مقدّمة

في اليمن، يتداخل دائمًا التعليم والصراع، والوضع هذا ليس بجديدٍ للأسف، بل يعود في الواقع إلى ما قبل الحرب الراهنة التي اندلعت في العام 2014، والتي ساهمت بتفاقم المشكلة بشكل كبير. حاليًا، يسهم القطاع التعليمي في الإبقاء على الانقسام الاجتماعي، لأنه تفكّك منذ بداية الحرب وغرق تمامًا في لُجج التحزّب والبروباغندا، وبات الأفرقاء المتناحرون يغيّرون المضمون وطبيعة التدريس في الصفوف بما يتماشى مع إيديولوجياتهم الدينية والسياسية. إذًا، تسببت الحرب بوضع كارثي وواجه القطاع التربوي أحداثًا أسوأ من التعطيل الدوري للعام الدراسي ومن التراجع في أعداد الطلاب المسجّلين. فقد تحوّلت المدارس في مختلف أنحاء اليمن، لأسباب متعددة، إلى مراكز لتلقين الإيديولوجيا، حيث يتلقّى الطلاب الذين ما زالوا يرتادونها تعليمًا يُهيّئهم في معظم الأحيان للالتحاق بصفوف أحد الفصائل المسلحة، وإن لم يتولّوا بالضرورة أدوارًا قتالية. وتتجلى هذه الظاهرة على وجه الخصوص في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم أنصار الله، "الحوثيين".

أحمد ناجي
أحمد ناجي باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركز أبحاثه على الشؤون اليمنية.
More >

سوء استخدام قاعات الدراسة منذ أمد طويل

يعاني اليمن من مشكلة تسييس التعليم منذ فترة طويلة تعود إلى ما قبل اندلاع النزاع الراهن. بدايةً، كانت المدراس الدينية هي المسار الوحيد للتعليم، إذ حظيت بشعبية كبيرة في أوساط المجتمع واستمرت حتى بعد التحول إلى قطاع التعليم الرسمي. عادةً، لم يكن يُطلب من المدارس الدينية تراخيص رسمية ولم تخضع لأي نوع من الإشراف. وقد تسبب وجود هذه الشبكات من المدارس، مع توجهاتها المتباينة تمامًا، بظهور معايير متفاوتة، ناهيك عن أنها غذّت حدوث الاشتباكات وانتشار سرديات متشددة وعدائية نتيجة الدعم الذي تتلقّاه من الفصائل والأحزاب السياسية والدينية. وقد نجحت هذه الفصائل في التأثير على نمط التدريس في المدارس الحكومية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وذلك في إطار التنافس القائم بينها لإحكام قبضتها على البلاد.

ظهرت شبكة المدارس الدينية الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في اليمن حين كانت البلاد لا تزال منقسمة بين الشمال والجنوب. ففي منتصف السبعينيات، ساهم الإخوان المسلمون في شمال اليمن في إنشاء شبكة من "المعاهد العلمية" التي تعطي تركيزًا أكبر للتعليم الديني وتلقين الطلاب تفسيرات الجماعة للفقه الإسلامي. وقد سُمِح لهذه المعاهد، على الرغم من توجّهها الديني العلني، بالعمل كمدارس عامة، وحققت شعبية كبيرة في أوساط المكوّنات السنيّة، بيد أنها فتحت أبوابها أيضًا في مناطق يقطنها الشيعة الزيديون الذين توجّسوا من انتشارها.

في العام 2000، بعد مرور عقدٍ من الزمن على إعادة توحيد البلاد، سعت الحكومة إلى إدراج المقاربات التربوية المتباينة التي تعتمدها المدارس العامة في شمال اليمن وجنوبه، في منظومة تربوية حكومية واحدة. وكان الرئيس اليمني آنذاك علي عبدالله صالح يستهدف بصورة أساسية حزب الإصلاح، وهي التسمية التي أطلقها الإخوان المسلون في اليمن على الجماعة في العام 1990. وقد حوّل صالح أنظاره، بعد إلحاق الهزيمة بالانفصاليين في جنوب البلاد في العام 1994، إلى حزب الإصلاح الذي كان يُعتبَر قوة سياسية كبيرة في البلاد. وقد قرّر صالح حينذاك تقويض أدوات الإصلاح الفاعلة من خلال وضع يد الدولة على مدارسه التي كانت تندرج ضمن إطار المدارس الحكومية، ما يعني إخضاعها، خلافًا للمدارس الدينية، لسيطرة الحكومة. حدث ذلك في العام 2000 وأفضى إلى إضعاف سيطرة حزب الإصلاح على جزء كبير من القطاع التعليمي.

في الوقت نفسه، بدأت شريحة من الطائفة الزيدية في الشمال تبدي اهتمامها بالتعليم المنظّم. وجاء ذلك، في جزء منه، ردًّا على دخول مدارس يديرها حزب الإصلاح والسلفيون على السواء إلى مناطق ذات أكثرية زيدية، وحفّزه شعورٌ بأن المدارس الدينية الزيدية القائمة لا تستوفي المعايير المنشودة، وبأنها لا تستحق عناء بذل جهود لمحاولة وضع اليد عليها وإعادة توجيهها. وسرعان ما أنشأت مجموعة زيدية تُدعى حركة الشباب المؤمن مدارس غير رسمية لإعطاء الدروس في عطل نهاية الأسبوع، وبعد الدوام المدرسي خلال أيام الأسبوع، فضلًا عن مخيمات صيفية. وظهرت أهمية ذلك في وقت لاحق، إذ أصبح تنظيم الشباب المؤمن في نهاية المطاف منطلقًا للحركة الحوثية. علاوةً على ذلك، انخرط الحوثيون، بدءًا من العام 2004، في سلسلة من الحركات التمرّدية ضد الحكومة، والتي بلغت أوجها مع اندلاع الحرب الراهنة. وبدأت أعداد متزايدة من خرّيجي المدارس غير النظامية التي أنشأها تنظيم الشباب المؤمن تشارك في هذه الاشتباكات.

بالتوازي، أنشأت جماعات أخرى، مثل السلفيين والصوفيين، مدارس خاصة بها أيضًا، مستفيدةً من الثغرة التي سمحت للمدارس الدينية البحتة بالعمل من دون ترخيص أو إشراف. وكانت أبرز مدرسة للسلفيين مركز دار الحديث المموَّل من السعودية في دماج والذي حارب طلابه الحوثيين في العام 2014 في مواجهة مسلّحة عُرِفت بحرب دماج. أما الصوفيون فقد تركّز نشاطهم بصورة أساسية في محافظات حضرموت والحديدة وتعز، وكانوا بمثابة استثناء للقاعدة اليمنية. فعلى الرغم من أن التيارات الصوفية عمدت، أسوةً بالتيارات الأخرى، إلى تلقين العقيدة لطلابها، إلا أنها تجنبت الدخول في صدامات مع المناوئين لها. إضافةً إلى ذلك، اتّبع الصوفيون مبدأ الطاعة للحاكم، فتودّدوا إلى صالح الذي دعم في مراحل مختلفة جميع المجموعات تقريبًا على الساحة اليمنية، محاولًا تأليب بعضها على الآخر لإحكام قبضته على السلطة. ولكنه جعل الصوفيين الحليف الديني له بعدما ارتدّت عليه استراتيجية فرّق تسد بنتائج عكسية أكثر من مرة. واعتبارًا من العام 2000، فتحت مدارس صوفية كثيرة أبوابها في المناطق الحضرية بدعمٍ من الحكومة، وقدّمت تعليمًا دينيًا يتماشى مع آراء السلطة وسياساتها.

تبعات الحرب

أفضى تسييس التعليم إلى العسكرة التي نشهدها راهنًا في اليمن، ولا تزال الخلافات السياسية والدينية تعبّر عن نفسها في السرديات المحلية المتضاربة التي نشهدها اليوم، لكنها باتت تتجلّى بصورة أكثر حدّية في ساحات المعارك. فعند التدقيق في الدوافع التي تحرّك المقاتلين اليوم، يتبيّن أن التلقين العقائدي الذي تلقّوه في المدارس أو المؤسسات غير النظامية هو من أهمّها. فهذا النوع من التعليم يغرس قناعات إيديولوجية متصلّبة لدى الطلاب الذين يتخرّجون من دون العثور على وظائف في سوق العمل. ونتيجةً لذلك، ينضم عدد كبير منهم إلى الجناح السياسي أو المسلّح للحزب الذي يدير المدرسة التي تخرّجوا منها، ما يحوّل التعليم إلى حلقة مفرغة.

علاوةً على ذلك، تسببت الحرب بتهشيم قطاع التعليم الحكومي في اليمن. فالقطاع الذي لم يكن قويًا أصلًا، بل غالبًا ما تعرض للضغوط من أفرقاء محليين نافذين، بات يتخبط الآن في حالة من الفوضى العارمة. وقد تضررت مئات المدارس كليًا أو جزئيًا بسبب الهجمات الجوية التي شنّها التحالف العربي بقيادة السعودية أو الحوثيون. ورد في تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في العام 2018 أن أكثر من 2,500 مدرسة أصبحت خارج الخدمة كليًا، وقد أقفلت 27 في المئة منها أبوابها، وتكبدت 66 في المئة أضرارًا، واستُخدم 7 في المئة كملاجئ للنازحين أو صادرتها الميليشيات لغاياتها الخاصة. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية، تم الإعلان عن مشاريع في القطاع التعليمي من خلال ترميم بعض المدارس التي تضررت من جرّاء القصف. لكن عددًا كبيرًا من السكان المحليين اعتبر هذه المشاريع مجرد دعاية لا أكثر، ولا سيما أن معظم هذه المدارس لا تزال تعاني نقصًا في الكوادر البشرية والمعدات الضرورية التي دمّر القصف جزءًا كبيرًا منها ولم يجرِ استبداله،1 في ظل التوقف الكامل عن بناء مدارس في مختلف أنحاء اليمن منذ العام 2011.

واقع الحال أن الأضرار التي ألحقتها الحرب بالطلاب ضخمة جدًّا. وقد أدّى الوضع الاقتصادي المتردّي إلى إحجام الكثير من الأهل عن إرسال أطفالهم إلى المدرسة، إذ باتوا لا يستطيعون تحمّل تكاليف النقل أو حتى القرطاسية، ناهيك عن أن بعضهم اضطر إلى تشغيل أطفالهم من أجل توفير مدخول إضافي هم بأمسّ الحاجة إليه. وفي المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، واجه الأهل عبئًا إضافيًا تمثّل في تكاليف التعليم، إذ حوّل الحوثيون عددًا من المدارس العامة إلى مؤسسات شبه خاصة. وفقًا لتقرير صادر عن اليونيسف في شباط/فبراير 2021، يحتاج أكثر من 8 ملايين طفل يمني إلى دعم تعليمي طارئ، أي أنهم بحاجة إلى "مجموعة من المشاريع التي تضمن استمرار التعلّم المنظّم في حالات الطوارئ أو الأزمات أو اللااستقرار الطويل الأمد". فعدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس يبلغ المليونين، ما يشكّل زيادةً بنسبة 120في المئة منذ العام 2015، عندما كان عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس يلامس عتبة الـ900,000 . لكن بعض الدراسات المحلية تتحدّث عن رقم أعلى يقارب 3 ملايين طفل. ونظرًا إلى أن 70 في المئة من سكان البلاد يقيمون في المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الحوثيون، يُعتبر وقع المأساة هناك أكبر، إذ إن الحوثيين أنفسهم ذكروا أن 400,000 طفل يضافون سنويًا إلى قائمة الأميين.

أما الفصل الآخر من فصول الكارثة التعليمية في اليمن فيطال المعلمين اليمنيين الذين تعرّضوا إلى أعمال تخويف وعنف على أيدي الفصائل المسلحة، بما في ذلك مداهمة المدارس. لكن المشكلة الأكثر شيوعًا تتمثّل في عدم انتظام دفع رواتبهم، وهو ما وصفته اليونيسف بأنه "أحد أكبر التحديات" التي تواجه قطاع التعليم في اليمن، والتي تدفع عددًا متزايدًا من المعلمين إلى التوقف عن التدريس، الأمر الذي يعرّض حوالى 4 ملايين طفل لخطر حرمانهم من فرصة التعليم بسبب انخفاض عدد المعلمين. يُشار إلى أن المناطق الخاضعة للحوثيين تواجه أزمة أكبر، إذ يقطن فيها أكثر من 170,000 معلم، أي ثلثيْ العدد التقديري للمعلمين في اليمن. ولم يتقاضَ هؤلاء المعلمون رواتبهم الشهرية بشكل منتظم منذ حوالى أربع سنوات، علمًا أن وكالات الإغاثة الدولية تدخلّت في بعض الأحيان لدفع رواتبهم. وقد توقف الكثير منهم عن التدريس بحثًا عن سبل أخرى لتأمين لقمة العيش وإعالة أسرهم. ويُعتبر استبدالهم في غاية الصعوبة، إذ إن غياب برامج تدريب مستدامة للمعلمين، باستثناء عدد قليل تديره وكالات دولية مختارة عاملة في اليمن، سيبقي عدد المعلمين الجدد المؤهلين متدنيًا.

ويبدو أن تنامي سيطرة الفصائل على المدارس والتدخّل في مناهجها سرّعا وتيرة التراجع الحاصل في المستوى التعليمي. تُشرف الحكومة المعترف بها دوليًا، والتي تتخذ من مدينة عدن الجنوبية مقرًا لها، إنما تعمل في الغالب من السعودية ومصر، على التعليم في المناطق التي أُفلتت من قبضة الحوثيين، وتقع في القسم الجنوبي من البلاد حيث يقطن نحو 30 في المئة من السكان. لكن في بعض المناطق التي يُفترض أنها خاضعة لسيطرة الحكومة، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي كمتحكّم بالمؤسسات الحكومية على الأرض، ويملك حرية تصرّف حيال إعادة توجيه المدارس والهيئات التعليمية في مناطقه.

في شمال اليمن، قام الحوثيون الذين يعانون من نقص في الموارد المالية، كما ذُكر آنفًا، بتحويل النظام السابق للمدارس العامة المجانية إلى نظام يفرض رسوم تسجيل، الأمر الذي أدّى إلى تسرّب جماعي للطلاب الذين تعاني أسرهم من صعوبات اقتصادية. والمُقلق أن الحوثيين غيّروا بعضًا من محتوى المناهج الدراسية في هذه المدارس التي لا تزال عامة في الظاهر. وقد طرأت معظم التغييرات على مناهج صفوف المرحلة الابتدائية، من الصف الأول إلى الصف السادس، وشمل أبرزها مواد الدراسات القرآنية، والثقافة الإسلامية، واللغة العربية، والتربية الوطنية، والتاريخ. لكن التغييرات لم تقتصر على إعادة كتابة مواد أو إضافة أخرى جديدة لتعبّر عن إيديولوجيا الحوثيين وحسب، بل بلغت حدّ الترويج لسياساتهم. فعلى سبيل المثال، يتم تقديم المقاتلين الحوثيين الذين قُتلوا في الحرب إلى الطلاب كنماذج يُحتذى بها. وقد أُدخلت مجموعة من التعديلات أيضًا إلى الكتب العلمية، وإن بشكل غير مباشر. ففي كتب الرياضيات مثلًا، تم إدراج صور بنادق إلى جانب المعادلات الرياضية، في محاولة خرقاء للتأثير في نفوس الطلاب.

لقد ازداد نفوذ الحوثيين في المدارس العامة الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، لكن تأثيرهم أقوى بعد في المدارس التابعة لهم والتي باتت تعمل بدوام كامل بعد أن كانت تفتح أبوابها لإعطاء الدروس في عطل نهاية الأسبوع، وبعد الدوام الدراسي العادي، وأثناء المخيمات الصيفية فحسب. ويتم التلقين بشكل علني في هذه المدارس، بدءًا من التجمع الصباحي، حين يُطلب من الطلاب ترداد شعارات الحوثيين. علاوةً على ذلك، نفّذ الحوثيون مؤخرًا حملة "ترسيخ الهوية الإيمانية" من خلال فرض سلسلة من الإجراءات، مثل حظر الاختلاط بين الجنسين في المدارس، ومنع الحفلات المدرسية (بما فيها حفلات التخرج) واستبدال الأغاني والموسيقى بالأناشيد الدينية والترانيم التي أقرّوها. ويُلقي المسؤولون الحوثيون بشكل منتظم محاضرات حول الجهاد الذي يمارسونه ضد معارضيهم. ويتلقى طلاب المراحل الدراسية المتقدّمة تلقينًا مكثّفًا أكثر لتحضيرهم للانخراط في أنشطة داخل الحركة تتماشى مع مهاراتهم. ويُفرض عليهم كذلك الاستماع إلى الخطب الدينية لمؤسس الحركة حسين بدر الدين الحوثي، الذي قُتل على أيدي القوات الحكومية في عهد صالح في العام 2004، بعد أشهر من الاشتباكات المسلحة.

أما الأحزاب المسيطرة في المناطق الخاضعة للحكومة فتتدخّل أيضًا في القطاع التعليمي. ففي جنوب اليمن، انتزع المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على العاصمة المؤقتة عدن من القوات الحكومية في العام 2019، وعمد في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2019 إلى إطلاق ما أسماه لجنة تنظيم المناهج الدراسية، بهدف مراجعة وتعديل المحتوى التعليمي كي يصبح أكثر تماشيًا مع رؤيته. ويهدف المجلس الانتقالي من خلال هذا المجهود إلى تحديد "الدروس التي لا تتوافق مع أجندته واستبدالها بدروس تحمل الطابع والهوية والتاريخ الجنوبي". بموازاة ذلك، ينظّم المجلس بشكل منتظم محاضرات وأنشطة في المدارس لترقية أهدافه السياسية.

ليس الوضع مختلفًا في المدارس العامة في المناطق الخاضعة مباشرةً لسيطرة الحكومة. فهذه الأخيرة ضعيفة فيما ووزارة التربية والتعليم منقسمة، ما يجعل الطلاب عرضةً للتأثُّر بحملات التجنيد السياسي التي تقوم بها فصائل داخل المعسكر التابع للحكومة. وعلى الرغم من الواقع المأزوم الذي تعيشه وزارة التربية والتعليم، فإنها تدّعي الإشراف على القطاع التعليمي في جميع المحافظات. لكن الواقع على الأرض ينقل صورة مغايرة تمامًا، كحال معلمي المدارس العامة الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ فترة طويلة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

ما الإجراءات التي ينبغي اتّخاذها؟

لقد انهار قطاع التعليم في اليمن، على الأقل بمفهومه التقليدي، وتتجسّد أسوأ مظاهر هذا الانهيار من خلال تشرذم النظام التعليمي في البلاد وتسييسه. فسواء في الشمال أو الجنوب، أكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين أو الحكومة أو المجلس الانتقالي الجنوبي، يرتاد الطلاب المدارس ويحضرون الفصول الدراسية ويتنقلون من مستوى دراسي إلى آخر، لكنهم لا يتلقّون تعليمًا يُعتد به، بل يبقى الكثير من المتخرّجين أميّين وظيفيًا. واقع الحال أن المؤسسات التعليمية القائمة فشلت في إعداد الطلاب للتفاعل مع احتياجات يمنٍ لا يتمحور وجوده حول الصراع، ناهيك عن أنها لا تحضّرهم لمعايير الأنظمة التعليمية في الخارج. بل على العكس، يرمي القطاع التعليمي في معظم أنحاء اليمن اليوم إلى تحقيق الأجندات السياسية والدينية للأطراف المتحاربة التي تحتاج إلى مجنّدين ملتزمين إيديولوجيًا يكونون في عداد المحاربين.

لتحسين هذا الوضع، على الأطراف المعنية اعتماد نهجٍ مزدوج، تتمثل الخطوة الأولى منه في تبنّي نمط جديد من المدراس برعاية ائتلاف من المنظمات المحلية والدولية غير الحكومية وغير المنحازة سياسيًا، والتي تعمل أساسًا على الأراضي اليمنية وتتلقى تمويلًا من جهات متعددة، ويمكنها الحصول على المزيد من التمويل عند الاقتضاء. من شأن هذا الائتلاف أن يستعين بمعلمين متمرسين لوضع منهج تعليمي يشمل المواد التعليمية الأساسية، ولا ينزلق نحو تناول المسائل السياسية والدينية. ولضمان تحقيق ذلك، يجب أن يخضع المعلمون المكلفون بوضع المنهج لعملية تدقيق وإشراف صارمة. ويمكن أن تشكّل المدارس التي أنشأتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في المخيمات الفلسطينية نموذجًا يُحتذى به لهذا المشروع، لكن السلطات المحلية المتصارعة قد تصعّب منح إذن لإنشاء وإدارة مدارس من هذا النوع. لذا، قد يمكن تحقيق ذلك على أفضل وجه في المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة، مثل حضرموت أو المهرة أو شبوة، حيث الوضع الأمني ​​مستقر والتنسيق مع السلطات المحلية سهل نسبيًا. ونظرًا إلى تزايد إدراك المواطنين اليمنيين بانحدار جودة التعليم في بلدهم، سيغتنم الكثير منهم فرصة إرسال أطفالهم إلى هناك. وهكذا، سُرعان ما ستصبح هذه المدارس المقترحة موضع اهتمام بالنسبة لليمنيين في مختلف أرجاء البلاد، ما سيسهّل الحصول على إذن لفتح مدارس أخرى من هذا النوع في مناطق أخرى، وهي عملية من شأنها أن تؤدي إلى إنشاء قطاع تعليمي جديد.

أما الخطوة الثانية التي قد تكمل الخطوة الأولى، فتكمن في سعي الائتلاف المقترح إلى تقديم بدائل عن التعليم التقليدي في الصفوف الدراسية. فقد وفّر انتشار التعليم الإلكتروني في السنوات الأخيرة في جميع أنحاء العالم فرصًا كثيرة من الناحية النظرية للمجتمعات المهمّشة. يُشار في هذا الصدد إلى أن بعض المدارس الخاصة في اليمن، والتي يرتادها أبناء الطبقة الثرية والأجانب الميسورين في البلاد نجحت في استخدام تقنيات التعليم الإلكتروني خلال جائحة فيروس كورونا. ومن شأن إطلاق منصة تعليمية إلكترونية أن توسع نطاق التعليم ليشمل آلاف الطلاب اليمنيين، من دون أن يبقى حكرًا على أولئك الذين يمكنهم الالتحاق بالمدارس التقليدية، سواء تلك القائمة أصلًا أو تلك التي قد تديرها المنظمات الدولية غير الحكومية في المستقبل. تُعدّ المرافق الداخلية المجهزة بأجهزة الكمبيوتر وخدمة الإنترنت ضرورية لنجاح مراكز التعليم الإلكتروني هذه، وهي تتطلب عددًا أقل من الموظفين وتمويلًا أقل من المدارس التقليدية. يُشار إلى أن البنية التحتية للإنترنت في اليمن ضعيفة نسبيًا، لكن يمكن للمنظمات الدولية غير الحكومية الاستفادة من خدمة الإنترنت المنخفضة السرعة والمتاحة على نطاق واسع، أو حتى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، الذي يمكن للجهات الداعمة توفيره. ويُتوقّع أن يعمل الخبراء التقنيون وسائر الموظفين من السكان المحليين من مراكز التعليم مباشرةً، فيما يمكن للمعلّمين إلقاء محاضراتهم من مناطق أخرى في البلاد أو حتى من خارج اليمن. وقد يسهّل هذا المشروع إمكانية الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات التي قد ترفض هذه الاستراتيجية التعليمية الجديدة.

يمكن تطبيق هذا النهج المزدوج في دولة قد تشهد سنوات إضافية من الصراع. فقد فشلت معظم جولات المفاوضات بين الأطراف المتحاربة في تحقيق نتائج ملموسة، ويبدو أن جميع الحلول، حتى الجزئية منها، لا تزال بعيدة المنال. لذا، من غير الواقعي توقّع نهاية سريعة للقتال. وغالب الظن أن تتفاقم معاناة القطاع التعليمي على وقع استمرار الجمود السياسي والاشتباكات المسلحة وتكثيفها أحيانًا، لذا من الضروري إطلاق مبادرة تصون مستقبل الطلاب وتضمن تحصيلهم العلمي حتى في فترات الحرب. ومن المفترض أن تزداد فرص نجاح هذا المشروع من خلال إنشاء قطاع تعليمي جديد ومستقل في اليمن يستفيد جزئيًا من ميزات التعلم عن بعد، ما سيضمن عدم حرمان جيل كامل من اليمنيين من حقهم الأساسي في التعلم. وقد يوفّر هذا المشروع أيضًا نموذجًا للتعليم غير الإيديولوجي الذي قد يعتبره الكثير من اليمنيين جديرًا بالمحاكاة، ما قد يسهم في تغيير المشهد التعليمي في اليمن نحو الأفضل.

هوامش

1 مقابلة أُجريت عبر الهاتف مع مدرّس مقيم في عدن، جنوب اليمن في 24 آب/أغسطس 2021.