المحتويات

لطالما بُرِّرت مبيعات الأسلحة الأميركية إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بذريعة أنها تؤمّن، كما يُعتقَد، أعدادًا كبيرة من الوظائف للمواطنين الأميركيين، وهي مقولةٌ اشتهرت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب بتكرارها على نحوٍ مبالَغ فيه. ولكن الضغوط التي يمارسها مصنّعو الأسلحة المحليون وأساليب الشراء المحنّكة التي تلجأ إليها الحكومات في الشرق الأوسط أدّت إلى التعتيم على المسألة المتعلقة بما إذا كانت مبيعات الأسلحة تعود فعلًا بالفائدة على مجال التوظيف في الولايات المتحدة.1

تُبيّن مراجعة متأنّية للبيانات أن تأثير مبيعات الأسلحة الأميركية إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على التوظيف هو أقل من التأثير الذي تمارسه مبيعات الأسلحة في الداخل أو حتى صادرات الأسلحة إلى بلدان أخرى. ولكن النظرة السائدة التي لا تزال مستمرة هي بأن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتلك ورقة ضغط على الكونغرس والبيت الأبيض بسبب الوظائف التي تولّدها مشترياتها من الأسلحة. وفيما تُغيّر دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عاداتها الشرائية لتلبية الاحتياجات المتبدِّلة، ينبغي على صنّاع السياسات والسياسيين الأميركيين بذل جهود إضافية لفهم التأثيرات التي يمارسها بيع هذه الأسلحة، أو تعليق بيعها، على التوظيف الداخلي، واستباقها ومعالجتها.

تاريخيًا، عمدت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معظم الأحيان إلى شراء أسلحة باهظة الثمن مصنوعة في الولايات المتحدة للحؤول دون توقّف خطوط التجميع الأميركية عن العمل. وبصورة عامة، لم تُستخدَم هذه الأسلحة المرتفعة الكلفة. ولكن فيما تَعمَدُ دولٌ ازدادت جرأةً في الآونة الأخيرة، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى نشر جيوشها في الخارج، ساهم طلبُ الحصولِ على طائرات متطورة وقنابل بسيطة، نسبيًا، في توليد عدد قليل من الوظائف الأميركية.

سوف تؤدّي التغييرات في مشتريات الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى انخفاض معدلات استحداث الوظائف في الولايات المتحدة لثلاثة أسباب. أولًا، تنفق دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الآن معظم أموالها على الطائرات والصواريخ المتطورة بدلًا من الذخائر والآليات المدرّعة. ثانيًا، تطلب هذه الدول على نحوٍ مطرد دعمًا إضافيًا لصناعاتها الدفاعية الوطنية. وهي تُفضّل، ثالثًا، الأسلحة المتطوّرة التي لا يزال إنتاجها في بداياته، والذخائر التي يمكن بسهولة الاستعانة بمصادر خارجية لتصنيعها. فشراء مقاتلات "إف-35" أو قنابل الجاذبية مع معدّات التوجيه لن يكون له التأثير السياسي نفسه الذي يمارسه شراء أسلحة باهظة الثمن بلغت مرحلة متقدمة من دورتها الزمنية.

ما هي كلفة الوظيفة الدفاعية؟

في تموز/يوليو 2020، خلص مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية إلى أنه من شأن عقود بيع صادرات دفاعية بقيمة 15.5 مليار دولار أن "تساهم في استحداث 127328 فرصة عمل أو الحفاظ عليها"، أي بمعدّل 8215 وظيفة لكل مليار دولار من الصادرات. هذا الرقم الإجمالي هو بداية مفيدة، ولكن مكتب الصناعة والأمن يتوقف عند رقمَين أساسيين آخرين. الأول هو تقييم واسع لآثار التعويضات، أي الموجبات التعاقدية التي تُقدّم محفّزات إضافية. والرقم الثاني يحتسبه التقرير من خلال استخدام بيانات مكتب التحليل الاقتصادي والإحصاء السكاني لوضع تقديرات عن استحداث الوظائف في القطاع التصنيعي. تُقدّم هذه الأرقام صورة أدق عن الوظائف المحتملة التي تساهم صفقات السلاح مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في دعمها أو استحداثها.

يُبيّن الجدول 1 تقديرات مكتب الصناعة والأمن لمعدلات استحداث الوظائف، قبل التعويضات، في قطاعات متنوعة في مجال التصنيع الدفاعي. تختلف هذه المعدلات اختلافًا شديدًا؛ فتصنيع طائرة يولّد عددًا من الوظائف أقل من تلك التي يستحدثها إنتاج الذخائر. وأحد الأسباب هو أن العامل يتقاضى على الأرجح راتبًا أعلى لتصنيع طائرة مقارنةً بتصنيع قنبلة، لأنه يولّد قيمة أكبر. ولكن يمكن الافتراض بثقة أن معظم السياسيين يفضّلون أن يسجّلوا في رصيدهم استحداث 10000 وظيفة ذات راتب جيد في قطاع التصنيع بدلًا من 7000 وظيفة ذات راتب أفضل نوعًا ما في قطاع التصنيع.

الجدول 1
مقارنات بشأن مساهمة صادرات الأسلحة في استحداث الوظائف بحسب القطاع (2016-2018)
القطاع التصنيعي قيمة عقود مبيعات الصادرات الدفاعية المبلَّغ عنها بين 2016-2018 (بمليارات الدولارات الأميركية) الفرص الوظيفية التي استُحدِثت أو دُعِمت الوظائف المستحدَثة لكل مليار دولار من قيمة عقود التصدير
الصواريخ الموجَّهة والمركبات الفضائية 6.34 36,350 5,730
قطع الطائرات الأخرى والمعدات الاحتياطية 5.47 37,139 6,791
الذخائر (باستثناء الأسلحة الصغيرة) 2.79 17,433 6,251
تصنيع الطائرات 2.14 6,327 2,954
قطع الصواريخ الموجَّهة والمركبات الفضائية الأخرى 1.12 9,441 8,467
الآليات المدرّعة العسكرية والدبابات ومكوّناتها 1.55 5,493 3,544

منذ2016 إلى 2018، استحوذ قطاع التصنيع المتعلق بالطائرات على 36 في المئة من عقود الصادرات الدفاعية الأميركية في مختلف أنحاء العالم. وبلغت حصة الصواريخ والذخائر 37 في المئة، في حين أن حصة الآليات العسكرية كانت 7 في المئة فقط. وقد أنفقت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديدًا مبالغ على الطائرات والصواريخ المتطورة أكبر بكثير من تلك التي أنفقتها على الذخائر والآليات المدرّعة. سوف يحدد رصيد الأرقام بين هذين القطاعين عدد الوظائف التي يتم استحداثها. والعامل المهم أيضًا هو موقع الصناعة في سلسلة التموين؛ فتصنيع مكوّنات الطائرات يساهم في استحداث عدد من الوظائف أكبر بكثير من تلك التي يولّدها تجميع الطائرات.

العملاء يعتمدون باطراد على التعويضات

تُظهر بيانات مكتب الصناعة والأمن أن التعويضات تُوجِّه المال، بوضوح، بعيدًا عن الوظائف المحلية وتُحوِّله إلى الدولة العميلة. في عام 2018، أشارت تقديرات مكتب الصناعة والأمن إلى أن المتوسط المتحرك للتعويضات كنسبة مئوية من قيمة العقد على امتداد ثلاث سنوات بلغ 39.4 في المئة. عند احتساب التعويضات، يتبين أنه حتى في قطاعات الصناعة الدفاعية الأفضل أداءً في الجدول 1، كان معدل الوظائف التي استُحدِثت أقل بكثير من المعدل في سوق الصادرات التجارية الأوسع.

يعمد مشترو الأسلحة المتطورة، على غرار دول الخليج، إلى المطالبة على نحوٍ متزايد بإعادة استثمار كمية كبيرة من قيمة مشترياتهم في بلدانهم، وهكذا تنخفض قيمة الأموال التي يمكن تخصيصها لاستحداث الوظائف في الولايات المتحدة. وعلى الأرجح أن نسب التعويضات لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سوف تسجّل زيادة مطردة مع مرور الوقت. وفي هذا الصدد، تحاول كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة بناء صناعات دفاعية وطنية، لا سيما من خلال المطالبة بالتعويضات. ليس واضحًا، بعد، إذا كانت هذه الجهود سوف تتكلل فعليًا بالنجاح، ولكن من المؤكّد أن هذه الدول سوف تستمر في توجيه الأموال نحو صناعاتها المحلية. وقد عمدت الإمارات التي يحتل مجمّعها الدفاعي Edge حاليًا المرتبة الثانية والعشرين بين أكبر المتعاقدين في القطاع الدفاعي في العالم، إلى إعادة النظر مؤخرًا في توجيهاتها بشأن التعويضات، وفرضت على الشركات استثمار 60 في المئة من قيمة العقد في الإمارات. ومن المرجح أن جزءًا كبيرًا من هذه التعويضات سيتخذ شكلإنتاج مرخَّص ونقل للتكنولوجيا، ما سيؤدّي إلى انخفاض مباشر في الوظائف الدفاعية الأميركية.

إذا لم تكن الدولة قادرة على المساهمة واقعيًا في إنتاج أسلحتها المنشودة، قد تطلب، بدلًا من ذلك، تعويضات في قطاعات مهمة أخرى. منذ عام 2016 إلى عام 2018، كانت نسبة 34 في المئة من قيمة عقود الصادرات الأميركية مرتبطة بالصواريخ، ولكن 6 في المئة فقط من القيَم التعويضية أُنفقت في هذا القطاع، لأن عددًا قليلًا جدًا من الدول المستورِدة يملك صناعة صاروخية متطورة. بدلًا من ذلك، أُنفِقت نسبة 48 في المئة من التعويضات على التصنيع المتعلق بالطائرات الذي بلغت حصته 36 في المئة من عقود الصادرات الدفاعية. إذًا، يعني ذلك أن بيع الصواريخ إلى الخارج لن يأتي على حساب الوظائف الأميركية في الصناعة الصاروخية، ولكن المتضرر في هذا المجال قد يكون قطاع تصنيع الطائرات. وفقًا لمكتب الصناعة والأمن، ساهمت التعويضات في قطاع تصنيع الطائرات في تحويل عدد من الوظائف إلى الخارج يفوق بـ2790 وظيفة العدد الذي استحدثته الصادرات. وليست صدفة أن الإمارات أنتجت في عام 2019 طائرتها القتالية الأولى.

إغلاق (أو التهديد بإغلاق) مصنع له وقعٌ سياسي أكبر من الوعد بتأمين وظائف في المستقبل. يُعرَف عن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنها تنقذ خطوط الإنتاج من خلال قيامها بشراء أسلحة لم تعد الولايات المتحدة تريدها. وفي واقعة شهيرة، ساهمت المشتريات المصرية والسعودية والعراقية في إبقاء خط تجميع دبابات أبرامز في أوهايو شغّالًا لسنوات طويلة. وساعدت المشتريات الكويتية والقطرية من مقاتلتَي بوينغ من طراز "إف-18" و"إف-15" على استمرار العمل في خطوط التجميع في ميسوري. وساهمت المشتريات الإماراتية في إنقاذ مصنع باتريوت في مساتشوستس. ولكن الأسلحة المتطورة التي تسعى دول الخليج الآن للحصول عليها تلقى طلبًا شديدًا، وليست المصانع التي تنتج تلك الأسلحة مهدّدة بالإقفال. فالطلبات على مقاتلات "إف-35" مثلًا ممتدّة لعقود عدة. ومن المستبعد إلى حد كبير أن تختفي هذه الوظائف المرتفعة الأجر في وقت قريب.

قد يؤدّي شراء أسلحة بلغت تقريبًا المرحلة النهائية من دورتها الزمنية الصناعية، إلى إنقاذ الوظائف بصورة مؤقتة، ولكن حتى هذه الصفقات يجب التدقيق فيها عن كثب. فتكنولوجيا الجيل السابق هي أقل محورية للأمن القومي الأميركي فضلًا عن أن الدول الساعية إلى تسلّق سلم الإنتاج قادرة على استيعابها بسهولة أكبر، ولذلك من الأسهل الاستعانة بمصادر خارجية لتصنيعها. فعلى سبيل المثال، اقترحت شركة "لوكهيد مارتن" نقل خطها الإنتاجي الكامل الخاص بمقاتلات "إف-16" إلى الهند مقابل طلب عدد كبير من هذه المقاتلات المنتمية إلى الجيل السابق. وقد حوّلت بالفعل إنتاج جميع أجنحة "إف-16" إلى الهند. بالمثل، وفي إطار صفقة أُبرِمت مؤخرًا مع السعودية لبيعها قنابل "بايفواي"، أجاز ترامب تجميع كمية غير مسبوقة من نظم الذخائر الإلكترونية داخل المملكة.

إذًا ثمة فرصة عابرة نسبيًا لزيادة عدد الوظائف التي تنقذها صادرات الأسلحة إلى الحد الأقصى. ولا تُتاح هذه الفرصة فعليًا إلا في الحالات حيث لا يكون السلاح الذي يرغب به العميل الأجنبي في مرحلة مبكرة جدًا ولا متقدّمة جدًا من دورته الإنتاجية.

دراسة حالة: صفقة السلاح الأميركية-الإماراتية لعام 2020

في أواخر عام 2020، أعلنت إدارة ترامب صفقة بقيمة 23.4 مليار دولار لبيع السلاح إلى الإمارات العربية المتحدة، وتخضع هذه الصفقة راهنًا للمراجعة من إدارة الرئيس جو بايدن. يمكن أن تُبيّن تفاصيل صفقة البيع كيف تؤثّر المعطيات الواردة آنفًا في التحليل. تَعرضُ بياناتُ مكتب الصناعة والأمن كل بند من بنود الصفقة مع قليل من التفاصيل الإضافية، لتتيح، بعد ذلك، لصنّاع السياسات التوصل إلى تقديرات عددية عن الوظائف المستحدَثة. ثم يستطيع صنّاع السياسات تحليل هذه الأرقام نوعيًا، انطلاقًا من المرحلة التي بلغها السلاح في الدورة الإنتاجية إضافةً إلى التعويضات المحددة قطاعيًا. وفي هذا الصدد، إذا استُخدِمت القيمة الإجمالية لاستحداث الوظائف التي حددها مكتب الصناعة والأمن، يصل عدد الوظائف التي تولّدها هذه المبيعات إلى 192000 وظيفة، وهو رقم كبير. ولكن عند وضع المعطيات الواردة أعلاه في الاعتبار، تبلغ التقديرات المحسَّنة، في أفضل الأحوال، نحو 55000 وظيفة.2

استنادًا إلى البيانات في الجدول 1، سوف يولّد الطلب الإماراتي الأكبر، وقوامه مقاتلات الإغارة المشتركة من طراز "إف-35" ومعدات ذات صلة بقيمة 10.4 مليارات دولار، نحو 24000 وظيفة. ولكن، على الأغلب، أن هذا الرقم مبالَغٌ فيه لأسباب عدة. فوفقًا لما أشرنا إليه آنفًا، قطاع تصنيع الطائرات غير فاعل نسبيًا على مستوى استحداث الوظائف. فضلًا عن ذلك، لم تبلغ مقاتلات "إف-35" بعد مرحلة الإنتاج بوتيرة كاملة، فشركة "لوكهيد مارتن" لم تتمكّن فعليًا من تصنيع الطائرات التي كانت قد التزمت بإنتاجها العام الماضي. وتُعد مقاتلات "إف-35" الخمسين، من أصل آلاف المقاتلات المقرر تصنيعها، مجرد جزء صغير من أي دورة إنتاجية محتملة. وإذا كان الحد الأقصى لمعدّل الإنتاج السنوي هو 180 طائرة، على الأرجح أنه سينقضي وقت طويل جدًا قبل أن تساهم هذه الصناعة في استحداث وظائف جديدة.

استنادًا إلى بيانات مكتب الصناعة والأمن عن القطاعات التي تُسدَّد فيها تعويضات، غالب الظن أن التعويضات المرتبطة بهذه الصفقات سوف تؤدّي إلى تراجع إضافي في الوظائف في صناعة الطائرات الأميركية. في الواقع، يُنتَج جزء كبير من البرنامج حاليًا عبر الاستعانة بمصادر خارج الولايات المتحدة. فالجزء الخلفي والذيول الأفقية والعمودية في جميع مقاتلات "إف-35" تتولّى تصنيعها شركة "بي أيه إي سيستمز" في المملكة المتحدة أو أستراليا.

سوف تساهم الصواريخ والقنابل التي طلبتها الإمارات العربية المتحدة، وعددها 14000، في إطار صفقة بقيمة 10 مليارات دولار للحصول على الذخائر والمؤازرة والدعم، في استحداث نحو 25000 وظيفة، أي أكثر بقليل من الوظائف التي تولّدها صفقة "إف-35". يستند هذا الرقم إلى تخصيص نصف مليار دولار من قيمة العقد لشراء القنابل، نظرًا إلى سعر القنبلة الواحدة. وعلى الأرجح أن هذه الذخائر سوف تُسلَّم في المدى المتوسط.

يُغطّي الجزء الأكبر من قيمة الصفقة الصواريخ المتطورة التي تُستخدَم في مهام على غرار القتال الجوي والقضاء على دفاعات العدو الجوية. تولِّد صادرات بقيمة مليار دولار في قطاعات متعلقة بالصواريخ عددًا مرتفعًا نسبيًا من الوظائف الداخلية التي يُفقَد عدد قليل منها بسبب التعويضات. قد تكون لهذه الأسلحة بعض الاستخدامات في المغامرات الإماراتية في ليبيا وأماكن أخرى، ولكنها لا تُستخدَم عمومًا في اليمن. ومن جهة أخرى، من شأن حظر بيع قنابل الجاذبية ومعدات التوجيه الخاصة بها أن يؤدّي إلى خسارة أقل من ألفَي وظيفة.

يعمد الجيش الأميركي، الذي يساوره القلق من حدوث نقص في صواريخه المتطورة، إلى تكثيف مشترياته. ومن أجل تلبية الطلب الداخلي، يموّل الكونغرس الأميركي إنشاء مرفق إضافي لإنتاج صواريخ ستاند أوف مشتركة جو-أرض. وتنوي الولايات المتحدة أن تشتري، في غضون السنوات الخمس المقبلة، أكثر من 74000 ذخيرة من ذخائر الهجوم المباشر المشتركة التي تسعى الإمارات إلى شرائها. ويعني ذلك أنّ ثمة غلوًّا على الأرجح في تقدير أعداد الوظائف الجديدة المرتبطة بصفقة السلاح الإماراتية، فغالب الظن أن خطوط الإنتاج ستستمر في العمل إلى أجل غير مسمّى.

أخيرًا، سوف يؤدّي مبلغ الـ2.97 مليارَي دولار المخصّص لشراء طائرات "إم كيو-9 بي" الموجَّهة عن بعد والمعدّات ذات الصلة، إلى استحداث نحو 7000 وظيفة. إنه الرقم الأكثر موثوقية بين صفقات المبيعات الثلاث المقترَحة للإمارات. يبتعد سلاح الجو الأميركي عن استخدام هذه الطائرات، ولذلك على الأرجح أن بيعها إلى الإمارات سينقذ، على نحوٍ مؤاتٍ سياسيًا، عددًا من الوظائف في أماكن مثل خط التجميع "جنرال أتوميكس" في بواي في ولاية كاليفورنيا. ويبدو أيضًا أن هذه الطائرات صُمِّمت للمهام البحرية مثل الحروب المضادة للغوّاصات، والتي هي أكثر انسجامًا مع المصالح القومية الأميركية.

التخفيف من التداعيات على التوظيف

نظرًا إلى أن الذخائر قد تكون الوسيلة الأكثر فعالية لتوجيه سلوك الدول العميلة في المدى القصير، وهي أكثر فعالية نسبيًا في توليد الوظائف، ينبغي على الكونغرس إيلاء اهتمام خاص للطلبات الداخلية. فمن شأن تحقيق استقرار أكبر في دورة المشتريات الداخلية لهذه الأسلحة التي تلقى طلبًا شديدًا من الجيش الأميركي، أن يؤمّن مستوى من اليقين تفضّله معظم الشركات على الطلبات الدولية الجاذبة ظاهريًا والتي قد لا تتبلور مطلقًا على أرض الواقع. وغالب الظن أن مجموعات اللوبي في القطاع الدفاعي تهتم بحجم الطلب وقابليته للتوقع أكثر من اهتمامها بهوية العميل.

يستطيع المحللون، من خلال إجراء بعض الحسابات الإضافية البسيطة، أن يُقدّروا بدقّة أكبر الآثار التي تترتب على التوظيف جراء القيود الاستهدافية المفروضة على مبيعات الأسلحة. فذلك يسمح لصنّاع السياسات قياس الخسائر في الوظائف في مقابل ضبط استخدام أنواع محددة من الأسلحة. وعلى الأرجح أن الصواريخ المتطورة المستخدَمة في الدفاع الجوي أكثر فاعلية في استحداث الوظائف مقارنةً بالطائرات وعلى وجه الخصوص القنابل الموجَّهة بدقة التي علّقت إدارة بايدن بيعها في الوقت الراهن.

إضافةً إلى هذه الحسابات، من شأن فهم الدورة الإنتاجية لكل سلاح أن يساعد على اتخاذ القرارات في السياسات. فوقفُ بيع الأسلحة المتطورة التي يطلبها العملاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسهل سياسيًا بسبب الطلب الكبير عليها في الداخل والخارج. أما الأسلحة الأقل تطورًا وكلفة التي تقترب من نهاية دوراتها الإنتاجية فتشكّل جزءًا أصغر من سوق الصادرات إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكنها تساهم على نحوٍ أكثر مباشرةً في النزاع في اليمن. وفي الحالتَين، ثمة أساليب ناجعة لممارسة ضغوط سياسية على العملاء دون المجازفة بخسارة عدد كبير من الوظائف.

الآراء الواردة هنا لا تُعبّر عن آراء كلية الحرب البحرية الأميركية أو دائرة سلاح البحرية أو وزارة الدفاع الأميركية. ويتوجّه الكاتب بالشكر إلى بيل هارتونغ على تعليقاته القيّمة.

جوناثان د. كافرلي أستاذ مادة الاستراتيجية في قسم الأبحاث الاستراتيجية والعملانية في كلية الحرب البحرية الأميركية.

هوامش

1 صحيح أن الصناعة الدفاعية توظّف عددًا كبيرًا من الوكلاء لتحقيق مصالحها، إلا أنه لا يجب المبالغة في الحديث عن تأثيرات هؤلاء الوكلاء. تشير تقديرات مركز سياسة الاستجابة إلى أن مجموعات اللوبي في القطاع الدفاعي أنفقت 113 مليون دولار في عام 2019، وهو جزءٌ صغير نسبيًا من مجموع الإنفاق في قطاع اللوبي والذي يبلغ 3.5 مليارات دولار. خلال الحملة الرئاسية في عام 2020، ساهم مانحون مرتبطون بشركات دفاعية بمبلغ 32 مليون دولار للحملات السياسية، أي ما نسبته 0.03 في المئة من مجموع المساهمات للحملات والذي بلغ 14 مليار دولار. وعلى الأرجح أن نذرًا يسيرًا من هذا المبلغ أُنفِق على تعزيز المبيعات إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تؤمّن إيرادات أقل بكثير مقارنةً بالسوق الداخلية. كذلك تنفق دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أموالًا طائلة لممارسة تأثير على الولايات المتحدة، غير أنه ليس واضحًا أن هذه الجهود تنصب على دعم الوظائف.

2 من أجل احتساب الوظائف التي تولّدها صفقة لبيع السلاح، حاولتُ تقدير الرصيد في القطاعات الفرعية المختلفة في إطار صفقة معيّنة لبيع الأسلحة. مثلًا، في ما يتعلق بصفقة مقاتلات "إف-35" وطائرات "إم كيو-9"، احتسبتُ مجموع الوظائف التي استُحدثت في كل قطاع من قطاعات الطيران بين عامَي 2016 و2018، وقمت بقسمتها بالقيمة الإجمالية للمبيعات المدرَجة في العقد (جميعها واردة في الجدول 1 وفي تقرير مكتب الصناعة والأمن عن التعويضات). ثم ضربتها بـ0.4 لاحتساب التعويضات، وضربت الحاصل بكلفة نقل الأسلحة.