المحتويات

على الرغم من أن ما يُسمّى بالقوى العظمى بدأت بإرسال المساعدات الأمنية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل نحو قرنَين من الزمن، فإن المساعدات الأمنية في الزمن الحالي تعتبر من إرث الحرب الباردة بصورة أساسية. فخلال ذلك النزاع الطويل، عزّز كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مساعداته الأمنية إلى حد كبير. وإضافةً إلى إمدادات الأسلحة، اشتملت هذه التعزيزات الجديدة على المساعدات الإنمائية التي غُلِّفت في إطار نموذجَين رأسمالي وشيوعي تُحرّكهما الأيديولوجيا، على التوالي، ويقترنان بمحفّزات شرط أن تُوفِّق الجهات المتلقّية سياساتها واقتصاداتها السياسية مع الكتلة المناسبة، أي الغرب أو الشرق. باختصار، كانت المساعدات الأمنية في زمن الحرب الباردة جزءًا من صفقة كاملة.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، باتت هذه المقاربة الشاملة غير مستدامة بالنسبة إلى الدولة الروسية التي حلّت مكان الاتحاد. وهكذا أُسقِطت المساعدات الإنمائية والإرشاد الأيديولوجي والعضوية في كتلة من الدول ذات الاصطفاف الموحّد، وظلّت المساعدات الأمنية الأداة الأساسية الوحيدة في تظهير القوة الروسية. وحتى هذه المساعدات خُفِّض نطاقها. فالتحالفات العسكرية والانخراط ذو الطابع التطفّلي مع القوات المسلحة للجهات المتلقّية استُبدِلت على نحوٍ شبه كامل بمبيعات الأسلحة المقرونة بتدخلات أحادية قائمة على استراتيجية المنطقة الرمادية.

مسار المساعدات الأمنية الأميركية للشرق الأوسط مشابهٌ للمسار الروسي، ولو كان متخلِّفًا عنه بفارق زمني ممتدٍّ لعقدٍ أو أكثر، ومن دون إضافة الأنشطة الواسعة القائمة على استراتيجية المنطقة الرمادية. لقد شكّل التدخل الكارثي في العراق في عام 2003 ذروة المقاربة المتحررة من أي قيود التي استخدمتها الولايات المتحدة في حقبة الحرب الباردة. ووضعَ هذا المجهود الفاشل لتحويل العراق إلى شعلة للديمقراطية العربية، أو حتى لتشكيل حكومة وطنية شرعية وفعّالة، حدًا، بصورة نهائية ربما، لمحاولات قولبة الدول القومية المتلقّية كي تصبح على صورة أميركا. وعلى غرار روسيا، جعلت الولايات المتحدة من شحنات الأسلحة المكوِّن الأساسي في مساعداتها الأمنية. وفي حالة الولايات المتحدة، يُستكمَل ذلك ببناء قدرات الشركاء، أو ما تسمّيه وزارة الدفاع الأميركية BPC، من خلال برامج راسخة لصيانة المعدات وضمان استدامتها، وجهود أوسع نطاقًا لترقية القدرات العسكرية. تأمل واشنطن بأن يتيح لها بناء قدرات الشركاء إظهار قوتها بكلفة أدنى مع نشر عدد أقل من الجنود على الأرض مقارنةً بنموذج المساعدات الأمنية المتوارَث من حقبة الحرب الباردة.

تكاليف ومنافع نموذج المساعدات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة

لقد ساهمت العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية مجتمعةً في انتصار الولايات المتحدة على السوفيتيين في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة. وربما لم يكن ذلك ليتحقق لو لم تُدرِج واشنطن نقل الأسلحة في إطار المساعدات الأمنية الأوسع والدعم للتنمية والإشراك في التحالفات المدعومة من الولايات المتحدة. فهل بالغ صنّاع السياسات في الزمن المعاصر في تقدير أهمية نقل الأسلحة فيما قلّلوا من أهمية المساعدات الأمنية والإنمائية الأوسع نطاقًا؟

الجواب هو نعم على ما يبدو، وذلك لثلاثة أسباب.

أولًا، نقل الأسلحة رمزي. فدوره باعتباره مؤشّرا للضمانة الأمنية الأميركية يفوق عادةً قيمته العسكرية الفعلية. لقد عمدت حكومات عدّة في الشرق الأوسط، منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، إلى تنويع مصادر مشترياتها، مدفوعةً إلى حد كبير بالمخاوف من أن الولايات المتحدة ليست ملتزمة فعليًا بأمنها، حتى ولو اشترت أعدادًا كبيرة من نظم الأسلحة الأميركية الباهظة الثمن. والإخفاق في دمج بعض هذه الأسلحة ضمن عتاد الجيوش المتلقّية لم يحل دون الاستمرار في شرائها. وفي ذلك مؤشّرٌ على أن القيمة الرمزية للأسلحة أكثر أهمية حتى من جدواها القتالية في حسابات العملاء.

ثانيًا، يجري تنويع مصادر المشتريات للحد من التأثير الذي تمارسه جهة مورِّدة واحدة تفرض سيطرتها وشروطها في هذا المجال. وهكذا تزداد أعداد مصنّعي الأسلحة الراغبين في الدخول إلى سوق الشرق الأوسط المربحة. وخير دليل على الفاعلية المحدودة للاشتراط هو المحاولة السيّئة الطالع التي بذلتها إدارة أوباما للتأثير في الجيش المصري في أعقاب انقلاب تموز/يوليو 2013 من خلال تعليق المساعدات العسكرية في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه. وقد استأنف أوباما العمل بالمساعدات الأميركية إلى مصر في آذار/مارس 2015، بعدما عجز عن الضغط على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي باشر في تلك الفترة تنويع المصادر التي تشتري منها مصر أسلحتها. وفي غضون عامَين، تراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة الثالثة على قائمة مورّدي الأسلحة إلى مصر. تؤمّن فرنسا راهنًا 40 في المئة من مشتريات الأسلحة المصرية. وتأتي الولايات المتحدة بعد روسيا، وبالكاد تتقدّم على ألمانيا التي تتصدّر مصر قائمة الدول التي تشتري صادراتها من الأسلحة.

ثالثًا، كانت مشتريات الأسلحة الباهظة الكلفة وغيرها من النفقات العسكرية عاملًا مساهِمًا في الركود الاقتصادي في عدد كبير من بلدان الشرق الأوسط، فيما عزّزت في الوقت نفسه النفوذ السياسي للقوات المسلّحة. المفارقة أن الولايات المتحدة تبرّر عمليات نقل الأسلحة بذريعة أنها تساهم في الاستقرار، وهذا الكلام يعبّر، في أفضل الأحوال، عن نصف الحقيقة. فنقل الأسلحة يولّد، في الأغلب، مشكلات أكثر مما يساهم في الحلول. فمع انحسار القواعد السياسية للأنظمة، ازداد القمع الذي ساهم، مقرونًا بالتراجع الاقتصادي، في انعدام الاستقرار المزمن الذي تعاني منه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا فضلًا عن أن عدم الاستقرار يتوالد ويجرّ مزيدًا من عدم الاستقرار. فالأوضاع الأمنية التي تزداد هشاشةً في الشرق الأوسط تدفع باتجاه شراء مزيد من الأسلحة من مورِّدين إضافيين، ما يولّد دوّامة تسلّح متواصلة لا تعود بالفائدة لا على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولا على الولايات المتحدة.

المساعدات الأمنية في مقابل الأمن الفعلي

فيما تعزّزَ الطابع الأمني لعدد من بلدان المنطقة، ولعامة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تراجعَ الأمن بصورة عامة. تشير بعض الأدلة إلى أنه قد تكون هناك علاقة سببية بين الأمرَين. فبين عامَي 2000 و2018، بلغت حصّة التنمية في المساعدات الأميركية الإجمالية الثلثَين، في حين اقتصرت حصّة المخصصات العسكرية على الثلث فقط. ولكن في الشرق الأوسط، شكّلت المساعدات العسكرية 55 في المئة من مجموع المساعدات الأميركية للتنمية الخارجية الذي بلغ قدره 210 مليارات دولار. خلال تلك المرحلة، كان ما يزيد عن نصف المساعدات العسكرية الأميركية من نصيب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يُشار إلى أن القوات المسلحة في الشرق الأوسط هي الأكبر حجمًا على مستوى العالم، وذلك بحسب معدّل الحجم إلى عدد السكان، ومقياس الإنفاق كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي. ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بلغ حجم الأموال التي أنفقتها بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الدفاع كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي أكثر من ضعف المبالغ التي أنفقتها منطقة جنوب آسيا التي تحتل المرتبة الثانية في تصنيف المناطق من حيث الإنفاق على الدفاع. وبين البلدان العشرين التي تتصدر الإنفاق على استيراد الأسلحة، تقع تسعة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفقًا للكتاب السنوي لعام 2019 الذي وضعه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، زادت بلدان الشرق الأوسط وارداتها من الأسلحة بنسبة 87 في المئة بين 2009-2013 و2014-2018. وفي المرحلة الأخيرة، أي 2014-2018، بلغت حصّة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 35 في المئة من واردات الأسلحة العالمية، وأصبحت مصر، الفقيرة نسبيًا، ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم.

غالباً تفشل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في توفير الأمن بطريقة مناسبة لسكّانها على الرغم من أنها تُوظِّف استثمارات كبيرة في المجال الأمني. في عام 2019، كانت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن الأقل سِلماً في العالم، وفقًا لمؤشّر السلام العالمي. فمن أصل تسعة بلدان صُنِّفت بأنها الأكثر خطورة في العالم لعام 2019، تقع خمسة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعيش نحو 90 في المئة من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بلدان حيث مستوى الخطورة أعلى من المعدّل العالمي، في حين أن نحو مئة مليون نسمة تعيش في خمسة من البلدان الأكثر خطورة. بناءً عليه، تشير الأدلة إلى أن المساعدات الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تساهم في ظهور دول قوية خاضعة للمساءلة وتنعم بالسلام في منطقةٍ تتمتع بالاستقرار والأمن والأمان.

ليست النتائج أفضل بكثير لناحية مساهمة المساعدات الأمنية في تحقيق المصالح الأميركية. صحيحٌ أنه جرى احتواء التشدد الجهادي إلى حد كبير، ولكنه لم يشكّل، فيما خلا الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001، تهديدًا مباشرًا فعليًا للولايات المتحدة. وأمكن الحفاظ على تدفّق النفط، غير أن السبب الأساسي في ذلك يعود إلى قوى السوق لا إلى الأمن الذي يُفرَض من خلال التدابير العسكرية. أما المصلحة الوحيدة التي تحققت على نحوٍ واضح فهي مصلحة إسرائيل التي تزداد، وهذه مفارقة، استقلالًا عن الولايات المتحدة.

لقد دخلت روسيا من جديد إلى المنطقة في موقع القوة العسكرية، بعد انقطاع دام عقدًا من الزمن في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي. ويحقق الوجود الصيني في الميدان الاقتصادي وفي مجال القوّة الناعمة نموًا مطردًا. وباتت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة المنضوية في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) جهات منافِسة أساسية في أسواق السلاح المربحة في المنطقة. ولم يتم احتواء إيران التي تُعتبَر العدو الرئيس للولايات المتحدة في المنطقة. وتكتسب معظم البلدان العربية التي كانت على اصطفاف وثيق مع واشنطن، مثل مصر والإمارات العربية المتحدة، استقلالًا متزايدًا من الناحيتَين العسكرية والاستراتيجية. ويطرح غرق ليبيا وسورية واليمن في الفوضى، مقرونًا بالهشاشة المتزايدة التي تعاني منها الدولة في الجزائر والعراق ولبنان والسودان، علامات استفهام وشكوكًا حول استمرارية مختلف أشكال نظام الدولة الإقليمي القائم على مبادئ ومصالح متّفق عليها. ففي غياب مثل هذا النظام، سوف ينزلق الشرق الأوسط نحو تحالفات ونزاعات متبدِّلة باستمرار حيث يجب على الولايات المتحدة أن تتنافس مع مجموعة كبيرة من الأفرقاء لضمان مصالحها ومصالح حلفائها. في حال خضعت المساعدات الأمنية الأميركية للإصلاح، فهل سيمكنها ذلك، على الأقل، من معالجة بعض هذه التحديات؟

تكنولوجيا الأسلحة وإصلاح المساعدات الأمنية

تتخذ التطورات التكنولوجية في نظم الأسلحة شكلَين مختلفين. يتمثل الشكل الأول في المقتضيات المتزايدة على نحو مستمر والمرتبطة بتطوير الأسلحة الرائدة في مجالها، لا سيما الطائرات التي يقودها طيار، وبسعرها وصيانتها. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر الطائرة المقاتلة "إف-16" التي تشتريها البلدان العربية من 36 مليون دولار في مطلع الثمانينيات إلى 122 مليون دولار حاليًا. وبعدما كان ثمن مروحية "أباتشي" 11 مليون دولار في عام 1995، أصبح 61 مليون دولار في عام 2020. وتُفيد تقارير بأن الإمارات سوف تدفع 10.4 مليارات دولار مقابل 50 مقاتلة "إف-35" طلبتها في عام 2020، أي إن سعر الطائرة الواحدة يتخطى 200 مليون دولار. أما تكاليف الصيانة والتدريب الخاصة بالمعدات التي تُستخدَم فيها تقنيات تزداد تطورًا فترتفع بوتيرة أسرع. إضافةً إلى التكاليف المرتفعة، يجب أيضًا دمج هذه الأسلحة في إطار النظم الإلكترونية المعقّدة لمراقبة ساحة المعركة والتي صُمِّمت كي تكون جزءًا منها، وهذه النظم هي أيضًا باهظة الثمن وكلفة صيانتها مرتفعة. فهذه الأسلحة والنظم ذات التقنيات المتطورة جدًا صُمِّمت بصورة أساسية لاستخدامها من جانب الجيش الأميركي، وتستنفد حتى قدرات البنتاغون.

أما النزعة الثانية فهي على طرف نقيض من النزعة الأولى في طيف التسلّح. فهناك أسلحة متطورة وغير متناظرة تصبح أكثر سهولة في التشغيل، وتتراجع كلفتها، وتزداد فتكًا. والأمثلة الأبرز على هذه النزعة هي الطائرات المسيّرة والصواريخ. فاستخدامها الفعّال، الذي ظهر مثلًا من خلال التحرّك التركي في غربي ليبيا في عام 2020، وما أقدمت عليه إيران ضد منشآت النفط السعودية في بقيق في أيلول/سبتمبر 2019، يطرح علامات استفهام وشكوكًا حول كلفة نظم الأسلحة الأكثر تعقيدًا والأغلى ثمنًا وفعاليتها في ساحة المعركة. وهذه الأسلحة التي أطلق عليها جنرال أميركي اسم "أسلحة Costco" في إشارة إلى متاجر التجزئة الشهيرة، تطرح تحدّيًا فيما يتعلق بالدور الذي تؤدّيه الأسلحة الأكثر قيمة وتطورًا في المساعدات الأمنية الأميركية.

تترتب على هذه النزعات التكنولوجية المتباينة آثار مهمّة حتى على الجيوش المتطوّرة. فهي تتطلب، في حالة الجهات المتلقّية، تكييفًا أكثر تأنّيًا للمشتريات مع الاحتياجات والموارد والإمكانات مقارنةً بالسابق. فقد بات عدد كبير من الجيوش في الشرق الأوسط أقل قدرة على شراء الجيل الجديد من نظم الأسلحة المتطوّرة وصيانته وتشغيله، ولذلك قد تُلبّى احتياجاتها على نحوٍ أفضل من خلال التركيز بصورة أكبر على الأسلحة غير المتناظرة مقرونةً بالعناصر البشرية والتنظيمية في قواتها المسلحة. ولكن حتى الآن، يستمر السباق على حيازة الأسلحة المتطورة في المنطقة، بدافعٍ من الاحتياجات الفعلية وتلك المتعلقة بالسمعة، دون إجراء تحليلات متأنّية لكلفة تلك الأسلحة في مقابل منافعها.

نحو مساعدات أمنية أميركية أكثر فعالية

من غير الممكن العودة إلى نموذج الحرب الباردة القائم على المساعدات الأمنية الشاملة والمقرونة بدعم واسع للتنمية. ما يمكن فعله هو إعادة تصوّر المساعدات الأمنية الثنائية، وفي الوقت نفسه التشجيع على إنشاء هندسة أمنية شرق أوسطية. والخطوة الأساس في هذا الإطار هي إعادة توزيع الوزن المعطى لكل واحد من المرتكزات الأساسية للمساعدات الأمنية، وهي، وفقًا لترتيب الأهمية الحالي، عمليات نقل الأسلحة، وصيانة تلك الأسلحة، والتدريب والمشورة، وبناء المؤسسات. تشكّل المؤسسات العاجزة في البلدان المتلقّية عوائق أمام بناء جيوش فعّالة ذات كفاءة وتشغيلها، إنما أيضًا أمام إرساء توازنات مناسبة بين التزامات الأمن القومي والاحتياجات العامة الأخرى. وفيما تصبح الجيوش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر تعقيدًا وفتكًا وكلفة، تزداد الحاجة إلى الارتكاز، في تطويرها وعملياتها، على الاستراتيجيات والموازنات والتنظيم الداخلي انطلاقًا من تحليل التهديدات والإمكانات. وفي هذا الصدد، يجب إصلاح وزارات الدفاع التي تعمل عادةً بصورة مستقلة عن الحكومات المدنية في المنطقة، وتتألف طواقم عملها في أكثريتها الساحقة من عسكريين ذوي مهارات غير كافية للاضطلاع بهذه المهام، ودمجها في مؤسسات حكومية أخرى وإخضاعها لرقابتها. وتتمتع الولايات المتحدة بمزايا مقارنةً بغيرها من الدول في مجال دعم بناء المؤسسات. والمنافع المحتملة التي تنتج عن هذا النوع من التنمية تتخطى بأشواط تلك التي يولّدها شراء منظومة أسلحة جديدة باهظة الثمن.

على المستوى الإقليمي، يتحقق التحسّن الأكبر في الأمن من خلال الحد من تدفقات الأسلحة. ولكن فرض الشروط ليس إجراءً فعّالًا بحسب ما أظهرته محاولات إدارة أوباما للتعامل مع السيسي. حظر السلاح إجراء مضلَّل أيضًا. ويُشار في هذا السياق إلى أن المحاولة التي بُذِلت في مطلع الخمسينيات لفرض حظر سلاح على مصر انتهت بإبرام صفقة السلاح المصرية-التشيكوسلوفاكية في عام 1955، فكان ذلك إخفاقًا تقليديًا من إخفاقات الغرب في الحرب الباردة. وفي أعقاب حرب الخليج الأولى، سعت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب إلى الحد من نقل الأسلحة التقليدية وغير التقليدية إلى العراق، وطلبت الدعم من كبار مورّدي الأسلحة في هذا المجال. وقد باءت هذه المساعي بالفشل.

يُشير هذا التاريخ المؤسف، وهذه مفارقة، إلى أن اعتماد مقاربة أوسع نطاقًا، بدلًا من مقاربة تركّز حصرًا على الحد من نقل السلاح، قد يكون لديه حظوظ أكبر في النجاح. يجب على صنّاع السياسات النظر إلى نماذج نشأت خلال الحرب الباردة ونجحت في تحسين التواصل، وخفض احتمالات النزاع، والحد من سباقات التسلّح. المثال الأكبر على ذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي تتألف من سبع وخمسين دولة عضو، ولعله المثل الأكثر ملاءمة في هذا المجال. يجب العمل على إنشاء إطار أمني شرق أوسطي بعد طول انتظار وتأخير. فمن شأن مجهود يقود إلى بناء هذا الإطار أن يساهم في تحقيق مكاسب لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تفوق تلك التي تؤمّنها سلسلة من الالتزامات الرامية إلى الحد من نزاعات محددة ومن تأثيراتها في مجموعة كبيرة من الساحات الإقليمية.

خلاصة

الهيكلية الحالية للمساعدات الأمنية الأميركية لا تخدم المصالح الأميركية ولا مصالح دول المنطقة. فهي تركّز أكثر مما ينبغي على نقل الأسلحة، وتعاني من قصور شديد فيما يتعلق بتحسين المؤسسات الوطنية أو إنشاء إطار أمني إقليمي. تتحمّل الجهات المتلقّية للمساعدات الأمنية تكاليف غير متكافئة مع مواردها، وعلى الأرجح مع احتياجاتها الدفاعية الفعلية. حتى إن الأسلحة التي تحصل عليها ليست مناسبة من أجل التصدّي للتهديدات الأكثر أهمية التي تحدق بأمنها القومي. لقد حان الوقت، بعد طول تأخير، لإجراء مراجعة معمّقة للمساعدات الأمنية الأميركية، وإشراك المورّدين الآخرين والجهات المتلقّية في نقاش طال انتظاره حول الطرق والوسائل التي تتيح تعزيز الأمن مقابل كلفة أقل.

روبرت سبرينغبورغ باحث غير مقيم في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في روما، وأستاذ مساعد في جامعة سايمون فرايزر في فانكوفر. كان أستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية وأستاذ كرسي محمد بن عيسى الجابر لدراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية في لندن. أحدث مؤلّفاته "مصر" (Egypt) (2018)، و"الاقتصادات السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"(Political Economies of the Middle East and North Africa) (2020)، الصادران عن منشورات "بوليتي برس".