما يعتبرونها أطماع ا ت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالهيمنة. إذًا سوف تجد واشنطن صعوبة في تغيير العادات المعمول بها منذ وقت طويل، والقائمة على الدبلوماسية المكثّفة دفاعيًا مع أنظمة الخليج، التي لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة لحماية نفسها من التهديدات الخارجية، على الرغم من إنفاقها الواسع والمتنوّع على جيوشها. وفي هذا الإطار، يشير حكيّم إلى أنه في سبيل التقليل من هذا الاعتماد على الولايات المتحدة مع الاستمرار في توفير درجة معيّنة من الردع والدعم، ينبغي على الولايات المتحدة أن تعيد تركيز شحناتها من الأسلحة على الإمكانات الأكثر تفرّدًا مثل أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري. إضافةً إلى ذلك، يجب أن تطالب الولايات المتحدة بالمساءلة الصارمة وأن تحدّد الشروط التي ينبغي استيفاؤها للحصول على المساعدات، لا سيما فيما يتعلق بالتدخلات خارج حدود الدول العربية الحليفة، فضلًا عن تحديد أشكال المساعدة التي من شأنها أن ترفض تقديمها. باختصار، تسمح هذه الإجراءات لدول الخليج بتطوير قدرات أكبر لتلبية احتياجاتها الدفاعية المشروعة فيما تتيح للولايات المتحدة خفض وجودها العسكري الضخم.

تركّز بيكا واسر، في مقالها، على وجوب خفض الوجود العسكري الأميركي، لا سيما القواعد الأميركية "التقليدية" التي عفا عليها الزمن. وعلى النقيض من الأصوات التي تدعو إلى انسحاب كامل للبصمة العسكرية الأميركية من المنطقة، تؤيّد واسر خفضًا مسؤولًا وإعادة تخصيص للقوات والإمكانات والمواقع بطريقة تحافظ على الوصول الضروري، والقدرة على التحليق في الأجواء لردع الدول العدوّة على غرار إيران، وتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب. وسوف تترتب على هذه المقاربة التدريجية والموزَّعة على مراحل، والتي تقول عنها واسر إنها "تصويب للحجم وليست انكفاء"، ستترتب عليها المنفعة الإضافية المتمثّلة بالحفاظ على علاقات الولايات المتحدة الأساسية مع الدول العربية التي تربطها بها شراكة مستمرة منذ وقت طويل.

ولكن يجب ألا تبقى تلك العلاقات محصورةً بما هي عليه في الوقت الحالي. ففيما تعمل الولايات المتحدة على خفض وجودها على الأرض، يجدر بها أن تُوسّع مروحة علاقاتها لتمتد أبعد من النخب العربية، التي باتت متورطة بشدّة في الفساد والمحسوبيات المرتبطة بصفقات الأسلحة. وفي هذا الصدد، تشير جودي فيتوري إلى أن مبيعات الأسلحة الأميركية لم تتحوّل إلى مصدر لإثراء النخب العربية على المستوى الشخصي فحسب، لا بل إن الترتيبات مثل التعويضات (إجراءات التعويض الصناعية) هي في أساس شبكات كاملة من المحسوبيات والسيطرة التي يمارسها النظام، مع تعطيل الشفافية في الوقت نفسه. سوف يكون على الدبلوماسيين الأميركيين بذل جهود أكبر من تلك التي يقومون بها الآن للتفكير في الخطوات المعقولة التي يمكن أن تُقدم عليها الولايات المتحدة للمساعدة على تلبية الاحتياجات الحقيقية للدول العربية لتطوير اقتصاداتها وممارسة الحكم كما يجب، بدلًا من الاكتفاء بالإذعان لما تطلبه النخب من أجل زيادة ثروتها ونفوذها.

ولكن دعاة تغيير الوضع القائم، المتمحور حول السلاح، اصطدموا تكرارًا بحجّة مبتذلة حيث يُشار إلى أن شحنات الأسلحة، وحتى لو كانت تأثيراتها ضئيلة أو سلبية على المنطقة، لا تزال ضرورية لأسباب داخلية متعلقة باستحداث فرص عمل في الصناعة الدفاعية الأميركية. يُبيّن جوناثان كافرلي، مستنِدًا إلى مصادر بيانات غنيّة ومتنوّعة، أن ثمة غلوًّا شديدًا في الحديث عن هذه المنفعة. فالطائرات والصواريخ المتطورة التي تنشدها الدول العربية تلقى أيضًا طلبًا كبيرًا من عملاء آخرين، ما يعني أن الولايات المتحدة لن تخسر سوى عدد قليل من الوظائف في حال إلغاء صفقات بيعها إلى الدول العربية. تساهم مشتريات الأسلحة والذخائر القديمة في استحداث عدد أكبر من الوظائف، ولكنها تقود أيضًا إلى نتائج إنسانية مروّعة على غرار ما حدث في اليمن. هذا فضلًا عن أن مطالبة الدول العربية المتزايدة بالحصول على تعويضات تستخدمها في بناء صناعاتها الدفاعية تؤدّي إلى تناقص مستمر في هامش المنفعة الذي يحققه العمّال الأميركيون.

الرد على الأفرقاء الدوليين

تقتضي الجهود الرامية إلى تنفيذ جميع المقترحات الآنفة الذكر حدوث تحوّلات في الذهنيات والعادات والموارد القائمة منذ وقت طويل. وينبغي أن يؤخذ في الاعتبار التغييرات الجارية في البيئة الأمنية الشرق أوسطية والمرتبطة بالدور المتنامي للأفرقاء من خارج المنطقة، إضافةً إلى الولايات المتحدة التي سوف تظل تواجه، الآن وفي المستقبل، مزيدًا من المنافسة في الشرق الأوسط، من الصين وروسيا حكمًا، وكذلك من القوى الأوروبية، فهذه الدول تعمل على تثبيت نفسها في موقع الجهات المورِّدة للأسلحة والشريكة الأمنية. ولكن تصوير هذا التحدي بأنه مجرد تنافس على بيع الأسلحة – إذا لم تحصل الدول العربية على الأسلحة من الولايات المتحدة، ستحصل عليها من الصين أو أوروبا أو روسيا - هو سوء فهم لطبيعة المشكلة وكذلك للفرص المتاحة.

يتطرق حسن ماجد وجليل حرشاوي بالتفصيل، في مقالهما عن إدارة التنافس على التسليح مع القوى الأوروبية، إلى ممارسات القوى العربية الطموحة والواثقة من نفسها التي استغلت لفترة طويلة المنافسة على مبيعات الأسلحة بين القوى الأوروبية. ويلفتان إلى أن هذا التنافس يتمدد على نحوٍ متزايد ليصبح بين الولايات المتحدة وأوروبا التي تغضّ النظر عن الاستخدام النهائي من أجل التفوّق على واشنطن التي يُعرَف عنها أنها تفرض ضوابط أكثر تشددًا. في هذا الإطار، وبدلًا من أن تحاول الولايات المتحدة المزايدة على أوروبا في هذه اللعبة، يجدر بها التمسّك بقيَمها وتوسيع أطر اتفاقيات المستخدم النهائي الأميركية كي تشمل الأسلحة التي تشتريها الدول الشريكة من المورِّدين غير الأميركيين، مثل المورّدين الأوروبيين. ويجب على الولايات المتحدة أيضًا دعوة حلفائها الأوروبيين إلى الانضمام إلى منتدى دبلوماسي جديد لتوحيد معايير مبيعات الأسلحة والحد من أي ثغرات في التدقيق في وجهة الاستخدام النهائية وفي معايير حقوق الإنسان.

في غضون ذلك، عملت روسيا، وفقًا لما يشير إليه أندرو ويس، على إعادة تثبيت وجودها العسكري بجدارة في المنطقة، إنما "بالكاد يظهر لها أثرٌ في موقع الشريك الاقتصادي". وفي حين تواجه الولايات المتحدة بعض القرارات الصعبة بشأن توقيت ومكان التصدّي للوجود العسكري الروسي المتنامي ومبيعات الأسلحة الروسية المتزايدة، يمكنها أيضًا أن تلتف على موسكو من خلال بقائها في حالة تأهّب تحسّبًا لـ"نزعة الكرملين إلى تجاوز الحدود والتصرف بطريقة خرقاء".

أما الصين فتسعى من جهتها إلى توسيع تأثيرها في الشرق الأوسط من خلال اللجوء بصورة أساسية إلى السيطرة الاقتصادية لا العسكرية، بحسب ما ورد في مقال باتريشا كيم. فعلى الرغم من أن الاستراتيجية التي تعتمدها بكين نابعة من مبادرة الحزام والطريق التي تُحرّكها المصالح الذاتية الصينية، حجزت الصين لنفسها، في نواحٍ معيّنة، موقعًا أفضل من الولايات المتحدة، يتيح لها أن تكون شريكة أساسية للدول العربية في التنمية الاقتصادية والتكنولوجيا مع بدء التهافت على بناء اقتصادات منتجة ما بعد نفطية.

ينبغي على الولايات المتحدة أن تنتهز الفرصة لتوسيع انخراطها الاقتصادي والتكنولوجي، لا العسكري، مع الدول العربية فيما تعمل على كبح الجوانب التي قد تكون مزعزعة للاستقرار في الالتزام الصيني. فاعتماد استراتيجية أكثر تنوّعًا هو أقل كلفة إلى حد كبير، ناهيك عن أنه يساهم في معالجة التحدي الأهم في منطقة الشرق الأوسط، وهو توليد الازدهار المبني على الرأسمال البشري والتكنولوجيا، في ظل أنظمة حاكمة قادرة على دعمه، بدلًا من تغذية النزاعات التي تندلع بسبب الفشل في مواجهة ذلك التحدي.

خلاصة

من شأن اعتماد الولايات المتحدة مقاربة جديدة، أقل تركيزًا على الجانب العسكري في تعاطيها مع البلدان العربية، أن يساهم في تحقيق الاستقرار من خلال المساعدة على تلبية الاحتياجات الشديدة للمنطقة فيما يخدم أيضًا مصالح الأمن القومي الأميركي. الولايات المتحدة غير ملزَمة بمساعدة البلدان العربية على السير باتجاه اقتصادات منتجة ما بعد نفطية، ولكن القيام بذلك سيخدم المصالح الأميركية من خلال الحد من نزعة المنطقة إلى توليد نزاعات مسلّحة ومجموعات متشددة وموجات من الهجرة. فتحويل الموارد الأميركية نحو معالجة بعض أسوأ الآثار المترتبة عن التغير المناخي مثلًا، كشح المياه وانحسار الأراضي الصالحة للزراعة، قد يتيح تحقيق منافع أكبر من تلك التي يؤمّنها تزويد الدول العربية بمزيد من الأسلحة الهجومية التي لن تستخدمها تلك الدول، أو أسوأ من ذلك قد تستخدمها أحيانًا في ارتكاب المساوئ.

لا تقتضي معالجة هذه التحديات من الولايات المتحدة بذل جهود أكبر وإنفاق مزيد من الأموال على الدفاع في المنطقة. تقول إدارة بايدن، في تكرار لخطاب سابق لأسلافها، إن الشرق الأوسط يستحوذ منذ فترة طويلة على حصّة غير متكافئة من الاهتمام والموارد الأميركية. ولكن النزعة القائمة على تشذيب الالتزام الاقتصادي والدبلوماسي الأميركي، بحيث تبقى العلاقات العسكرية ومبيعات الأسلحة الأشكال الأساسية للتواصل مع المنطقة، ترتدّ بنتائج عكسية، فضلًا عن أنها بالية ويجب تغييرها. من شأن تشذيب هذه النزعة أن يخدم المصالح الأميركية وكذلك مصالح شعوب المنطقة.