أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في 10 حزيران/يونيو 2021، عن إنشاء لجنة رفيعة المستوى مكلفة بدفع عجلة الإصلاح السياسي. وتأتي هذه المبادرة بعد أن تصدرت هذه الدولة المستقرة عناوين الصحف الدولية في أوائل نيسان/أبريل بسبب موجة من الاعتقالات السياسية والإقامة الجبرية للأخ غير الشقيق للملك عبد الله، الأمير حمزة بن الحسين. وقد صوّرت تسريبات نُسبت إلى مسؤولي المخابرات الأردنية الاعتقالات على أنها رد على محاولة انقلاب. ومع ذلك، بدلاً من تأمين الدعم الدولي، أثارت رواية الدولة وابلًا من التغطية السلبية في وسائل الإعلام العالمية التي تحدد مشكلة الأردن الفعلية على أنها غياب الإصلاح السياسي.

ديفيد لينفيلد
ديفيد لينفيلد باحث زائر في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، متخصّص في قضايا اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية ودورها في إعادة تشكيل التحالفات السياسية والضغط من أجل التغيير.

في حين أن مبادرة الإصلاح هذه مشجعة، تم بذل الكثير من هذه الجهود على مدى العقود القليلة الماضية من دون أن تؤدي إلى زيادة كبيرة أو مستدامة في الحريات السياسية. على سبيل المثال، فإن الضغوط العرضية من أجل الإصلاح السياسي تميل إلى أن تكون عامة بما يكفي بحيث لا يحتاج الأردن إلا لمواجهتها بلاغيًا حتى يتم تحويل الانتباه عنها. من ناحية أخرى، لا تزال الطرق التقليدية الأردنية للحفاظ على السيطرة تعمل بشكل جيد بما يكفي لمنع حدوث مشاكل كبيرة.ومع ذلك، تصبح أساليب قادة البلاد أقل فاعلية عامًا بعد عام، ويتم قياسها من خلال زيادة وتيرة الاحتجاجات وتزايد عدد الاعتقالات ذات الدوافع السياسية وشدة خطاب المعارضة.

تتآكل فعالية أدوات الدولة التقليدية للسيطرة تدريجيًا بشكل كبير، ما يدفع إلى التفكير الجاد في الأدوات الجديدة، ولكن بشكل ثابت بما يكفي بحيث يجد الأردن نفسه في نهاية المطاف غير قادر على إدارة الأزمات.

أعطت جائحة كورونا الحكومة الأردنية فترة راحة من الضغط السياسي حيث تحول الانتباه الشعبي إلى التحديات الهائلة على مستوى الصحة العامة.وفي إشارة تدل على اختلاف الفترات، فإن موقف السيارات القريب من مكتب رئيس الوزراء، والذي كان في يوم من الأيام موقعًا لأكبر احتجاجات متكررة في الأردن، تشغله اليوم خيام اختباركورونا.لكن الوباء فاقم أيضًا مجموعة من التوترات المجتمعية الكامنة، ولا سيما المخاوف بشأن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ومن المرجح أن تعاود هذه التوترات الظهور بمجرد انحسار الوباء.

يجب على الأردن أن يفكر في تنفيذ خمسة إصلاحات محددة هذا العام لمعالجة حالة الإحباط لدى المواطنين، والتي كشفتها أحداث نيسان/أبريل.

1-إنهاء التوقيف خارج نطاق القضاء

من الأدوات التي استخدمتها الدولة للحفاظ على سيطرتها هي التوقيف خارج نطاق القضاء، والمعروف في الأردن باسم "الاحتجاز الإداري". يُمكِّن هذا الإجراء السلطات (باسم الحكام الإداريين "المحافظين") من احتجاز أي شخص تعتبره تهديدًا محتملاً للنظام العام، سواء ارتكب جريمة أم لا. يتجاوز التوقيف الإداري الرقابة القضائية، ما يوفر خيارًا جذابًا للسلطات لحبس وترهيب أي شخص يُعتبر من مثيري الشغب (بما في ذلك النشطاء السياسيين) من دون الاضطرار إلى تبرير الاحتجاز في المحكمة. يخرج معظمهم في غضون أيام قليلة بعد أن ترى السلطات أن الرسالة قد تم إيصالها بنجاح، في حين أن بعض النشطاء لا يزالون محتجزين منذ أشهر.

ينتقل الأردن بشكل متزايد من مجتمع تعتمد فيه الانقسامات والتوازنات الرئيسة القائمة منذ فترة طويلة على القومية العرقية إلى الطبقة الاجتماعية.يقدم هذا للدولة نوعًا أقل اعتيادًا من المعارضة.وقد رد الأردن بزيادة اعتماده على التوقيف بدلاً من التعامل مع هذه المعارضة الجديدة ببرنامج إصلاح سياسي مستدام.

وفقًا للمركز الوطني لحقوق الإنسان شبه الحكومي، من 2008 إلى 2013، بلغت هذه التوقيفات حوالى 15,000 حالة سنويًا. قفز عدد التوقيفات إلى حوالى 20 ألفًا سنويًا بعد الربيع العربي في العامين 2014 و2015، ثم إلى ما يقرب من 30 ألفًا في العام 2016 ونحو 35 ألفًا في العام 2017. وبحسب آخر الأرقام الصادرة في العامين 2018 و2019، بلغ عدد هذه الاعتقالات حوالى 38 ألفًا لكل منها.شكّل الموقوفون إداريا أكثر من 20 في المئة من نزلاء السجون الأردنية في بعض الأحيان.

لا تشمل أرقام التوقيف الإداري هذه الأردنيين المتهمين رسميًا بارتكاب جرائم، بما في ذلك الأنشطة السياسية الكثيرة التي يجرمها القانون الأردني مثل "تعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية" و"إهانة الملك".لكن هذه التهم الرسمية تتطلب قدرًا ضئيلًا من الإجراءات القانونية ومشاركة القضاة والمحامين، في حين أن التوقيف الإداري لا يتطلب ذلك.

إن إنهاء التوقيف الإداري بإلغاء القانون الذي ينص على ذلك، وهو قانون منع الجرائم لعام 1954، لن يحرم الدولة من القدرة على مواجهة التحديات الأمنية الحقيقية التي تواجهها.بدلاً من ذلك، يتطلب إلغاء القانون فقط أن تستخدم الدولة نظام العدالة الجنائية الرسمي لفرض الأمن القومي. سيوجّه هكذا إصلاح رسالة قوية إلى المواطنين الأردنيين مفادها أن الدولة ليست فوق القانون وأن لكل فرد الحق في الإجراءات القانونية الواجبة.

2-تعديل قانون الجرائم الإلكترونية

مثلما وسّع الأردن استخدامه للاعتقالات في السنوات الأخيرة ردًا على الإحباط المتزايد لدى السكان، شدد أيضًا القيود على حرية التعبير، بما في ذلك عبر الإنترنت.شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي عادةً مساحة آمنة نسبيًا للمواطنين للتنفيس عن سياسات الحكومة وتحديها، ولكن هذا النوع من الكلام بات الآن عرضة للمحاكمة أيضًا.وسّعت الحكومة نطاق الموضوعات التي قد يتعرض المواطن لخطر التوقيف لمجرد مناقشتها، بعد أن اعتاد الأردنيون أن يكونوا آمنين إذا تجنبوا تحقير العائلة المالكة. لكن في السنوات الأخيرة احتجزت السلطات أشخاصًا لانتقادهم مجموعة واسعة من الموضوعات، بما في ذلك تدابير التقشف والسياسة التعليمية واستجابة الحكومة للوباء.

ساهم تقييد الخطاب عبر الإنترنت في تدهور كبير في العلاقات بين المواطن والدولة في الأردن، وعرقل قدرة الحكومة على تتبع الرأي العام، وترك المواطنين مع عدد أقل من المنافذ للتعبير عن إحباطهم.وبدلاً من إنهاء انتقاد الحكومة، دفعت حملة القمع المعارضة إلى أماكن مغلقة يصعب مراقبتها، مثل الواتساب. تميل هذه المناقشات السرية إلى أن تكون أكثر انتقادًا للحكومة من المحادثات في الأماكن العامة، إذ يشجّع الأفراد الذين يحملون فكرًا متشابهًا بعضهم البعض على انفراد.

تتمثّل إحدى أكثر الخطوات فعالية التي يمكن للحكومة الأردنية اتخاذها لتخفيف القيود المفروضة على التعبير وإعادة بناء الثقة مع الشعب في إلغاء المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية.تنص المادة على عقوبة سجن لا تقل عن ثلاثة أشهر "لأي شخصيرسل أو يعيد إرسال أو نشر بيانات أو معلومات [عبر الإنترنت] تتضمن التشهير أو الذم أو الإهانة لأي شخص". غالبًا ما يستخدم هذا الحكم لمقاضاة الأشخاص، بمن فيهم الصحافيين، الذين ينتقدون سياسات الحكومة أو يثيرون مخاوف بشأن الفساد المحتمل وسوء سلوك الموظفين العامين.على الرغم من أن هذا ليس هو البند الوحيد في القانون الأردني المستخدم للسيطرة على الخطاب السياسي، يبقى من أكثر البنود المستخدمة بشكل متكرر. يُشار كذلك إلى أن المادة 11 قوية بشكل خاص، حيث حكم ديوان التشريع والرأي في العام 2015 بأن المادة حلت محل "الحظر" في قانون المطبوعات والنشر الأردني واستبدلته بحبس الصحافيين.في حين أن جهود منظمات المجتمع المدني المحلية، مثل مجموعة الصحافة الاستقصائية المعروفة باسم "حبر"، ساعدت حتى الآن في منع الدولة من جعل القانون أكثر تقييدًا، لا تزال المادة 11 سارية المفعول.

لن يحل إلغاء المادة 11 جميع المشاكل الناجمة عن القيود المفروضة على التعبير في الأردن،لكنه سيشكّل خطوة مهمة نحو ضمان حصول الأردنيين على طرق سلمية لانتقاد سياسات الحكومة والمسؤولين.

3-تمكين السلطة التشريعية من التشريع

في الأردن، تنشأ جميع مشاريع القوانين تقريبًا في الفرع التنفيذي للحكومة قبل إرسالها إلى البرلمان الأردني للموافقة عليها.في المناسبات النادرة التي يقترح فيها أعضاء البرلمان تشريعات، ينص الدستور على أن السلطة التنفيذية يجب أن تراجع وتحرر وتوافق على مشروع القانون قبل أن يتمكن البرلمان بأكمله من النظر فيه للتصويت.

إذا قامت الدولة بتعديل الدستور للمطالبة بإصدار تشريع في البرلمان، سيعزز ذلك احترام الشعب للسلطة التشريعية الوطنية. أظهر استطلاع للرأي أجري في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 (قبل أن يفرض الوباء إيقاف الاقتراع) أن نسبة 16 في المئة فقط من الشعب لديها ثقة في البرلمان.إن قلة ثقة الشعب في البرلمان شديدة لدرجة أنه في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، قطع مئات المواطنين الأردنيين مسافات طويلة من جميع أنحاء البلاد وصولًا إلى الديوان الملكي في عمّان بحثًا عن وظائف ومساعدات اقتصادية، متجاوزين جميع هياكل الحكم الوطنية والمحلية الأخرى.
سوف يجادل معارضو تمكين البرلمان بأن نواب الأردن الحاليين يفتقرون إلى الخبرة والقدرة على صياغة التشريعات بأنفسهم. ولكن ما من حافز كبير للمرشحين المؤهلين للترشح، أو للناخبين من أجل انتخابهم، حتى يتم تمكين الهيئة التي انتخبوا من أجلها.

علاوةً على ذلك، فيما سيعتبر بعض المسؤولين الحكوميين على الدوام أن تمكين البرلمان يعيق قدرة السلطة التنفيذية على السيطرة على الشؤون الوطنية الأردنية أو دفع التشريعات بلغتها المرغوبة بالضبط، يبقى أن مثل هذه الإجراءات ثمن ضئيل يجب دفعه لتعزيز مصداقية البرلمان.
في الوقت الحالي، يعرف الأردنيون أن كل السلطة في يد الملك، فيلومونه على الإخفاقات السياسية. وقد تزامنت الاحتجاجات في السنوات الأخيرة مع انتقادات لاذعة ومتزايدة للملك.يمكن لسلطة تشريعية وطنية قوية أن تتقاسم المسؤولية عن نجاحات الدولة وإخفاقاتها.وكلما شعر المواطنون بقدرتهم على تقديم تظلماتهم وملاحظاتهم إلى البرلمان، بدلاً من توجيهها مباشرة إلى القصر، زاد عزل الملك (وبالتالي المملكة) عن التحديات الوجودية.

لن يعالج مثل هذا التغيير الدستوري المشكلة الكبرى، أي أن أجهزة المخابرات الأردنية يمكن أن تستمر في الضغط على النواب للالتزام بتفضيلات الدولة بغض النظر عن الصلاحيات الرسمية للنواب. ومع ذلك، كلما زادت السلطة الرسمية التي يمارسها البرلمان، بات من الصعب على الدولة إخفاء مثل هذا التدخل.

4-إعادة الانتخابات على المستوى الوطني

صرح الملك عبد الله عدة مرات أنه يرغب في ظهور نظام حزبي سياسي قوي في الأردن من حزبين أو ثلاثة أحزاب رئيسة. ولكن في البلاد اليوم حوالى خمسين حزبًا سياسيًا، معظمها موجود في الأساس على الورق، مع استثناء ملحوظ لجبهة العمل الإسلامي التابعة لجماعة الإخوان المسلمين الأردنية. ساهم غياب الأحزاب القوية في إثارة شعور لدى المواطنين الأردنيين بأن الهياكل السياسية الرسمية ليست أكثر السبل فاعلية للتعبير عن التظلمات، بحيث أظهر استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي في أواخر العام 2019 أن 52 في المئة من الناس يعتقدون أن "الاحتجاج" هو الطريقة الأكثر فعالية للتأثير على قرارات الحكومة مقارنة بـ23 في المئة يؤمنون بالتصويت كطريقة فاعلة للتأثير.

أوضح محللون أردنيون وأجانب لنظام الانتخابات في المملكة في مقابلات مع الكاتب أن أحد الأسباب الرئيسة لفشل الأحزاب القوية في الظهور هو غلبة الدوائر الانتخابية التي يكون عدد سكانها صغيرًا ومتجانسًا بما يكفي لتعزيز سياسات المحسوبية القبلية. اتخذ الأردن خطوة متواضعة نحو معالجة هذه المشكلة في العام 2013، عندما جعل عددًا من مقاعد السلطة التشريعية الوطنية تُنتخب على المستوى الوطني، ما يعني أن أي ناخب أردني يمكنه التصويت لتحديد الفائز بهذه المقاعد بغض النظر عن المكان الذي يعيش فيه. أسفرت التجربة عن بعض النتائج المتواضعة: فاز عدد قليل من المرشحين ذوي التوجهات الإصلاحية نسبيًا ممن لديهم برامج سياسية مفصلة بمقاعد وطنية. لكن لسوء الحظ، ألغت الحكومة المقاعد المنتخبة على المستوى الوطني بعد دورة انتخابية واحدة فقط، قبل أن يعتاد المرشحون أو الناخبون على النظام.

يميل المسؤولون الحكوميون وغيرهم ممن يعارضون إعادة المقاعد المنتخبة على المستوى الوطني إلى تبرير موقفهم بالقول إن الحزب الوحيد المستعد لحملة فعالة للحصول على تلك المقاعد هو جماعة الإخوان المسلمين الأردنية. مع أن توقعهم منطقي، لم يتم اختباره، إذ قاطعت جماعة الإخوان المسلمين، لأسباب غير ذات صلة، الدورة الانتخابية الوحيدة التي استخدمت القوائم الوطنية.

علاوةً على ذلك، فإن غياب أحزاب سياسية أخرى قابلة للحياة ليس من قبيل الصدفة بل بالأحرى هو من تصميم الدولة.كلما حاولت الأحزاب القوية الأخرى ذات التوجه السياسي أن تتنظم، كما فعل حزب التحالف المدني ذو التوجه العلماني بدءًا من العام 2017، بذلت الدولة قصارى جهدها لإحباطها. قال منظمو الأحزاب السياسية الموالية للحكومة وجماعات المجتمع المدني في مقابلات مع الكاتب إنهم واجهوا شكوكًا من السلطات، التي أخبرتهم أنها تفضل السيطرة على جميع آليات التعبئة بشكل مباشر.

تشعر السلطات بالقلق أيضًا عندما يُظهر أي فاعل غير حكومي قدرته على تعبئة الناس، حتى في الأحداث التي تبدو غير سياسية. في آب/أغسطس 2020 خلال محادثة مع شاب في منزله، روى أنه جمع هو وبعض الأصدقاء حوالى 500 شخص لجمع القمامة من جانب الطريق السريع، ثم استجوبته أجهزة المخابرات في البلاد. نتيجةً لمثل هذه المواقف، ثمة طاقة مكبوتة في صفوف الأردنيين وخاصة الشباب، الذين يرغبون في المساهمة في المجتمع المدني والسياسة، لكنهم يشعرون أن حكومتهم لا تريدهم أن يشاركوا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأحزاب السياسية. علق أردني في اجتماع عُقد في أيار/مايو 2018 في السفارة الأميركية: "أخبرتني عائلتي منذ أن كنت طفلًا صغيرًا أن أتجنب أمرين في الحياة: المخدرات والأحزاب السياسية".

تشجيع المشاركة المدنية وظهور أحزاب سياسية قوية هما من ضمن سيطرة الدولة، وإحدى طرق القيام بذلك هي استعادة المقاعد المنتخبة على المستوى الوطني في البرلمان.يصب هذا الإصلاح أيضًا في مصلحة الدولة، إذ يمكن للأحزاب القوية أن تعمل كواجهات بنّاءة للمواطنين المحبطين للتعليق على السياسة وليس من خلال إجراءات أخرى مثل الاحتجاجات في الشوارع.

5-جعل الأصول المالية للمسؤولين خاضعة للتدقيق العلني

تظهر استطلاعات الرأي العام باستمرار أن أحد أهم أسباب التوتر بين المواطن والدولة في الأردن هو التصور بانتشار الفساد العالي المستوى على نطاق واسع. وقد ساهمت الحكومة في هذا الرأي من خلال تقييد تدفق المعلومات وتفضيل السرية على الشفافية. ذكر محللون في الحكومة الأردنية في مقابلات مع الكاتب أن هذه الاستراتيجية متأصلة بعمق في الممارسات الحاكمة التقليدية، لكنها تتعارض بشكل متزايد مع عادات التواصل لدى الشعب الأردني الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بمعدلات أعلى من أي شعب آخر في العالم تقريبًا. في غياب معلومات واضحة وذات مصداقية من الحكومة، توصل الأردنيون إلى استنتاجاتهم الخاصة وافترضوا في كثير من الأحيان الأسوأ.

اقترح فرع الأردن التابع لمنظمة الشفافية الدولية حلًا واحدًا للمساعدة في إصلاح الثقة العامة، وهو تعزيز نظام إقرار الأصول للموظفين العامين. يفرض القانون الأردني حاليًا على الموظفين العامين أن يعلنوا للحكومة عن أصولهم المالية (مثل العقارات والممتلكات المصرفية) عند توليهم مناصبهم، وبعد ذلك سنويًا حتى انتهاء مهامهم. المشكلة أنه بمجرد تقديم المعلومات، فإنها تظل سرية ولا يتمكن من الوصول إليها سوى المدعين العامين الذين يحققون في شكاوى جنائية محددة. من الناحية العملية، نادرًا ما يتم استخدام هذه المعلومات، وبالتالي فهي لا تقوم سوى بالقليل لردع الفساد. يُشار أيضًا إلى أن القضايا التي تخص الإثراء غير المشروع التي عرضت أمام المحاكم الأردنية منذ إنشاء عملية إقرار الأصول الأردني، منذ أكثر من عقد، لا تكاد تذكر.

إحدى الطرق التي نجحت من خلالها البلدان الأخرى في تعزيز عمليات الإعلان الخاصة بها هي تحميل المعلومات في قواعد بيانات متاحة للعامة على الإنترنت. من خلال إتاحة البيانات للعامة، تعمل الحكومات على تمكين المجتمع المدني من المساعدة في جهود القضاء على الفساد وردعه، فضلاً عن دحض الاتهامات الخاطئة. يمنع هذا الترتيب الحكومات من تحمّل العبء بمفردها ويزيد من فعالية برامج مكافحة الفساد ويميل إلى تعزيز ثقة الشعب.

أكثر من نصف البلدان في جميع أنحاء العالم تجعل إقرار الأصول متاح للعامة بشكل ما. كان الناتج المحلي الإجمالي لجورجيا أقل من جميع دول الشرق الأوسط تقريبًا (وأقل من نصف الأردن) عندما أنشأت نظامًا حائزًا على جوائز وموقعًا إلكترونيًا لإعلان الأصول العامة في العام 2010. إن إنشاء نظام مماثل من شأنه أن يوفر للأردن فرصة لتعزيز جهود مكافحة الفساد وتعزيز ثقة الشعب في المؤسسات الحكومية في وقت تتضاءل هذه الثقة بشكل خطير.

إصلاحات محددة يمكن تحقيقها

تستهدف هذه الإصلاحات الخمسة الإحباطات المجتمعية العميقة التي كشفت عنها الدراما الملكية التي واجهها الأردن في نيسان/أبريل، وكلها قابلة للتحقيق هذا العام. ستساعد هذه الإصلاحات في تأمين موقف الملك من خلال تقاسم المسؤولية واللوم، مع تعزيز مجتمع أكثر مرونة وديمقراطية لجميع الأردنيين، وهذان الهدفان ليسا متعارضين. في غياب هذه الإصلاحات، سيبقى الأردن على مساره الحالي متمسكًا بأنماط عفا عليها الزمن من الحكم والسيطرة، بحيث تضعف ببطء ولكن بلا هوادة. يجب على حلفاء الأردن تجاوز المحادثات العامة حول الإصلاح، إلى مناقشة إجراءات محددة لمساعدته على تجنب الانزلاق نحو هاوية اللااستقرار.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه المقالة عن آراء كاتبها، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر حكومة الولايات المتحدة الأميركية.