كان رد فعل الرئيس الأميركي جو بايدن وإدارته على استيلاء الجيش مؤخرًا على السلطة في السودان واضحًا لا لبس فيه. فقد عبّر المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس عن إدانة صريحة وأعلن عن تعليق كامل المبلغ المخصّص للمساعدات الطارئة، وقدره 700 مليون دولار، في إطار أموال الدعم الاقتصادي الذي تقدّمه الولايات المتحدة إلى السودان. وأضاف أن بلاده ستعيد النظر في الأشكال الأخرى من المساعدات الثنائية، مؤكّدًا أن السودان سيبقى خاضعًا للقيود التي فُرِضت بعد الرأي القانوني الذي خلُص إلى أن انقلابًا وقع في العام 1989، "إلى أن تحدّد وزارة الخارجية أن حكومة منتخبة ديمقراطيًا تسلّمت السلطة". وقد أوقف البنك الدولي صرف مبلغ مليارَي دولار مخصّص لتمويل المشاريع، وهدّد الاتحاد الأوروبي بوقف مساعداته المالية، وعمد الاتحاد الأفريقي إلى تعليق عضوية السودان. وزاد المتظاهرون السودانيون الذين يطالبون بعودة الحكم المدني إلى البلاد من حدة الضغوط من خلال المشاركة في الاحتجاجات بأعداد كبيرة في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في 30 تشرين الأول/أكتوبر.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

تحيي هذه الردود مجتمعةً بعض الآمال بإرغام زعيم الانقلاب، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، على السماح بعودة الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، إلى السلطة بطريقة سلمية. في حال نفّذ البرهان ذلك، وحظي بقبول حلفائه العسكريين وشبه العسكريين، من المرجّح تشكيل حكومة "تكنوقراط" جديدة، بحسب ما اقترحه البرهان. ولكن هذا النوع من التسويات لن يفضي سوى إلى عودة الوضع غير المستقر نفسه، في ظل المماطلة والتأجيل بانتظار أن تحين لحظة أخرى تعتبرها القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها مؤاتية أكثر للاستيلاء مجدّدًا على السلطة.

لذلك، على الجهات الداعمة للانتقال الديمقراطي في السودان، سواء في الداخل أو الخارج، بذل جهود أكبر من مجرد السعي لإعادة الوضع القائم السابق. ويقتضي ذلك معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمظالم المناطقية التي هي في أساس الأزمة السياسية في البلاد؛ ولكن الأكثر إلحاحًا هو اتخاذ خطوات جريئة لوضع العلاقات المدنية العسكرية على مسار جديد. داخليًا، يجب أن يكون هذا المجهود بقيادة الأحزاب والجمعيات المؤيدة للديمقراطية، التي سيتعيّن عليها التفاوض بشأن مخرج لقادة الانقلاب؛ وخارجيًا، بقيادة الولايات المتحدة، مدعومة من الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة. وحيثما أمكن، على الدول المجاورة مثل مصر والسعودية والإمارات الالتزام أيضًا بهذا المسعى، والأمثل أن يتم إشراكها فيه.

انقلاب لم يُحضَّر جيدًا

سيكون من الضروري اتخاذ إجراءات سريعة تتماشى مع رؤية استراتيجية. وتجدر الإشارة ألى أن البرهان وسواه من قادة الانقلاب قد يكونون أكثر استعدادًا على المستوى السياسي في المرة المقبلة. أما الآن، وبالإضافةً إلى سوء إدارتهم للنقاشات مع المبعوث الخاص الأميركي جيفري فيلتمان عشية الانقلاب، إذ خدعوه بشأن نواياهم، لا شيء مما قالوه أو فعلوه منذ ذلك الحين يُظهر أنهم توقّعوا مثل هذا الرد الدولي المندّد بالانقلاب أو أنهم كانوا جاهزين لاستباق حدوثه أو التخفيف من حدته.

ومن الواضح أيضًا أن قادة الانقلاب لم يدركوا أنه كان عليهم العمل مسبقًا على بناء تحالف مدني فعّال من أجل إضفاء شرعية على الانقلاب وتدعيمه بصورة فورية. كان ثمة حلفاء محتملون بديهيون في أوساط الأحزاب السياسية التي تعارض أساسًا حكومة حمدوك، أو جهات انفصلت مؤخرًا عن التحالف الحكومي الأساسي المعروف بقوى إعلان الحرية والتغيير. لكن يبدو أن قادة الانقلاب اعتمدوا بصورة حصرية على شبكات المحسوبيات التابعة لهم، أو عوّلوا على المناصرين السابقين للدكتاتور المخلوع عمر البشير وعلى مجموعات مختلفة من الإسلاميين.

يتناقض ذلك بشدة مع المسار المختلف جدًّا الذي سلكه الانقلاب المصحوب بالثورة الشعبية في مصر في العام 2013. فقد عملت القوات المسلحة المصرية عن كثب مع النشطاء المدنيين في القواعد الشعبية والأحزاب الحليفة لأشهر قبل أن تعمل على تسلّم السلطة في ذروة تظاهرات العام 2013 التي شارك فيها ملايين المصريين ضد الرئيس السابق محمد مرسي. وكان الرئيس المؤقت ومجلس الوزراء الجديد، المؤلف بكاملهامن المدنيين، ينتظران في الكواليس. أما القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها في الأجهزة الأمنية والقوات شبه العسكرية فقد كانت أقل تروّيًا من نظيرتها المصرية، وجُل ما فعلته أنها نقلت مناصريها بالحافلات إلى العاصمة الخرطوم قبل أسبوع من الانقلاب للمطالبة بتدخل عسكري، وبدا حجمهم ضئيلًا مقارنةً مع الأعداد الضخمة من المتظاهرين الداعمين للحكم المدني.

تعترض عوائق مهمة عملية الانتقال الديمقراطي، أهمّها الشقاق داخل المعسكر المؤيد للديمقراطية ووجود أعداد هامة من المدنيين الداعمين للجيش. وقد استغلت فصائل عدة في القوات المسلحة السودانية هذه العوامل لشن سبع عشرة محاولة انقلابية منذ العام 1956، بحسب ما أحصاه تعداد للمحاولات الانقلابية في السودان، وكان النجاح حليف خمس محاولات منها. وقد تحدثت بعض المصادر عن أن متشددين عسكريين ربما دفعوا البرهان إلى تنفيذ الانقلاب، وقد يعمدون إلى تنحيته جانبًا في حال قدّم تنازلات. في غضون ذلك، سوف تتسبب الانقسامات الفئوية الحادة في مختلف أنحاء البلاد بعرقلة كل المسارات الممكنة للتحرّك، وليس فقط المسار الرامي إلى إرساء حكم مدني. فالحروب الأهلية والنزاعات الداخلية المتعاقبة التي أسفرت، بحسب التقديرات، عن سقوط أكثر من مليونَي قتيل وأفضت إلى استقلال جنوب السودان في تموز/يوليو 2011، حدثت جميعها في ظل أنظمة مدعومة من العسكريين في الخرطوم. وهذا الواقع وحده ينبغي أن يشكّل حجّة دامغة لصالح إعادة ضبط العلاقات المدنية العسكرية.

يكشف غياب الجهوزية الواضح لدى قادة الانقلاب عن افتقارهم إلى الكفاءة السياسية وشعورهم بالهلع. والأهم أنهم قدّموا، عن غير قصد، فرصة للمعسكر المؤيّد للديمقراطية من أجل استعادة زمام المبادرة وتوطيد أركان العملية الانتقالية. لقد أظهر كبار الجنرالات أنهم فعلًا من فلول نظام البشير، لذا يخافون من التعرّض للملاحقة القضائية على خلفية جرائم الحرب التي ارتُكِبت في عهده. والدليل على ذلك أن إحدى الخطوات الأولى التي أقدم عليها البرهان لدى تسلّمه السلطة كانت تعليق العمل ببندٍ في وثيقة الإعلان الدستوري للفترة الانتقالية للعام 2019 ينصّ على إنشاء ما يُسمّى بلجنة نبيل أديب للتحقيق في قضية الفض العنيف للاعتصام المدني أمام مقر القيادة العامة للجيش في حزيران/يونيو 2019.

غالب الظن أن البرهان ونائبه في مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو الملقّب بـ"حميدتي" يسعيان إلى حماية نفسيهما من الملاحقة القضائية بعد مغادرة منصبيهما في نهاية الفترة الانتقالية في العام 2024. ويجب على المعسكر المدني معالجة هذا الخوف وربما استخدامه كورقة تفاوض، من خلال عرض تقديم الحماية لهما مثلًا مقابل انتزاع تنازلات كبرى في ما يتعلق بنقل الشركات التجارية المملوكة للمؤسسة العسكرية إلى سيطرة المدنيين، وبمصير قوات الدعم السريع، وهي التشكيلة شبه العسكرية التي يقودها حميدتي.

في مطلق الأحوال، سيتعيّن على البرهان التنحّي عن رئاسة مجلس السيادة الانتقالي، وتسليم المنصب بصورة فورية إلى شخصية مدنية، كما كان من المزمع فعله في أيار/مايو 2021 ثم أُرجئ إلى تاريخ غير محدّد يتراوح بين نيسان/أبريل وتموز/يوليو 2022. وعلى الجهات الخارجية أن تحرص على وضع هذا في صلب مطالبهم من الانقلابيين.

وعلى القدر نفسه من الأهمية، ينبغي على البرهان التنحي من منصبه كقائد عام القوات المسلحة السودانية، واستبدال قيادتها العليا بالكامل بدماء جديدة. سيبقى مع ذلك خطر أن يؤدي التخلّص من الحرس القديم إلى تولّي جنرال طموح أصغر سنًّا زمام الحكم، كما حدث مع عبد الفتاح السيسي في مصر. فالقراران اللذان اتخذهما مرسي بإعفاء كامل طاقم قيادة القوات المسلحة المصرية من مهامهم، وتعيين السيسي وزيرًا للدفاع في آب/أغسطس 2012، خوّلا هذا الأخير أن يقبض على السلطة على رأس القوات المسلحة بعد أقل من عام. لذا، على السودان إحداث قطيعة مع السابق من خلال تعيين شخصية مدنية في منصب وزير الدفاع. يمكنه كذلك تطبيق الاقتراح الذي قدّمه جنرال في القوات المسلحة السودانية في التسعينيات، ودعا إلى إلغاء منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية - والذي يسهّل برأيه تركّز الصلاحيات في يده حدوث الانقلابات – واستبداله بتعيين رؤساء لهيئة الأركان المشتركة كما في الولايات المتحدة.1

الحكم المدني: فرصة للعسكريين أيضًا

يتعارض الخضوع لأوامر وزير دفاع مدني مع ما اعتادت عليه القوات المسلحة السودانية، ويخالف الأعراف السائدة في دول عربية كثيرة، ولا سيما في مصر المجاورة حيث خصّ الدستور ضباط القوات المسلحة المصرية حصريًا بهذا المنصب. ولنزع فتيل المعارضة في صفوف القوات المسلحة السودانية، لا بدّ من اعتماد إجراءات مختلفة لتحفيز الجيل الجديد من القادة، كما الضباط ذوي الرتب المتوسطة والصغرى، على رؤية فوائد العمل إلى جانب السلطة المدنية، وليس ضدها. وتشمل هذه الحوافز تحديث القوات المسلحة وتعزيز مهنيتها وقدراتها. ليس الهدف الاقتصاص من القوات المسلحة بعد الانقلاب الذي نفّذته في 25 تشرين الأول/أكتوبر، بل تسليط الضوء على الفرص التي يوفّرها لها ترسيخ السلطة المدنية، وإشراكها في عملية الانتقال الديمقراطي.

ينبغي إذًا أن يترافق استبدال قيادة القوات المسلحة السودانية مع إصلاحات هيكلية ترمي إلى نزع الصبغة السياسية عنها وتعزيز مهنيتها وروحها الجماعية وقدراتها. ستستغرق بلورة هذه الأهداف العامة وتنفيذها وقتًا، وقد تنطوي الخطوة الأولى على وضع "كتاب أبيض" للدفاع يستعرض الخيارات السياساتية والإجراءات المحددة. لقد عمل مكتب حمدوك لأشهر على صياغة إطار عام لإصلاح قطاع الأمن، وينبغي استئناف هذه العملية وتوسيع نطاقها وتفاصيلها.

في غضون ذلك، يمكن إجراء مراجعة أولية لمسارات محددة تسمح بنزع الصبغة السياسية عن القوات المسلحة وتعزيز مهنيتها وتماسكها. وتشمل هذه المسارات الدخول إلى الكلية العسكرية (لضمان عملية الاختيار تراعي حسن التمثيل الديمغرافي والجغرافي في البلاد)، وتركيبة ألوية القوات البرية ومداولة انتشارها (للحدّ من التوترات المجتمعية بين عديدها)، وتنسيب ضباط الصف وتدريبهم (لتشجيع القيادة)، فضلًا عن الرواتب ومعاشات التقاعد وشروط الخدمة الأخرى (توخيًا للإنصاف ولمعالجة التظلمات داخل القوات المسلحة وتجاه المدنيين). قد تساعد هذه الحوافز في رفع المعنويات وضمان الحصول على دعم ضباط القوات المسلحة وجنودها على حدٍّ سواء.

إن إظهار الفوائد التي ستكتسبها القوات المسلحة من بناء علاقات مدنية عسكرية مختلفة تمامًا عمّا عرفته السودان منذ نيلها الاستقلال في العام 1956، سيكون عملية مضنية وطويلة. يمكن دعم هذه الجهود عن طريق تشكيل هيئة تنسيق مع الجهات المانحة للحصول على معونات أمنية دولية لمساعدة القوات المسلحة على صياغة وتنفيذ خطة لتنمية قدراتها تمتد على سنوات عدة. وتُشكّل هذه الخطة نقطة انطلاق لإجراء مراجعة شاملة للإنفاق في مجال الدفاع، وتحسين منهجيات تخطيط ميزانية الدفاع، وإعداد القوات المسلحة للعمل مع الهيئات الحكومية ذات الصلة مثل وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي وسكرتارية مجلس الوزراء.

في سياق متصل، تجدر الإشارة إلى الجهود التي قادتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والأمم المتحدة منذ العام 2013 لمساعدة الجيش اللبناني، إذ تستطيع تكرار هذه التجربة الناجحة في السياق السوداني. يَعِد هذا الإطار بأن تقدّم الدول الغربية مساعدات أمنية للسودان، ويشكّل وسيلة لإشراك القوى الإقليمية التي تملك مصالح كبرى في استقرار السودان، أي مصر والسعودية والإمارات، في المعادلة. فقد استثمرت هذه الدول الثلاث موارد كثيرة في الجيش السوداني، وبالتالي لن تشكّل دعوتها إلى المساهمة في التدريب والتمويل عبر الإطار المقترح تغييرًا كبيرًا. ولكن قد يؤدي إنشاء هذه المظلة وإدراج هذه الدول ضمنها إلى زيادة احتمالات أن تبذل الأطراف جهودًا حثيثة لإقناع القوات المسلحة السودانية بالمشاركة البناءة.

أخيرًا، يجب الإسراع في تنفيذ اتفاق تصفية الاستثمارات التجارية العسكرية الذي أُبرم في آذار/مارس 2021 بين القوات المسلحة والحكومة الانتقالية لنقل المصالح التجارية العسكرية المتعددة إلى السلطة المدنية. فالانخراط العسكري في الأعمال التجارية يتعارض مع مبادئ المهنية، لذا يصب اتفاق تصفية الاستثمارات التجارية في مصلحة القوات المسلحة. ولكن مع أن الاتفاق شكّل خطوة أولى إيجابية، لم يتحقق بعد تقدّم يُذكر في ما يتعلق بحصول الحكومة على البيانات ونقل الشركات التجارية المملوكة للمؤسسة العسكرية إلى سيطرة الحكومة المدنية. يمكن تيسير هذه العملية، جزئيًا، من خلال منح وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي ووزارة التجارة والصناعة إمكانية الوصول الفوري إلى دفاتر حسابات الشركات لمساعدة مديريها ومحاسبيها في عمليات الجرد والتدقيق وتقييم السوق. كذلك، يتيح تخطي الجيش معارضته لهذه المسألة أمام الحكومة الانتقالية بسط سيطرتها على مئات الشركات المدنية المملوكة للدولة التي لا تسلّم دخلها إلى الخزينة، علمًا أن غياب هذا الدخل مسؤول عن جزء كبير من العجز في الإيرادات الحكومية تبلغ نسبته 82 في المئة.   

كيفية التعامل مع حميدتي وقوات الدعم السريع التابعة له

يطرح التعامل مع حميدتي، قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الذي يترأسه البرهان، تحدّيًا صعبًا جدًّا. لقد اتُهمت هذه القوات بارتكاب فظائع بحق المدنيين في دارفور في العام 2015 وبالقتل الوحشي للمتظاهرين المدنيين في حزيران/يونيو 2019، ولا شكّ أن حميدتي تواطأ مع البرهان في تنظيم انقلاب تشرين الأول/أكتوبر 2021. وستزداد الصعوبات التي ستعترض محاولات حث حميدتي على التنحي أو تحييد قواته نظرًا إلى قاعدته الشعبية القبلية القوية في دارفور ووضع قوات الدعم السريع الدستوري كقوة "نظامية" انبثقت في عهد البشير عن ميليشيا الجنجويد التي حظيت برعاية الدولة، وأصبحت على قدم مساواة مع القوات المسلحة.

يمكن البدء، رغم ذلك، أولًا بإعادة السلطة إلى الحكومة المدنية ومطالبتها بإلغاء الأمر الذي أصدره حميدتي في حزيران/يونيو 2021 والقاضي بتعيين قوات الدعم السريع للمساهمة في قوة مشتركة لحفظ الأمن والنظام العام في الخرطوم. بدلاً عن ذلك، ينبغي على الحكومة الانتقالية تعزيز قدرات الشرطة وغيرها من الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية على إنفاذ القانون.

على غرار القوات المسلحة، قامت قوات الدعم السريع باستثمارات تجارية هامة. ولكن اختلفت هذه إلى حدٍّ ما عن أملاك القوات المسلحة من حيث أنها ذات طابع قانوني جزئي فحسب، وإن اتخذت شكل شركات صورية خاصة يملكها أقارب حميدتي أو قادة آخرون في صفوف قوات الدعم السريع، وفي أنها انخرطت أيضًا في أنشطة السوق السوداء. يجب إرغام حميدتي وضباطه على الاختيار بين إما حصر قوات الدعم السريع بدورها كقوة عسكرية نظامية، فيكونون قادة عسكريين، أو تحويلها إلى مؤسسة تجارية فيصبحون رجال أعمال؛ لكن لا يمكن أن يواصلوا تأدية هذين الدورَين معًا. وفي مطلق الأحوال، من الضروري إعادة النظر في تراخيص الانتفاع التجاري المشبوهة التي مُنحت للشركات التابعة لقوات الدعم السريع، وإلغاؤها عند الاقتضاء، ولا سيما في مجالات استخراج الذهب والموارد الطبيعية الأخرى وتسويقها، وإنتاج الصادرات الأساسية مثل السمسم والصمغ العربي.

على الصعيد الاستراتيجي، ينبغي الشروع في المراجعة بهدف إخضاع قوات الدعم السريع للسياسات والأنظمة المعيارية المتعلقة بالتنسيب، وتدريب الضباط، والرواتب، ومعاشات التقاعد، وشروط الخدمة في القوات المسلحة. ويجب أيضًا مراجعة هيكلية الميزانية وإجراءات الإدارة المالية لتلك القوات لتتماشى مع شروط وزارة الدفاع. ويُستحسن بدء هذه العملية بإلغاء الوضع المستقل الذي منحه الدستور في عهد البشير لقوات الدعم السريع، وإخضاعها لسلطة وزارة الدفاع. وقد تحظى هذه الخطوة برضى القوات المسلحة التي تعتبر قوات الدعم السريع غريمةً لها.

وعلى المدى الطويل، تتوفّر خيارات أخرى لمستقبل قوات الدعم السريع، وعلى رأسها إدماجها في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى. وهذا هو الوعد الذي قطعته الحكومة الانتقالية على المقاتلين في صفوف مختلف الجماعات المتمردة التي وقّعت معها اتفاق جوبا لسلام السودان في تشرين الأول/أكتوبر 2020، وهذا ما ستعرضه على الأرجح على عناصر الجماعات الأخرى التي تتفاوض معها منذ ذلك الحين.

مع ذلك، قد يتسبّب الإدماج الشامل بمشاكل تفوق الحلول التي يقدّمها، إذ يُرجَّح أن يؤدي إلى تضخم شديد في عديد الجيش والأجهزة الأمنية وفي رواتبهم، ولن تستطيع البلاد تحمّل هذه النفقات. إذًا، قد تولّد هذه الخطوة توترات سياسية وتقوّض التماسك داخل أجهزة الدفاع والأمن في السودان. أما أحد النهُج البديلة فيتمثّل في إدماج القوات شبه العسكرية والجماعات المتمردة ضمن هيكل حرس وطني أو إقليمي جديد ينتشر على مستوى البلاد ويُنشأ لهذه الغاية، على صورة الحرس الوطني الأميركي. يترافق كل خيار مع تكاليف سياسية ومالية محدّدة، ولكن العلاقة الخاصة التي تجمع بين الإمارات وقوات الدعم السريع قد توفر نقطة انطلاق مهمة لا بد من استغلالها، وهذا سبب إضافي لإشراك الإمارات في الجهود المبذولة لإنجاح هذا المسعى.

ما تستطيع القوى الخارجية فعله

تحتل الجهات الخارجية اليوم، وأكثر من ذي قبل، مكانة تخوّلها التأثير في مجرى الأحداث في السودان إذا واءمت سياساتها وجمعت مواردها. ويرد على رأس قائمة أهدافها المباشرة رسم معالم التوقعات وهيكليات تحفيز الفئات العسكرية والمدنية الرئيسة، وذلك عبر طرق ثلاث.

أولًا، على الجهات الخارجية التشديد على ضرورة احترام الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية، بدءًا بنقل رئاسة مجلس السيادة الانتقالي إلى سلطة مدنية. ويفرض ذلك تحديد تاريخ المؤتمر القومي الذي ستصاغ في إطاره مسودة الدستور الدائم والنظام الانتخابي، وإجراء الانتخابات التشريعية الانتقالية التي كان من المقرر إجراؤها في مطالع المرحلة الانتقالية وثم أُرجئت قبل الانقلاب إلى تموز/يوليو 2023. إضافةً إلى ذلك، يتعيّن على القوى الخارجية أن تبدي بوضوح استعدادها لدعم الخيار المدني في حال قرّر العسكر المماطلة، وذلك من خلال تقديم أي من التواريخ السابق تحديدها. إذًا، الغاية المنشودة هي إقناع القوات المسلحة بأن قبولها بهذه العملية هو الخيار الأقل كلفة من سائر البدائل المتاحة.

ثانيًا، يمكن للدول الأجنبية أن تساعد على تهدئة الأزمة السياسية بطرق تستنزف التأييد الذي يحظى به التدخل العسكري. فعندما تبادر هذه الدول إلى تعزيز الدعم الاقتصادي، وتخفيف عبء الديون، وتوفير المساعدات الاجتماعية الهادفة، تخفف بذلك من حدة المشاكل المالية التي تواجهها الحكومة ومن الأعباء الملقاة على كاهل المواطنين نتيجة رفع الدعم الحكومي وتدابير التقشف الأخرى التي يفرضها صندوق النقد الدولي والدائنون الثنائيون. وستؤدي المساعدة في تسديد تكاليف تطبيق اتفاق جوبا لسلام السودان، البالغة قيمتها 13 مليار دولار، فضلاً عن المساعدة الفنية في تسريح أفراد الجماعات المتمردة أو إعادة دمجهم، إلى تخفيف التوترات ووضع حدٍّ للعناصر المخرّبة المحتملة. ويجب أن تسعى الفصائل المدنية أيضًا إلى تحسين صورتها في أوساط الجماعات المتمردة التي تدعم الجيش حاليًا، من خلال اقتراح "عدد أكبر من بنود تقاسم السلطة والإدماج الفعّال للمجموعات الأثنية التي كانت مهمّشة في السابق"، وفقًا لما ورد في توصيات نيلز كريستيان بورمان ووزير المالية السابق في الحكومة الانتقالية، ابراهيم البدوي. إن الموقف المؤيد للجيش الذي تمسّكت به بوضوح بعض الجماعات المتمردة قلّص رصيدها السياسي، لذا سنحت الفرصة التفاوض معها بشأن إدخال بعض التعديلات إلى اتفاق جوبا لسلام السودان. تغيّر هذه التدابير عمومًا المزاج السائد، وتصعّب على الحرس القديم في القوات المسلحة إيجاد مبرّرات لعرقلة الانتقال إلى الحكم المدني، ناهيك عن أنها قد تحشد الدعم للحكومة الانتقالية في صفوف الجيش.

في نهاية المطاف، على الولايات المتحدة والقوى الأخرى في المعسكر الديمقراطي الضغط بقوة للحصول على دعم دول الجوار المترددة. فسيؤثّر الاستعداد الغربي لاتخاذ الإجراءات اللازمة في تصورات هذه الدول. والوقت الآن مؤاتٍ للتأثير في إدارة السيسي التي تحرص على تفادي عداء أكبر تجاهها داخل الكونغرس الأميركي على خلفية سجل انتهاكات حقوق الإنسان. كذلك، إن الفرصة سانحة أمام السعودية - التي تملك مصلحة خاصة في الحفاظ على استقرار البحر الأحمر - والإمارات، لإبداء استعدادهما للتعاون مع واشنطن من أجل تخفيف وتائر التوترات الإقليمية. تملك هذه الدول الثلاث مصالح كبرى في الحفاظ على استقرار السودان، لذا ينبغي إقناعها بأنه لا يمكن تحقيق ذلك من خلال تدخل عسكري جديد. وحتى إذا اكتفت بإبداء حياد نسبي، فهذا كفيلٌ بإقناع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بضرورة تعديل مواقفهما. 

خاتمة

لطالما كان السودان جزءًا من المعادلات الجيوسياسية الإقليمية طيلة العقود الثلاثة من حكم البشير، لكن العقوبات الدولية المفروضة عليه تركته معزولًا نسبيًا عن باقي العالم. لكن هذه العزلة انتهت الآن، إذ تشهد السياسات المحلية حالة من التقلّب والتجاذب لم تعرفها البلاد منذ منتصف الثمانينيات، حين عاد الحكم المدني لفترة وجيزة.

أما نقطة الاختلاف الأساسية اليوم عن السابق فتكمن في تعاظم دور الحكومات الغربية. وإذا كانت هذه الجهات الخارجية قادرة على مساعدة السودان في تحقيق نتيجة أفضل والحفاظ عليها، فحريٌّ بها القيام بذلك. وعلى هذه الجهات، كي تنجح في مسعاها، أن تضع نصب أعينها الهدف المتوخّى وكيفية تحقيقه، لأنها إذا فشلت في اتّخاذ إجراءات فعّالة واستباقية لترسيخ عملية الانتقال الديمقراطي في السودان في هذا المنعطف من تاريخه، فسيغرق هذه المرة في أزمة أعمق لا تُحمد عقباها.

هوامش

1 بحسب العميد الركن (المتقاعد) معاش السر أحمد سعيد، "السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية والسياسة" (الخرطوم، السودان: الشركة العالمية للطباعة والنشر، 2003).