بعد مرور عامين تقريبًا على الأزمة الاقتصادية اللبنانية، دخلت البلاد رسميًا النفق المظلم. ومع أن المسار الأفضل نحو التعافي الاقتصادي يقتضي تطبيق خطة طموحة للإصلاح الاقتصادي، يجب أيضًا التحلّي بالواقعية. فمن المستبعد جدًّا الشروع في مثل هذه العملية الإصلاحية قبل إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية المزمعة في العام 2022. وعلى الرغم من الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي غير المسبوق، ما انفكّت القيادة السياسية تعرقل أي إصلاح جدّي من شأنه تهديد حصصها ومكاسبها في النظام القائم، وبالتالي نفوذها. في غضون ذلك، لم تنجح القوى التغييرية في المجتمع في تشكيل قادة يُعتد بهم ولا في صياغة برنامج يلقى أصداء إيجابية في صفوف اللبنانيين. ولا يبدو أن بوصلة الأحداث الإقليمية التي يقع لبنان رهينتها قد تؤول إلى تحقيق إنجازات حاسمة في القريب العاجل.

سيكون من الضروري في نهاية المطاف أن يطبق لبنان خطة إصلاحية شاملة، لكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة عليه في المقام الأول أن يلجم انهياره نحو الهاوية بشكل فوري. فالنسيج الوطني يتمزّق فيما الاقتصاد يقبع في حالة كساد، بينما التضخم يحلّق في مستويات قياسية. أما الليرة اللبنانية فماضيةٌ في سقوطها الحر، في ظل النقص المطّرد في السلع الأساسية، وانهيار النظام الصحي، وتسارع وتيرة الهجرة، وانتشار الفوضى المدنية، على وقع تنامي التشنّجات الطائفية بشكل مقلق.

على ضوء كل هذه المعطيات، من الضروري وضع برنامج طارئ لإرساء الاستقرار، يفضي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية، التي قد يعتبرها البعض بدائية. تشمل هذه الأهداف وضع حدٍّ للكساد الاقتصادي وضخّ رأس المال الضروري في الاقتصاد، إضافةً إلى تغطية النقص الحاصل في الخدمات الأساسية، واستئناف الخدمات الحكومية الأساسية، وتحقيق استقرار سعر صرف الليرة والحفاظ عليه، وكبح جماح التضخم. ولكي تتكلّل كل هذه الأهداف بالنجاح، يجب أن يكون البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار خيارًا قابلًا للتحقيق سياسيًا، وبسيطًا بحيث يمكن الشروع فورًا في تطبيق بنوده – ضمن مهلة قصيرة لا تتجاوز المئة يوم – كما ينبغي أن يحقّق نتائج ملموسة على جناح السرعة. ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذا البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار لا يُراد به حلّ مشاكل لبنان البنيوية والمؤسساتية، أو وضع البلاد على سكة التعافي الاقتصادي الفعّال. لكن روح الاستقرار التي سيبثّها هذا البرنامج الطارئ في الاقتصاد اللبناني ستمنح البلاد فرصة للوقوف على رجليها من أجل التصدّي للمشاكل الاقتصادية الأكثر حدة التي تحاصرها من كل حدب وصوب.

أزمةٌ مستفحلة لا يقوى لبنان على تحمّلها

يمكن القول إن بداية مآسي لبنان الاقتصادية كانت شبيهة بأزمات الأسواق الناشئة عمومًا. فقد بلغت ديون البلاد مستويات غير مستدامة، وفقد القطاع المصرفي ملاءته، وسط عجز هائل في ميزان المدفوعات. وقد أسفرت هذه الأزمة عن تداعيات مهولة، وإن متوقعة. فما كان من الحكومة إلا أن تخلّفت عن سداد ديونها في العام 2020، وتخلّت كذلك عن سياسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي. وسُرعان ما تهاوت قيمة الليرة بشكل كبير، وتهافت المودعون على المصارف، ما استتبع فرض قيود صارمة على حركة السحوبات من الودائع والتحويلات إلى الخارج. ونتيجةً لذلك، توقّف النشاط الاقتصادي، إذ قدّر صندوق النقد الدولي أن إجمالي الناتج المحلي سجّل انكماشًا بنسبة 34 في المئة في فترة 2020-2021. وترافق ذلك مع تسارع وتيرة التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل المداخيل والثروات، ما دفع أعدادًا متزايدة من السكان نحو براثن الفقر.

لكن، من الضروري احتواء الأزمة، وكان يمكن احتواؤها من قبل. وقد أتت النتائج كارثية تحديدًا بسبب التقاعس التام عن اتخاذ الإجراءات اللازمة. تُظهر قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي الخاصة بصندوق النقد الدولي 114 حالة شهدت فيها دول العالم انكماشًا بنسبة 10 في المئة أو أكثر خلال فترة سنتين. من بين هذه الحالات، إن معدل الانكماش في لبنان هو عاشر أسوأ معدّل في العالم، وهو الأسوأ على الإطلاق إذا استثنينا الحالات المرتبطة بالحروب. وقد سجّل لبنان خلال عامَين فقط المستوى نفسه من الانهيار الذي وصلت إليه فنزويلا – التي تُعطى نموذجًا عن دولة متوسطة الدخل تعاني من سوء إدارة وتتخبّط في خضم أزمة مالية - خلال فترة ست سنوات.

كان يمكن ألّا تصل الحالة في لبنان إلى هذا الدرك المأساوي. فما يصحّ وصفه بالضربات التي سدّدتها الدولة اللبنانية إلى نفسها فاقمت بشكل كبير حدّة الأزمة، وأبرزها رفضها تطبيق خطة التعافي الاقتصادي التي أقرّتها حكومة رئيس الوزراء السابق حسان دياب في نيسان/أبريل 2020، ما أدّى إلى فقدان الثقة بالدولة. ونتيجةً لسوء إدارة خطة رفع الدعم في لبنان، حدث نقص في موارد الطاقة، وأثّر ذلك بدوره على التغطية الكهربائية وإمدادات الوقود والماء والإنترنت وغيرها من الخدمات، ما أسهم في استفحال الانهيار. يُضاف إلى ذلك أن التأخر في التعامل مع القطاع المصرفي زاد الخسائر التي تكبّدها المودعون وفاقم تبخّر الثروات. أما التأخّر غير المبرَّر في إقرار قانون الكابيتال كونترول لفرض قيود على السحوبات النقدية والتحويلات المصرفية، فأدّى إلى تدفّق رؤوس أموال إلى الخارج كان يمكن (لا بل كان ينبغي) استخدامها لتحفيز الأنشطة الاقتصادية المحلية. علاوةً على ذلك، أسفرت السياسة النقدية غير المسؤولة عن ارتفاع معدلات التضخم وفاقمت انهيار العملة المحلية.

مع ذلك، لا تروي هذه التداعيات الفادحة على مستوى الاقتصاد الكلي القصة الكاملة لتدحرج لبنان نحو القاع. بل خلّف هذا الإهمال الخبيث جروحًا وندوبًا يُرجَّح أن تستمر طويلًا وقد لا تندمل بسهولة. يتمثّل أبرز هذه الندوب في الهجرة المتسارعة للشباب وذوي المهارات، وهم القلب النابض والمنتج للبنان. أما الجرح النازف الثاني فهو تقهقر قطاعات برمتها ساهمت في بناء هوية لبنان، وخصوصًا القطاعَين التعليمي والصحي. والأسوأ أن البلاد تشهد راهنًا موجةً من الشحن الطائفي والمذهبي الذي أعقبته تاريخيًا فترات مديدة من العنف.

أهداف البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار

يُعتبر وضع برنامج طارئ لإرساء الاستقرار أولوية تهدف إلى الحدّ من العواقب الوخيمة التي خلّفتها الأزمة اللبنانية. في الأوضاع المثالية، تتولّى حكومة مستقلة تمتلك صلاحيات تشريعية طارئة بوضع هذا النوع من البرامج. لكن ذلك مستبعد في حالة لبنان. لذا، ينبغي أن يشكّل البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار خارطة طريق اقتصادية للحكومة التقليدية التي يجري التفاوض بشأن تأليفها راهنًا، حتى وإن بقيت نتيجة هذه المحادثات مبهمة. علاوةً على ذلك، من المستحسن أن يجعل المجتمع الدولي تقديم المساعدات مشروطًا بتطبيق أي حكومة جديدة البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار.

لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا البرنامج لن يعالج مشاكل لبنان الاقتصادية البنيوية والمؤسساتية، ولن يتمكّن من تحقيق استدامة القدرة على تحمّل الدين، أو إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو إصلاح النظام المالي، أو ردم الفجوة في ميزان مدفوعات المصرف المركزي. ولن يتطرّق إلى أيٍّ من الإصلاحات القطاعية والإدارية والتنظيمية التي تشتد الحاجة إليها. وثمة عوامل أخرى، منها الانتخابات اللبنانية والتطوّرات الإقليمية، ستحدّد ما إذا سيشكّل هذا البرنامج نقطة انطلاق لتطبيق إصلاحات يُعتد بها.

إنهاء نظام الدعم وتنظيم حركة التحويلات النقدية

تتمثّل النقطة الأولى التي يجب أن ينطلق منها البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار في إلغاء نظام الدعم غير المستدام والعشوائي. فباستثناء بعض الأصناف كالخبز والدواء، يجب أن تتماشى أسعار السلع المحلية مع الكلفة الفعلية للاستيراد. تسير الخطة الحالية في منحى تنازلي إلى أقصى حدّ، إذ إن الأغنياء يحصلون الآن على حصة غير متناسبة من السلع المدعومة بدل من هم بحاجة حقًا إلى المساعدة. وقد تسببت خطة الدعم بتراجع حاد في احتياطي العملات الأجنبية، ما سيعقّد على أقل تقدير المساعي التي ستُبذل في نهاية المطاف لإعادة هيكلة القطاع المصرفي. علاوةً على ذلك، أدّى هذا النظام إلى استمرار أعمال التهريب والتخزين والأنشطة الرامية إلى تحقيق الريع التي تسبّبت بنقص حاد في الكثير من السلع، الأمر الذي يشلّ الاقتصاد في الوقت الراهن.

وفي حين يُعتبر إنهاء الدعم أمرًا حتميًا، من المهم أن يلي هذه الخطوة بشكل فوري تطبيق نظام التحويلات النقدية لمساعدة الفئات الأكثر فقرًا. واقع الحال أن تحديد أسعار السلع المستوردة تماشيًا مع أسعارها بالعملات الأجنبية سيُحدث صدمة تضخمية تصيب القدرة الشرائية لمجتمع يعاني الأمرّين بسبب الأزمة التي يتخبّط بها لبنان. لذا، ينبغي على البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار أن يعوّض للفئات المتأثرة من خلال تحويلات نقدية تتراوح بين 1 و1.5 مليار دولار. وقد باتت مثل هذه التحويلات أداة معيارية لإدارة الطلب، علمًا بأن اقتصادات غنية وناشئة على السواء، كالأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا، استخدمتها خلال أزمة فيروس كورونا المستجد.

والأهم أن من الممكن الشروع في تنفيذ خطة التحويلات النقدية في غضون ثلاثة أشهر. وفي حال استهدفت وجهتها الصحيحة، ستكون قادرة على تغطية معظم السلة الاستهلاكية لمن هم بحاجة إلى المساعدة بصورة مشروعة. لا شكّ في أن محاولات عدّة ستُبذل لإفساد الخطة وتحويلها إلى أداة للمحسوبية، واستغلالها لأغراض انتخابية. لذا، يتعيّن على البنك الدولي، بعد حملة التطعيم الناجحة التي انخرط فيها لمكافحة فيروس كوفيد-19، أن يؤدي دورًا أساسيًا في تنفيذ خطة التحويلات النقدية ومراقبتها.

يمكن تطبيق خطة التحويلات النقدية هذه من دون اللجوء إلى احتياطي لبنان من العملات الأجنبية، إذ ثمة مبالغ خارجية كبيرة متاحة أمامه لصرفها على وجه السرعة، أوّلها قروض البنك الدولي التي تصل قيمتها إلى 546 مليون دولار، وتشمل القرض الموافَق عليه أساسًا بقيمة 246 مليون دولار لإنشاء شبكة أمان اجتماعي طارئة، إضافةً إلى إعادة توظيف أموال القروض الأخرى الموافَق عليها. لكن الحصول على هذه الأموال مشروط أولًا بإنشاء الحكومة شبكة الأمان الاجتماعي التي علقت في متاهة بيروقراطية مستعصية. إضافةً إلى ذلك، ثمة مبلغ 370 مليون دولار من المساعدات الإنسانية التي تمّ الالتزام بتقديمها خلال مؤتمر المانحين الدوليين لدعم لبنان الذي انعقد في 4 آب/أغسطس 2021 برعاية فرنسا. أخيرًا وليس آخرًا، يجب أن تتمكن أي حكومة تتمتّع بالمصداقية وتسعى إلى تنفيذ البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار، من جمع مبلغ إضافي يتراوح بين 300 و500 مليون دولار على شكل مساعدات إنسانية من وكالات حكومية وغير حكومية من دول مجلس التعاون الخليجي والدول الأوروبية.

إضافةً إلى ذلك، وكجزء من الجهود العالمية من أجل مساعدة الدول في مكافحة وباء فيروس كورونا، يوشك صندوق النقد الدولي على توزيع مخصصات من حقوق السحب الخاصة لمرة واحدة إلى أعضائه كافة. وتُعتبر هذه المخصصات هدية غير مشروطة يمكن للحكومات استخدامها لأي غرض كان. وستبلغ حصة لبنان 607.2 ملايين وحدة (أي ما يعادل 860 مليون دولار)، وهي نعمة ضخمة وغير متوقّعة لبلد هو بأمسّ الحاجة إلى السيولة.

بالتأكيد، لا بدّ من توظيف هذه الأموال بصورة فورية في الاقتصاد، على أن يتمّ توجيهها على أفضل وجه لمساعدة القطاعات الإنتاحية. مع ذلك، تشي التجارب الدولية الأخيرة، ولا سيما خلال أزمة فيروس كورونا، بأن المنح التي تدعم الاستهلاك مباشرةً يمكن أن تكون فعّالة أيضًا. علاوةً على ذلك، بلغ الاستياء ذروته في لبنان، ولا شك في أن المجتمع اللبناني يستحق تعويضًا سريعًا عن المعاناة الشديدة التي يعيشها ظلمًا.

استئناف الخدمات الحكومية

يندرج استئناف المهام والخدمات الحكومية ضمن الأهداف الرئيسة للبرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار. وتشير حسابات المؤلّف إلى تراجع الإنفاق الحكومي من دون الفوائد بنسبة 60 في المئة بين العامَين 2019 و2020، بعد تعديله ليتماشى مع التضخّم المتنامي. من أجل توضيح صورة الانهيار، بلغت قيمة الإنفاق في العام 2019 حوالى 9 مليارات دولار وانخفضت إلى 2.5 مليارات دولار في العام 2020. أما بالنسبة إلى العام 2021، فالمعطيات لم تتوفر بعد ولكن المؤشرات تُنذر بتراجع أشد حدة.

يعكس التدهور الهائل في الإنفاق الحكومي المُعدَّل ليتماشى مع التضخم المتنامي، تآكل القدرة الشرائية لأجور موظفي القطاع العام والغياب شبه التام للخدمات الحكومية الأساسية، مثل التعليم أو الرعاية الصحية أو صيانة البنى التحتية والمرافق أو حتى الأمن القومي. ويتعيّن على البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار تخصيص مبلغ 3 مليارات دولار بالحد الأدنى (إلى جانب برنامج التحويلات النقدية) لتمويل رفع أجور موظفي القطاع العام، والضمان الاجتماعي، وإعادة تنشيط التعليم الأساسي والخدمات الصحية، وذلك بهدف الاستئناف الطارئ للخدمات الحكومية.

شهدت الإيرادات العامة تراجعًا حادًا، وانخفضت من 9.5 مليارات دولار في العام 2019 إلى 2.3 مليارات دولار في العام 2020، وفق حسابات المؤلّف. وبهدف تمويل المصاريف العامة والإنفاق الحكومي المذكور آنفًا، يجب أن يسعى البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار إلى تعزيز الإيرادات. من الصعب جدًا زيادة معدلات ضريبة الدخل الشخصي أو الضريبة على القيمة المضافة في البيئة الاقتصادية والسياسية الحالية في لبنان، ولكن تتوفّر طرق أسهل نسبيًا لدرّ الإيرادات. فإعادة تقييم قواعد الرسوم الجمركية والضرائب على الأملاك لتتماشى مع الأسعار الفعلية قد تولّد نسبة هامة من الإيرادات العامة. وبالإضافة إلى ذلك، يؤدي أيضًا تعديل أسعار المنافع لتعبّر عن الكلفة الفعلية إلى زيادة الإيرادات. ولكن واقعيًا، لن تكفي مصادر الدخل الجديدة هذه لتمويل الإنفاق الإضافي. ويجب بالتالي أن يترافق البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار مع عقد مؤتمر دولي لدعم لبنان يهدف إلى سد الفجوة بين الإنفاق المطلوب والإيرادات المتوفرة.

تثبيت قيمة الليرة

تشمل أيضًا أهداف البرنامج الرئيسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية وضبط التضخم. وبالفعل، إذا حشدت الحكومة المساعدات الخارجية كافة المذكورة آنفًا – ومن ضمنها قروض البنك الدولي وحقوق السحب الخاصة – وأنفقتها، ستساعد كمية الدولارات المتداولة في استقرار الليرة، وقد تؤدي إلى ارتفاعٍ معتدل في قيمتها، ولكن هذا الارتفاع بالقيمة لن يكفي لإعادة إرساء الاستقرار النقدي.

يتضمن أيضًا البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار ثلاثة إجراءات أساسية ينبغي اتخاذها. أولًا، حان الوقت لبذل جهود حثيثة ترمي إلى وضع تدابير للسيطرة على تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. ثانيًا، يتلقى لبنان نسبة كبيرة من رؤوس الأموال الوافدة، مثل الحوالات المالية والأموال الإنسانية. يضع البرنامج آلية تحرص على مركزية هذه التدفقات الوافدة وتحدد الأولويات المتعلقة بإنفاقها. وشاع استخدام هذا الإجراء خلال الأزمات التي حلّت سابقًا باقتصادات ناشئة أخرى، ولا سيّما في الأرجنتين وتشيلي وكوريا الجنوبية. أما الإجراء الأخير والأهم ربما، فيتمثّل بإحكام السيطرة على الزيادة الهائلة في كمية النقد المتداول منذ مطلع العام 2020.

إدارة العلاقات الدولية

تتناول النقطة الأخيرة الطريقة التي سيؤثّر من خلالها البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار في التزام لبنان تجاه الجهات المانحة الأجنبية والمؤسسات المتعددة الأطراف. يجب منح الأولوية القصوى للتوصل إلى اتفاق مع البنك الدولي بشأن شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة، وإعادة تخصيص القروض الأخرى الموافَق عليها، وإتاحة المبالغ التي تعهّدت الأطراف بتقديمها في المؤتمر الدولي الأخير لدعم لبنان. ومن المستحسن أيضًا عقد مؤتمر آخر لدعم لبنان في غضون ثلاثة أشهر، تُعرض خلاله النتائج التي تحققت في إطار البرنامج من أجل جمع الأموال لأغراض الموازنة العامة.

لا يخفى على أحد مدى تعقيد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولا بدّ من التمسك بالواقعية في ما يتعلّق باحتمالات نجاحها. يجب المباشرة فورًا بالنقاشات الفنية، ولا يجوز أن يرتهن تطبيق البرنامج باتفاق يُبرم بين لبنان وصندوق النقد الدولي. ستكون المفاوضات صعبة وسيفرض صندوق النقد الدولي تطبيق إجراءات تتجاوز نطاق البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار، وسيتمسّك باستدامة القدرة على تحمّل الدين التي ستتطلب بدورها إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة رسملة المصرف المركزي، وعدم الاكتفاء بالتوصل إلى اتفاق مع الدائنين. وسيطالب أيضًا صندوق النقد الدولي بإصلاح هيكلي طموح للنظام المالي وبإصلاحات قطاعية وإدارية وتنظيمية من المستحيل على الأرجح تطبيقها قبل الانتخابات المرتقبة العام المقبل. وفي حال نجحت الحكومة في تنفيذ البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار، وفي حال اكتسب صانعو السياسات المكلّفون بتنفيذه المصداقية، فقد تتمكن الحكومة نظريًا من ضمان اتفاق محدود مع صندوق النقد الدولي يرتكز على الوعود بالإصلاح بُعيد الانتخابات. ولكن من الأفضل عدم التعويل على هذه النتيجة.

خاتمة

لا شك في أن تطبيق برنامج طارئ لإرساء الاستقرار سيحمل معه تأثيرات إيجابية ملموسة. فقيمة برنامج التحويلات النقدية التي ستتراوح من 3 إلى 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي اللبناني ستكون أشبه بحقنة اقتصادية منشّطة. أما استئناف الخدمات الحكومية، حتى مقابل رفع معدلات الضرائب، فسيسهم بدوره بشكل كبير في تحفيز التعافي الاقتصادي. ومن شأن تحديد قائمة أسعار أكثر تماشيًا مع كلفة السلع أن يخفّف من حدة النقص الحاصل في مواد أساسية مثل المحروقات والأدوية، ناهيك عن الحد من التهريب والتخزين. يُرجّح أن تؤدي هذه الإجراءات إلى رفع السيولة بالدولار الأميركي، وأن تتمكن المصارف من تحرير جزء محدود من ودائع المواطنين، وأن يعمد مصرف لبنان إلى إيقاف نزيف الاحتياطي، وأن تبدأ الليرة اللبنانية التي أُنهكت وخسرت الكثير من قيمتها مسارها نحو التعافي، وإن بشكل متواضع. صحيحٌ أن معدلات التضخم سترتفع بدايةً نتيجة رفع الدعم، لكنها ستشهد انخفاضًا حادًّا بعد أشهر قليلة عند الشروع في تشديد السياسة النقدية وتحقيق الاستقرار في سعر صرف العملات الأجنبية.

مع أن البرنامج الطارئ لإرساء الاستقرار ليس الخطة الطموحة التي يحتاجها لبنان للخروج من مأزقه الاقتصادي الراهن، إلا أن الأولوية الأساسية اليوم يجب أن تعطى لوقف الانهيار الاقتصادي المتسارع في البلاد. فإذا تابع لبنان مساره المحفوف بالمخاطر هذا، قد لا يبقى هذا البلد قائمًا أصلًا حتى تُبذل جهود إعادة إعماره وتغييره نحو الأفضل. سيأتي لا ريب وقت إطلاق خطة أشمل من أجل لبنان في المستقبل، لكن الأولوية الآن تقتضي الحفاظ على صمود لبنان ريثما يصبح جاهزًا للمرحلة المقبلة.

نبذة عن المؤلّف

عامر بساط هو رئيس الأسواق السيادية والناشئة في مؤسسة "بلاك روك"، كان خبيرًا اقتصاديًا في صندوق النقد الدولي. يكتب بصفته الشخصية.