المحتويات

في حين تبقى الولايات المتحدة الُمصدِّر الأول للأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تخوض دول أوروبية منافسة شديدة كي تحجز لنفسها المرتبة الثانية في تصدير الأسلحة إلى المنطقة. لقد استغلّت بلدان مثل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة هذا التنافس الأوروبي الداخلي للتعبير عن استيائها السياسي أو التفاوض ببساطة على صفقات أفضل. في الوقت الراهن، لا يزال التنافس بين أوروبا والولايات المتحدة في مراحله الأولى. فالهيبة والقوة والعوامل السياسية تساهم جميعها في حفاظ واشنطن على مكانتها في موقع المورِّد الدفاعي الأكثر طلبًا في المنطقة، ولا تزال أكثرية الصناعات الدفاعية الأوروبية تعتمد تكنولوجيًا على الصناعات الدفاعية الأميركية. ولكن مع تطوّر هذه العوامل في السنوات المقبلة، قد تشتدّ المنافسة، بما يلحق الضرر بالمصالح الغربية والمحلية في المدى الطويل. لذلك يجب على صنّاع السياسات في أوروبا والولايات المتحدة التحرّك فورًا للتخفيف من حدّة هذا التنافس.

الورقة الأوروبية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

غالبًا ما يستخدم مُورِّدو معدات الدفاع الأوروبيون حجّة تسويقية مشابهة لتلك التي تسوقها روسيا والصين؛ فهم مستعدّون، على النقيض من الولايات المتحدة، لغض النظر عن وجهة الاستخدام النهائية. وينطبق هذا الأمر بصورة خاصة على فرنسا، وبدرجة أقل على المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول.

ولكن بين عامَي 2017 و2021، تجاهلت واشنطن المخاوف بشأن حقوق الإنسان وغيرها من الإجراءات التقييدية المعهودة. فقد سعت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى إبرام صفقات كبرى لبيع الأسلحة واتخذت منها أولوية بحد ذاتها. وقد ضخّت هذه السياسة إيرادات إضافية في الاقتصاد الأميركي، لكنها أدّت إلى احتدام التشنجات في أجزاء عدة من العالم، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد استُخدِمت الأسلحة الأميركية في نزاعات فتّاكة تسببت بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان ولم تحقق منافع استراتيجية تُذكَر لواشنطن، ومنها الحرب في اليمن. على الصعيد الأوروبي، شجّعت السياسة التي انتهجها ترامب في تصدير الأسلحة مزيدًا من التساهل تجاه العملاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيما أدّت إلى تراجع التنسيق مع واشنطن.

الآن بينما تسعى إدارة الرئيس جو بايدن إلى إعادة ضبط السياسة الأميركية في تصدير الأسلحة بالاقتران مع خفض مرجّح للتدخل العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – وبما أن انخفاض أسعار النفط قد يؤدّي إلى تراجع حجم صفقات الأسلحة في المنطقة – ينبغي على الولايات المتحدة إلغاء سياسات ترامب المزعزعة للاستقرار. التحدّي مزدوج، إذ يجب على صنّاع السياسات أولًا أن يتأكدوا من أن خفض التدخل العسكري الأميركي في المنطقة لن يدفع بالقوى الكبرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى التوجّه نحو مورّدي الأسلحة الأوروبيين أو غير الأوروبيين؛ ويتعيّن عليهم ثانيًا أن يعتمدوا تنظيمات أفضل لضبط صادرات السلاح القادمة من أوروبا.

لقد أبدت مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة رغبتها في تطوير روابط استراتيجية جديدة بعيدًا عن الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، اشترت مصر، بدءًا من عام 2014، أسلحة من فرنسا وروسيا. وخلال أزمة مجلس التعاون الخليجي بين عامَي 2017 و2021، لم تتردد قطر في استخدام مشتريات دفاعية بقيمة مليارات الدولارات من أجل تجنّب العزلة والحفاظ على مكانة لها في عواصم غربية عدّة. ليس المقصود بذلك أن قطر تتحوّل من الأوروبيين بعيدًا عن الولايات المتحدة، أو تلجأ إليهم ليكونوا بديلًا محتملًا عن الولايات المتحدة. فواشنطن تبقى صديقًا لا بديل عنه للأفرقاء الخليجيين الذين يحرصون على الحفاظ على علاقاتهم معها وتعزيزها. واقع الحال هو أنه يُنظَر إلى مورّدي معدات الدفاع الأوروبيين، في هذا السياق، بأنهم مجرّد عنصر مكمِّل للحصول على أمان إضافي.

مطالب جديدة، ومورِّدون جدد، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

ما يزيد الأمور تعقيدًا أن السوق الدفاعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد تحوّلات عدة. فبعض البلدان تعمد إلى بناء قاعدة دفاعية صناعية وتكنولوجية محلية المنشأ. ومع تجسُّد هذه الطموحات على أرض الواقع، يتبدّل سلوك الشارين وشروطهم. على سبيل المثال، بعد إطلاق الشركة السعودية للصناعات العسكرية في عام 2017، بدأت الرياض بفرض مطالب جديدة في عقود الشراء، مثل نقل التكنولوجيا وتوطين خطوط التجميع. ويؤدّي هذا بدوره إلى زيادة الضغوط على صناعات الأسلحة الغربية، ومن الأمثلة على ذلك تصفية شركة الدفاع الفرنسية-السعودية "أوداس".

وساهم وصول أفرقاء جدد مصمّمين على انتزاع حصص في السوق من أيدي العمالقة الراسخين، في ارتفاع المستوى الإجمالي للمنافسة. فقد أدّى صعود تركيا الأخير في موقع القوة الإقليمية، من خلال سلسلة من المساعي العسكرية التوسّعية في أماكن عدة، إلى تدعيم صورتها كجهة مصدِّرة للمعدّات والخدمات الدفاعية. العوامل السياسية هي التي تدفع بعض الجهات، مثل قطر وحكومة الوفاق الوطني المعترَف بها من جانب الأمم المتحدة في ليبيا، إلى شراء المنتجات الدفاعية التركية، في حين أن تونس ودولًا أخرى تنجذب ببساطة إلى فاعلية الطائرة القتالية المسيّرة الرخيصة والشعبية "بيرقدار تي بي 2"، وإلى طائرة "العنقاء" المسيّرة "أنكا-إس" الأكثر تطوّرًا، إضافةًإلى أنظمة أخرى. وفيما يذوب جليد العلاقات بين أنقرة ودول الخليج، قد تُسجَّل زيادة كبيرة في صادرات الدفاع والطيران من تركيا.

كذلك تؤدّي التغييرات في البيئة الجيوسياسية العالمية إلى ظهور مورّدي معدات دفاعية جدد في المنطقة. فاتفاقات أبراهام التي وُقِّعت في آب/أغسطس 2020، واتفاقات التطبيع الأخرى التي أُبرِمت في أعقابها، تتيح لإسرائيل البحث عن فرص مرتبطة بالأمن والدفاع. وغالب الظن أن الإمارات وغيرها من البلدان العربية سوف تبدأ باستيراد معدّات وخدمات دفاعية من إسرائيل، لا سيما في المجالات حيث تُعتبَر الدولة اليهودية رائدة، مثل المركبات المسيَّرة عن بعد، ونظم الدفاع الجوي، والأمن السيبراني.

الالتباس الأميركي يثير منافسة متزايدة بين الأوروبيين

خلال الأعوام العشرة إلى الخمسة عشر الماضية، ازدادت واشنطن التباسًا وتحفّظًا، ما أثار بصورة غير مباشرة أطماعًا جيوسياسية في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي ليبيا وسوريا واليمن، ومؤخرًا الصحراء الغربية، تسعى قوى إقليمية الآن إلى التأثير في النتائج من خلال اللجوء إلى وسائل عدة، بما في ذلك القوّة العسكرية. فقد نشرت السعودية والإمارات قواتهما المسلّحة في اليمن في مواجهة المتمردين الحوثيين، وكذلك في إطار مهام لمكافحة الإرهاب تستهدف تنظيم القاعدة وما يُسمّى بالدولة الإسلامية. وتدخّلت قطر وتركيا والإمارات والأردن ومصر بصورة مباشرة أو أرسلت أسلحة إلى حلفائها المحليين في النزاع الليبي، في خرقٍ لحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة.

تحرص الولايات المتحدة حرصًا شديدًا على تطبيق اتفاقات المستخدم النهائي التي تحظر "التصرّف بالمعدات الدفاعية أو استخدامها لأغراض غير تلك التي حُدِّدت عند توريدها دون الحصول أولًا على إذن خطي من الحكومة الأميركية"، ما يحدّ من إدخال الأسلحة الأميركية الصنع أو استخدامها دون ترخيص في الحروب الأهلية في المنطقة. ولأنه لا يمكن قول الشيء نفسه عن المصدِّرين الأوروبيين، فقد فتح هذا التباين الباب أمام الصناعات الدفاعية الأوروبية لتصدير منتجاتها إلى المنطقة، ففي عام 2014، بدأت الإمارات باستخدام مقاتلات "ميراج 2000-9" الفرنسية الصنع بدلًا من مقاتلات "إف-16" الأميركية الصنع لشنّ هجمات جوية في ليبيا. وحذت، لاحقا، دول أخرى حذوها.

في تشرين الأول/أكتوبر 2020، فازت إيطاليا بصفقة بقيمة 1.2 مليار دولار مع مصر التي أرادت شراء فرقاطتَين أوروبيتين متعددتي الاستخدامات (FREMM)، وذلك بعد انقضاء خمس سنوات على صفقة اشترت القاهرة بموجبها النوع نفسه من الفرقاطات من فرنسا. وقد ساهمت عوامل عدّة في تحوّل مصر نحو إيطاليا للحصول على الفرقاطات الأوروبية المتعددة الاستخدامات، منها السعر (تباع السفينة الحربية الإيطالية بنصف سعر السفينة الفرنسية)، والخطوط الائتمانية، وحقوق الإنسان، والسياسة. في السياق عينه، توسّعت في الأعوام الأخيرة الهوّة السياسية بين قطر وفرنسا برئاسة إيمانويل ماكرون. وقد اختارت قطر شراء مركبات "بوكسر" القتالية المسلّحة من شركة كراوس-مافي فيغمان الألمانية، بعد ثلاث سنوات فقط من توقيعها عقدًا مع شركة نكستر الفرنسية المنافِسة للشركة الألمانية.

تسعى المملكة المتحدة، في إطار رؤيتها عن "بريطانيا عالمية" في مرحلة ما بعد بريكست، إلى العودة إلى الشرق الأوسط من بوّابة سياستها الخارجية. ولا تقتصر المقاربة البريطانية الجديدة على إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في البحرين في عام 2018، بل تشمل أيضًا اعتماد أسلوب أكثر جرأة في العمل على تصدير الأسلحة، الأمر الذي سيترتب عليه تنافس أكثر حدّة مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

يُشار في هذا السياق إلى أنه ليس من السهل تنظيم صادرات الأسلحة بطريقة فعّالة على صعيد الدول الأوروبية. فحتى الآن، لم توضَع آلية للحد من الخلافات في موضوع حقوق الإنسان. وتطرح التباينات مشكلة بشأن بعض البرامج الدفاعية المشتركة. على سبيل المثال، تتعاون فرنسا وألمانيا في مشروعَيهما المشتركين، منظومة القتال الجوي المستقبلية ومنظومة القتال البري الأساسية، ولكن الهواجس المتعلقة بحقوق الإنسان تبقى إحدى نقاط الخلاف بين الدولتَين المتجاورتين.

في كانون الثاني/يناير 2021، فرضت إدارة بايدن تعليقًا مؤقًتا لصفقات بيع الأسلحة الأميركية التي أبرمتها إدارة ترامب مع السعودية والإمارات، ومنها صفقة كبرى لشراء مقاتلات "إف-35" الرائدة في مجالها. وقد دفع هذا القرار الأميركي، الذي قد يتبيّن أنه مجرد إجراء شكلي مؤقّت، بالمملكة المتحدة وإيطاليا إلى اتخاذ تدبير مماثل. ولكن ذلك لا يعني أن دولًا أخرى في الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا، سوف تعتمد أيضًا ممارسات تنسجم مع التوجّهات الأميركية.

تخفيف حدة المنافسة من خلال الاتفاقات والقيود

يجب على إدارة بايدن الحد من التنافس بين الدول الأوروبية وكذلك بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية على تصدير الأسلحة، قبل أن تتفاقم التداعيات المخلّة بالاستقرار التي تترتب على هذا التنافس. منذ تسلُّم بايدن سدّة الرئاسة، سجّل منسوب النوايا الحسنة مستويات مرتفعة جدًا بين ضفتَي الأطلسي. ينبغي على واشنطن أن تنتهز هذه الفرصة لإعادة إدراج العمل الجماعي على جدول الأعمال، ودعوة حلفائها الأوروبيين إلى الانضمام إلى منتدى دبلوماسي جديد يرمي إلى توحيد معايير بيع الأسلحة والحد من الثغرات في مجالَي التدقيق في الاستخدام النهائي ومراعاة معايير حقوق الإنسان. من شأن هذا المنتدى أن يساهم في تحقيق درجة معيّنة من التناغم على صعيد تصدير الأسلحة وإدارة استخدامها من جانب الشارين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

استكمالًا لهذه المبادرة التي يجب أن تكون طوعية بطبيعتها، يتعيّن على واشنطن الاستفادة بصورة كاملة من إطارها التنظيمي المعروف بلوائح تجارة الأسلحة الدولية. تُقدّم هذه التنظيمات وسيلة لمنع الدول الأوروبية من تصدير الأسلحة إذا كانت نسبة 5 في المئة أو أكثر من مكوّنات الأسلحة مصنوعة في الولايات المتحدة. هكذا أقدمت الولايات المتحدة، في عام 2018، على منع بيع مقاتلات "رافال" الفرنسية إلى مصر بصورة مؤقتة، فقد احتوت الصواريخ المسمّاة SCALP في طائرات"رافال" على قطعة مصنوعة في الولايات المتحدة.

أخيرًا، يجب على واشنطن النظر في توسيع إطار اتفاق المستخدم النهائي بحيث لا يقتصر فقط على النظم المصنوعة في الولايات المتحدة التي تحصل عليها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل يشمل أيضًا الأسلحة التي تشتريها هذه الدول من مورّدين غير أميركيين مثل المورّدين الأوروبيين. لا يزال معظم اللاعبين الأساسيين في المنطقة يعتبرون الولايات المتحدة مُورِّدًا حيويًا للأسلحة. لذلك تستطيع واشنطن، ويجب عليها، استخدام مكانتها المميزة لإرغام شركائها في المنطقة على التوفيق بين استخدامهم لنظم الدفاع ومراعاة المعايير الأميركية. وفي ظل غياب خطوة جريئة تصبّ في هذا الإطار، فسوف يحتدم التنافس الأوروبي، وتتفاقم معه الفوضى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

حسن ماجد هو الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة "دي أند إس كونسالتينغ" للاستشارات الاستراتيجية في باريس، والمتخصصة في الأعمال الدفاعية والتحليل الجيوسياسي خصوصًا في الشؤون المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حائز على دكتوراه في الإدارة الاستراتيجية مع التركيز على العلاقات بين الدولة القومية وصناعة الأسلحة.

جلال حرشاوي زميل أوّل متخصص في شؤون شمال أفريقيا في معهد المبادرة العالمية في سويسرا.