أحدثَ النزاع السوري تحوّلًا في اقتصاد المنطقة الواقعة عند الحدود الشمالية للأردن. وكانت لهذه التغييرات تأثيرات موجِعة في الرمثا، الواقعة على بُعد 10 كيلومترات (6.2 أميال) من مدينة درعا السورية. فالرمثا كانت وجهة أساسية للبضائع السورية المستورَدة بطريقة نظامية أو غير نظامية. لم تكن التجارة الصغيرة النطاق عبر الحدود، ولا سيما التجارة غير النظامية، أساس اقتصاد المدينة وحسب، بل شكّلت أيضًا ركيزة عقد ضمني بين السلطات والسكان المحليين. وقد سمحت الدولة بهذه الحركة التجارية لأنها كانت تُكمِّل الإيرادات المحلية، ما يُعزّز الاستقرار الاجتماعي. فوفّر ذلك على الدولة استثمار موارد كانت ستحتاج إليها لاستحداث وظائف. وقد تسبّب النزاع السوري، من خلال تقويض هذا التفاهم، باستياء محلّي متعاظم.

لقد أدّى السائقون الأردنيون الحائزون على تراخيص لدخول سورية، والمعروفون بـ"البحّارة"، دورًا أساسيًا في إدخال المنتجات السورية إلى الأردن، ولا سيما إلى الرمثا. فقد كانت الحدود، بالنسبة إليهم وإلى شبكاتهم، موردًا حيويًا على امتداد الأجيال. وكان سرّ اقتصادهم بسيطًا. فهم كانوا يجلبون بضائع أرخص ثمنًا من سورية والعراق ويبيعونها بأسعار أعلى في الأردن. وقد أصبحت سورية، بعد الاجتياح الأميركي للعراق في العام 2003 وما أعقبه من تراجع التجارة عبر الحدود، شريان الحياة الأساسي للمجتمعات الحدودية، وكذلك للتجّار عمومًا، من خلال تأمينها طريقًا برّيًا باتجاه الأسواق المهمّة في لبنان وتركيا وأبعد منهما.

مع اشتداد العنف في سورية في 2012-2013، حين باتت مغامرة الدخول إليها تُعرِّض البحارة لمخاطر أكبر، توقّفت الأنشطة عبر الحدود. ونتيجةً لذلك، أغلقت أعمالٌ كثيرة أبوابها في الرمثا وارتفعت معدلات الفقر والبطالة. واستمرّ الوضع على هذه الحال حتى تشرين الأول/أكتوبر 2018، أي بعد بضعة أشهر من استعادة قوات النظام السوري السيطرة على جنوب سورية من أيدي الثوّار. وقد أعاد الأردن افتتاح معبر نصيب-جابر الحدودي الأساسي، إنما مع وجود أقل للسلطات الحدودية وعدد أدنى من الطرقات المخصصة للمركبات مقارنةً مع السابق. ولكن فيما استعجل البحّارة استئناف العمل (من خلال معبر نصيب-جابر، نظرًا إلى أن معبر درعا-الرمثا ظلّ مغلقًا)، سرعان ما اتضح أن الصفقة القديمة بين السائقين والسلطات الحدودية لم تعد سارية المفعول.

أرميناك توكماجيان
أرميناك توكماجيان باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.
More >

في ضوء ما تقدّم، اندلعت احتجاجات في الرمثا في آب/أغسطس 2019، كان البحّارة في صدارتها، ولقيت مطالبهم دعمًا من أبناء المدينة. هم أرادوا استئناف العمل، أقله جزئيًا، ضمن الترتيبات الحدودية القديمة. وحاول السائقون مرارًا وتكرارًا ربط قضيتهم بالقضايا التي رفعتها تيارات احتجاجية أخرى في البلاد، بيد أن الحكومة رفضت تلبية مطالبهم. وفي آذار/مارس 2020، دفعت جائحة كورونا الأردن إلى إغلاق حدوده مع سورية أمام جميع المركبات ما عدا الشاحنات التجارية. فساهم ذلك بتجميد مشكلة البحّارة بصورة مؤقتة، على الرغم من احتدام التشنجات مع السلطات خلال الأشهر اللاحقة. ومع ارتفاع عدد الأشخاص الحاصلين على اللقاح في الأردن وإعادة فتح المعابر، غالب الظن أن يعبّر سكان المناطق الحدودية مجدّدًا عن سخطهم. 

أسلوب البحّارة والقبول الرسمي

قبل اندلاع النزاع السوري، كانت الحدود الأردنية-السورية المورد الاقتصادي الأساسي لمدينة الرمثا، إذ كان يتم إحضار البضائع الرخيصة من سورية لبيعها في الأردن من أجل تحقيق الأرباح. وقبل العام 2011، كانت هناك نحو 800 سيارة مرخَّصة للعمل على الطريق الذي يربط الأردن بسورية.1 وكان معظم مالكي هذه السيارات من مدينة الرمثا، علمًا بأن بعض السائقين يتحدّرون من مدن أخرى، منها عمّان وإربد، ويبيعون بضائعهم في الرمثا في طريق عودتهم إلى ديارهم.

رسميًا، يُفترَض بمالكي السيارات نقل الركّاب، ويمكنهم في طريق عودتهمأن يُحضروا معهم بضائع لاستعمالهم الخاص. ولكن عمليًا، سُمِح لهم بجلب كمية معيّنة من المنتجات المعفيّة من الضرائب.2 فعلى سبيل المثال، وفي حين أن التدابير المعمول بها نصّت على أنه يجوز لكل سائق أن يُحضر معه صندوق سجائر واحد، كان موظّفو الجمارك يغضّون الطرف في الواقع عن السائقين الذين يجلبون معهم كميات أكبر. فقد كانت هذه تجارة مربحة وغير محفوفة بالمخاطر، وحقّقت إيرادات لا تقل عن 30 إلى 40 دينارًا في الرحلة الواحدة (32-56 دولارًا).3 بعبارة أخرى، قبل بدء الانتفاضة السورية، كان السائق الذي يقوم بعشر زيارات إلى اثنتَي عشرة زيارة إلى سورية في الشهر يحقق مدخولًا يوازي تقريبًا الحد الأدنى للأجور في الأردن.

ودرّت هذه التجارة الصغيرة النطاق مزيدًا من الأرباح حين تمكّن السائقون من إحضار كميات من البضائع أكبر من تلك المسموح بها مقابل رسوم جمركية ضئيلة أو من دون دفع أي رسوم. وقد أنشأت هذه الممارسة القائمة إما على إخفاء البضائع وإما على عقد صفقات سرّية مع السلطات الحدودية، اقتصادًا غير رسمي واسع النطاق قبل العام 2011. صحيحٌ أن عدم التصريح عن البضائع أتاح بيعها بأسعار تنافسية للمستهلكين، ولكن ترتّبت عن ذلك كلفة باهظة على الدولة التي غالبًا ما اتهمت البحّارة بالتهريب. وقد أنكر البحارة بدورهم التهمة، مشيرين إلى أنهم يُفيدون مجتمعاتهم المحلية من خلال الحفاظ على أسعار متدنّية. فضلًا عن ذلك، كانوا يعتزّون بأنهم يكسبون دخلهم بأنفسهم، من دون الاعتماد على القطاع العام4 الذي يُعتبَر تقليديًا الجهة المستخدِمة الأكبر في الأردن. ففي العام 2016، كانت الدولة توظّف 43 في المئة من القوة العاملة في الفئة العمرية بين خمسة عشر وأربعة وستين عامًا.

كانت الوجهة الأساسية للبحّارة الأردنيين استراحة درعا البلد الواقعة مباشرةً خلف نقطة الجمارك في درعا.5 فهناك، كانوا يجدون سلعًا أُنتِجت في مختلف أنحاء سورية. والسائقون الذين لم يبيعوا البضائع السورية بأنفسهم، كانوا ينقلون البضائع التي اشتراها التجّار في الأردن إلى مالكيها في الرمثا. فقد شكّلت هذه المدينة سوقًا رئيسة للمنتجات السورية، إنما كان لها أيضًا تجّارها الذين أمّنوا رابطًا مع الأسواق الواقعة في المناطق الأردنية الداخلية. وكانت الرحلة إلى سورية ذهابًا وإيابًا لا تستغرق ثلاث ساعات في الأيام العادية قبل العام 2011.6 وأسهم التسليم السريع في الحفاظ على الطابع الطازج للمنتجات، وأتاح أيضًا خدمة التوصيل إلى المنازل في الرمثا.

يصعب تحديد حجم هذا الاقتصاد، إذ لم ينشر لا الأردن ولا سورية إحصاءات رسمية عن معبر درعا-الرمثا. ولكن ثمة أدلة تُشير إلى أن حجم التجارة الرسمية وغير الرسمية لم يكن ضئيلًا، أقلّه على المستوى المحلّي في الرمثا. فعلى سبيل المثال، كانت السجائر من الواردات الأساسية في الأردن، إذ يسهل نقلها وتتيح تحقيق أرباح مالية كبيرة. وفي العام 2010، سمحت السلطات الحدودية لكل سائق بإحضار سبعة صناديق يحتوي كل منها على 200 سيجارة.7 وبما أن 250 سائقًا اعتادوا عبور الحدود في المعدّل يوميًا، فهذا يعني أنهم كانوا ينقلون في المجموع 1750 صندوقًا في اليوم تحتوي على 350000 سيجارة. وهكذا، يُرجَّح أن الكمية التي أحضرها البحّارة يوميًا من سورية في العام 2010 كانت أكبر من حاجة الرمثا التي تبلغ نحو 294000 سيجارة في اليوم.8 وهذه تقديرات محافِظة نظرًا إلى أن البحّارة أحضروا عادةً كميات أكبر من تلك المسموح بها، ولكنها تُعطي فكرةً عن أهمية السوق في الاقتصاد الحدودي.

إضافةً إلى السجائر، أحضر البحّارة سلعًا أخرى، منها الملابس والخضار والفواكه ومشتقّات الحليب والحلويات وغيرها. وقد بقي عدد كبير من السلع الأساسية بأسعار منخفضة نسبيًا، لأن تكاليف الإنتاج أقل في سورية. وعلى نحوٍ متوقَّع، كانت للنزاع السوري تداعيات كارثية على البحّارة، وكذلك على المنطقة الحدودية عمومًا. ففي أعقاب الاحتجاجات الأولى المناهضة للنظام التي اندلعت في درعا في آذار/مارس 2011، شهدت الحركة التجارية تراجعًا تدريجيًا، إلى أن توقّفت في العام 2013.

إزاء الواقع الجديد، سُمِح للبحّارة باستبدال التراخيص التي تُجيز لهم الدخول إلى سورية بتراخيص لقيادة سيارات أجرة محلية أو عبور طرقات دولية أخرى (مثلًا بين الأردن والسعودية)، وفقًا لما أشار إليه مسؤول محلّي في قطاع النقل.9 لكن، تمثّلت المشكلة في أن هذه الطرقات هي أصلًا شديدة الازدحام، ما أدّى إلى القيام برحلاتٍ أقل وبالتالي جني أرباح أقل من السابق. وقد علّق أحد السائقين الذي بدأ لاحقًا بقيادة سيارة أجرة محلية: "كنت أجني 100 إلى 200 دينار في اليوم [عندما كان بحّارًا]. وعندما بدأت بقيادة سيارة أجرة، باتت ساعات العمل طويلة مقابل 10 إلى 15 دينارًا في اليوم، وهذا المبلغ بالكاد يكفي لتأمين معيشتي".10

تعرّض الاقتصاد الذي أنتجه البحّارة لضربة قوية. فوفقًا لغرفة التجارة في الرمثا، أغلق نحو 4500 من أصل 5500 متجر أبوابه في المدينة في العام 2017، إذ كان معظمها يتاجر بالبضائع السورية. يروي سائق كان يملك متجرًا في سوق الرمثا أن بدل إيجار مساحة تجارية في موقع جيّد تراجع من 300 دينار (420 دولارًا) في الشهر إلى نحو 70 دينارًا (95 دولارًا).11 وترافق ذلك مع ارتفاع معدّلات الفقر في الرمثا، علمًا بأنه كان قد سجّل زيادة كبيرة في السابق من 8.6 في المئة من السكان في العام 2006 إلى 25 في المئةفي العام 2010. لم يُجرَ إحصاء حديث حول الفقر في الرمثا، ولكن ظروف العيش الواضحة للعيان، مثل تزايد أعداد المتسوّلين في الشوارع، تُشير إلى تردّي الأوضاع بشدة خلال العقد المنصرم.12

وقد لخّص أحد المراقبين المحليين تدهور الأوضاع على النحو التالي:

"كان معظم أبناء الرمثا يكسبون مدخولهم من الحدود. وبعد إغلاقها، بدأ الناس باستخدام مدّخراتهم. وحين نفدت المدّخرات، سعوا للحصول على وظيفة حكومية، علمًا بأنهم لم يتقدّموا بهذا المطلب من قبل، ثم طالبوا بأن تستثمر الدولة في مناطقهم. وبدأنا نرى أشخاصًا يقفون في طوابير لتلقّي المساعدات الحكومية".13

شكّلت استعادة النظام السوري السيطرة على درعا في العام 2018 وإعادة فتح معبر نصيب-جابر الحدودي جزئيًا في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، نقطة تحوّلٍ على هذا الصعيد. فقد استأنف عدد كبير من البحّارة عملهم، وتدفّقت البضائع السورية إلى سوق الرمثا وتراجعت الأسعار. فعلى سبيل المثال، ساهم توافر زيت الزيتون السوري الرخيص في انخفاض سعر صفيحة الزيت زنة 16 كلغ من نحو 110 دينارات (150 دولارًا) إلى حوالى 70 دينارًا (100 دولار).14 ولكن سرعان ما أحبطت السلطات الأردنية آمال البحّارة.

القيود الحدودية وعودة التململ الاجتماعي

في الأشهر التي أعقبت إعادة فتح الحدود، بدا واضحًا أن المنظومة التجارية التي ظلّت قائمة لعقود عدّة قد تغيّرت. فقد أثّر القرار الأميركي بعزل سورية سياسيًا واقتصاديًا بشكلٍ ملحوظ على التجارة عبر الحدود. ففي 2019-2020، أثنت واشنطن الأردن عن إعادة إحياء علاقاته الاقتصادية مع جارته الشمالية. وقد تحدّثت تقارير عن قيام دبلوماسيين غربيين بزيارة تجّار كبار في الرمثا لثنيهم عن التعامل مع سورية.

حدث أيضًا تغييرٌ أساسي في سورية التي أصبحت، بعد نحو عقدٍ من الحرب، مورِّدًا أساسيًا للأسلحة والمخدرات. ففي تموز/يوليو 2020، صادرت السلطات الإيطالية أربعة عشر طنًا من الأمفيتامين بقيمة 1.1 مليار دولار. وفي وقت لاحق من العام نفسه، أوقفت السلطات المصرية ثلاث شحنات من حبوب الكبتاغون. وفي الحالتَين، كانت سورية مصدر البضاعة على ما يُعتقَد، ما دفع بالأردن إلى التشدد في إجراءات ضبط الحدود معها، وفي شباط/فبراير 2021، نشرت السلطات الأردنية تعزيزات عسكرية لفرض الأمن عند الحدود الشمالية والشرقية.

على ما يبدو، شكّل تهريب البضائع المسموحة، ولا سيما السجائر، مشكلة أساسية أخرى تسببت بفرض مزيد من القيود الحدودية، بما في ذلك عند الحدود مع سورية. فقد أشارت التقديرات الأردنية إلى أن تهريب السجائر في العام 2019 كلّف الخزينة نحو 130 مليون دينار (180 مليون دولار) على امتداد الأشهر السبعة الأولى. صحيحٌ أن هذا الرقم يشمل التهريب عبر مختلف الحدود، ولكن بدا أن للحدود السورية حصّة الأسد. ويقول البحّارة الذين دخلوا إلى سورية إن السلطات تساهلت آنذاك في تعاطيها مع التجارة غير الرسمية التي كانوا يزاولونها، والتي كانت تشمل السجائر.15

في ضوء ما تقدّم، فرضت الحكومة قيودًا أكثر تشددًا عند معبر نصيب-جابر الحدودي شرق الرمثا. وبعد أشهر قليلة من إعادة فتح المعبر، اتخذت الحكومة الأردنية إجراءات قضت عمليًا على أي أرباح تُحققها التجارة الصغيرة النطاق. وظهرت عراقيل لأن السلطات الحدودية كانت تعمل بإمكانات أقل من السابق، في ظل خفض ساعات العمل وفرض رقابة جمركية أكثر تشددًا. وهكذا باتت الرحلة تستغرق أيامًا عدّة بعدما كانت تتطلب بضع ساعات في السابق.16 كذلك، منعت السلطات الأردنية بعض البحارة من العبور. فقد زعم محامٍ من الرمثا أبدى تعاطفه مع البحّارة أن 600 أردني، من بينهم عدد كبير من السائقين، مُنعوا من التوجّه إلى سورية، من دون صدور قرار عن المحكمة بهذا الخصوص، وذلك استنادًا فقط إلى الزعم بأنهم أساؤوا السلوك عند الحدود.

وكان القرار الذي أصدرته الحكومة في 23 آب/أغسطس 2019 القشّة التي قصمت ظهر البعير، فقد فرض ألا تتعدّى كمية السجائر التي يُحضرها السائقون، ومنهم البحّارة، إلى الأردن صندوقًا واحدًا. في اليوم نفسه، اندلعت احتجاجات عنيفة غير مسبوقة في الرمثا، استمرت ثلاثة أيام. وتخلّلها إحراق المتظاهرون الإطارات، وقطع الطرقات، واقتحام مباني عامة والعبث بمحتوياتها، والتصادم مع الشرطة التي اعتقلت ستة عشر شخصًا واستخدمت الغاز المسيّل للدموع لتفريق المحتجّين.

ادّعت الحكومة أنها تكافح تهريب السجائر والأسلحة والمخدرات، وأن التدابير التي اتخذتها لا تستهدف أي مجموعة محددة، في إشارة إلى البحّارة. في الجوهر، كانت السلطات تطبّق النص الحرفي للقانون، بيد أنها نكثت بالتفاهم غير الخطي مع البحّارة، والذي أجاز لهم مزاولة التجارة الرسمية وغير الرسمية على نطاق صغير.

أثار قرار الحكومة أيضًا نقاشًا بشأن ازدواجية المعايير لدى الدولة. واعتبر متحدّثون باسم البحّارة وشخصيات عامة من الرمثا، في مقابلات تلفزيونية، أن البحّارة وقعوا ضحية السياسات الحكومية. فبينما يتعرّضون هم للعقاب، يستمر أشخاص يملكون شبكة واسعة من المعارف في الأوساط السياسية في جني الأرباح من خلال انخراطهم فيتهريب السجائر على نطاق واسع. وقد أصدر البحّارة بيانًا شجبوا فيه الحكومة متهمين إياها بـ"قطع رزقـ[هم]"، بدل أن تصبّ جهودها على محاربة كبار المهرّبين الذين يُدخلون أطنانًا من التبغ والمخدرات من سورية. ولم يتوانَ البيان عن ذكر أحد هؤلاء الأشخاص بالاسم والكشف عن الشخصية الداعمة له في النخبة الحاكمة الأردنية.

في البداية، اعتمد البحّارة مقاربة تصعيدية. فقد هدّدوا في بيانهم بتكثيف الاحتجاجات وكشف النقاب عن بؤر الفساد في الأردن في حال عدم رجوع الحكومة عن قرارها السياسي. وقال ممثّل البحارة في مقابلة تلفزيونية: "لا نريد رواتب [حكومية] مثل الآخرين. نحن أصحاب حق. في المرة المقبلة، سوف ننتزع حقّنا بأيدينا. الملك خط أحمر، ولا نولي اهتمامًا بغيره. أبناء الرمثا لديهم مطالب محقّة".

ولكن قضيتهم لم تكتسب زخمًا في مختلف أنحاء البلاد، على الرغم من أن مسألة كبار المهرّبين هي همٌّ وطني.17 وعندما بدأت جائحة كورونا بالتفشّي في المملكة في آذار/مارس 2020، أُغلِقت الحدود مع سورية وعُلِّقت مطالب البحّارة إلى حد كبير. وفي الفترة التي انقضت بين احتجاجات آب/أغسطس 2019 وبدء الجائحة، جرت مفاوضات بين ممثّلي البحّارة والسلطات، لكن الحكومة رفضت التراجع عن موقفها.

لعل ما يُبرّر المقاربة المتعنّتة التي ما زالت تعتمدها الحكومة هو أن لدى المسؤولين الأردنيين أولويات سياسية أخرى، مثل التعامل مع الضغوط الأميركية الهادفة إلى ردع الأردن عن تطبيع علاقاته مع نظام الرئيس بشار الأسد، أو درء التهديدات الأمنية التي تتسبّب بها الأوضاع في سورية. وربما تعتبر الحكومة الأردنية أن احتجاجات البحّارة لا تُشكّل تهديدًا جدّيًا للاستقرار السياسي في البلاد. وهذا صحيحٌ ربما، ذلك أن البحّارة لا يسعون خلف تغيير جذري، بل يتوخّون أهدافًا محلية الطابع.

ولكن موقف الدولة لا يزال محفوفًا بالمخاطر. وسوف تُضاف احتجاجات البحّارة إلى التظلمات المحلية الأخرى التي تواجهها السلطة المركزية في سياقٍ اقتصادي متفجّر ناجم عن الجائحة. فقد سجّل إجمالي الناتج المحلي في المملكة تراجعًا بنسبة 3.6 في المئة في الربع الثاني من العام 2020، وهو الانكماش الأكبر منذ عقدَين من الزمن، في حين أن البطالة ارتفعت خلال الجائحة من 19 في المئة في الربع الأخير من العام 2019 إلى 24.7 في المئة في الربع الأخير من العام 2020. ويعني ذلك، بالأرقام، أن عدد العاطلين عن العمل بلغ نحو 404000 أردني في العام 2020. وسجّلت نسبة البطالة لدى الشباب مستوى مرتفعًا في العام 2019، بلغ 37 في المئة. وقد أظهر استطلاع أُجري في ذلك العام أن المدخول الذي يجنيه 97 في المئة من الأشخاص ليس كافيًا ليتمكّنوا من ادّخار المال، فيما وصف 75 في المئة الوضع الاقتصادي بـ"السيئ" أو "السيئ جدًا"، واعتبر 66 في المئة أن الأردن لا يسير في الاتجاه الصحيح.

وسط هذه الأجواء، ثمة خطر مُحدق من أن تُسهم أي شرارة في إشعال إوار الاحتجاجات على أيدي المجموعات المحرومة. فهذا ما حدث مثلًا في آذار/مارس 2021، حين تسبّب خطأ طبّي بوفاة تسعة مرضى مصابين بفيروس كورونا في أحد مستشفيات مدينة السلط، ما أدّى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في مدن عدّة. وقد اغتنم البحّارة هذه الفرصة للتعبير مجددًا عن تظلّماتهم، فخرقوا حظر التجوّل الليلي ونظّموا مظاهرة صغيرة عند مستديرة الرمثا الأساسية.

مثالٌ آخر على ذلك احتجاجات 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 التي نظّمها سائقو سيارات الأجرة في الزرقاء الذين ينقلون الركّاب بين الأردن والسعودية. فقد أعرب البحّارة، على صفحتهم الرسمية عبر موقع فايسبوك، عن تضامنهم مع زملائهم في الزرقاء ونظّموا تحرّكات موازية.18 وعلى الرغم من غياب مؤشّر واضح على التنسيق بين المجموعتين، لا شك في أن التحرّكات الاحتجاجية المنفصلة يمكن أن يتغذّى بعضها من بعض قبل أن تتّسع رقعتها.

ومن الأمثلة الأبرز احتجاجات أساتذة المدارس في آب/أغسطس 2020، بعد عامٍ من احتجاجات البحّارة في الرمثا. وللأساتذة الأردنيين تاريخٌ طويل من الحراك الاحتجاجي الاجتماعي للمطالبة بزيادة رواتبهم. أما السبب وراء احتجاجات آب/أغسطس 2020، فيُعزى إلى توقيف أعضاء منتخَبين رفيعي المستوى في نقابة المعلّمين على خلفية تهمٍ مشكوك في صحتها. وقد نزل آلاف المحتجّين إلى الشوارع في مختلف أنحاء الأردن حيث تعرّضوا لقمع شديد. وخلال المظاهرات، وُضِعت القوى الأمنية في الرمثا في حالة تأهّب قصوى وأحبطت بالقوّة مساعي أحد أعضاء نقابة المعلمين في المدينة لتنظيم احتجاج هناك، معوّلًا على الغضب الذي أثارته قضية البحارة في الرمثا. وقد توجّست السلطات من إمكانية الربط بين هاتين القضيتين المنفصلتين في سياق أوسع يطبعه الاستياء من الحكومة.19

من أجل العمل على تحقيق الاستقرار الاجتماعي من جديد في الرمثا، يجب الإقرار بأن الخطر لا يُحدق بأرزاق البحّارة فحسب، إنما أيضًا بأرزاق جميع أبناء الرمثا. فالحكومة الأردنية، من خلال نكثها فجأةً باتفاقها غير الرسمي مع البحّارة، ومع الرمثا عمومًا، حوّلت الحدود من نعمة إلى نقمة للسكان، نظرًا إلى غياب الاستثمارات في المنطقة بسبب اعتمادها على الاقتصاد الحدودي.

المسار نحو الأمام: إما التسوية وإما تأجيج الاضطرابات

فيما تزداد أعداد الأشخاص الذين يتلقّون على لقاح كوفيد-19 في الأردن، سوف يتعيّن على الحكومة إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالحدود السورية-الأردنية. وحين يُعاد فتح مزيد من المعابر الحدودية، سوف تعود مسألة البحّارة خصوصًا والرمثا عمومًا إلى الواجهة من جديد. وستكون الكثير من التطورات رهنًا بنظرة الدولة إلى الحدود. فهل ستصبح أداةً يمكن استخدامها لسحق الاضطرابات الاجتماعية في أوساط سكّان المناطق الحدودية، أم ستشكّل رافعة أخرى من رافعات سلطة الدولة حيث تُفرَض القواعد التنظيمية بغض النظر عن مدى تأثيرها على السكان المحليين؟

سوف يتعيّن على الحكومة الأردنية دراسة خياراتها بعناية شديدة. ومن شبه المؤكّد أن مرحلة ما بعد الوباء ستولّد في الأردن خصوصًا، وفي الشرق الأوسط عمومًا، موجات جديدة من التململ الاجتماعي. وسوف تُضطر الدول إلى معالجة الخسائر الاقتصادية التي تكبّدتها مجتمعاتها.

في الوقت الراهن، لا تزال السلطات الأردنية عاجزة عن تقديم بديل اقتصادي يُعتدّ به لمعظم أبناء الرمثا، من خلال زيادة الاستثمارات مثلًا، أو تنفيذ مشاريع إنمائية، أو التوظيف في القطاع العام. ويتمثّل الحل المؤقّت في إعادة إحياء بعض عناصر الصفقة القديمة على الأقل، ما سيحفّز العجلة الاقتصادية ويُرسي من جديد درجةً من السلم الاجتماعي في الرمثا.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.

هوامش

1 مقابلة أجراها أحد مساعدي الأبحاث المحليين (بالنيابة عن المؤلّف) مع مسؤول من هيئة تنظيم النقل البري الأردنية، مكتب إربد، 17 شباط/فبرابر 2021.

2 استنادًا إلى روايات ثلاثة سائقين من الرمثا، فضلّوا عدم الكشف عن هويتهم: مقابلة أجراها المؤلّف مع سائق في أواخر الثلاثين من العمر، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ومقابلة أجراها المؤلّف مع سائق في أوائل الأربعين من العمر يحمل إجازة في العلوم من جامعة إربد، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ومقابلة أجراها المؤلّف مع سائق مخضرم عمل منذ بداية التسعينيات، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 8 كانون الأول/ديسمبر 2020.

3المصدر السابق.

4مقابلة أجراها المؤلّف مع أستاذ مدرسة سابق يعمل كسائق ويدير متجرًا في الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 17 كانون الأول/ديسمبر 2020.

5مقابلة أجراها المؤلّف مع تاجر سوري له تجربة مباشرة، نصيب، سورية (عبر تطبيق Zoom)، 16 شباط/فبراير 2021؛ أكّد جميع السائقين الأردنيين الخمس الذين أُجريت معهم مقابلات أنه منطقة درعا البلد كانت الوجهة الأساسية للبحارة قبل العام 2011.

6 قال أحد السائقين: "كنت أدرس في الجامعة وأعمل. كان الوضع سهلًا جدًا، إذ تستغرق الرحلة كاملة [ذهابًا وإيابًا] ثلاث ساعات". مقابلة أجراها المؤلّف مع سائق في أوائل الأربعين من العمر يحمل إجازة في العلوم، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.

7سبعة صناديق ليست سقفًا ثابتًا، بل تغيرت كمية السجائر التي يمكن أن يحضرها البحارة بعد أن تغيّرت طريقة السلطات التي كانت تغض الطرف عن ذلك. في وقت لاحق من العام 2010، بات معروفًا في صفوف البحارة (وفي الرمثا بشكل عام) أن كل سائق يمكنه إحضار سبعة صناديق من دون مشاكل. مقابلة أجراها المؤلّف مع باحث من الرمثا مقيم في إربد (عبر سكايب)، 10 نيسان/أبريل 2020. 

8قدّر تعداد 2011 في الأردن أن عدد سكان محافظة الرمثا يبلغ حوالى 130 ألف نسمة، من بينهم 85000 بالغ (44000 ذكر و41000 أنثى). وفي العام 2012، بلغ المعدل الوطني للمدخنين في الأردن 43.4 في المئة للذكور و8.5 في المئة للإناث. وعند تطبيق هذه الأرقام على سكان الرمثا، وضرب هذا الرقم بثلاثة عشر (وهو متوسط عدد السجائر التي يتم تدخينها يوميًا في الأردن وفقًا للبنك الدولي)، يُقدر الاستهلاك اليومي للسجائر في المنطقة بنحو 294000.

9مقابلة أجراها أحد مساعدي الأبحاث المحليين (بالنيابة عن المؤلّف) مع مسؤول من هيئة تنظيم النقل البري الأردنية، مكتب إربد، 17 شباط/فبرابر 2021.

10 مقابلة أجراها المؤلّف مع سائق في أواخر الثلاثين من العمر، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.

11مقابلة أجراها المؤلّف مع أستاذ مدرسة سابق يعمل كسائق ويدير متجرًا في الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 17 كانون الأول/ديسمبر 2020.

12مقابلة أجراها المؤلّف مع باحث من الرمثا متخصص في شؤون الفقر (عبر تطبيق Zoom)، 16 كانون الثاني/يناير 2021؛ ومقابلة أجراها المؤلّف مع باحث من الرمثا مقيم في إربد (عبر تطبيق Zoom)، 16 كانون الأول/ديسمبر 2020. 

13مقابلة أجراها المؤلّف مع باحث من الرمثا مقيم في إربد (عبر سكايب)، 10 نيسان/أبريل 2020. 

14مقابلة أجراها المؤلّف مع لاجئ سوري، شمال الأردن، 10 آذار/مارس 2020؛ ومقابلة أجراها المؤلّف مع تاجر مواد غذائية من الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 17 شباط/فبراير 2021.

15 مقابلة أجراها المؤلّف مع سائق في أواخر الثلاثين من العمر، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020؛ومقابلة أجراها المؤلّف مع أستاذ مدرسة سابق يعمل كسائق ويدير متجرًا في الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 17 كانون الأول/ديسمبر 2020.  

16قال سائق له تجربة مباشرة إن موظفي الجمارك أمضوا "ساعات في تفتيش كل سيارة، وكانت طوابير الانتظار طويلة. وفي بعض الأحيان، استغرقت الرحلة واحدة [ذهابًا وإيابًا من وإلى سورية] أربعة أيام". مقابلة أجراها المؤلّف مع سائق في أواخر الثلاثين من العمر، الرمثا (عبر تطبيق Zoom)، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.

17 مقابلة أجراها المؤلّف مع باحث أردني يقيم في الولايات المتحدة ويراقب منذ فترة طويلة السياسة الأردنية (عبر تطبيق Zoom)، 26 كانون الثاني/يناير 2020؛ ومقابلة أجراها المؤلّف مع باحث وناشط أردني مقيم في عمّان (عبر سكايب)، 26 كانون الثاني/يناير 2020. 

18مقابلة أجراها المؤلّف مع باحث من الرمثا مقيم في إربد (عبر تطبيق Zoom)، 16 كانون الأول/ديسمبر 2020.

19المصدر السابق.