المحتويات

تَعتبر جميعُ البلدان تقريبًا في مجلس التعاون الخليجي، استنادًا إلى قراءتها للسياسة الداخلية الأميركية والمشهد العالمي، أن الولايات المتحدة تتّجه نحو إعادة النظر في تموضعها في الشرق الأوسط. في الأعوام الأخيرة، اتّسعت الهوّة بين ما تتوقّعه دول الخليج من الولايات المتحدة وما تبديه واشنطن من استعدادٍ لتقديمه، ما يجعل إعادة التقويم أمرًا محتومًا. على الرغم من أن نطاق التحوّل الأميركي وحجمه والغاية منه لا تزال موضع نقاش، تستعد الحكومات الخليجية لهذا التحوّل، حتى ولو كانت ستقاوم على الأرجح أي تغييرات كبرى. ولكن هذا الاستعداد يترافق مع تباين في المشاعر، وهو عبارة عن مزيج غريب من القلق والثقة بالنفس يحرّك لدى تلك الدول الأمل بأن تقدّم لها أيُ أطراف جديدة تَدخُل إلى الساحة الخليجية منافع أمنية مماثلة، إنما يقترن في الوقت نفسه بالإدراك الواعي بأن الولايات المتحدة تبقى الضامن المفضّل لها والذي لا يمكنها الاستغناء عنه.

لن تكون إعادة الضبط مهمّةً بسيطة للخبراء الاستراتيجيين والمخططين الدفاعيين في واشنطن. فالبصمة العسكرية الأميركية كبيرة وراسخة، وتبقى دول الخليج شريكة أمنية واقتصادية أساسية للولايات المتحدة، ولا يزال عدد كبير من الهواجس الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي مبرَّرًا (مع أنها قد تكون مضخّمة في بعض الأحيان). ولا يمكن بسهولة غض النظر عن قدرة هذه الدول على التأثير في السياسة الأميركية أو تكبيدها كلفةً ما، أو حتى تحييدها عن مسارها. إذا كانت واشنطن تسعى إلى إرساء منظومة أمنية أكثر تعاونًا وشمولًا تتيح خفض انخراطها في الشرق الأوسط، عليها أن تعيد ضبط موقعها في المنطقة، وفي الوقت نفسه، أن تُطمئن شركاءها من خلال خطوات حذرة ومدروسة.

علاقات قائمة على الدبلوماسية الدفاعية

أدّت الأولوية التي مُنِحت للعلاقات الأمنية خلال العقود الأربعة المنصرمة إلى تشويه العلاقة الأوسع بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين الأساسيين في مجلس التعاون الخليجي. لقد أصبحت الدبلوماسية الدفاعية الطريقة المفضّلة للتعامل بين الطرفَين، إنما أيضًا الطريقة المعتمدة لغياب البدائل الأخرى، وهي تمنح انطباعًا بالاستمرارية مع التقلبات الحتمية التي تشهدها السياسة الخارجية الأميركية عند تبدُّل الرؤساء والإدارات. غالبًا ما يتفوّق قادة القيادة المركزية الأميركية (الذين يركّزون على القواعد العسكرية واللوجستيات والعمليات؛ ويُديرون أعدادًا كبيرة من العناصر وموارد طائلة؛ ويمكنهم استرضاء نظرائهم المحليين) وضباط الاستخبارات (الذين يتوجسون من التهديدات الأمنية الداخلية والعابرة للأوطان التي تعتبرها الحكومات الشرق أوسطية الأكثر حدّة) على الدبلوماسيين المغمورين الذين عادةً ما يتبعون أجندات أكثر تعقيدًا، ولا يمكن أن يُتوقَّع منهم المبادرة سريعًا إلى تنفيذ وعودهم أو تقديم المكافآت. وقد كانت هذه الدينامية مناسبة تمامًا لدول الخليج؛ فقد ساهمت في تسهيل العلاقات، لا سيما من خلال تهميش النقاشات المزعجة عن حقوق الإنسان والحوكمة الداخلية والآفاق الاقتصادية، وفي إعداد كوادر من الضباط الأصدقاء للولايات المتحدة ومن المحاورين في الشأن الدفاعي.

الوجه الآخر للمسألة هو أنه غالبًا ما أخفت العلاقات الدفاعية المعقّدة تدهورًا في العلاقات السياسية، أو حجبت المنطق الاستراتيجي المتغيِّر، أو عتّمت على التحديات الأمنية غير التقليدية. حين تتباين النظرات إلى التهديدات أو السياسات المتعلقة بالتعامل مع هذه التهديدات، تبادر واشنطن دائمًا إلى إجراء استشارات دفاعية أو ما يُسمّى بحوارات استراتيجية لتهدئة الخلافات. غير أن هذا الأسلوب الذي يُستخدَم بمثابة وسيلة للطمأنة تسبّبَ بتفاقم المشكلات في العلاقات بين الطرفَين من خلال الالتفاف على الثغرات الاستراتيجية والتشنجات السياسية المتعاظمة بدلًا من معالجتها.

وهذا ينطبق أيضًا على دول الخليج. فالعلاقات الدفاعية تحجب أي تشنجات قد تظهر مع واشنطن. ويُنظَر إلى مسائل مثل الحقوق في إنشاء قواعد عسكرية، وشحن كميات كبيرة من الأسلحة التقليدية، والتعاون العسكري بأنها شكلٌ من أشكال بوليصة التأمين التي تربط الولايات المتحدة (وحلفاءها) بالمنطقة. ويتجلّى هذا النوع من الحسابات من خلال الصفقة التي تنوي الإمارات العربية المتحدة بموجبها شراء طائرات "إف-35": فالهدف الأساسي، بمعزل عن مدى شرعية المنطق العسكري (وهو في هذه الحالة تحقيق التفوّق التكنولوجي على الخصوم)، يتمثّل بضمان علاقة أبو ظبي مع المؤسسة الدفاعية الأميركية في العقود الثلاثة المقبلة، بغض النظر عن الخلافات السياسية. وقد سلكت قطر مسارًا مشابًها حين تعرّضت لضغوط شديدة من جيرانها في عام 2017. فقد عمد القطريون إلى شراء مقاتلات "يوروفايتر تايفون" الأوروبية و"رافال" الفرنسية و"إف-15" الأميركية كي يحافظوا على علاقات قائمة على حسن النوايا مع العواصم الغربية الكبرى.

لم تحقّق هذه المقاربة النتائج المتوقّعة على المستوى الدفاعي. فدول مجلس التعاون الخليجي لا تزال عاجزة عن ضمان أمنها الخارجي بنفسها. ويقوم تظهير القوة الخليجية على المساعدات العسكرية والضمانات الأمنية الغربية حتى في الحالات التي يتعارض فيها مع المصالح والتفضيلات الغربية. تنتج كلفةٌ مرتفعة عن الإخلال بالمصالح الراسخة والريوع العسكرية والترتيبات المؤسسية القائمة منذ أربعين عامًا. وتشكّل القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية، والعقود والخدمات الدفاعية الممتدّة لعقود، والتعاون العسكري المتين عامل ربط قويًا بين دول الخليج والولايات المتحدة.

الأهم من ذلك، أدّى التركيز على الدبلوماسية الدفاعية إلى تشتيت الانتباه عن التهديدات الأمنية غير التقليدية التي تحدق بالاستقرار الخليجي. فالمقاربة الأمنية التي تنتهجها واشنطن لم تعطِ الأولوية للمسائل التي تحفل بها أجندة مجلس التعاون الخليجي، ولم تعمل على معالجتها، بدءًا من التغير المناخي والانتقال إلى استخدام مصادر أخرى للطاقة وصولًا إلى الحوكمة والتحوّل الاقتصادي.

تعرُّض العلاقات الأميركية-الخليجية لسلسلة صدمات

اليوم، تجد دول خليجية كبرى مثل السعودية والإمارات نفسها في اصطفافٍ مختلف عن الولايات المتحدة أو في تعارضٍ معها في مسائل كثيرة. هذا الواقع الذي حُجِب خلال رئاسة دونالد ترامب بسبب اعتماده مقاربة قائمة إلى حد كبير على الشخصنة والصفقات، برزَ بقوّة من خلال العودة إلى الأسلوب الأكثر انضباطًا في إدارة شؤون الدولة في عهد الرئيس جو بايدن.

لقد تعرّضت العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين لصدمات عدّة في العقود الأخيرة، بدءًا من الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003 وما نتج عنه من صعودٍ لإيران. وشكّلت الانتفاضات العربية في عام 2011 مصدرًا آخر للتشنجات بين الطرفَين. فاحتضان الولايات المتحدة (الذي يمكن القول بأنه كان متردّدًا ولم يُعمّر طويلًا) للتغيير الثوري أثار حفيظة الأنظمة الملكية المحافظة في الخليج. وتسببت المنافسة الإقليمية الفوضوية التي أعقبت الانتفاضات بمزيد من التوتر في العلاقات بين الطرفَين.

أما التحدّي الأكبر للعلاقات الأميركية-الخليجية فيتمثّل في الدبلوماسية النووية التي تنتهجها واشنطن مع إيران منذ عام 2012. فالطريقة التي استخدمتها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في إجراء المفاوضات أكّدت التصوّرات التي كانت دول الخليج قد كوّنتها مسبقًا عن الانخراط الأميركي مع إيران. والاستياء من الاتفاق الذي انبثق عن المفاوضات لم يكن نابعًا من بنوده الفعلية بقدر ما كان مدفوعًا بالشكوك من أن الولايات المتحدة قد تهمّش الهواجس الخليجية، لا سيما في ما يتعلق بشبكة إيران الميليشياوية وبرنامجها الصاروخي، بغية حماية نجاحها الدبلوماسي، فتمهّد بذلك الطريق أمام مزيد من التمدد الإيراني. وبطبيعة الحال، فُسِّرت السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة لاحقًا في العراق ولبنان وسورية واليمن من خلال هذا المنظار. وقد بلغ الاستياء من واشنطن ذروته حين لمّح أوباما في مقابله مع مجلة "ذي أتلانتيك" في عام 2016 إلى أنه يجب على السعودية وإيران "إيجاد طريقة فعّالة لتقاسم المنطقة المجاورة". فقد اعتُبِر هذا الكلام، عن صواب أو خطأ، أنه مؤشّر عن استيعاب أميركي لإيران ينمّ عن سوء قراءة أساسية للأطماع الإيرانية.

انكشفت حقيقة الأمور بالطريقة الأوضح حين تعرّضت منشآت نفطية سعودية كبرى لهجمات ضخمة في أيلول/سبتمبر 2019، وأفادت التقارير عن وقوف إيران وراء الهجمات ردًا على استراتيجية الضغوط القصوى التي انتهجتها إدارة ترامب. وقد تسببت الهجمات التي شُنَّت بواسطة الطائرات المسيَّرة والصواريخ، بخفض الصادرات النفطية السعودية إلى النصف لبضعة أسابيع، وأظهرت نقاط الضعف الجغرافية المستمرة التي تعاني منها دول الخليج في مواجهة الجبروت العسكري الإيراني. التزمت الولايات المتحدة الصمت نسبيًا؛ فقد أحجمت عن تحديد المعتدين وحمّلت السعودية المسؤولية، على الرغم من التقارب الظاهري بين الأسرة الحاكمة السعودية وإدارة ترامب.

في الواقع، أظهرت هذه الهجمات بوضوح لدول الخليج تراجع التزام واشنطن الأمني تجاه المنطقة بغض النظر عن هويّة الجالس في البيت الأبيض. فقد أعادت الولايات المتحدة تأطير أمن الطاقة في الخليج فتعاملت معه بصورة أساسية على أنه من مسؤولية القوى المحلية، وليس مصلحة عامة عالمية من شأنها أن تدافع عنها بالضرورة وبصورة أحادية. وشكّلت هذه المحطة بداية تغييرات مستقبلية في الموقف الأميركي، ما أرغم دول الخليج على اعتماد أسلوب جديد في التفكير الأمني والتخطيط الدفاعي. لم تُعرِّض واشنطن شركاءها المحليين للعدوان الإيراني فحسب، بل إنه لم يعد بإمكانهم أن يعتبروا الضمانة الأميركية التي يتباهون بها، أمرًا أكيدًا أو مطلقًا أو تلقائيًا. وهكذا دُفِن فعليًا ما تبقّى من عقيدة الرئيس جيمي كارتر التي قامت على الدفاع عن المصلحة القومية الأميركية في الخليج. ولكن أظهر ذلك،  في الوقت نفسه، اعتماد الخليج الدائم على الولايات المتحدة؛ فقد طلبت السعودية نشر مدفعيات أميركية للدفاع الجوي على أراضيها واستُجيب لطلبها، وأظهرت دول الخليج اهتمامًا أكبر بنشر أنظمة الإنذار المبكر وأنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع إضافةً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي والدفاع المتعدد الطبقات المصنوعة في الولايات المتحدة.

غالبًا ما يلفت المسؤولون الخليجيون إلى التناقض بين رغبة واشنطن في أن تتحمّل القوى المحلية مسؤولية الأمن الإقليمي وبين توقعاتها بأن تستمر هذه القوى في الاصطفاف إلى جانب المعايير الأميركية وخيارات الولايات المتحدة في السياسات. ولكن الخطوات نفسها التي يعتبرها كثرٌ في واشنطن غير ضرورية أو متهوّرة أو عدائية، يُنظَر إليها في معظم الأحيان في العواصم الخليجية بأنها ضرورية ومبرَّرة ودفاعية. والأزمة في اليمن هي خير دليل على هذا الانقسام. ففي حين أن المسؤولين في الخليج يركّزون على مزايا التدخّل الذي تقوده السعودية، وضرورته الاستراتيجية، وقانونيته، يُبدي المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم المشرِعون، قلقهم المتزايد من همجية هذا التدخل، ومن التأثير الإنساني للحصار المتواصل، ومن الأعباء الأخلاقية والسياسية المترتّبة على الولايات المتحدة. حتى في الوقت الذي تشدّد فيه واشنطن على الانتهاكات السعودية لقانون النزاع المسلّح، يحاجج المسؤولون السعوديون والإماراتيون بأن التساهل الدولي هو الذي أتاح للحوثيين التوسّع، والاستحواذ على ترسانة من الصواريخ، وتعزيز روابطهم مع إيران، ما جعل الحرب أمرًا محتومًا.

وجهات النظر الخليجية بشأن النقاش الأميركي حول خفض الوجود في الشرق الأوسط

فيما يناقش صنّاع السياسات في واشنطن مستقبل التواجد الأميركي في الشرق الأوسط، تراقب دول الخليج مسار النقاش بارتباكٍ وخوف. فهذه الدول واثقة على ما يبدو من أن شبكة العلاقات المكثّفة التي بنتها مع الولايات المتحدة سوف تحدّ من أي خطوات فجائية أو جذرية. ولكنها قلقة من صعود تحالف متنوّع ومتوسّع يرفع الصوت عاليًا للمطالبة بإعادة تقييم العلاقات الأميركية-الخليجية.

تعتبر دول الخليج أنها شريكة وفيّة وممتنّة دعمت السياسات الأميركية في معظم المسائل، والتزمت الصمت عند وقوع خلاف في الرأي مع الولايات المتحدة، ومثالٌ على ذلك حرب العراق والنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. في نظر هذه الدول، قوّضت الولايات المتحدة منظومة إقليمية كانت تعود بالفائدة على الأنظمة الملكية حين أقدمت على اجتياح العراق في عام 2003، ودعمت الحركات الثورية في عام 2011، وأعطت الأولوية للتوصل إلى اتفاق نووي مع طهران مقدِّمةً إياه على هواجس دول مجلس التعاون الخليجي. يُشار أيضًا إلى أن تعزيز دول الخليج لترسانتها من الأسلحة واعتمادها سياسات خارجية عدوانية جاء بعد هذه التغييرات الهائلة وليس قبلها. ففي نظر هذه الدول، الحفاظ على علاقات وثيقة هو السبيل الأفضل كي تُعوِّض واشنطن عن هذه الاختلالات التي صنعتها، وقد دفعت دول الخليج أكثر من تريليون دولار على مر عقود عدّة لضمان ذلك.

يطغى على التفكير الخليجي الخوف من أن تبرهن واشنطن عن سذاجة ووقاحة في الوقت نفسه فيما يتعلق بإيران. وفي هذا السياق، لا يزال عدد كبير من المسؤولين الخليجيين يتخوّف من أن الهدف من الدبلوماسية النووية مع إيران هو تمهيد الطريق أمام الولايات المتحدة لاستيعاب طهران، وتجاهل هواجس دول مجلس التعاون الخليجي، وفي نهاية المطاف السماح لإيران بفرض هيمنتها. يعتبر المسؤولون والمراقبون الخليجيون أنه في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران الصاروخي وممارستها لنفوذها في المنطقة، فيجب أن يقترن أي اتفاق نووي مع إيران بحصول الدول الخليجية على ضمانات أمنية أميركية إضافية. لا شك في أن هذا المطلب يتعارض مع أهداف السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، إذ تسعى هذه السياسات إلى خفض الالتزامات الأمنية بدلًا من توسيعها.

من وجهة نظر دول الخليج، ثمة حجج قوية أخرى مؤيِّدة لضرورة حفاظ الولايات المتحدة على التزام دائم تجاه المنطقة. فغالب الظن أن الخليج سيكون ساحة أساسية للمنافسة بين القوى العظمى، في ضوء المصالح الصينية في مجالَي الطاقة والاقتصاد الجغرافي ومناورات القوة الروسية. إذا خفّضت الولايات المتحدة دورها إلى حد كبير، فقد يدفع ذلك بالقوى المحلية إلى تعزيز انخراطها مع خصوم واشنطن الاستراتيجيين. يسارع المسؤولون في الخليج إلى الإشارة إلى أن هذا الخيار ليس المفضّل لديهم، ولكن المعطيات الجيوسياسية قد تقتضي خلاف ذلك. بيد أن هذا التحذير المسبق لا يتناسب مع الإقرار الواسع بأن روسيا شريك يُفرط بإغداق الوعود ولا يلتزم بتعهداته، في حين أن الصين ذات النزعة التجارية الانتهازية تُظهر ترددًا في تحمّل الأعباء الأمنية.

هل هناك فعلًا شركاء أمنيون بديلون؟

صحيح أن دول الخليج لجأت إلى التنويع الاستراتيجي قبل التشنجات الأخيرة، لكن القلق من انحسار الدور الأميركي ساهم في تسريع وتيرته. لطالما كانت دول الخليج حسّاسة إزاء تحوّلات القوّة العالمية، سواءً كانت حقيقية أو متصوّرة، ولطالما أظهرت حرصها على بناء علاقات مع القوى الكبرى حتى حين يكون هناك تباين في المصالح معها. لذلك، تُقدّم إعادة صعود روسيا في الشرق الأوسط ودخول الصين إلى المنطقة إمكانات مغرية، ولو كانت هناك مغالاةٌ في تصويرها.

لقد حاول جميع شركاء الولايات المتحدة تقريبًا في المنطقة تنويع إمداداتهم من الأسلحة خلال العقد المنصرم. وفي هذا الإطار، يستطيع زوّار معرض ومؤتمر الدفاع الدولي في أبو ظبي أن يروا المجموعة الواسعة من الأسلحة والخدمات غير الغربية التي باتت متوافرة لبلدان الشرق الأوسط. فحين مُنِعت السعودية والإمارات العربية المتحدة مثلًا من الحصول على طائرات مسيّرة ومسلّحة أميركية الصنع، أقدمت السعودية على شراء طائرات رينبو CH-4B Rainbow صينية فيما اشترت الإمارات طائرات وينغ لونغ Wing Long II صينية. وتفيد تقارير بأن منظومتَي "القبة الحديدية" و"مقلاع داوود" الإسرائيليتين تَردان في أعلى قائمة الأسلحة التي ترغب دول الخليج في شرائها.

إذن، تعبير دول الخليج عن نيّتها شراء نظم أسلحة متطوّرة من خصوم الولايات المتحدة هو إحدى الوسائل التي تلجأ إليها هذه الدول لإبداء استيائها من واشنطن وإظهار استقلالها عنها، ولكنه لا يمثّل تحولًا حقيقيًا ومنسَّقًا للابتعاد عن الولايات المتحدة. وتلقى هذه الخطوة أيضًا أصداء لدى الشعوب العربية التي تحظى الصين وروسيا بشعبية في أوساطها، وذلك خلافًا للولايات المتحدة. في هذا الصدد، تنظر السعودية مثلًا في إمكانية شراء المنظومة الدفاعية الجوية "إس-400" من روسيا، وهذا ما تفعله قطر أيضًا. يصب ذلك في إطار هدفَين استراتيجيين: فهو مؤشرٌ على استياء المملكة من السياسة الأميركية، ولكنه أيضًا وسيلة لكسب الحظوة لدى موسكو وضمان عدم اصطفافها إلى جانب طهران. أما الإمارات فأعلنت من جهتها في عام 2017 أنها ستتعاون مع روسيا من أجل تطوير طائرة من الجيل الخامس. بيد أن آفاق هذا التعاون منخفضة، وفي عام 2020، طلبت الإمارات مقاتلات "إف-35" أميركية.

يتّسم المنطق الذي تستخدمه دول الخليج في شراء الأسلحة ببعض المشروعية. فقد كشفت هجمات أيلول/سبتمبر 2019 أن السعودية هشّة جغرافيًا إزاء الهجمات الجوية؛ ولذلك منظومة "إس-400" الروسية جاذبة جدًا للمؤسسة الدفاعية السعودية. هذا فضلًا عن أن تكاليف شراء نظم الأسلحة الغربية وتشغيلها أعلى بكثير، وآليات الشراء من الدول الغربية تستغرق وقتًا طويلًا وتترافق مع مخاطر سياسية (وهو ما اختبرته السعودية والإمارات مؤخّرًا وسط معارضة الكونغرس لمبيعات الأسلحة إلى هاتين الدولتين على خلفية حرب اليمن).

ولكن مهما بلغت جاذبية الخيارات الروسية والصينية على صعيد شراء الأسلحة، لا يُقدّم أي منها في سلّةٍ واحدة الخدمات الأمنية والمنتجات، وفي نهاية المطاف، الضمانات التي تؤمّنها الولايات المتحدة. تدرك دول الخليج أن معضلتها الأساسية هي أن رهانها الأفضل على الأمن هو في الغرب، على الرغم من أن الازدهار قد يأتي من الشرق. فالضمانة التي يؤمّنها الدعم الاستراتيجي الأميركي لا يمكن استبدالها في المستقبل المنظور؛ ولذلك فإن أي تحوّط تقوم به دول الخليج في رهاناتها هو حكمًا محدود. يدرك المسؤولون عن الدفاع العرب أن التكنولوجيا الأميركية والغربية تبقى الأكثر جاذبية وإثباتًا لفعاليتها في القتال. وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن 61 في المئة من مشتريات السعودية من الأسلحة كان مصدرها الولايات المتحدة بين عامَي 2013 و2017، وتأتي المملكة المتحدة في المرتبة الثانية (23 في المئة)، ثم تليها فرنسا (3.6 في المئة). تعود جاذبية الولايات المتحدة وقدرتها على الاستمالة، من جملة أسباب أخرى، إلى القائمة الطويلة لخدمات ما بعد المبيع، والتدريب، والدمج التي لا يُقدّمها عادةً المتعاقدون غير الغربيين، والتي تشكّل رابطًا دبلوماسيًا قويًا ومهمًا.

إعادة التقويم تتطلب تطمينات

يعتبر كثرٌ في واشنطن أن صورة السعودية والإمارات تلطّخت على نحوٍ دامغ باحتضانهما لإدارة ترامب، ودعمهما للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، وتدخّلهما العسكري في اليمن (وبدرجة أقل في ليبيا). نتيجةً لذلك، تبدي أوساط كثيرة تململًا من الهواجس الأمنية التي تعبّر عنها هاتان الدولتان، وغالبًا ما يُصرَف النظر عن الجهود التي تبذلها السعودية والإمارات لإعادة تقويم وضبط سياساتهما منذ عام 2019 على اعتبار أنها جهود محدودة ومتأخرة جدًا. تُبدي الرياض وأبو ظبي – وكذلك الكويت والمنامة والدوحة وحتى مسقط - خشيتها من أن تعمد الولايات المتحدة، مع مرور الوقت، إلى إجراء خفوضات كبيرة في وجودها على الأرض، وإلى وقف مبيعات الأسلحة، وفي نهاية المطاف خفض التزامها.

ليست هذه المخاوف مبرَّرة بالضرورة. فقد تعهّد بايدن بـ"الدفاع عن سيادة [السعودية] وسلامة أراضيها وشعبها"، ولا مؤشرات (حتى الآن) عن توتّر في العلاقات. ولكن إذا لم تخضع العلاقات لإعادة تعريف على أسس سليمة، فمن شأن الدعوات، التي يطلقها مسؤولون سابقون ومُحلِلون، لإغلاق القاعدة البحرية في البحرين، وإلغاء مبيعات الأسلحة التي سبق الاتفاق عليها، ووقف صفقات الأسلحة في المستقبل، وإرساء توازنات بين دول الخليج وإيران، أن تلقى تجاوبًا أكبر لدى المسؤولين الأميركيين وكذلك داخل الكونغرس الأميركي.

القواعد الأميركية في الخليج هي العنصر الأكثر وضوحًا للعيان في العلاقات الأمنية بين الطرفَين، ولعلها تأتي في رأس قائمة المسائل التي يجب أن تخضع لإعادة التقييم. فالبصمة الأميركية الراهنة (بوجود قواعد ومنشآت في كل دولة من دول الخليج) مفرَطة الحجم والموارد، ومكشوفة سياسيًا، ومثيرة للجدل عسكريًا، إذ إن ردع إيران لا يحتاج إلى هذا الوجود الضخم. لا بل إن الطبيعة المتغيِّرة للحروب والتطورات التكنولوجية الإيرانية تجعل المنشآت الأميركية عائقًا في بعض النواحي. يمكن خفض البصمة الأميركية إذا عمدت واشنطن أيضًا إلى تشجيع الجهود التي يبذلها مجلس التعاون الخليجي لتطوير نظم الإنذار المبكر، ونظم الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والدفاعات الجوية الحديثة، والأمن البحري.

أما مبيعات الأسلحة فهي مسألة أكثر تعقيدًا. ثمة ميلٌ في واشنطن إلى التمييز بين الإمكانات الهجومية والدفاعية، مع التعهّد بتأمين الإمكانات الدفاعية فقط. ولكن ليس هناك فارق واضح بين الاثنَين، والاعتماد الكامل على الدفاع الجوي والصاروخي غير مرضٍ استراتيجيًا، وغير كافٍ عملياتياً، وباهظ الكلفة. في هذا الإطار، ومع قيام الأمم المتحدة برفع جزءٍ من حظر السلاح المفروض على إيران في عام 2020، على أن يُرفَع جزءٌ آخر من الحظر في عام 2023، غالب الظن أن طهران ستعمد إلى زيادة أعداد صواريخها وطائراتها المسيّرة وإلى تعزيز تفوّق أذرعتها، والحفاظ على تقدّمها النووي. سوف تسعى دول الخليج إلى الحفاظ على تفوّقها التقليدي، لضمان ردع موثوق في مواجهة إيران، إنما أيضًا كي تُظهر لمواطنيها درجةً من الاعتماد على النفس. وما لم تُبدِ واشنطن استعدادًا لتحمّل عبء الردع بمفردها، سوف تظل مبيعات نظم الأسلحة المتطوّرة تشغل موقعًا متقدّمًا على أجندة العلاقات الثنائية بين الطرفَين. ولكن يمكن التفاوض على حجم هذه الصفقات الضخمة بهدف خفضه.

الأهم من ذلك، ينبغي التركيز على فرض شروط صارمة على ممارسة القوة في المنطقة، والتشديد على المساءلة في هذا المجال. تستطيع الولايات المتحدة أن تحدد بدقّة المعايير والظروف التي تمنح بموجبها المساعدة (بما في ذلك إعادة التموين، وخدمات الصيانة، والدعم اللوجستي أو الاستخباري) أو تحجبها عن التدخلات خارج دول مجلس التعاون الخليجي. ويجب أن تكون لدى واشنطن أيضًا رؤية واضحة عن أشكال المساعدة التي ترغب في حجبها عن شركائها، أو حتى في بعض الحالات، عن أشكال العقوبات التي تبدي استعدادًا لفرضها. فتعقيدات ساحات المعارك في الزمن الحديث، وتذبذبات السجل العسكري للولايات المتحدة، والانطباع بأن واشنطن تروّج لمعايير لا تتقيّد بها بالضرورة، والإدراك بأن هناك تراجعًا في الامتثال لقانون النزاع المسلّح، سوف تجعل مجتمعةً المقاربة القانونية أو التقنية المحضة أقل فعالية من الانخراط الدبلوماسي المكثّف والمتبصّر.

يعرف الخبراء الاستراتيجيون جيدًا أن إعطاء التطمينات أصعب وأكثر كلفة إلى حد كبير مقارنةً بالردع. لذلك من الجيّد أن تبدأ الولايات المتحدة بالتخلّي عن نزعتها إلى التطمين القائم على الدبلوماسية الدفاعية.

إميل حكيّم باحث أول لشؤون أمن الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.