المحتويات

كان تدخُّل روسيا في الحرب الأهلية السورية في أواخر عام 2015 وراء عودتها إلى سياسة النفوذ في الشرق الأوسط. اليوم، بعد مرور أكثر من خمس سنوات، تُقدّم هذه العملية مثالًا نموذجيًا عن المهارات التي يتمتع بها نظام فلاديمير بوتين في المجازفة المدروسة، والعمليات العسكرية المحدودة، وغرس سرديات قوية في عقول صنّاع القرارات في العالم. طوال مرحلة التدخّل، حظي المسؤولون الروس، على نحوٍ واضح، بآذان صاغية لدى جميع الحكومات تقريبًا في المنطقة. والهجوم الدبلوماسي الذي شنّه الكرملين بهدف الاستمالة وكسب الدعم محا ذكريات الغياب الروسي عن المنطقة على امتداد نحو ثلاثين عامًا، وقد بذلت موسكو مساعيَ حثيثةً لدقّ إسفين بين واشنطن وعدد من شركائها المقرّبين.

طوال سنوات، ذهب المسؤولون الأميركيون بعيدًا في توهُّم التراجع الروسي، ولم يدركوا أن اختفاء النفوذ الروسي في الشرق الأوسط كان، في الواقع، ظاهرة انتقالية شاذّة. لا شك في أن النجاحات التي تبجّحت بها موسكو لم تحدث في فراغ. فقد انتهز الكرملين سلسلة من الفرص التي أوجدها صنّاع السياسات الأميركيون وحظيت بدعاية واسعة، منها تردُّد الولايات المتحدة الشديد في التدخّل مباشرةً في الحرب الأهلية السورية، وأسلوب الرئيس السابق دونالد ترامب الشخصي والغريب جدًا في إدارة العلاقات الأساسية في المنطقة.

تؤكّد المقاربة الروسية في التعاطي مع الشرق الأوسط، في جزءٍ كبير منها، القول المأثور بأن 80 في المئة من النجاح في الحياة قائم على الاستعراض والتباهي. لقد سعى الكرملين بإصرار إلى انتزاع أقصى قدر ممكن من المنافع انطلاقًا من المجموعة المحدودة من الأدوات المتاحة له. ولكن قليلا من الجهود التي بذلتها موسكو ضاهت بالحدّ الأدنى الثقل الكبير الذي تتمتع به واشنطن في مختلف أنحاء المنطقة، ناهيك عن علاقاتها الواسعة وعن موارد النفوذ الأمني والاقتصادي والسياسي والعسكري التي تستند إليها واشنطن بصورة روتينية.

واقع الحال هو أن صعود روسيا من جديد في الشرق الأوسط أظهر براعة الكرملين في تحقيق نتائج دبلوماسية وعسكرية مهمّة من خلال الاكتفاء بتوظيف الحد الأدنى من الاستثمارات. فهل صحيحٌ أن روسيا التي تتساوى في إجمالي الناتج المحلي مع كوريا الجنوبية والبرازيل، والتي تملك بصمة عسكرية صغيرة إلى حد ما، أحدثت تحوّلًا في المشهد الجيوسياسي في المنطقة بكاملها؟ لا أظن ذلك. لكن واشنطن وقعت أحيانًا في الفخ الفكري المتمثّل بتضخيم النفوذ والإمكانات الروسية. وغالبًا ما نظرت أيضًا إلى الجهود الهادفة إلى التصدّي للغزوات الروسية بأنها غايةٌ بحد ذاتها، فتعاملت مع الشرق الأوسط على أنه جزءٌ من صراع عالمي أوسع نطاقًا تحت خانة المنافسة بين القوى العظمى والمعركة ضد النفوذ الروسي الخبيث.

أدوات روسيا المحدودة تنفيذًا لأطماعها في الشرق الأوسط

كانت نجاحات موسكو المزعومة في الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة مثيرة للدهشة على وجه الخصوص بسبب محدودية الأدوات التي تعتمد عليها القيادة الروسية. فقد أعطى بوتين وشخصيات قيادية أخرى، مرارًا وتكرارًا، الأولوية للمبادرات السياسية التي تمنحهم بروزًا واسعًا على الساحة العامة، وللهجمات اللفظية على الولايات المتحدة مفضّلين إياها على أي قدرة أخرى  على تحقيق أهداف ملموسة في السياسات.1 ففي حين يتبجّح المسؤولون الروس باستعدادهم للانخراط الشامل مع مختلف الأفرقاء في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأفرقاء المثيرون للجدل مثل حماس وحزب الله، لم يوظّفوا أي رأسمال سياسي جدّي في العمل على التخفيف من حدّة التشنجات الإقليمية أو معالجة الأسباب المزمنة التي تقف خلف انعدام الاستقرار المجتمعي وضعف التنمية.

بدلًا من ذلك، يفضّل الكرملين الاعتماد على الحوار السياسي بين كبار الشخصيات، وعلى صادرات السلاح، والتعاون النووي المدني، ومشاريع التنقيب والشحن في قطاع النفط والغاز، وصفقات البنى التحتية، وصادرات الحبوب، والتجارة التقليدية، والأنشطة الاستثمارية من أجل الإعلان عن وجوده. تستحوذ مبيعات الأسلحة الروسية عمومًا على حصّة الأسد في التجارة الروسية مع المنطقة. ولكن هذه المبيعات هي مجرد جزء صغير مقارنةً بالمبيعات الأميركية. (بين عامَي 2000 و2019، بلغت المبيعات الأميركية أكثر من 45 في المئة من جميع الأسلحة التي بيعت إلى الشرق الأوسط).

تكاد روسيا تكون غير موجودة في قائمة الشركاء الاقتصاديين للمنطقة. فعلى الرغم من امتلاكها احتياطيات كبيرة بالعملات الصعبة ومن الإرث الطويل للمساعدات الإنمائية الواسعة النطاق في الحقبة السوفياتية، لم تُبدِ روسيا اهتمامًا بأن تكون من الدول المانحة الأساسية أو مصدرًا للمساعدات بعد النزاعات. وفي المسألة السورية، تحوّلت روسيا نحو الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبلدان الخليج الثريّة لتمويل المساعدات الواسعة النطاق لإعادة الإعمار ومشاريع البنى التحتية. ووسط التداعيات الوخيمة التي أحدثها تفشّي جائحة كورونا في أجزاء عدة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم ترسل موسكو سوى شحنات ضئيلة من لقاح "سبوتنيك في" إلى البلدان المعوزة فيما حاولت إطلاق شراكات تجارية لمساعدتها على تخطّي المعوّقات التي تعترضها في إنتاج اللقاحات في الداخل الروسي.2 ولم تدعم توزيع كميات كافية من اللقاح عبر منصة "كوفاكس" التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية من أجل توفير اللقاحات للبلدان الهشّة ذات الدخل المتدنّي.

لقد شهدت العلاقات مع الدول المصدِّرة للنفط توتّرًا في بعض الأحيان. في مطلع عام 2020، أخطأ القادة الروس في تقدير تداعيات الجائحة على الطلب العالمي على النفط. وقد أظهروا تعنّتًا في تمسّكهم برفض النداءات المتكررة التي وجّهتها الرياض من أجل بذل جهود مشتركة لتثبيت السوق، وسعوا بدلًا من ذلك إلى استخدام التراجع في أسعار النفط الخام وسيلةً لمعاقبة منتجي النفط الصخري الأميركيين الذين استحوذوا على حصّة في السوق على حساب روسيا. فصدر ردٌّ عنيف للقادة السعوديين، ما أطلق حرب أسعار لم تُعمِّر طويلًا وقد أرغمت موسكو على اعتماد خفوضات أكبر في الإنتاج وصلت إلى خفض الإنتاج النفطي الروسي لعام 2020 بنسبة 9 في المئة تقريبًا مقارنةً بمستويات 2019. وقد سارع الكرملين والسعوديون إلى رأب العلاقات بينهما، وحقّق التنسيق بينهما تحت رعاية "أوبيك بلاس" نجاحًا تخطّى بأشواط التوقعات الأولية، ما أتاح لعقود خام برنت الآجلة أن ترتفع من جديد فوق مستوى الـ60 دولارًا في شباط/فبراير 2021.

تخطّي التنافس بين القوى العظمى

تبنّت إدارة ترامب التنافس بين القوى العظمى باعتباره مبدأً منظِّمًا أساسيًا لمقاربتها للسياسة الخارجية. وفقًا لهذه النظرة، تندرج الغزوات الروسية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، بصورة أساسية، في إطار سباق عالمي جديد على النفوذ يضع الولايات المتحدة في مواجهة القوى التعديلية مثل روسيا والصين. يقول المبعوث الأميركي السابق لدى سورية جيمس جيفري إن تطبيق هذه المقاربة في الشرق الأوسط أتاح على وجه الخصوص "تجنُّب التورّط في الشؤون المحلية مع الاستمرار في الضغط لدرء المخاطر الإقليمية وتلك التي يتسبب بها شبه الأقران. وقد عنى ذلك، في الممارسة، احتواء إيران وروسيا مع القضاء على التهديدات الإرهابية الخطيرة".3

من مساوئ هذه المقاربة أنها تنطلق من التسليم بأن الأهداف الأميركية والروسية في المنطقة هي بطبيعتها على تبايُن دائم. وقد شجّعت أيضًا التفكير المتفائل بأن استمرار ممارسة الولايات المتحدة لنفوذها قد يؤدّي بطريقة ما إلى طرد روسيا من أماكن مثل سورية (حيث تنشط منذ الستينيات)، أو إلى إخراجها من المنطقة بكاملها. وتجاهلت أيضًا، بما يتناسب مع أهدافها، واقع أن مجالات النفوذ الروسي في إسرائيل توسّعت إلى حد كبير خلال عهد بنيامين نتنياهو. حَفّز هذا التفكير، بطريقة مفهومة إلى حد ما، التدهور الشديد في العلاقات الثنائية الأميركية-الروسية وسلسلة كبيرة من الخطوات الروسية غير المواتية في أجزاء من العالم. بيد أن صنّاع السياسات الأميركيين ينظرون عمومًا إلى التصدّي للنفوذ الروسي بأنه غاية بحد ذاتها، ويضخّمون إمكانات الكرملين الفعلية على صعيد مواجهة النفوذ الأميركي، ويتجاهلون السبل الممكنة لاستقطاب التعاون الروسي في مجالات حيث لا يزال ممكنًا تحقيق بعض الاصطفاف في مصالح الطرفَين، على الأقل من الناحية النظرية.

يُعلّمنا التاريخ الحديث أن أهداف السياسة الروسية في الشرق الأوسط ليست متجذّرة ببساطة في تقويض المصالح الأميركية عند كل منعطف. ولعل إيران هي المثل الأبرز في هذا الإطار. فتدخُّل موسكو لفترة طويلة في المفاوضات حول الاتفاق النووي الإيراني كان شاهدًا على تعقيدات علاقاتها بطهران، ما يشير إلى أن الكرملين يقوم بما هو أكثر من أداء دور الجهة التي تُفسِد على الولايات المتحدة خططها في المنطقة. ومن المنظار عينه، تمكّنت إسرائيل من شنّ حملة عسكرية متواصلة ضد البنى التحتية الصاروخية والعسكرية الإيرانية في سورية دون أن تواجه ضغوطًا كبيرة من القيادة الروسية لحملها على التراجع.4 ويُشار أيضًا إلى أن العلاقة الراسخة جدًا بين نظام بشار الأسد وإيران تضع عوائق خطيرة أمام مساعي موسكو للتوصل إلى حل سياسي للحرب الأهلية السورية. ليس المقصود من كل ذلك أنه على صنّاع السياسات الأميركيين أن يتعاملوا بسذاجة مع الممارسات الروسية، أو أن يتجاهلوا الأنشطة الروسية المؤذية أو المخلّة بالاستقرار، أو أن يُعلّقوا آمالًا في غير محلها مثلًا على حدوث انقسام وشيك بين الروس والإيرانيين. ولكن في الحد الأدنى، يجب أن تبتعد الولايات المتحدة عن الخطوات التي تدفع بخصومها إلى تعزيز التقارب بينهم أو تزيد صعوبة الأوضاع المعقّدة أصلًا.

الاستثمار في نزعة روسيا إلى تجاوُز إمكاناتها

تُجري إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حاليًا مراجعةً للانتشار العسكري الأميركي في أنحاء العالم وتحاول إعادة ضبط علاقاتها مع شركاء إشكاليين في المنطقة. لن يكون تصويب الميزان مهمةً سهلة، لا سيما في ضوء تنامي الحراك الإيراني في مختلف أنحاء المنطقة. ولكن من الصعب تجاهُل أن الوجود الأمني الأميركي توسّع إلى حد كبير في المنطقة منذ عام 1991، وأن الأدوات العسكرية اكتسبت أولوية متزايدة في السياسة الأميركية. فيما تحاول إدارة بايدن إنهاء بعض هذه الالتزامات، سوف يكون عليها استنباط سياسات لا تلحق بها هزيمة ذاتية ولا تكون مصدرًا لانتصارات سهلة تحققها روسيا.

إذا كانت الولايات المتحدة جادةً بشأن خفض العبء الذي تتحمله في الشرق الأوسط، عليها أن تختبر على الأقل إمكانية اعتماد أسلوب مختلف في التعاطي مع موسكو، وذلك من خلال تجنُّب إغراء التعامل مع كل مظهر من مظاهر النشاط الروسي انطلاقًا من المثل القائل بأن كل مَن يحمل مطرقةً يرى كل شيء وكأنه مسمار. ويقتضي ذلك أيضًا محاولة إشراك روسيا في مبادرات دبلوماسية تتعلق بأمن الخليج الفارسي في المستقبل، والأزمة في اليمن، ومكافحة الإرهاب.

يتمثّل أحد عناصر النجاح الأساسية في القدرة على تحديد أولويات واضحة مع الحفاظ على درجة من الثبات والثقة بالنفس بشأن مكامن القوة الدائمة لدى الولايات المتحدة ومخزوناتها من النفوذ. أحيانًا بالنسبة للولايات المتحدة، يتطلب الحذر من الأنشطة الروسية المرفوضة التعامل بحزمٍ مع حلفاء الولايات المتحدة الذين يساهمون في غزوات الكرملين الانتهازية. تبرز في هذا الصدد عدة أمثلة إيجابية وسلبية. فعلى سبيل المثال، أظهر المسؤولون الأميركيون، في إدارتَي بايدن وترامب على السواء، ترددًا في انتقاد الدعم المالي والسياسي الذي قدّمته الإمارات العربية المتحدة للتدخل العسكري الروسي في ليبيا وشحنات الأسلحة التي أرسلها الكرملين إلى هناك. وفي حالة مصر، اتخذ المسؤولون الأميركيون موقفًا أكثر حزمًا، ونجحوا في قطع الطريق على الطلبات التي وجّهتها روسيا إلى الجيش المصري للسماح لها بإنشاء قواعد والتحليق في الأجواء المصرية. وأُحبِطت المحاولات الروسية لتوسيع التعاون الدفاعي مع الجيش اللبناني الذي تعرّض لضغوط من شريكَيه الأساسيين، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بالتنسيق فيما بينهما لإفشال هذه المساعي.

ينبغي على صنّاع السياسات الأميركيين أيضًا ألا يعقدوا آمالًا مفرَطة على قدرة العقوبات على تسوية المشكلات. فقد استغل الكرملين مثلًا بيع أنظمة صواريخ "إس-400" إلى أنقرة ليدقّ إسفينًا بين تركيا من جهة وواشنطن وبروكسل من جهة ثانية. وليست العقوبات المفروضة بموجب قانون مواجهة أعداء أميركا من خلال العقوبات (CAATSA)، كافية لتغيير حسابات أنقرة. ثمة خطرٌ بأن يتكرر السيناريو نفسه مع شركاء آخرين مخضرمين للولايات المتحدة بطرقٍ من شأنها إلحاق الضرر بالعلاقات الأساسية دون أن تضع حدًا لصفقات الأسلحة التي تطرح إشكاليات.

في الوقت نفسه، لا شك في أن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة مثل السعودية ودول الخليج الأخرى يدركون أن موسكو لن تساعدهم على الأرجح في التصدي للأنشطة الإيرانية الخبيثة، وأنها لن تُعرّض علاقاتها مع طهران للخطر. يعتمد الجيش السعودي بصورة شبه كاملة على الدعم الأميركي لتسيير عملياته. ولا يزال السعوديون يحتاجون إلى التشارك الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وإلى التدريبات الأميركية والدعم الأميركي للصيانة في العمليات الدفاعية الحالية والمستقبلية، ومن غير المرجّح أن ينخرطوا مع روسيا بطريقة يمكن أن تؤدّي إلى تقويض هذه المجموعة الأساسية والراسخة من أوجه الاعتماد على الولايات المتحدة. ومن شأن شراء عدد كبير من المعدات العسكرية الروسية المتطورة أن يتسبب بالخلل في جوانب أساسية من المنظومة العسكرية السعودية.

يواجه المصريون الوضع نفسه، ولو بدرجة أقل. لكن قرار القاهرة شراء أربع وعشرين مقاتلة روسية من طراز "سو-35" قد يتسبب بمواجهة مماثلة لما حدث بين الولايات المتحدة وتركيا على خلفية شراء هذه الأخيرة أنظمة الدفاع الجوي الروسية "إس-400". ليس السؤال الأساسي بالنسبة إلى صنّاع السياسات الأميركيين ما إذا كانت صفقة البيع مرفوضة، فمن الواضح أنها كذلك. ولكن لا يمكن الجزم في الحال بأن هذه الطائرات الروسية سوف تؤدّي إلى الإخلال بتوازن الأمن الإقليمي أو بالعلاقات الدفاعية الثنائية بين الولايات المتحدة ومصر، والتي لا تزال تخدم المصالح الأميركية. على الأرجح أن إدارة بايدن ستشعر بأنها مضطرة إلى التلويح بالعقوبات بموجب قانون CAATSA، ولكن صفقة البيع تكشف عن محدودية العقوبات كأداةٍ لوقف التدابير الحكومية (وذلك خلافًا لتدابير الكيانات التجارية التي هي أقل قدرة بكثير على تحمّل المشقات والاختلالات). الأساس هو إرساء التوازن الصحيح من خلال توجيه رسالة استياء دون أن يُتوقَّع أن العقوبات بحد ذاتها سوف تدفع بالقاهرة نحو إعادة النظر في صفقة الأسلحة.

في المرحلة المقبلة، ينبغي على صنّاع السياسات الأميركيين التنبه إلى نزعة الكرملين لتجاوُز إمكاناته والتصرف بطريقة خرقاء. ومن شأن دراسة الهفوات الروسية أن تتيح استخلاص العبَر لصنع السياسات في المستقبل. مثلًا، مُني نشر كتيبة كبيرة من المرتزقة الروس في ليبيا بالهزيمة أمام التدخل العسكري التركي الذي قصم ظهر قوات اللواء خليفة حفتر وساهم في إنعاش الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة تحت رعاية الأمم المتحدة. وبعد تسديد هذه الضربة إلى الكرملين، من الأجدى بصنّاع السياسات الغربيين أن يفسحوا مجالًا للتعاون على مشارف الانتخابات الليبية المرتقبة في أواخر عام 2021. من شأن هذا التعاون الذي يخاطب الانتهازية الاقتصادية الروسية، أن يساعد على إرساء الأسس لانسحاب القوات الروسية في مرحلة لاحقة.

ثمة مسائل أخرى في الأفق حيث يُرجَّح أن تصطدم الأطماع الروسية بالواقع. على سبيل المثال، وبعدما كانت مصر قد تحوّلت نحو صندوق النقد الدولي ووقّعت معه في عام 2020 اتفاق استعداد ائتماني يسمح للسلطات المصرية بسحب 1.7 مليار دولار، تنوي الآن استدانة 25 مليار دولار من روسيا لتمويل بناء المفاعل النووي المدني في مدينة الضبعة بعد تأخير طالت مدته في تنفيذ المشروع. وقد فشلت مشاريع المفاعلات النووية المدنية الروسية في الأردن وجنوب أفريقيا في عام 2018 وسط تساؤلات عن ترتيبات تمويلية مشبوهة ومنطق اقتصادي هزيل.5 ومن الواضح أن توصيف الحكومة المصرية الحالم لحيوية المشروع الاقتصادية تستدعي تدقيقًا عن كثب.6

خلاصة

دور الكرملين المستجِد في الشرق الأوسط هو واقعٌ لا يمكن ببساطة التخلص منه عن طريق التمني. في المستقبل المنظور، سوف ترى موسكو في المنطقة ساحةً مهمة كي تقضم شيئًا فشيئًا من قيادة الولايات المتحدة للنظام الدولي، وتثبّت ادّعاءها بأنها لاعبٌ مهم على الصعيد العالمي. ولكن من الخطأ المبالغة في تقدير عمق الإمكانات الروسية أو اعتبار النزعة الانتصارية الروسية والمغامرات في العلاقات العامة حنكةً في حل المشكلات. ففي حين أن دبلوماسية الكرملين الناشطة واستغلاله الحذر لأخطاء الأفرقاء الآخرين جعلا منه قوّة لا يُستهان بها، لن يرغب صنّاع السياسات الأميركيون في الإذعان للإرادة الروسية. ففي نهاية المطاف، الولايات المتحدة تملك أدوات متفوّقة إلى حد كبير، ما يؤمّن لها مزايا مهمة ومصادر لممارسة الضغط.

بالطبع، سوف يتوقف الكثير على قدرة صنّاع السياسات الأميركيين على تجنُّب تكرار الأخطاء التي ارتكبوها بأنفسهم والتي كانت من الأسباب وراء زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وإلحاق الضرر بمكانة أميركا العالمية، فضلًا عن مساهمتها في خلق فرص كثيرة أمام موسكو. تُشكّل الجهود التي بادرت إدارة بايدن باكرًا إلى بذلها، وتتمثّل بتصحيح العلاقات عبر الأطلسي، وإعادة تأكيد القيادة الأميركية في الأمم المتحدة، وإعادة تثبيت المصداقية الأميركية في تبنّي المعايير والمؤسسات المتعددة الأطراف – تشكّل كل هذه العوامل انطلاقة جيدة ويجب أن تعود بالمنافع مع مرور الوقت. القبول بالدور الروسي في الشرق الأوسط لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الأميركية. ولا يجب إغلاق الباب تمامًا في وجه البحث عن سبلٍ للتعاون مع موسكو في حال أُتيحَت مثل هذه الفرص.

هوامش

1 جاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: "لا نريد ممارسة النفوذ لمجرد إرغام الآخرين على تنفيذ تعليمات موسكو. ... ما نريده هو الأمن وتعايش الثقافات والحضارات والأديان. لم تتسبب أيٌّ من الخطوات التي أقدمت عليها روسيا في الشرق الأوسط لسببٍ أو لآخر، بالشقاق أو بزرع الانقسام بين مجموعات إثنية أو دينية أو حضارية". انظر: Foreign Minister Sergey Lavrov’s remarks and answers to questions during the Valdai International Discussion Club’s panel on Russia’s policy in the Middle East, Sochi, October 2, 2019,” Ministry of Foreign Affairs of the Russian Federation,” October 2, 2019, https://www.mid.ru/foreign_policy/news/-/asset_publisher/cKNonkJE02Bw/content/id/3826083?p_p_id=101_INSTANCE_cKNonkJE02Bw&_101_INSTANCE_cKNonkJE02Bw_languageId=en_GB.

2 تركيا والجزائر هما الشريكان الأبرز راهنًا لناحية قدرتهما الواعدة على إنتاج لقاح "سبوتنيك في"، على الرغم من أنه لم يُكشَف سوى عن تفاصيل محدودة بهذا الشأن.

3 يبدو أن جيفري عرّف النجاح بأنه توريط روسيا (إلى جانب نظام الأسد وشركائها الإيرانيين) في مأزق عسكري في سورية. ("لدينا خطة ألف. الخطة ألف لا تجيب عن السؤال "كيف ينتهي هذا كله؟" الهدف من الخطة ألف [هو] هو عدم حصول الروس والأسد والإيرانيين على جواب مفرح حول الطريقة التي سينتهي بها هذا كله، ولعل ذلك سوف يحملهم يومًا ما على القبول بالخطة باء. في الانتظار، إنهم في ورطة، ولا يعتبرون أنهم انتصروا في سورية".) انظر: Jared Szuba, “Outgoing Syria Envoy Reflects on Turkey, the Kurds and What Everyone Got Wrong,” Al-Monitor, December 9, 2020, https://www.al-monitor.com/originals/2020/12/trump-syria-envoy-jeffrey-mideast-policy-turkey-erdogan.html.

4 أحد الاستثناءات الصارخة كان إسقاط طائرة استطلاع عسكرية روسية عن طريق الخطأ على أيدي قوات الدفاع الجوي السورية ظنًا منها أنها مقاتلة إسرائيلية في خريف 2018، ما أسفر عن مقتل خمسة عشر جنديًا روسيًا.

5 تعطّلَ مشروع قادته روسيا بقيمة 76 مليار دولار في جنوب أفريقيا بعد حملة ضغط متواصلة شنّها نشطاء في المجتمع المدني ومشترعون طرحوا تساؤلات بشأن الأساس المنطقي لهذا المشروع وخرق قوانين الشراء الحكومية. فأثار ذلك فضيحةً تُوِّجت باستقالة رئيس جنوب أفريقيا آنذاك جاكوب زوما. انظر: Eugene Rumer and Andrew S. Weiss, “Nuclear Enrichment: Russia’s Ill-Fated Influence Campaign in South Africa,” Carnegie Endowment for International Peace, December 16, 2019, https://carnegieendowment.org/2019/12/16/nuclear-enrichment-russia-s-ill-fated-influence-campaign-in-south-africa-pub-80597.

6 وفقًا لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية، "لا يشكل القرض الروسي بقيمة 25 مليار دولار عبئًا على مصر. فعلى الرغم من أنه مبلغ ضخم، سوف تسدّده مصر من خلال بيع الطاقة التي تولّدها المفاعلات النووية. هذا المشروع لن يُكلِّف مصر شيئًا". انظر: “Russia Lends Egypt $25 Billion for Dabaa Nuclear Power Plant,” Al-Monitor, February 23, 2020, https://www.al-monitor.com/originals/2020/02/power-plant-nuclear-egypt-russia-loan.html.