المحتويات

مقدمة

في عشية إحدى أمسيات تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 ، وفي حوالي الساعة السادسة مساءً اقتحم خمسة مسلحين أحد المكاتب الحكومية في العاصمة الليبية طرابلس واعتقلوا مدير المكتب1. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الحادثة اعتيادية ولا تستحق الذكر كونها واحدة من حوادث عنف عديدة تحدث كل يوم في ليبيا على يد الكتائب المسلحة التي لا تجد رادعاً يردعها من قبل الحكومات الضعيفة التي تعاقبت على حكم البلاد بعد سقوط الديكتاتورمعمر القذافي.وينتمي منفذوا هذه العملية إلى جماعة تسمى "قوة الردع الخاصة"، وهي ميليشياتمسلحة قوية تتمركز فيطرابلس وتنضوي إسمياً تحت لواء وزارة الداخلية.ولمدة طويلة تولت القوة التي تضم بين صفوفها عدداً لا بأس به من السلفيين -تيار إسلامي أصولي -دور جهاز الشرطة وأعطت لنفسها مسئولية إنفاذ القوانين الأخلاقية في العاصمة الليبية وضواحيها.

ولكي نتمكن من فهم ماحدث في تلك الليلة علينا أن نضع التركيبة السلفية لهذه الميليشيات نصب أعيننا وأن ننظر إلى الحادث نظرة أيديولوجيةولو جزئياً. فقد ادّعت قوة الردع الخاصة في تصريحها بشأن الحادث أن مدير المكتب كانيحرّض على الدولة ويُجنّد الشباب في المساجد لصالح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)2. وهو ادّعاءٌ واهٍ. والحقيقة أن مدير المكتب - وهو معلم قرآن سابق ومقاول مبانِ في الأربعين من عمره اسمه محمد علاء الدين التكتيك- كان يدعم ما يسمى بإئتلاف فجر ليبيا، وهي حركة تضم بين صفوفها عدداً من الإسلاميين الثوريين وبعض المتعاطفين مع الجهاديين المتشددين.3 وبالرغم من أن رؤيته المذهبية للإسلامقد تكون مختلفةعن رؤية السلفيين، إلا إنهبالتأكيد لم يكن من المتعاطفين مع داعش.

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

والواقع أن تهمة التطرف هي أبعد ما يكون عن السبب الحقيقي وراء عملية اختطاف التكتيك، والأرجح أن تكون وظيفة الرجل كرئيسٍ لوحدةِ أوقافِ طرابلس المُكلّفة بالإشراف على الأوقاف الليبية (الأوقاف الإسلامية ومفردها وقف عبارة عن أصول نقدية وعقارية) هي الدافع الأكثر مصداقية لما حدث. والأوقاف هي مؤسسة دينية لطالما حظيت بمكانة اقتصادية وسياسية وأخلاقية في ليبيا وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي4.

وقد تعرض مكتب الأوقاف الوطني، الذي ألغاه القذافي كلياً في وقت ما أثناء حكمه والذي حمل مسميات عدة منها الوزارة والهيئة والسلطة،هووفروعه في أنحاء البلاد لمنافسات شرسة و أحياناً عنيفة من الفصائل السياسية المتنازعة منذ زوال الديكتاتور في 2011. وهي منافسات أضعفت قدرة هيئة الأوقاف على إدارة الإيرادات المالية الكبيرة التي تُحصّلها من تأجير المباني والعقارات وغيرها من الأصول الموقوفة ، وأعجزتها عن أداء باقي مسئولياتها من الإشراف على تحصيل وتوزيع الزكاة (الزكاة هي مبلغ سنوي إلزامي يتصدق به المسلم)، بالإضافة إلى توجيه الخطاب الإسلامي من خلال تعيين معلمي القرآن و أئمة وخطباء المساجد (الخطباء يلقون خطبة الجمعة والأئمة يتولون إدارة كافة شئون المسجد). وكلها مسئوليات لها تداعيات كبيرة على الشئون السياسية والاقتصادية الليبية وتتجاوز الدور الديني الإسمي للهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية كما تُعرف حالياً في طرابلس.

وبحسب أحد الباحثين الدينيين من قادة المجتمع الليبيفالهيئة تعتبر " أكثر أهمية من الرئاسة" 5. وبحسب باحث ليبي آخر من دارسي التيارات الدينية في البلاد "عندما تسيطر عليها تحصل على الهيبة والمال"6. ويؤكد أحد قادة المجتمع من رجال الدين أن الموارد المالية للهيئة وقدرتها على تشكيل الرأي الشعبي يجعل السيطرة عليها "أهم من السيطرة على قطاع النفط"7.

وبالرغم من قوة هذه العبارات التي تؤكد أهمية الأوقاف والتي بالطبع قد تجد من يخالفها، إلا أن المعركة التي نشبتحول الأوقاف استمدت وقودها منصراعات أخرى شديدة الأهمية، خضعت لكثير من البحث والتحليل، استهدفتالسيطرة والتأثيرعلى المصرف المركزي وهيئة الاستثماروالمؤسسة الوطنية للنفط والقطاع الأمني الليبي.

والحقيقة أن النزاعات حول سلطة الأوقاف قد وجّهت الدور الذي تؤديه هذه الهيئة الهامة و حددت طبيعة سلطتهاوأدّت في الوقت نفسه إلى الإضرار بالاقتصاد الليبي المتردي أصلاً وإلى تأجيج الاضطرابات السياسية وتوسيع الفُرقة المجتمعية وفي بعض الأحيان إلى اندلاع العنف. وقد عانى العاملون بمكاتب الأوقاف من كل هذه المحن معاناة كبيرة ودفعوامنأمانهمالشخصي أغلى الأثمان .

وربما كانت حادثة رجل الدين الطرابلسي استثناءً للقاعدة، فالتكتيك كان محظوظاً حيث أن قوة الردع الخاصة قد أفرجت عنه بعد فترة وجيزة، ولكنه أقيل من منصبه على عجالة بعدها وتم استبداله بشخصية من تيار سياسي وايديولوجي منافس يتوافق، كما هو متوقع، مع توجهات قوة الردع الخاصة التي اعتقلته8. ولكن التكتيك لم ولن يكونآخرموظفي الأوقاف الليبيين الذين يتعرضون للمضايقة والتهديد فيما سيأتي من أعوام.

وترجع تلك الرغبة التنافسية للسيطرة على الأوقاف وما تمثله من سلطة سياسية واجتماعية واقتصادية، في مجملها، إلى ما تعرضت له الهيئة من قمع امتد أحقاباً في ظل الحكم الدكتاتوري للزعيم القذافي وما سبقه أثناء الفترة التكوينية للحكم الاستعماري الإيطالي الذي امتد من 1911 إلي 1943. أما في المرحلة التي أعقبت ثورة 2011 والتي أطاحت بالقذافي، فإن التنافس للسيطرة على الأوقاف يعكس مدى التشرذم الذي أصاب الوضع السياسي عموماً وما وصلت إليه البلاد من إفراط في الإنكفاءعلىالمحلية وتردي الوضع ليصل إلى الصراعات المسلحة9. ولا شك أن هذه الفوضى العارمة في حد ذاتها ماهي إلا نتيجة لضعف أو انعدامالمؤسسات الحاكمة، والصراعات بين النخبة في البلاد، وتنامي التدخل الخارجي خاصة من قِبَل القوى الإقليمية المتنافسة وعلى رأسها تركيا والإمارات العربية المتحدة بما يحملانه من رُؤَى مختلفة لما يجب أن تكون عليه الأوضاع السياسية والايديولوجية في الشرق الأوسط10.

وتجسد المنافسة، تحديداً،التوترات القائمة بين السلطتين الوطنية والمحلية، وما تتعرض له عوائد النفط من عمليات السلب والنهب وكذلك استسهال اللجوءللحلول العسكرية عوضاً عن الحلول السياسية التي أصبحت لا تثمر عن شئ. وأدت النزاعات المتكررة حول ملكية العقارات، وهي إحدى النتائج الهدامة لحكم القذافي، إلى مفاقمة ما تتعرض له الأوقاف من اضطرابات11. فالقذافي، تنفيذاً لسياساته التي طالت كل مناحي الدولة ، اعتاد الاستيلاء على الممتلكات العقارية التي تديرها الأوقاف لإستخدامها في بناء المساكن والجامعات والمطارات والمرافق التابعة للنظام. وفي أعقاب ثورة 2011 دخلت الأوقاف في إشكالات مع العديد من المواطنين للمطالبة بهذه الحيازات. ولكن عدم وجود سجلات تحتوي على مسح دقيق للأراضي جعل عملية تحديد الملكية في غاية الصعوبة12، خاصة أن بعض المواطنين الليبيينقد حاولوا الاستيلاء على الأصول العقارية التابعةلوزارة الأوقاف أحياناً، مما أثار مخاوفالسلطات الدينية ودفعها لإصدار التحذيرات المتكررة13.

وعلى صعيد آخر وقعت الأوقاف ضحية للصراع بين القوى الدينية الليبية التي تتنافس على اكتساب الشرعية المجتمعية والاستحواذ على الموارد الاقتصادية والنفوذ السياسي .وتندرج تلك القوى المتنافسة، بشكل فضفاض، تحت مجموعتين تحملان توجهات دينية متناقضة، اولاهما يمثلها أتباع تيار السلفية، وبخاصة النسخة السعودية من السلفية والتي يطلق على أتباعها اسم المُدخليون بسبب اتّباعهم لرجل الدين السعودي ربيع بن هادي المُدخلي المقيم في المدينة المنورة، وثانيهما تمثلها التيارات الإسلامية الثورية النشطة التي يندرج تحتها جماعة الإخوان المسلمين وداعميهم والعناصر الجهادية وأتباع الطرق الصوفية14.

ولايمكن التعامل مع قضية الأوقاففي ليبيا ،بكل ما تحمله من تداعيات على الاستقرار السياسي والاجتماعيوالاقتصادي للبلاد، على أنها إشكالية دينيةمبهمة يجب تركها بالكلُية في أيدي رجال الدين. بل يجب علىصنّاع القرارالأجانب،وبالأخص الغربيون، الطامحون للانخراط في المجال الديني الليبي بهدف تحقيق التواصل المجتمعيوحل النزاعات ومكافحة التطرف العنيف، أن يتفهموا الكيفية التي تأثر بها دورتلك المؤسسة وسلطتها وممارساتها نتيجةً للنزاعات المسلحة والخلافات السياسية والتدخلات الخارجية. والأهم من ذلك يجب على صانعي القرار الغربيين أن يتفهموا أن هيئات الأوقاف لا تعمل بمعزل عن السياسة، وأنه لا يوجد ما يسمى بسلطة أوقاف ليبية خالصة أو مُنزّهَة دينياً، فلطالما لعبت السياسة والتيارات الدينية المتباينةوالمتصارعة أحياناًوكذلك المؤثرات الخارجية دورها في تشكيل المؤسسات الدينية في ليبيا على مدار التاريخ الحديث للدولة.

وبالمثل يجب على الدبلوماسيين والمنظمات غير الحكومية أن تستوعب أمرين في غاية الأهمية، الأول يتعلق بالأثر الذي خلفه التنافس على الأوقاف في التشرذم والانقسامات الحالية في ليبيا والثاني يتعلق برؤية النخبة والمواطنين الليبيين للدور الذي تؤديه مؤسسة الأوقاف. وبالتحديد يجب على أولئك الساعون للقضاء على الفساد داخل مؤسسات الدولة الليبية أن يتفهموا أولاً تأثيرهذا الفساد على الدور المالي الذي تؤديه هيئة الأوقاف وخاصة في مجال إدارة العقارات والإشراف على الزكاة.

الظلال الممتدة للحكم الإيطالي

إن التنافس السياسي الحالي للسيطرة على مكاتب الأوقاف وما يرافقها من سلطة أخلاقية واجتماعية وكذلك التنازع على أراضي وعقارات الأوقافينبع في جُلِّه من الإرث المرير الذي خلفه حكم القذافي الذي امتد من 1969 إلى 2011 وما سبقه من اضطرابات رافقت الاحتلال الايطالي الذي استمر من 1911 إلى 194315. ولكن من المهم عند دراسة هذه الأزمنةأن نتجنب الخطأ الذي يقع فيه الكثير من المحللين وهو افتراض أن الأوقاف كانت حينها هيئة دينية محضة لا يلوثها دنس السياسة ولا تعكر نقاءها التدخلات الخارجية. والحقيقة هي أن هيئة الأوقاف، عبر تاريخها الطويل، سواء في ليبيا أو في غيرها من الدول الإسلامية كانت هيئة سياسية بامتياز. وتعرضت كما تعرض غيرها من المؤسسات لتأثير العديد من القوى الأجنبية سواء من داخل العالم العربي والإسلامي أو من خارجه. ولا شك أن هذه التركة الثقيلة بالإضافة إلى ما شهدته ليبيا في العشر سنوات التي أعقبت 2011 من العنف الفصائلي والتنازع السياسي قد أدى إلى تشكيل سلطة المؤسسة اليوم والكيفية التي ينظر بها المواطنون الليبيون لأهميتها و دورها.

وعلى مر تاريخ ليبيا الحديث تباينت أنواع الأصول الوقفية بحسب المو قع الإقليمي للوقف. ففي شرق ليبيا وعلى مدى قرون كانت أغلب الأوقاف عبارة عن أراضٍ تديرها سلالة جماعة الإخوة الصوفية السنوسية من خلال الزوايا المحلية (الزوايا مفردها زاوية وهي مدرسة أونُزُل أو طريقة دينية تلعب دوراً اجتماعياً هاماً في المجتمع المحيط بها)16. أما في منطقة طرابلس الخاضعة للاستعمار فكانت الأصول الموقوفة أكثر تنوعاً وكان يديرها السلطان العثماني حتى عام 1915 عندما وقعت تحت السيطرة الإيطالية17. وفي الأعوام اللاحقة حاولت القوى الاستعمارية الإيطالية التي تولت أمر الأوقاف أن تديرها مستخدمة الأطر القانونية والإدارية التي خلفها العثمانيون، الذين اتبعوا الفقه الحنفي والمالكي، في محاولة لإضفاء صبغة إسلامية على حكمها18. وغالبا ما روّجَت روما ما أجرته لاحقاً من تغييرات على إدارة الأوقاف على أنها إصلاحات مُعتَمَدة إسلاميا ساهم فيهاأعيان ليبيين موالين لإيطاليا مساهمةً رمزية، وبهذا الشكل تمكنت السلطات الإيطالية - أو هذا ما اعتقدت- من الحفاظ على النزاهة الدينية للمؤسسة19. وبشكل عام فإن السياسات الإستعمارية الإيطالية في ليبيا تزامنت مع مرحلة شهدت مراجعات وانتقادات شديدة من داخل العالم الإسلامي والعربي للجدوى الاقتصادية لمؤسسة الأوقاف وكفاءتها العامة20. وقد استشهد المستعمر الإيطالي بهذه المراجعات والانتقادات عندما شرع في الإستيلاء على ممتلكات الأوقاف في المناطق الشرقية من البلاد في أواخر عشرينات القرن الماضي كجزء من استراتيجيةغاشمة تستهدفكبح جماح حركة التمرد التي يقودها السنوسيفي محاولة لتبرير سياساته.21

وقد ترك هذا التدخل والتلاعب الخارجي بالأوقاف تركة ثقيلة يكتنفها الغموض ويشوبها التسييس استمرت حتى بعد زوال الحكم الإيطالي. وقد مرت الهيئة في مرحلة ما بعد الاستعمار وما قبل القذافي بفترةمن الاستقرار والاستمرارية وإن كانت لا ترقى إلى مستوى النهضة. ومن الجدير بالذكر أن الحلفاء لم يتدخلوا في في عمل الأوقاف أثناء حكمهم في فترة ما بعد الحرب من 1943 إلى 1951 عندما حكم البريطانيون منطقتي طرابلس وبرقة وحكم الفرنسيون منطقة فزان الجنوبية22. وعندما أُنشِئَت المملكة الليبية المتحدة المستقلة في 1951 أصبحت حيازات الأوقاف، ولا سيما تلك التي أشرفت عليها الزوايا السنوسية، مصدر دعم هام لسلطة الملك إدريس السنوسي الذي لم يطل حكمه، ولكن هيئة الأوقاف نفسها لم تشهد تغييرات كبيرة في هذه المرحلة23.

الأوقاف في عهد القذافي

عندما أطاح القذافي بالملكية في 1969 شرع في تنفيذعدة سياسات بهدف تقويض سلطة السنوسيين، حيث عمل على استبدال شيوخ السنوسية بغيرهم من علماء الدين ووضع الزوايا تحت الإشراف الحكومي ومنع بناء زوايا جديدة24. ولكنه في بداية حكمه بشكل عاملم يتدخل تدخلاً يذكرفي مؤسسات الأوقاف بل على العكس سعى للحفاظ على سلطتها ونفوذها بعيداً عن سيطرة رجال الدين السنوسيين، لتساعده على تعزيز الأركان الإسلامية لنظامه الجديد25. وبالتالي لم تكن التغييرات التي تعرضت لها هيئة الأوقاف كبيرة، بل ولم تتجاوز الجوانب الإدارية التي تضمن تقليص النفوذ السنوسي. وعلى سبيل المثال في 1971 سَنَّ النظام قانوناً تتوحد بمجمله مكاتب الأوقاف تحت إشراف الهيئة العامة للأوقاف المنشأة حديثاً والتي ضمت تحت لواءها إدارة الجامعات الإسلامية ( التي كانت تحت الإدارة السنوسية سابقاً) وإدارة الدعوة الإسلامية وإدارة المساجد والزوايا كذلك26. وبعدها بفترة قصيرة في 1972 رسّخ إنشاء جمعية الدعوة الإسلامية وضع الأوقاف تحت إشراف الهيئة، ومن ثَمَّ صدر قانون آخر تمت صياغته على نسق التشريعات المصرية والسورية لتوضيح بعض البنود المتعلقة بسلطة الأوقاف على المواريث وغيرها من المسائل27.

ولكن ومع بداية 1973 تغيرت سياسات النظام نحو الأوقاف تغييراً جذرياً، حيث شهد ذلك العام المفصلي بداية الثورة الثقافية المزعومة للقذافي التي كانت عبارة عنتوليفة من المبادئ الاشتراكية والإسلامية وما أطلق عليه اسم الديمقراطية المباشرة والتي تحدث عنها في كتابه الأخضر ثم جعلها واقعاً رسمياً مع إعلان الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية الجديدة. وكان لهذا التحول الإيديولوجي أثراً عميقاً على المؤسسات الإسلامية ورجال الدين المسلمين، حيث قدم القذافي رؤية جديدة لرجال الدين اعتبرتهم كائنات عفا عليها الزمان تتطفل على علاقة الجماهير بالإله وتهدد سلطة الرئيس السياسية28. وبالتالي بدأ النظام في اتخاذ العديد من التدابير القمعية ضد علماء الدين مسموعي الكلمة والذين استاءوا من تجريدهم من سلطاتهم وامتيازاتهم الدينية، بما فيها الإشراف على الأوقاف،بينما تحولت موازين القوى في المسائل الدينية إلى اللجان الشعبية التابعة للنظام29. وبحلول الثمانينات أدى إصرار النظام على فرض قوانين النظام التجميعي للأراضي، التي منعت المواطنين من الحصول على ريع الاراضي والعقارات المؤجرة، إلى إلغاء هيئة الأوقاف بالكامل وحظر التبرعات الموجهة لها تماماً30. ونقلت حكومة القذافي بعض حيازات الأوقاف في العديد من المدن والقرى إلى ملكية القبائل التي يؤثر عليها النظام والتي نزحت من المناطق الريفية للمدن مؤخراً31.

وشهدت هيئة الأوقاف مع نهاية التسعينات وبداية القرن الحادي والعشرين نهضة لا بأس بها وإن كانت تحت القبضة الصارمة للنظام32. وعلى وجه التحديد أصبحت الأوقاف وكيلاُ عن الحكومة في إدارة المساجد والإشرافعلى الأئمة والتأكد من توافق كل ما يتم من شعائر دينية في البلاد معنسخة الإسلام التي تُقِرّها الدولة. وازداد هذا التوجه وضوحاً في منتصف الألفينات عندما بدأ النظام في استخدام الحركة المدخلية، وهي تيار إسلامي سلفي موالٍ للنظام ، ليحتمي بها ضد السلفية الجهادية المتشددة. وأصبح أغلب أئمة المساجد الذين تعينهم هيئة الأوقاف من اتباع الحركة المدخلية ذات الارتباط الوثيق بالأجهزة الأمنية والحاصلة على مباركة الدولة . وبحسب مسئول سابق في سلطة الأوقاف في مدينة مصراتة الساحلية فإن لجان الأوقاف المكلفة باختيار أئمة وخطباء المساجد قبل ثورة 2011 كان يتحتم عليها عرض السير الذاتية للمرشحين على سلطات الأمن المحلية لفحصها قبل اتخاذ القرار الذي كان في أغلب الأحيان يميل في اتجاه المرشحين المدخليين حتى لو كانوا من الحاصلين على تعليم وتدريب رسمي لا يذكر. وردد مراقب ليبي آخر مقرب من السلفيين هذاالكلام مؤكداً أنه في نهاية الألفينات " كانت المنابر تفيض بالمَداخِلة"35.

والواقع أن التيار المدخلي الصاعد آنذاك سيصبح واحداً من عدة متنافسين يتسابقون للسيطرة على هيئة الأوقاف وغيرها من المؤسسات الإسلامية بعد انهيار نظام القذافي في 2011.

الجائزة: الأوقاف بعد القذافي (2011 – 2014)

لا شك أنسقوط نظام القذافي كانفتحاً تاريخياً هاماً للمؤسسات الإسلامية الليبية وللفاعلين الإسلاميين في البلاد بسببما نتج عنه من فرص وتحديات على حد سواء. فمن ناحية إيجابية توفرت لهذه الجهات مساحة حرية جديدة تسمح لها بممارسة ما تشاء من قول وفعل وتنظيم ودعوة، ومن ناحية أخرى وضعها هذا الانفتاح المفاجئ في مواجهة مآزق واختيارات جديدة متعلقة بمشاركتها في النظام السياسي الجديد في البلاد وعلاقتها بالتيارات الإسلامية والسياسية الأخرى التي كانت بدورها تناورلإنفاذ تأثيرها على المؤسسات الحكومية والقطاع الأمني وعلى الجماهير في الشارع الليبي36. وبالتالي تموضع الصراع على مؤسسة الأوقاف في قلب هذه البوتقة الملتهبة من الأيديولوجيات والمعتقدات التي عصفت بالحقل الإسلامي الليبي في السنوات التي تلت حقبة زوال حكم الديكتاتور.

ولعل السبب الرئيسي الذي أعطى الأوقاف مكانتها كإحدى الجوائز الكبرى في هذا السباقهو دورها في الإشراف على تعيين ومراقبة أئمة المساجد وإدارة المدارس القرآنية ونشر الثقافة الإسلامية37. ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد ، فالأوقاف كانت تحتل مكانة كبرى أيضاً في قلب النزاع السياسي والاقتصادي. فقد جعلتها مسئوليتها عن تنظيم وإدارة الوقف الديني من أراضٍ وعقارات لدعم المساجد والمدارس والمساعي الخيرية جائزة تتلهف على الفوز بها جميع الفصائل المتناحرة. ووفقاً لأحد رؤساء المكتب الوطني للأوقاف سابقا، فإن المكتب كان يتكون من خمسة أقسام: إدارة الأوقاف، وإدارة ممتلكات الأوقاف، وإدارة صناديق الزكاة، وإدارة المساجد والمدارس القرآنية، وقسم لإدارة الزوايا الصوفية38. وفي بعض الأحيان كان المكتب يتولى إعادة التأهيل الدينيلبعض المساجين الجهاديين عارضاً نفسه كمنصة للمصالحة الوطنية39. كما انخرط مسئولوا الأوقاف في العمل الدبلوماسي مع جهات خارجية، أبرزها المملكة العربية السعوديةو مصر والمغرب وقطر وتركيا. ومن غير المستغرب أن هذه التصرفات قد قوبلت بإنتقادات من الفصائل والٍايديولوجيات المعارضة الذين اتهموا مسئولي الأوقاف بتجاوز حدود واجباتهم الوظيفية40.

ومنذ عام 2011 ،بدأ تنافسالفصائلالأيديولوجيةوالسياسيةللسيطرةعلىالمواردالماليةلسلطةالأوقاف والتحكم في قراراتها الخاصة بتعيين أئمة وخطباء المساجد. وأكثر من ذلك أصبح المتحكم فيالخطابالإسلاميفي ليبيا شخصيات دينية تدعمها، من وراء الستار، ميليشيات ترتبط هي نفسها بالنخب السياسية القوية وتتلقى تمويلاً من الدولة41. وفي نفس الوقت بدأت العديد من الشخصيات والجهات السياسية والاجتماعية النافذة بالتلاسن على بعض حيازات الأوقاف مستحضرين نزاعاتٍ قديمة امتدت لعقود مضت وتعكس بوضوح مافعلهالقذافي ومن قبله الاحتلال الإيطالي من تلاعب وتطفل على ملكيات الأوقاف خلال تلك الفترات.42ولاتزالآثار تلك السياساتالتي صبغتها النزعة التنافسية التي طغت خلال ثورة 2011 ومابعدها،تؤصلاليوم للعديد منالمظالمالمتعلقةبالممتلكات العقارية،بمافيها تلك الخاصةبالأوقاف.ويضاف إلى هذه المظالمنزاعاتحولالميزانياتوالسلطةالإداريةبينمؤسسةالأوقاففيطرابلسوبين مكاتبهافيالمدنوالبلداتوالمجتمعاتالليبيةخارجالعاصمة. وهناأيضاتبرزالفجوة العميقةبينالمركزأوالعاصمةوالأطرافأوالمحافظات وهي فجوة تنبع جذورها من عهد القذافي ولازالت تؤثر على جوانب عديدةمن عملية الحوكمة في ليبيا.

وفي العام الأول بعد الثورة، أشارت مصادر متعددة من داخل المجتمع الديني والتيارات الإسلامية في ليبيا إلى وجود منافسة هادئة بين عناصر التيارات الإسلامية في البلاد وعلى رأسها المَداخِلة والإخوان المسلمين والصوفيين ومجموعات نشطة من المتشددين المحسوبين على مفتي البلاد الصادق الغرياني43للسيطرة على المساجد والمدارس القرآنية والحياة الاجتماعية. ولهذا التيار الأخير المحسوب على المفتي أهمية كبرى في أي تحليل يتناول هيئة أو وزارة الأوقاف نظراً لإشراف الغرياني على دار الإفتاء الليبية أو مكتب الفتاوى (الفتوى هي وجهة نظر شرعية في مسألة من مسائل الفقه الإسلامي). فقد عملت دار الإفتاء منذ 2011 كسلطة اجتماعية وأخلاقية موازية لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية (التي كانت تسمى سابقاً الهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية) ومارست دورها في إصدار الفتاوى في كل ما يتعلق بالتحكيم وحل النزاعات. وقد تأرجحت علاقة دار الإفتاء والغرياني نفسه بسلطات الأوقاف بين الاختلاف والاتفاق بحسب توجهات الفصيلالمتحكم في مكتب الأوقاف44 .

وفور سقوط نظام القذافي شهدمكتب الأوقاف في نيسان/ أبريل 2012 أول وأهم تغييراته عندما تحولمن هيئة عامة إلى وزارة على يد الحكومة الانتقالية الليبية45. وفي نوفمبر 2011، عيّن رئيس الوزراء المؤقت حينها عبد الرحيم الكيب رجل الدين الليبي حمزة أبو فارس،الذي كان يعمل كإمام مسجد وعالم دين والذي طالما تسببت آراءه الصريحة والمعارضة في إثارة غضب نظام القذافي في 2010 ، في منصب وزير الأوقاف46. واجتذب تعيين أبوفارس على الفور اهتمام حكومة المملكة العربية السعودية والتي بدت قلقة بشكل خاص بسبب ميوله وانحيازاته الإسلامية. وبحسب مذكرة استخباراتية سعودية سربتها ويكيليكس فإن وضع أبو فارس على رأس الأوقاف سيفتح المجال أمام عودة الإسلام السياسي في الحياة الاجتماعية والسياسية الليبية47. وبالرغم من أن هذا التقييم يعتبر مبالغة وقراءة خاطئة للمشهد السياسي الليبي ولكنه يلقى الضوء على الأهمية التي توليها قوة عربية وإسلامية كبرى كالمملكة إلى أهمية دور مؤسسة الأوقاف في ليبيا.وكما سيتبين في الأعوام التالية فإن اهتمام هذه القوة الخارجية سيتزايد مع تزايد وتيرة التنافس بين الفصائل الليبية في السيطرة على هيئة الأوقاف.

يصف رجال الدين والمعلقين الإسلاميين الليبيين الصراع على سلطة الأوقاف في 2012 بأنه كان هادئاً إلى حد بعيد. وكان التنافس الحقيقي في تلك المرحلة يستهدف التأثير على الجماهير الليبيةعن طريق تعيين أئمة وخطباء المساجد وتأسيس المدارس الدينية الخاصة وإدارة بعض مكاتب الأوقاف بالبلديات وتوزيع المناهج الإسلامية48. وفي خضم هذه التحولات على الساحة الدينية، بدأ نجم الحركة المدخليةفي السطوع والهيمنة مع تحول الحركة عن موقف السلبية التي اتسمت بها أثناء ثورة 2011 عندما اتخذ معظم أتباعها موقفاً حيادياُ أو مسانداًللنظام الحاكم مساندة علنية – وهو انعكاس لاصطفافهم السابق بجوار حكومة القذافي وأيضاً لنفورهم الأيديولوجي من حمل السلاح ضد ولي الأمر(ولي الأمر هو الحاكم أوالقائد المجتمعي ولكن بعض المذاهب السلفية تستخدم هذا المصطلح في الإشارة لرئيس الدولة أو الحكومة أو قائد السلطة السياسية الذي تتوجب توجهاتهم الايديولوجية طاعته)49. ومع حلول 2012 كان المَداخِلة قد شرعوا في تفعيل جميع وسائل الضغط المتاحة لهم من عرائض ورِشَى وغيرها للتأثير على تعيينات المسئولين على المساجد والمدارس القرآنية في غرب ليبيا50. وتزامن مع تحركاتهم هذه تطورات أخرى تمثلت في تشكيل جماعات مسلحة سلفية ذات ميول مدخلية51، كان أقواها ميليشيات طرابلس التي تطورت لتصبح قوة الردع الخاصة التي أوردنا ذكرها سابقاً52.

وشهدت الاعوام التي أعقبت سقوط القذافي مباشرة أعمال عنف قام بها السلفيون المَداخِلة ضد مواقع تراثية صوفية شملت أضرحة ومقامات دينية ومكتبات53. ولعب تراخي قوات الأمن الليبية، وتواطئها أحياناً، دوراً بارزاً في هذه العمليات التي حفزتها أيضاً التغييرات الإدارية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية المُنشأة حديثاً والتي تم بموجبها في بدايات 2012 انتزاع مسئولية الإشراف على الزوايا الصوفية من قائمة مسئوليات الوزارة. وبحسب معلقين ليبيين أدى هذا النهج إلى ترك الزوايا مكشوفة سياسياً ومالياً بعد خفض مصادر تمويلها، ووفقاً لأحد علماء الدين الليبيين الإسماعليين54 " كانت الزوايا محمية عندما كانت تحت إشراف وزارة الأوقاف" ،وأكد قائلاً أن السبب في تصاعد الهجمات السلفية على مواقع التراث الصوفي في بدايات 2012 – خاصة الهجمات التي تعرضت لها مقابر شيوخ الصوفية التي كانت الزوايا تشرف عليها وتديرها- هو ما فعلته الحكومة الانتقالية من سحب سلطة الأوقاف على تلك الزوايا55.

بالتزامن مع تلك الأحداث تحولت مدينة مصراتة الساحلية ، وهي مركز قوة تجارية وسياسية في شرق طرابلس، إلى ساحة منافسةمتصاعدة بين المَداخِلة وخصومهم من التيارات الإسلامية الأخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين والأعضاء السابقين في جماعة المُقاتِلة الليبية الِإسلامية المنحلة حالياً وقلة قليلة من مؤيدي الغريانيوبعض الصوفيين، للاستحواذ على المجال الاجتماعي والقوة الاقتصادية والسياسية والسلطة الدينية. وأصبح فرع الأوقاف في المدينة مصدراً هاماً من مصادر النزاع بسبب ما يحتويه منأصول مالية وعقارية تمثل ثاني أكبر حيازة عقارية في ليبيا بعد طرابلس من حيث قيمتها النقدية56. ولكن في أعقاب ثورة 2011 تولى إدارة الفرع إحدى الشخصيات المتحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين مما أجبر السلفيون المَداخِلة على استخدام استراتيجيات شعبوية في محاولة للسيطرة على مساجد المدينة عن طريق التأثير بقوة على عملية تعيين أئمة المساجد. وقد وصف مسئول سابق بأوقاف مصراته استراتيجيات التأثير المستخدمة في 2012 كما يلي:

"إذا استاء المداخلة من إمامٍ مافإنهم يتوجهون إلى مسجده في جماعات، وبعد الاستماع إلى الدرس يكتبون التماساً يتقدمون بهإلى مكتب الأوقاف (يدّعون فيه) أن الإمام قد أخطأ في فهمه للقرآن أو الحديث – أويَحتَجّون بأي حجة أخرى (يجدونها). وبالتالي يرسل مكتب الأوقاف لجنة مفاجئة تستمع إلى الدرس الذي يلقيه الإمام ومن ثم تبدأ في التحري عن أسماء مقدمي الالتماس... وكانت نسبة 80 في المائة من الأسماء مزيفة أو تكون لأشخاص من غير مرتادي المسجد المعتادين. ويقول الجيران للجنة الأوقاف" نحن لا نعرف هؤلاء الناس (المَداخِلة) ولم نراهم من قبل في هذا المسجد"57.

وبحلول العام الثاني من المرحلة الانتقالية في ليبيا تصاعدت هذه الصراعات المحلية لتتحول إلى صراع سياسي على مستوى الدولة للسيطرة على مكتب الأوقاف في العاصمة. ومع بداية 2013 تولى رئاسة الوزراء علي زيدان العضوالسابق في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وهي حركة معارضة قديمة تضم بين أعضائها عناصراً إسلامية. وبسبب تعيين زيدان،اعتقدت الفصائل الليبية المتعارضة أن الجبهة أصبحت تسيطر على المؤسسات السياسية والإدارية الرئيسة في ليبيا بما فيها المؤتمر الوطني العام، وهو هيئة تشريعية تم انتخابها مرة واحدة، ووزارة الأوقاف58. وفي 10 شباط/فبراير 2013، عين زيدان العالم الصوفي، والرئيس السابق لفرع جمعية الدعوة الإسلامية الليبية في السنغال في عهد القذافي، عبد السلام سعد في منصب وزير الأوقاف والشئون الإسلامية59. وجاء تعيين سعد ارضاءً لمحمد جبريل رئيس الوزراء السابق وزعيم تحالف القوى الوطنية وهو إئتلاف سياسي كبير يضم عدداً من الإسلاميين وكثيراً ما وُصِفَ خطأً بأنه علماني. ولكن سعد واجه على الفور معارضة من الإسلاميين المحيطين بالغرياني – بسبب قربه من النظام السابق وعلاقاته الشخصية مع رئيس الأمن الخارجي السابق والمقرب من القذافي موسى كوسا60. ونتيجة لكل هذا ظل المنصب شاغراً حتى يوليو 2013 عندما تولاه علي حمودة، الرئيس السابق لمكتب الأوقاف في مصراته والعضو القديم في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بجناحها العسكري61.

كان زيدان يستهدف أن يكون حمودة مرشحاً توافقياً تتقبله جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميين الملتفين حول المفتي وتحالف القوى الوطنية المتنوع بزعامة جبريل. وبحسب العديد من المعلقين تمكن حمودة من الالتزام بعدم التحزب إلى درجة كبيرة62. ولكن فترة ولايته تعرضت لضغوط من التيار السلفي المدخلي الذي تزايد تأثيره بانتظام والذي سعى لتقويض سلطة حمودة عن طريق استبدال أئمة وخطباء المساجد في جميع أنحاء طرابلس وخارجها مستخدماً كل ما أمكنه من وسائل التأثير من ضغط ورِشَى و عنف أحياناً63. ومن موقعة على رأس وزارة الأوقاف تمكن حمودة من تشخيص جذور علة المؤسسة وأرجعها إلى ضعف حكومة زيدان في مواجهة الشقاق الحزبي وما أنتجه من فصائل متناحرة وجماعات مسلحة لا تتردد في استعراض قوتها بفجاجةتمثلت في اختطاف زيدان نفسه في اكتوبر201363. أما خارج العاصمة فكانت السلطة القانونية لحكومة طرابلس شبه منعدمة ،خاصة في الجنوب والشرق، مما أدى إلى تردي مستوى الأمن والخدمات ومعهما سلطة مكتب الأوقاف في طرابلس.

وبسبب إحباطه من ضعف الحكومة الليبية وقلقه من تزايد سطوة المَداخِلة لجأ حمودة للمملكة العربية السعودية لاقتناعه بأنها القوة الخارجية التي يستمد منها المَداخِلة الإرشاد الروحي والتوجيه السياسي والتمويل المادي. وخلال زيارته إلى الرياض في 2013 توجه بسؤال إلى وزير خارجية المملكة عما يشاعمن دعم الحكومة السعودية للمَداخِلة الليبيين، وكان الرد الرسمي السعودي هو "ليس لدينا أي علم بهذا"64. ومع أن النفي الرسمي السعودي لايمكن أخذه على عواهنه إلا إنه يسلط الضوء على جانب هام من جوانب التيار السلفي المدخلي الليبي.فبينما يستقي السلفيون الليبيون الإلهام الديني والعلم والتوجيه من علماء السعودية إلا أنهم حرصوا على استقلالهم عن المملكة في كل ما يتعلق بتحالفاتهم المحلية وتحركاتهم السياسية والعسكرية. وعلى الرغم من احترامهم وإتباعهم للعديد من علماء السعودية، وليس فقط للمدخلي ذاته، فهم لا يطيعون مرشديهم طاعة عمياء بل لا يجدون غضاضة في تعديل أوتفسيرما يصدر عن علماء السعودية، بما فيهم المدخلي نفسه، من تصريحات أو مسموحات و محظورات بشكل يتماشى مع أجندتهم داخل ليبيا65. وبتعبير آخر لم يكن المَداخِلة لعبة في يد السلطة الدينية في الرياض أو المدينة تحركهم بجهاز تحكم عن بعد كيفما شاءت ولم يكونوا أيضاً حصان طروادة للإيديولوجية السعودية كما وصفهم بعض المعلقين داخل وخارج ليبيا66.

وستصبح العلاقة مع المملكة العربية السعودية أكثر جدلية بسبب ما فُرِضَ على ليبيا من خيارات صعبة وما تعرض له المَداخِلة والأوقاف من تشرذم خلال الحرب الأهلية الليبية التي اندلعت في صيف 2014.

الأوقاف والحرب الأهلية الليبية (2014 -2018 )

في 16 مايو، 2014 ، هاجم تحالف فضفاض مكون من مجموعة ساخطة من وحدات الجيش والطائرات العسكرية المتهالكةبقيادة قائد عسكري من شرق ليبيا يدعى اللواء خليفة حفتر قواعد بعض الكتائبالمتمركزة في مدينة بنغازي الشرقية. وترتب على الهجوم الذي أُطلق عليه اسم " عملية الكرامة" سلسلة من الصراعات المتصاعدة التي أدت، بنهاية الصيف، إلى تقسيم ليبيا إلى إدارتين سياسيتين متضادتين تتحالف كل منهما تحالفاً فضفاضاً مع ما يجاورها من الميليشيات المحلية والبلدياتوالقبائل وتستقطب كل منهما مجموعة مختلفة من القوى الخارجية المتبارزة التي لا تزال حربها العسكرية بالوكالة تدور رحاها حتى اليوم على الأراضي الليبية.

كان الدافع المباشر والظاهري لعملية الكرامة التي قادها الجيش الوطني الليبي- الذي أصبح فيما بعد يسمى القوات المسلحة العربية الليبية- بقيادة حفتر هو استعادة الأمن في بنغازي، الذي كان قد تدهور بشدة منذ 2013، والقضاء على الميليشيات الإسلامية. ولكن الهجوم عكس أيضاً مجموعة كبيرة من التوترات السياسية والاجتماعية التي شهدتها منطقة شرق ليبيا،ومناطق أخرى في أنحاء البلاد، والتي تسببت في نزاعات مستمرة بين الإسلاميين السياسيين ومعارضيهم وما ترتب عليها من نتائج مثل تفاقم المنافسات الأيديولوجية في منطقة الشرق الأوسط خاصة في أعقاب الانقلاب الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر ضد حكم الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي، وتنامي قوة وتسييسالميليشيات الليبية وما ترتب على ذلك من ردود أفعال الضباط والخبراء التابعين للنظام القديم، والإشكاليات المتعلقة بتوزيع الثروات الليبية والانقسامات الفصائلية والخلل الوظيفي داخل المجلس التشريعي الوطني الليبي أو ما يسمى بالمؤتمر الوطني العام67.

ولكن المحرك الحقيقي لعملية الكرامة كان رغبة حفتر الشخصية في الاستيلاء على السلطة التي عبر عنها من خلال تهديداته المتكررة بالهجوم على طرابلس والتي أدت إلى انطلاق حملة مضادة عُرِفَت بإسم "فجر ليبيا"، تزعمها تحالف مُكوّن من قوات مُتمركزة في غرب البلاد ومجموعة من الميليشيات الإسلامية التي هاجمت مطار طرابلس الدولي في تموز/ يوليو 2014 ، وسرعان ما أرست قواعد إدارة سياسية منافسة في العاصمة طرابلس وأطلقت على نفسها اسم حكومة الإنقاذ الوطني68. وعلى مدار السنوات الأربع التالية استمر القتال بين هذا التحالف، الذي يعمل من خلال مصراتة، وبين قوات حفتر في جميع أنحاء البلاد وخاصة في مدينة بنغازي الشرقية المُتنازع عليها.وأدى هذا الانقسام السياسي للبلاد إلى تعبئة واستقطاب الإسلاميين الليبيين ورجال الدين والمؤسسات الإسلاميةولكنه قدم لهم في الوقت نفسه فرصاً جديدة للارتقاء السياسي والتوسع الاجتماعي. واصطف الإسلاميون المتشدوون والجهاديون وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومؤيدوهم وأتباع الغرياني في بنغازي ومصراته وأجزاء من طرابلس خلف حركة فجر ليبيا وحكومة الإنقاذ الوطني69.

وكان التيار المدخلي في هذه الأثناء يتعرض لنفس عوامل التحفيز والاستقطاب وإن تردد قادته بعض الشيء في إجازة حمل السلاح ودار بينهم الكثير من الجدل العَقَدي حول هذه المسألة التي استحضرت بالنسبة لبعضهم المعضلات التي استجلبتها ثورة 201170.أما في شرق ليبيا فانضم كثير من المَداخِلة إلى عمليات حفتر سواء كمقاتلين في الجيش الوطني الليبي الذي يقوده (سمي فيما بعد القوات المسلحة العربية الليبية)، أو في القوات شبه العسكرية التابعة له أو عن طريق تقديم الدعم المعنوي والدعائي. وجاء انضمام المَداخِلة لحفتر بعد سلسلة من الاغتيالات التي قام بها الإسلاميون والجهاديون لشخصيات مدخلية في شرق ليبيا في مطلع 2014، وأيضاً بسبب استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على السلطة في مدينة سرت المركزية في صيف ذلك العام. وصاحب استيلاء داعش على السلطة في سرت عمليات عنف وقمع للمدخليين المقيمين في المدينة خاصة خلال انتفاضة صيف 2014 التي قام بها أعضاء قبيلة الفرجان التي ينتمي إليها حفتر71. وأشعلت عمليات القمع تلك غضب المَداخِلة في كافة أنحاء البلاد وخاصة في شرق ليبيا وبنغازي. وبدأ المَداخِلة والعديد من الميليشيات القبلية والمحلية في ضخ مواردهم العسكرية والسياسية لدعم حفتر الذي تنامت سيطرته على منطقة شرق ليبيا تدريجياً مما أدى إلى توسع النفوذ الاجتماعي للمَداخِلة وسيطرتهم على المؤسسات الإسلامية كالمساجد والمدارس القرآنية والهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية التي تتخذ من شرق البلاد مقراً لها72.

أما في غرب ليبيا فكان الوضع معكوساً. فقد تلقى المَداخِلة صدمة هائلة عندما وقعت طرابلس في أيدي جماعات إسلامية عسكرية تابعة للمفتى73، واضطر بعض مشايخ المَداخِلة في طرابلس إلى الهرب واللجوء لجبال نفوسة بحثاً عن ملاذ في بلدات مثل الزنتان. أما البعض الآخر فاكتفى بالتزام الصمت والبقاء في البيوت. وفي هذه الأثناء واصلت الجماعات المسلحة ذات الميول المدخلية ،مثل قوة الردع الخاصة، عملياتها الاشتباكية مع منافسيها الإسلاميين التابعين للمفتي. وبشكل عام يعتبرالسلفيون وداعموهم أن صيف 2014 قد أنتج تحولاً زلزالياً في التوازن الأيديولوجي للقوة في منطقة العاصمة74.

وبالطبع أثر هذا التحول في موازين القوى على مؤسسات الأوقاف بدورها. ومع رحيل حكومة زيدان وهروبه إلى خارج البلاد في مارس 2014، استقال وزير الأوقاف حمودة في أكتوبر من العام نفسه75. وعينت حكومة فجر ليبيا في منصبه رجل دين وتاجر سابق وزعيم إحدى الكتائب الثورية من بلدة بني وليد يدعى مبارك الفطماني. كما تولى منصب نائب الوزيركلاً من عبد الباسط يربوع من مدينة الزاوية الشمالية الغربية وأبو بكر بوصوير من مدينة مصراته . أما مكتب أوقاف طرابلس فتولى قيادته مواطن ليبي- كندي مزدوج الجنسية يدعى عبد الباسط غويلة76. وكان للثلاثة توجهات أيديولوجيةإسلامية يمكن وصفها بأنها نشطة وثورية وإن كانت تميل للتشدد أحياناً77. ونتيجة لهذه التعيينات اصبحت قيادات وزارة الأوقاف الوطنية وأوقاف طرابلس لأول مرة منذ اندلاع الثورة تابعة للمفتي ودار الإفتاء وغيرها من الدوائر78. ومع إسكات رجال الدين التابعين للتيار المدخلي وطردهم خارج طرابلس شهدت المناصب الكبرى في العاصمة درجة لا بأس بها من التجانس الأيديولوجي79.

وفي الأعوام المقبلة ستلعب دار الإفتاء ووزارة الأوقاف في طرابلس الخاضعة الآن لسيطرة الإسلاميين دوراً هاماً في الحرب الأهلية الليبية وما شهدته البلاد من انقسامات سياسية من خلال ما قدمته من دعم معنوي وخطابي للكتائب التي تقاتل حفتر عبرالبلاد وخاصة للتحالف المسلح المرتكز في بنغازي والذي يدعى مجلس شورى ثوار بنغازي الذي ضم بين قواته جهاديين متطرفين على رأسهم جماعة أ نصار الشريعة التي صنفتها الأمم المتحدة كجماعة إرهابية. وفي نفس الوقت واجهت دار الإفتاء ووزارة الأوقاف تحدياً أيديولوجياً مزدوجاً من تنظيم الدولة الإسلامية التي انتقدت حكومة فجر ليبيا ووصفتها بأنها غير إسلامية وشنّت هجمات عنيفة على المساجد مثيرةً غضباً مضاداً وانتقاداتٍمن الأوقاف80. وعلاوة على ذلك حاولت وزارة الأوقاف التابعة لحكومة الإنقاذ الوطني دفع النفوذ المتنامي للمَداخِلة في المناطق خارج طرابلس خوفاً من تنامي النفوذ السياسي لمعسكر حفتر. وفي 2015 على سبيل المثال، زار أحد المسئولين مكتب أوقاف بلدية صبحة الجنوبية وشدّد على أهمية رفض كل الفتاوى "المستوردة من الخارج" في إشارة إلى تصريحات المَداخِلة المدعومة من المملكة العربية السعودية والمتعاطفة مع حفتر وكذلك تصريحات تنظيم الدولة الإسلامية81. وبدورهم بادر المَداخِلة المتشددون بمن فيهم العاملون ضمن قوة الردع الخاصة بتهديد العديد من مسئولي الأوقاف بل بخطفهم أحياناً كما فعلو مع محمد علاء الدين التكتيك مدير مكتب أوقاف طرابلس كما ذكرنا سابقاً. وهذا بدوره دفع مسئولي الأوقاف إلى اللجوء إلى كتائبهم الخاصة مثل كتائب قوات درع ليبيا82.

في بعض الحالات أثارت التصريحات والإجراءات المتشددة التي صدرت من مسئولي الأوقاف في طرابلس خلال عهد حكومة الإنقاذ الوطني الغضب والانتقادات من المواطنين الليبيين ومن المعارضين الأيديولوجيين لجبهة الأوقاف وبعض الدبلوماسيين الخارجيين.والحقيقة أن رئيس مكتب أوقاف طرابلس السيد عبد الباسط محمد غويلة على وجه الخصوص كان مصدراً للجدل الساخن بين معارضيه الأيديولوجيين. وعلى سبيل المثال في 2014 وخلال تجمع في مدينة زليتن الغربية تم تصويره في مقطع فيديو يؤيد فيه الجهاد، وبالطبع لم يتردد معارضوه في انتهاز الفرصة لوصمه بالتطرف، لكنه أكد على أن المقطع قد تم اقتطاعه من سياقه وأنه كان يتحدث عن الثورة ضد القذافي83. بعدها بعامين في 2016، أُردي نجله قتيلاً في بنغازي في قتال ضد حفتر ولكن الإعلام الليبي المناهض للإسلاميين وكذلك الإعلام الغربي تداول -خطأً- ملابسات الوفاة كدليل على عضوية نجل غويلة في جماعة أنصار الشريعة، ومجلس شورى ثوار بنغازي وتنظيم الدولة الإسلامية كلها جميعاً. والحقيقة هي أنه كان يحارب في صفوف كتائب مضادة لحفتر مركزها بنغازي وتسمى "لواء عمر المختار" وهي ميليشيات مستقلة رسمياً عن كل ما سبق ذكره منائتلافاتومجموعات84. وانتهى الأمر بالإعلام الليبي والغربي إلى ربط غويلة بأحد قادة ومؤسسي تنظيم الدولة الإسلامية الذي يدعى سلمان العبيدي، وهو مواطن ليبي- بريطاني مزدوج الجنسية هاجم ملهى ليلي في مانشستر في 2017، وهي تهمة أخرى سعى غويلة أيضاً إلى دحضها85.

أما بالنسبة لليربوع فقد تأثرت سمعته بسبب ارتباطه الوثيق بمواطنه الزاوي شعبان هداية وهو قائد غرفة عمليات الثوار الليبيين التي اختطفت زيدان في تشرين أول/ أكتوبر 2013. وكان الفطماني، رئيس وزارة الأوقاف الوطنية، هو أكثر الشخصيات التي تعرضت لضربات سياسية قاتلة خاصة عندما تم الكشف عن أن نجله كانيقاتل في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سرت حيث لقي مصرعه في عام 2015 على يد قوات الكتائب التابعة لحكومة الإنقاذ الوطني التي يعمل والده في صفوفها86. وبحسب التقارير أدى هذا الحادث إلى تدهور النفوذ السياسيللفطماني قرب نهاية فترة عمله في الوزارة مما ساعد على تزايد نفوذ نوابه الذين أضحوا هم المسئولونعن تسيير شئونها87.

وبحلول النصف الأخيرمن 2015 بدأت تظهر بوادر التحالف الانفصالي المؤلف من النخب والكتائب والبلدات التي دعمت تحالف فجر ليبيا وحكومة الإنقاذ الوطني. ويرجع بزوغ هذا التحالف جزئياً إلى آلية سلام أطلقتها ودعت لها الأمم المتحدة بهدف انهاء الحرب الأهلية الليبية وإنتاج حكومة موحدة. وقد لقيت هذه الآلية أصداء عبر الأوساط و المؤسسات الإسلامية في طرابلس وأثارت موجة من الجدل والفرقة بين النخبة المرتبطة بتحالف فجر ليبيا.وعلى وجه التحديد قدمت زمرة إسلامية من مسئولي الأوقاف بقيادة الفطماني استقالات جماعية احتجاجاً على محادثات الأمم المتحدة وقبولها من قِبَل شخصيات عامة عرف عنها في السابق تأييدها لفجر ليبيا خاصة في مصراته 88.

وفي 3 آذار/ مارس، عينت حكومة الإنقاذ الوطني رجل دين مصراتي يدعى أحمد شتيوي رئيساًلمكتب الأوقاف الوطني- الذي تغير مسماه من وزارة إلى الهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية- في ظل حكومة الوفاق الوطني التي أُعلِنَت في طرابلس في نهاية ذلك الشهربرئاسة فايز السرّاج. وكما كان الحال مع أسلافه تعرّض السرّاج أثناء فترة حكمه لهزات كبيرة بسبب ما واجهه من صعوبات إدارية وتحديات سياسية متعددة. وكانت بداية تلك الهزات ما صرّح به أمام وفد يمثل مكتب رئيس الوزراء أن ولاءه لا زال مع حكومة الإنقاذ الوطني المنحلة وليس مع حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها. ومازاد الطين بلة في أوائل ومنتصف 2016 أن هيئة الأوقاف انساقت وراء العمليات العسكرية المتتالية التي قادتها القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني ضد تنظيم الدولة الإسلامية المرتكز في مدينة سرت وخلاياه المتفرقة حول طرابلس وعلى الشريط الساحلي الليبي الغربي في مدينة صبراتة. وفي محاولتها لدعم حملة مكافحة الإرهاب استخدمت وزارة الأوقاف سلطتها للتحذير من عمليات التجنيد الأيديولوجي من قبل الجماعة الإرهابية في مساجد العاصمة89.

بالإضافة إلى ذلك تورط مكتب أوقاف طرابلس، بدعم من عناصر في طرابلس ومصراته ، في المعركة العسكرية الموازية الدائرة في مدينة بنغازي الشرقية بين قوات موالية لحفتر تضم مجموعات من السلفية المدخلية وقوات مناهضة له تضم إسلاميين وجهاديين. ونظراً للبعد الأيديولوجي لهذا الصراع فليس من المستغرب أن نشهد انعكاساته على المجال الديني، وعلى سبيل المثال في تموز/ يوليو 2016 أصدر المداخلة تصريحاً دَعَوا فيه أتباعهم لمحاربة مجلس شورى ثوار بنغازي بزعم أنه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين90. ورداً على هذا أصدرت وزارة الأوقاف برئاسة شتيوي بياناً انتقدت فيه المدخلي لتدخله في شئون ليبيا الداخلية91. وعلاوة على ذلك واجهت سلطة الأوقاف في طرابلس التابعة لحكومة الوفاق الوطني، وهي سلطة يفترض أنها وطنية، تحديات سياسية وإيديولوجية من مكتب أوقاف منفصل متحالف مع معسكر حفتر الشرقي ويهيمن عليه المَداخِلة ومقره مدينة طبرق الشرقية. ولشهور عديدة انقطع التنسيق والتواصل بين السلطة الرئيسية في طرابلس ومكتب طبرق. ولكن بحلول آب / أغسطس 2016 ظهرت بوادر تشير إلى ذوبان الجليد لفترة وجيزة حيث تعاونت السلطات الدينية في طرابلس مع نظيرتها في الشرق لتيسير سفر المواطنين الليبيين لأداء مناسك فريضة الحج.92

ولكن الصراع الأكثر خطورة الذي واجهته وزارة الأوقاف في طرابلس هو تصاعد التوتر بين الإسلاميين التابعين للغرياني والسلفيين المداخلة .وبحسب ما قاله مسئول سابق في الأوقاف عن نفسه وعن زملاءه أثناء هذه التوترات: " (كنا) محاصرين بين دار الإفتاء والمداخلة".93

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 انفجر الصراع بين التيارين في أخطر موجة عنف شهدها خلافهما عندما قَتلت وحدة فرعية متشددة تابعة لقوة الردع الخاصة التابعة لعبد الرؤوف كارة رجل الدين نادر العمراني المقرب من الغرياني الذي كان على رأس دار الإفتاء ومجلس البحوث والدراسات الإسلامية. وعلى الرغم من أن وقائع الاغتيال ومدى تورط المَداخِلة فيه ظلت غامضة إلا إن الحادث تسبب في ردود فعل عنيفة ضد التيار السلفي المدخلي في العاصمة خاصة بين المجموعات المسلحة التابعة لدار الإفتاء ومجلس شورى ثوار بنغازي أو المرتبطة بها.94 وفي محاولة لتهدئة التوترات والسيطرة على الجرأة الخطابية والعسكرية الجديدة للمداخلة أصدرت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية برئاسة الشتيوي بياناً بمنع أحد عشر شخصية مدخلية من الوعظ في المساجد95. وفضلاً عن ذلك استبدل الشتيوي رئيس مكتب أوقاف مدينة غريان الشمالية الغربية، استجابة لطلب من البلدية، برجل دين جديد مالكي المذهب يعمل كخطيب مسجد ويحمل درجة الماجستير في إدارة المشاريع ومتصل بالغرياني96. ووصف عضو في مكتب الأوقاف في غريان الجهود المتتالية للتخلص من عدد من الأئمة التابعين للتيار المدخلي في المدينة قائلاً:

كان يوجد اثنان وثلاثون خطيباً من المداخلة وكانو يركزون في خطبهم على ولي الأمرويقولون أ شياء سيئة عن العلماء. وكانوا يخالفون تقاليدنا حيث كانو ( يقولون) " إن التصدق بالمال حرام وأنه يجب إخراج العصيدة ( طبق شعبي). وأيضاً يسألون لماذا ترتدي الملابس الغربية". ولكن (مكتب الأوقاف) تخلص من اثنين أو ثلاثة فقط بسببالمشاكل والضغوط التي مارستها المجموعات المسلحة (المدخلية).97

ومع بداية عام 2017 تورط الشتيوي ووزارته في نزاعات مالية تتعلق بإشراف الوزارة على صناديق الزكاة والعقارات. وقد بدأت هذه النزاعات منذ مطلع 2016 عندما شرعت كتائب محلية تسمى لواء باب تاجوراء في تضييق الخناق علىمكتب صندوق الزكاة في منطقة النوفليين في طرابلس وقامت بتحويل أموال الزكاة إلى أعضائها98. ولم يتمكن المسئولين في حكومة الوفاق الوطني من إيقاف هذه البلطجة بالرغم من محاولات حكومة السرّاج المستمرة لتنحية هذه الجماعة المسلحة عبر الأوامر القضائية المتعددة99. وفي هذه الأثناء تصاعدت التوترات بين مكتب رئيس الوزراء ووزارة الأوقاف التي تسيطر عليها حكومة الإنقاذ الوطني بسبب أسعار إيجارات عقارات الأوقاف، فقد رفع الشتيوي إيجارات الأراضي الخاضعة للأوقاف خاصة في المدينة القديمة بالعاصمة لأن المواطنين كانوا يستأجرون العقارات من الأوقاف ثم يؤجرونها من الباطن بأسعار أعلى بكثير100.

وبحلول نيسان/أبريل 2017 وصلت هذه النزاعات أَوجّهاوأصدرت حكومة الوفاق الوطني مرسوماً أبعدت به الشتيوي من منصبه وجاءت بوزيرجديد يدعى عباس القاضي ، وهو مدير مدرسة سابق غيرمحسوب على أيديولوجية أو حزب سياسي بعينه، رغم أنه ينحدر من أسرة طرابلسية عريقة ويعتبر من المقربين للسرّاج. ولكنه لم يستمر في الوزارة إلا لمدة عام واحد وذلك بسبب التحولات المنهجية في نفوذ الجماعات المسلحة في طرابلس101. وفي بداية صيف 2017 أطلقت الكتائب الموالية اسمياً لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والتي يتحالف بعضها مع السلفيين المدخليين، حملة عسكرية لطرد كتائب ومعاقل الإسلاميين المتشددين من حكومة الإنقاذ الوطني والتي كان بعضها متحالفاً مع دار الإفتاء بينما كان بعضها الآخر يدين بالولاء لما يسمى بالجماعة الليبية المقاتلة المنحلة حالياً والتي ضمت بين عناصرها جهاديين مسلحين نشطوا في عهد القذافي. ومع اجتياح قواعدهم فر الناجون من قادة الجماعات المسلحة ورجال الدين التابعين لهذه التيارات الإسلامية إلى جيوب في العاصمة مثل تاجوراء أو إلى مدينة مصراتة الغربية أو غادروا البلاد برمتها حيث اتجه كثير منهم إلى تركيا102.وبزوال هذا التحدي الإسلامي المسلح لنفوذ المَداخِلة أصبح الطريق ممهداً أمام عودة رجال الدين المدخليين إلى مساجد العاصمة وهو ما اسفر عن تحول مماثل في مراكز القوى داخل المكتبالوطنيللأوقاف.

صعود المداخلة (من 2018 إلى الوقت الحاضر)

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 أقالت حكومة الوفاق الوطني عباس القاضي من منصبه كرئيس لهيئة الأوقاف والشئون الإسلامية وعينت بدلاً عنه رجل دين سلفي من منطقة فشلوم بطرابلس يدعى محمد إحميدة العباني103. أما ذريعة الإقالة فكانت أن القاضي كان يؤيد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهوتقليد إسلامي يعترض عليه المداخلة باعتباره كفر وهرطقة.104 ولكن المغزى الحقيقي لهذه الإقالة هو انها عكست القوة المتنامية لجماعات المداخلة المسلحة وبخاصة قوة الردع الخاصة التي تربطها بالعباني علاقات وثيقة105. وبالتالي،فقد كان التعيين مؤشراً على تصاعد نفوذ المداخلة في طرابلس سواء في القطاع الأمني أوفي الشوارع والمساجد و المدارس. وفي المقابل واجه الغرياني وأنصاره من الإسلاميين انحساراً هائلاً لنفوذهم لم يشهدو له مثيلاً منذ انتصارهم في عملية فجر ليبيا في 2014. ولكن الصراع كان مازال في بداياته.

وتحت إدارة العباني بذلت وزارة الأوقاف جهوداً كبيرة لتوسعة المساحات الاجتماعية والدينية المتاحة للمَداخِلة السلفيين في غرب البلاد. وتمكن العديد من المَداخِلة الذين فرّوا من العاصمة من العودة إليها تحت حماية الكتائب ذات التوجهات المدخلية106. وفي كثير من المدن المحيطة بالعاصمة- خاصة مصراته وغريان وزليتن والخمس والزاوية- حاول العباني تغيير التركيبة الدينية لقيادات الأوقاف المحلية مما أثار كثيراً من الاحتجاجات والمعارضة107. وفي بعض الحالات، مثل حالة مدينة الزاوية، ظهرت مكاتب أوقاف منافسة108. أما في غريان فقد أزاح العباني رئيس مكتب الأوقاف السابق الذكر بناءً على طلب المداخلة المحليين حسب ما تردد109. أما في منطقة جبل نفوسة فقد أدى تعيين العباني إلى صعودٍ موازٍ للمداخلة في البلدات التي تسيطر فيها الأوقاف على الشعائر الإسلامية كالحج وتُعادي الأشخاص المنحدرين من العرق الأمازيغي الذين يتبع أغلبهم المذهب الإباضي110.

وبالطبع أثار صعود المداخلة التوترات مع الغرياني ودار الإفتاء.ورداً على تحركاتهم الهادفة للسيطرة استعان الغرياني بكل ما أمكنه من أسلحة سواء دينية أو إعلامية على رأسها محطة تلفزة تسمى "تناصح" يديرها ولده بأموال قطرية حسب ما تردد111. واستمر الغرياني في اتهام وزارة الأوقاف بأنها تستدعي تدخلات أجنبية لا داع لها وأنها قد أصبجت خادمة للمخابرات السعودية.112وبدوره أصدر العباني مذكرة رد فيها على ما سماه "المزاعم السبعة" للغرياني واتهمه فيها بوضع أكوام من الرمل أمام مكاتب الأوقاف في زليتن والخمس لإعاقة عملها.113

والحقيقة أن لعبة شد الحبل التي طالت بين الفصائل المتعارضة أيديولوجياً، وازدياد الاستقطاب الذي نتج عن تعيين العباني وتنامي سلطة المَداخِلة لا يمكن بأي حال فصله عن التوترات السياسية التي رافقتتقدم الفصائل التابعة لحفتر في شرق البلاد. حيث عزز المداخلة هناك سيطرتهم على مكتب أوقاف مدينة البيضاء ومكتب أوقاف مدينة درنة التي طال النزاع عليها حتى استولى عليها حفتر وقواته المسلحة وانتزعها من أيدِ الإسلاميين والجهاديين في أواخر عام 2018114. وفي استعراض لهذه الهيمنة حاول المَداخِلة الذين أصبحوا الآن قادة لمكتب الأوقاف فرض رؤيتهم المذهبية على الأعراف الاجتماعية وحاولوا منع الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة والتدخل في محتوى خطب المساجد وفرض قيود على الفعاليات الفنية والموسيقية التي اعتبروها مخالفة للإسلام115. ولكن تأثيرهم ومحاولاتهم واجها مقاومة قوية من المحتجين ومن المجتمع المدني116.

ومع تدفق الدعم العسكري والسياسي من المَداخِلة تحرك حفتر من شرق ليبيا إلى فزان في الجنوب في نهاية 2018117.واستمر هذا الدعم أثناء محاولاته لاقتحام العاصمة في بداية 2019 من عدة بلدات وتجمعاتيسكنها المداخلة في غرب البلاد خاصة مدينة صرمان وصبراتة والزنتان وحتى بعض أجزاء من مدينة طرابلس ، بل ودعمته عناصر من الجماعات المسلحة القوية مثل قوة الردع الخاصة. وهكذا تحول الصراع على الأوقاف وغيرها من المؤسسات الدينية من صراع ديني أيديولوجي إلى صراع ٍ سياسي: وأصبح الجميع يعتبرون المَداخِلة هم حصان طروادة أو الطابور الخامس لحفتر عندما وصلت قواته إلى العاصمة. والحقيقة أن الكثير من المقابلات التي أُجريت مع شخصيات سلفية مفتاحية في صبراتة وطرابلس في يناير 2019 قد كشفت عن تعاطف غريب مع حفتر ربما تم التعبير عنه بشكل غير مباشر من خلال الكلام عن دعم " الجيش القوي" و" النظام"وتماثلت مشاعر مَداخِلة الزاوية مع إخوانهم في صبراته وطرابلس ولكن هذا التعاطف كان يتغافل عن استخدام حفتر المتعمد للعنف السياسي والاجتماعي118.

ولكن الواقع كان أكثر تعقيداً في حالاتٍ أخرى. فالمَداخِلة تغلب عليهم البراغماتية والميل لانتهاز الفرص السانحة، وبالتالي عندما مالت موازين القوى لصالح حفتر لم يكن بوسعهم إلا الانحياز إليه مرتكزين على ما تأمرهم به عقيدتهم السلفية من وجوب طاعة ولي الأمر.والحقيقة أن الكثير من الشخصيات والجماعات المسلحة الطرابلسية غير السلفية كانت لا تقل انتهازية عن المَداخِلة. ومن جانبه استمر العباني في تأكيداته العلنية بأنه من أشد داعمي حكومة الوفاق الوطني مستشهداً بالعديد من المبادئ الفقهية السلفية لتبرير ولاءه لحكومة طرابلس، وهو الموقف الذي أكدته مقابلاتٍ أجريت مع مسئولي أوقاف سابقين119. بل إنهأوقف الدعم المالي عن مكاتب الأوقاف في البلدات التي استشعر ولاءها لحفتر وخاصة البلدات المحيطة بطرابلس مثل صرباته بينما استمر في تقديم الأموال لمكاتب الأوقاف في فزان التي اعتمدت على دعم كلا الإدارتين السياسيتين المتعارضتين في شرق ليبيا وغربها120.

مع هجوم حفتر المفاجئ على العاصمة في أوائل نيسان/أبريل 2019 بدأت التوترات تتصاعد. وبعد الاستيلاء على غريان بادرت القوات المسلحة الليبية بقيادة حفتر إلى الدخول في تحالف سريع مع المَداخِلة المحليين الذين كان نفوذهم يتصاعد باضطراد منتظم منذ 2019. وبحسب أحد المسئولين الغريانيين" عندما وصل حفترإلى هناك كان المَداخِلة في انتظاره"121. وبفضل السيطرة التي فرضتها القوات المسلحة التابعة لحفتر تمكن المَداخِلة من الهيمنة على المساجد والأوقاف والمستشفى حسب ما قاله مواطنو المدينة في مقابلات أجريت معهم. ولكن هذا لم يكن حال جميع المَداخِلة، فالمَداخِلة في غرب ليبيا اضطروا للخضوع لقيود فرضتها عليهم الضغوط الاجتماعية والسياسية والاستقطاب الحاد للجماعات المسلحة المتصارعة. وكان بعض هذه الجماعات مثل الوحدة العسكرية المسماة 20-20 ،المعروفة بميولها المُدخلية، داخل قوة الردع الخاصة قد بقي على الحياد حتى صيف 2019. ولم تتحرك هذه الوحدة إلا عندما ازداد الضغط عليها من المجموعات المسلحة الأخرى عندما اتضح أن الميليشيات المدافعة عن حكومة الوفاق الوطني قد تمكنت من إيقاف تقدم حفتر، وحتى عندئذ لم تتحرك إلا بعد أن أرسلت وفداً يطلب المشورة الدينية من المملكة العربية السعودية بحسب ما قاله مصدر مقرب من قائد الوحدة 20-20122. وفي نفس الوقت تعرض الدعاة المَداخِلة في مساجد طرابلس لانتقادات من المصلين ومن الإسلاميين المنافسين الذين اعتبروا أن خُطَب المَداخلِة لم تكن تهاجم حفتر بشكل كاف وأنها تتجنب ذكر أوامر الإسلام التي تنص على ضرورة الدفاع عن المدينة123.

ومن جانبة دعا العباني إلى استخدام سلطة مكتب الأوقاف لمجابهة حفتر أيديولوجياً،بلإنه ذهب بنفسه لزيارة ربيع بن هادي المدخلي في السعودية للتأكد مما إذا كانت فتواه السابقة بتأييد حفتر لا تزال سارية124. وبحسب ما ورد استخدم العباني الرد الملتبس الذي أعطاه المُدخلي في محاولاته لحث المَداخِلة الشرقيين المنضمين لمعسكر حفتر على الانشقاق على الرغم من عدم وجود أدلة تذكر على حدوث ذلك125. وعلى جانب آخر وخلال رحلة إلى مكة في نفس العام تردد أن العباني قد التقى بوفد من السلفيين المًداخِلة من لجنة دار الإفتاء من شرق ليبيا الذين جاءوا لطلب دعم ربيع المدخلي لحملة حفتر العسكرية. وخلال هذا الاجتماع أخبرهم العباني أنهم إن كانوا حقاً ملتزمين بمحاربة الخوارج ( يعني الجهاديين وتنظيم الدولة الإسلامية) فيجب عليهم الاعتراف بأن حكومة الوفاق الوطني، التي كانوا يهدفون للإطاحة بها، قد اعتقلت هؤلاء المتطرفين في سجن قوة الردع الخاصة في طرابلس126. وفي سياق متصل التقى العباني مع خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، للمساعدة في نزع فتيل التوترات السلفية – الإسلامية في الزاوية مؤكداً للمشري أنه "سلفي وليس مدخلي" بحسب ماقاله مصدر مطلع على مادار في الاجتماع127.

ومع ذلك وبحلول نيسان/أبريل 2020 أدت التطورات الناجمة عما يدور في ساحات القتال إلى المزيد من عدم الاستقرار بالنسبة للأوقاف. وفي صيف 2020 تحركت الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني إلى خارج طرابلس مدعومة بتغطية الطائرات التركية بدون طيار والمرتزقة السوريون واستولت على عدة بلدات كانت إما تحت سيطرة القوات المسلحة الليبية التابعة لحفتر أو المتعاطفة معه. وأدى تقدم قوات حكومة الوفاق الوطني إلى انسحاب المَداخِلة من مكاتب الأوقاف المحلية ومن المساجد وغيرها من الساحات الإسلامية. وفي بعض البلدات حاول أنصار الغرياني وبعض الشخصيات المتحالفة مع المشري، أو المتعاطفة معه كما في حالة مدينة الزاوية، سد الثغرات التي خلفتها مغادرة المَداخِلة.128

بالتوازي مع هذا التعديل السياسي واجهت مكاتب الأوقاف في طرابلس وفي شرق البلاد تحدٍ إنساني كبير تمثل في استشراء جائحة كوروناالتي لم تجد من يتصدى لها في بلد مزقته الإنقسامات السياسية والصراعات العسكرية التي استنفذت بنيته الطبية وجعلتها غير قادرة على مجابهة الوباء. خلال هذه الجائحة أصبحت السلطات الدينية عاملاً مساعداً هاماً لدعم القرارات المتعلقة بالصحة العامة التي تصدرها حكومة الوفاق الوطني الضعيفة في طرابلس.وبالمثل دعمت سلطات الأوقاف في الشرق جهود القوات المسلحة الليبية في التعاطي مع هذه الكارثة الصحية العامة، وبمنتصف آذار/ مارس 2020 أصدرت هيئتا الأوقاف بيانات تحث فيها المواطنين على البقاء في منازلهم ودعت لتعليق صلاة الجمعة في المساجد. ولكن هذه النداءات المستقاة من روح الإسلام تعرضت لكثير من التحديات في طرابلس على وجه الخصوص على يد كل من الإسلاميين التابعين للغرياني والسلطات المحلية في المدن، التي بالغت في تسييس هذه الحملة الدينية لدعم الصحة العامة.129.

ومع حلول عام 2021 بدأت القِوى والسلطات الدينية في العاصمة طرابلس تستعد لمجموعة جديدة من التغييرات. بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في تشرين الأول/أكتوبر 2020 وبعد مجموعة من المحادثات التي أشرفت عليها الأمم المتحدة وأسمتها ملتقى الحوار السياسي الليبي، وافق المبعوثون الليبيون في فبراير 2021 على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة أسموها حكومة الوحدة الوطنية واختاروا رجل الأعمال المصراتي النافذ عبد الحميد الدبيبة رئيساً لوزرائها. وخلافاً للمعتقد العام فإن الحكومة الجديدة لم تكن نعمة أرسلتها السماء لمعسكر الإسلام السياسي في البلاد بالرغم من أن الدبيبة لديه ولاءات نحو جماعة الإخوان المسلمين الليبية وتربطه علاقات مع عدد من الناشطين الإسلاميين المعروفين خاصة المقيمين في تركيا وقطر130. ومع ذلك يسعى رجال الدين والإسلاميين المتحالفين مع الغرياني لاستغلال توزيع المناصب في التعيينات الوزارية الجديدة131. وفي هذه الأثناء فإن الشخصيات السياسية ورجال الأعمال في الشرق والغرب معاً لا زال بوسعهمتخفيف التوترات بين الإسلاميين ومع عضهمالبعض عن طريق عقد التحالفات والصفقات التي تتخطى الخطوط الأيديولوجية.

وحتى كتابة هذه السطور لم يتم الإعلان عن تعيينات جديدة لقيادة الهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية في طرابلس والتي يفترض تقنياً أن تندمج مع سلطة الأوقاف الشرقية تحت قيادة حكومة الوحدة الوطنية. وكما هو الحال مع المؤسسات السياسية والاقتصادية الأخرى من المرجح أن تصبح مؤسسة الأوقاف أيضاً ضحية لتنافس النخبة ولشئ من المناورات الأيديولوجية المتوقعة في الفترة السابقةللانتخابات الليبية المقترح عقدها في نهاية 2021 لاستبدال حكومة الوحدة الوطنية.

الخاتمة

بعد ما يقرب من مرور عقد من الزمان على سقوط القذافي تعرض طيف واسع من المؤسسات السياسية والاقتصادية الليبية للتشرذم أو الانهيار بسبب ضغوط الفصائل المتنافسة أيديولوجياً و سياسياً. وبالتالي فلم يكن من المستغرب أن تكون مكاتب الأوقاف مطمعاً رئيسياً لهؤلاء المتنافسين بما لها من هيبة تاريخية وسلطة أخلاقية وما يقع تحت سلطتها من أراض وحيازات وإيرادات . وتعكس مشاكل الأوقاف التي بدأت منذ 2011 التغير المتكرر للسلطة في العاصمة، وصعود الجماعات المسلحة ذات الانتماءات المحلية أو الأيديولوجية، والانقسام الوطني بين إدارات موازية في شرق ليبيا وغربها، والصراعات اللجوجة المحتدمة بين العاصمة طرابلس وبين المدن والبلدات النائية في أطراف ليبيا حول السلطة السياسية والاستقلالية المالية.

وربما يكون الأهم من ذلك هو أن مكاتب وحيازات الأوقاف قد زلزتها المنافسات الحادة التي شهدها الحقل الإسلامي في ليبيا بين التيارات المذهبية المتعددة والأيديولوجيات المتباينة والشخصيات الدينية المتصارعة. وكذلك ارتبط الصراع للسيطرة على الأوقاف بالجدل حول مدى نفوذ القوى الخارجية في المجال الديني في البلاد وخاصة بعد صعود ما يسمى بالتيار المدخلي الذي يستلهم تقاليد التيار الوهابي السعودي والذي بالغت الأصوات الخارجية والليبية على حد سواء في إبراز خضوعه التام للملكة العربية السعودية. ورغم أن تسليح مكاتب الأوقاف كان الهدف منه محاربة الإرهاب في ليبيا إلا أن الشخصيات والتيارات المتنافسة لم تتردد في اتهام الأوقاف بالتواطؤ مع من أسموهم بالمتطرفين. وتم حشد مسئولي الأوقاف في شرق البلاد وغربها للعمل على إعادة التأهيل الديني ونزع الأفكار المتطرفة من مجاهدي تنظيم الدولة الإسلامية المساجين. ومؤخراً استعانت السلطات في الشرق والغرب بسلطات الأوقاف لنشر مبادرات الصحة العامة في البلاد وتنظيم الفضاء العام الإسلامي في أعقاب انتشار فيروس كورونا في ليبيا.

ولا ننسى أن أساس كل ما شهدنه الأوقاف من أحداث وتطورات هو نتاج الإرث المشحون الذي تركه القذافي، حيث كانت هذه المكاتب والأصول مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بخيارات الدكتاتور الراحل وحرصه على السيطرة على الخطاب الإسلامي وإصراره على نهج منهج الجماعية في ملكية الأراضي، وكل ما نراه اليوم من صراع وعدم استقرار ما هو إلا ثمرة لتلك السياسات. ولكن وحتى في العهود السابقة لحكم الدكتاتور، كانت حيازات الأوقاف خاضعة لاستغلال القوى الاستعمارية الحاكمة في ليبيا – خاصة الإيطاليين والعثمانيين، و لا شك ان ما ساعد على تحديد سلطة ووظائف مكاتب الأوقاف كانت المناقشات والمداولات الإصلاحية التي دارت في ذلك الوقت عبر العالم العربي والإسلامي. وبالتالي فإن فكرة الأوقاف النقية التي لم تتعرض للتلوث والتي تعيش بمعزل عن التأثيرات السياسية والأجنبية هي فكرة خاطئة ومضللة.

وفي المستقبل سيكون لمكاتب الأوقاف دور بارز في التحديات الكبرى التي ستواجه عمليات بناء الدولة الليبية والمصالحة الوطنية. وسيكون لتواجد الأوقاف في المدار الديني من خلال إشرافها على تعيينات أئمة المساجد والتزامها بتوجيه الخطاب الديني تأثيراً كبيراً على الجمهور الذي سيستمر في التطلع إليها لاستلهام توجهاته الأخلاقية والاجتماعية. وبالإضافة لكل ذلك فإن استمرار الأوقاف في إدارة الأصول العقارية سيحافط على قيمتها كغنيمة اقتصادية ثمينة يتطلع الجميع للحصول عليها. وهو ما يعني أن كبح جماح الفصائل التي تتنافس على السيطرة على مؤسسة الأوقاف سيتطلب العديد من الإصلاحات الكبرى التي لطالما احتاجتها ليبيا عبر السنين والتي لطالما بدت بعيدة المنال، وأهمها إصلاح القطاع الأمني وتعزيز الشفافية والمحاسبة المالية والالتزام باللامركزية وأهمها قاطبة التزام النخب بتحقيق ما يتطلبه الصالح العام بدلاً من التركيز على مصالحهم الخاصة.

شكر وتقدير

يود المؤلف أن يتقدم بالشكر والتقدير لجميع المتحدثينالليبيين الذين ساعدوه أثناء العمل الميداني في غرب ليبيا في 2019 و2020 وقبلها في شرق ليبيا في 2017. ويسجل امتنانه لجاكلين ستومسكي وساندي الخطامي على مساعدتهما البحثية. ويشكر ايضاً ما تفضل به كلٌ من اليسون بارجيتر وأليكس ثرستون وجلال حرشاوي من ملاحظات على المسودات الأولية.

هوامش

1لمشاهدة فيديو لعملية الاعتقال انظر"حصرياً بالفيديو..لحظة اعتقال محمد علاء الدين التكيتك مدير مكتب أوقاف طرابلس من مكتبه"، إيوان ليبيا، 26 نوفمبر، 2015.http://ewanlibya.ly/news/news.aspx?id=3405

2" ليبيا.. ميليشيات تختطف مسئول الأوقاف بطرابلس"، العربية،26 نوفمبر، 2015.
https://www.alarabiya.net/north-africa/libya/2015/11/26/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%B7%D9%81-%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81-%D8%A8%D9%80-%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3-?3342 للمزيد عن قوة الردع الخاصة وادعاءات تجنيد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في مساجد طرابلس برعاية الأوقاف ارجع إلى "التقرير النهائي لفريق الخبراء حول ليبيا المنشأة بموجب القرار1973 (2011)" مجلس الأمن بالأمم المتحدة،9 مارس، 2016.
https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/s_2016_209.pdf.

3مقابلة أجراها المؤلف مع موظف سابق بمكتب أوقاف طرابلس،طرابلس، ليبيا، يناير 2020.

4للقراءة المرجعية انظر" ممتلكات محفوظة: الوقف في العالم الإسلامي"، باسكال غزالة ( القاهرة: مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 2011) و "الإسلام الرسمي في العالم العربي: الصراع على السلطة الدينية"، ناثان ج. براون، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مايو 2017.
https://carnegieendowment.org/files/CP306_Brown_Religious_Institutions_Final_Web1.pdf.

5 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق في الأوقاف، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

6 مقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الدينية، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

7 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق في لجنة الأوقاف المحلية، مصراتة، ليبيا، نوفمبر2019.

8 " الميليشيات تعتقل الموظف المسئول عن أوقاف طرابلس" محمد العربي.

9 للمزيد عن حالة التفكك الليبي في أعقاب 2011 اقرأ " الشواطئ المحترقة: من قلب معركة ليبيا الجديدة"، فريدريك ويري، (New York: Farrar, Straus & Giroux, 2018) و" تجزئة ليبيا: البنية والآليات في الصراعات العنيفة" ، واليفرام لاتشار ( London: I.B. Tauris, 2020) و"فهم ليبيا منذ القذافي" أولف لاسنج (London: Hurst, 2020)

10 للمزيد عن الحرب الدولية بالوكالة اقرأ "ديناميكية الحرب بالوكالة في ليبيا"جلال حرشاوي ومحمد السيد لازب(Blacksburg, VA: Virginia Tech School of Public and International Affairs, 2019) و" هذه الحرب خرجت عن سيطرتنا: تدويل صراعات ما بعد 2011 في ليبيا من حرب بالوكالة إلى حرب على الأرض" New America, September 14, 2020
https://www.newamerica.org/international-security/reports/this-war-is-out-of-our-hands

11 مقابلات أجراها المؤلف مع موظفين سابقين في الأوقاف في طرابلس ومصراته في نوفمبر 2019 ويناير 2020.

12 بالصور.. نهب الوقف الليبي. "الهلت" يستبيح الأراضي من عهد القذافي" ، العربي الجديد،22 يناير 2015.
https://www.alaraby.co.uk/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8

13 نفس المصدر السابق.

14 للمزيد عن الحركة المدخلية والتوترات بينها وبين التيارات الإسلامية الأخرى اقرأ " السلفية وانهيار الدولة الليبية: الحالة المدخلية"، فريدريك ويري، في كتاب "السلفية في المغرب العربي: السياسة والتدين والتشدد"(New York: Oxford University Press, 2019),
https://carnegieendowment.org/files/WehreyBoukhars_Chapter%206.pdf.

15 للمزيد من المعلومات عن تاريخ الأوقاف في ليبيا اقرأ "وقف برقة والاستعمار الإيطالي في ليبيا 1911-1941 " من كتاب Held in Trust Waqf in the Islamic World ( القاهرة- مطبعة الجامعة الأمريكية 15 يونيو2011 )

16 انظر كتاب "صناعة ليبيا الحديثة.. نشوء الدولة والاستعمار والمقاومة من 1830 إلى 1932"، علي احميده، مطبعة جامعة نيويورك، البانيا، 1994.ولقراءة المزيد عن تاريخ الحركة السنوسية ومعتقداتها وممارساتها وتأثيرها الاجتماعي وعلاقتها بسلطات الاستعمار انظر " فكرة الدولة الإسلامية في السياسة الليبية منذ الاستقلال" Storia del Pensiero Politico 3 (سبتمبر – ديسمبر 2014) 423–438, https://www.rivisteweb.it/doi/10.4479/78764، و" إيطاليا والسنوسية.. مفاوضات السلطة في ليبيا المستعمرة، 1911 -1931" (أطروحة دكتوراه من جامعة كولومبيا، 2012)https://academiccommons.columbia.edu/doi/10.7916/D8542VP1

17 >"وقف برقة والاستعمار الإيطالي في ليبيا 1911-1941 " ميديتشي.

18 انظر"السياسات الاستعمارية الإيطالية تجاه الأوقاف الإسلامية الليبية. “Saranno Rispettati Come Per il Passato,
European University Institute, Working Paper no. 10, June 2010,
https://cadmus.eui.eu/handle/1814/14141.

19 انظر " وقف برقة والاستعمار الإيطالي في ليبيا 1911-1941" ميديتشي. و Hervé Bleuchot, “Notice sur les ‘awqâf’ libyens de 1969 à 1978,Annuaire de l’Afrique du Nord,”Centre de recherches et d’études sur les sociétés Méditerrannéenes (Paris,Editions du CNRS,1980), 397, http://aan.mmsh.univ-aix.fr/volumes/1979/Pages/AAN-1979-18_03.aspx

20 "وقف برقة والاستعمار الإيطالي في ليبيا 1911-1941 " ميديتشي

21 "وقف برقة والاستعمار الإيطالي في ليبيا 1911-1941 " ميديتشي

22مقابلة مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية في مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

23 انظر “Notice sur les ‘awqâf’ libyens de 1969 à 1978, Annuaire de l'Afrique du Nord". 397 ، هارفي بلوتشوت.

24 انظر " الدين والسياسة في ليبيا"، ليزا أندرسن،,” Journal of Arab Affairs 1, no. 1 (October 31, 1981).

25 مقابلة مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية في مصراته، ليبيا، نوفمبر2019.

26 انظر libyens de 1969 à 1978, Annuaire de l'Afrique du Nord". 397 ، هارفي بلوتشوت.

27 المصدر السابق 398.

28 للمزيد عن هذه الحقبة انظر" المعارضة الإسلامية في ليبيا"، جورج جوف، Third World Quarterly 10, no. 2 (April 1988), 615–631، و" الدين والدولة في ليبيا..سياسات الهوية"، ليزا اندرسن، Annals of the American Academy of Political and Social Science 483 (January 1986): 61–72;، و"إسلام القذافي"، ليزا أندرسن في Voices of Resurgent Islam,، مراجعة جون ل.اسبوسيتو
Oxford University press 1983.

29 "القذافي والإسلام السياسي"، في " ليبيا منذ 1969، رؤية جديدة لثورة القذافي"، Libya Since 1969: Qadhafi’s Revolution Revisited ، أليسون بارغيتور، مراجعة ديرك فانديوال، (New York: Palgrave Macmillan, 2008).

30 مقابلة مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية، مصراتة، ليبيا ، نوفمبر 2019

31 المطالبة بالأملاك في ليبيا ما بعد القذافي..المفاوضات السياسية والبحث عن العدالة في أعقاب قانون 4/1978 " سليمان إبراهيم،
" Hague Journal on the Rule of Law 9 (2017): 135–156,
ومقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية في مصراتة ، ليبيا، نوفمبر 2019.
https://link.springer.com/article/10.1007/s40803-016-0046-6

32 مقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية في مصراتة، ليبيا، نوفمر 2019 ومقابلة أخرى أجراها أيضاً المؤلف مع مسئول أوقاف سابق من مدينة غريان الغربية، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

33 يقال أن هذا التحول نحو الاعتراف بمختلف فروع السلفية والتفريق بين ما يسمى بالتيارات الهادئة التي يمكن استخدامها ضد الجهاديين جاء بناءً على طلب المخابرات المصرية وأشرف عليه الساعدي ابن القذافي الذي كان احتضانه للتيار المدخلي محورياً على الصعيدين الشخصي والسياسي بحسب ما ذكره العديد من ممثلي السلفية الليبيين. انظر" السلفية وانهيار الدولة الليبية"، ويري، 114-115.

34 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

35 على الرغم من ذلك يصر العديد من المعلقين الليبيين أن المداخلة لم يسيطروا على المدارس القرآنية من مقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية بمصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019 ومقابلة أخرى أجراها المؤلف مع مسئولين ببلديات يفرن ونالوت وطرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

36 "السلفية وسقوط الدولة الليبية"، ويري، 131.

37 للمزيد انظر" حرب دار الإفتاء على الأوقاف في ليبيا: معركة سياسية بغطاء ديني"، الحبيب الأسود، العرب، 8 مايو،2020.
https://alarab.app/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%AF%D8%A7%D8%B1-.

38 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول أوقاف سابق، طرابلس، ليبيا، يناير 2020.

39 مقابلة أجراها المؤلف مع رجل دين سلفي تابع لهيئة الأوقاف في المنطقة الشرقية، بنغازي، ليبيا، مايو 2017.

40 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولين بالأوقاف في طرابلس ومصراته وبنغازي، ليبيا، 2017 إلى 2020.

41 >لمعرفة المزيد عن بداية تحالف الجماعة المسلحة مع الدولة انظر" إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا: توفيق السياسات وإعادة بناء الأمن" ، فريدريك ويري، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 24 سبتمبر، 2014.ولقراءة المزيد عن تأثير الجماعات المسلحة ذات التوجه الأيديولوجي في قطاع الشرطة المختلط انظر"قطاع الشرطة الليبي: معضلات التهجين والتعددية الأمنية" فريدريك ويري، مشروع عن دراسات الشرق الأوسط في العلوم السياسية 30، سياسات إعادة البناء في مرحلة ما بعد النزاع، سبتمبر 2018. وايضاً " استكشاف الجماعات المسلحة في ليبيا: وجهات نظر حول إصلاح القطاع الأمني في بيئة هجينة"، عماد الدين بادي، مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، 23 نوفمبر، 2020.
https://carnegieendowment.org/2014/09/24/ending-libya-s-civil-war-reconciling-politics-rebuilding-security-pub-56741
https://pomeps.org/libyas-policing-sector-the-dilemmas-of-hybridity-and-security-pluralism
https://www.dcaf.ch/exploring-armed-groups-libya-perspectives-security-sector-reform-hybrid-environment

42 المطالبة بالأملاك في ليبيا ما بعد القذافي.المفاوضات السياسية والبحث عن العدالة في أعقاب قانون 4/1978 " سليمان أبراهيم، ومقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية في مصراتة ، ليبيا، نوفمبر 2019

43 للاطلاع على السيرة الذاتية للغرياني وتأثيرايديولجياته المذهبية انظر"السلفية وانهيار الدولة الليبية" ، فريدريك ويري، 131.

44 يستخدم المعلقون السلفيون المحليون مصطلحات عديدة ذات جذور سياسية ومذهبية لوصف الكوكبة الفضفاضة من الفاعلين الإسلاميين الناشطين والثوريين والمتشددين التابعين للغرياني. وفي العموم يستخدمون مصطلح السلفيين الحركيين كنقيض لما يسمى بالسلفيين الهادئين الذين تجسدهم الحركة المدخلية وجماعة الإخوان المسلمين وجماعة المقاتلة وهم أعضاء سابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة التي انحلت الآن. وبشكل أكثر تحديداً فإن بعض الإسلاميين الذين يدورون في فلك الغرياني يسخرون من خصومهم السلفيين المأربيين بسبب تمسكهم بتعاليم رجل الدين اليمني أبو حسن المأربي الذي لعب دوراً رئيساً في الانقسامات العقدية التي شهدتها السلفية في منتصف العقد الأول من القرن 21. وعلى نقيض سلفه الديني في اليمن مقبل الوادعي دعا المأربي إلى تقديم تفسير سياسي نشط للسلفية مما أسفر عن مشاركة أتباعه الليبيين في ثورة 2011.ومن أهم اتباع المأربي في ليبيا أحد الإسلاميين الذي يدعى شعبان هدية والذي لعب دوراً محورياً في زيادة التشدد الديني في ليبيا في أعقاب 2011 من موقعه على رأس غرفة عمليات الثوار الليبيين وهو تحالف يجمع أصحاب الفكر المشترك من الإسلاميين من المدن والبلدات في غرب ليبيا. من مقابلات أجراها المؤلف مع محاورين سلفيين من طرابلس ليبيا في يونيو ونوفمبر 2019.

45 تحول هذا إلى قرار رقم 27 في 18 مارس 2012. انظر المجلس الانتقالي الليبي، قرار رقم 27، 18 مارس 2012.
https://ssf.gov.ly/wp-content/uploads/2018/02/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%B1%D9%82%D9%85-27-%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-2012-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81.pdf.

46 " المجلس الانتقالي الليبي يكشف عن المرشحين للحكومة الجديدة"، فرانسوا مرفي وعلي شعيب، رويترز، 22 نوفمبر، 2011.
https://www.reuters.com/article/us-libya/libyas-ntc-unveils-new-government-line-up-idUSTRE7AL0JM20111122
منعت السلطات الدينية التابعة للقذافي في 2010 أبو فارس من تقديم الدروس في المساجد ومن إصدار الفتاوى بدون الحصول على موافقة الأوقاف أولاً. انظر " ليبيا تحد من نشاط داعية إسلامي"، خالد المحير، الجزيرة، 15 أغسطس، 2010.
https://www.aljazeera.net/news/arabic/2010/8/15.

47 " تقييم سعودي يرى أن "تيار الإسلام السياسي" سيلعب دوراً حاسماً في ليبيا"، بوابة الوسط، 19 يونيو، 2015. وبحسب نص الوثيقة إنه " في حال نجاح المرحلة الانتقالية عبر إجراء الاستحقاقات القادمة فإن التوجه الإسلامي والقبلي سيلعب دوراً فعالاً وحاسماً في رسم الخريطة السياسية الليبية المستقبلية". , http://alwasat.ly/news/libya/74227
انظرSaudi cables على موقع ويكيليكس , https://wikileaks.org/saudi-cables/doc9490.htmlحيث تنص الوثيقة السعودية على أن جماعة الإخوان المسلمين تعتمد " على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي يرأسها الوزير الشيخ (حمزة ابو فارس) العضو بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المنفتح على الفكر الإخواني والذي سمح لشيوخ وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين الليبية باعتلاء المنابر لإلقاء الدروس للوعظ والإرشاد وإلقاء خطب يوم الجمعة كما يشرف على المساجد العديد من الأئمة المتشبعين بالفكر الإخواني".

48 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين بالأوقاف في طرابلس ومصراته، ليبيا، يونيو 2019 ونوفمبر 2019 ويناير 2020. انظر ايضاً السلفية وانهيار الدولة الليبية"، فريدريك ويري، صفحة 131.

49 مقابلات أجراها المؤلف مع شخصيات تابعة للتيار السلفي المدخلي في طرابلس ومصراته وبنغازي، ليبيا، 2017 إلى 2019. عادة ما يلجأ السلفيون لاستخدام مجموعة مركبة من المصطلحات القانونية والمذهبية لتحديد ولي الأمر. لمزيد من الاطلاع انظر"من أو ما هو ولي الأمر: سؤال لا يسأله أحد"، ناثان ج. براون، مجموعة اونياتي الاجتماعية القانونية، المعهد الدولي لعلم اجتماع القانون.
https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3346372#.

50 لمعلومات حول هذه التكتيكات انظر" د.حمزة أبو فارس: المتطرفون المغتصبون للمنابر تدعمهم جهات خارجية"، صحيفة الحرية الليبية، 16 أبريل، 2012.
https://www.lawoflibya.com/mag/2012/04/16/%D8%AF-%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%84.

51 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين بالأوقاف في طرابلس ومصراته، ليبيا، نوفمبر 2019 ويناير 2020.

52 بعد أن نصبت نفسها كشرطة أخلاقية تابعة لوزارة الداخلية ركزت قوة الردع الخاصة على مكافحة الرذائل مثل المخدرات والكحول والدعارة مطبقة المبدأ الإسلامي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وقدر مصدر مقرب من القوة نسبة السلفيين بها بحوالي 60 في المائة. من مقابلات أجراها المؤلف مع ممثلي قوة الردع الخاصة في طرابلس، ليبيا، 2013 و 2016. ويتبع قائد القوة عبد الرؤوف كارا نسخة من السلفية تعتمد على النص القرآني وترتكز على مبدأ الدعوة بدلا من التمسك المتعصب بالمذهب المدخلي. وفي مقابلة مع المؤلف في 2013 لم يذكر القائد اسم المدخلي كأحد مراجعه الدينية وذكر بدلاً عنه العلماء السعوديون محمد بن عثيمين ونصر الدين الألباني وعبد العزيز بن باز والعالم اليمني مقبل الوادعي. أيضا من مقابلة أجراها المؤلف مع عبد الرؤوف كارا في طرابلس، ليبيا، 15 مايو، 2013.

53 انظر" العنف الديني في ليبيا: من الملام؟" إيجور تشيرتيش، مدونة هفنجتون بوست، 5 ديسمبر، 2012.
https://www.huffpost.com/entry/religious-violence-in-lib_b_2245265.

54 مقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

55 المصدر السابق.

56 مقابلاتأجراهاالمؤلفمععضوسابقبلجنةالأوقافالمحلية، مصراتة، ليبيا، يناير 2020.

57 مقابلات أجراها المؤلف مع عضو سابق بلجنة الأوقاف المحلية، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

58 مقابلات أجراها المؤلف مع أعضاء سابقين بلجنة الأوقاف المحلية، طرابلس، ليبيا، يونيو ونوفمبر 2019.

59 للاطلاع على السيرة الذاتية انظر ما كتبه عبد السلام الأسمر الفيتوري في منشور على الفيس بوك في 10 فبراير، 2013.
https://www.facebook.com/Abdussalam.Alasmar/posts/460353040686377.

60 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

61 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

62 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

63 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

64 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019. للمزيد عن التحديات التي تعرضت لها حكومة زيدان على يد الفصائل والمجموعات المسلحة انظر" الشواطئ المشتعلة"، فريدريك ويري، صفحة 160-170.

65 مقابلة أجراها المؤلف مع عضو سابق بالأوقاف، مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

66 انظر" السلفية وانهيار الدولة الليبية"، فريدريك ويري، صفحة 124.

67 استخدم كثير من النقاد الليبيين تعبير "التحكم عن بعد" عند حديثهم عن المداخلة في المقابلات التي أجراها المؤلف في طرابلس، ليبيا، في 2019 و2020. أما بالنسبة لقصة حصان طروادة انظر"حصان طروادة: الحركة المدخلية في شمال أفريقيا"، جورج جوف، Journal of North African Studies 23, no. 5, (2018) 739–744.

68 للمزيد عن دوافع عملية الكرامة وماسبق الهجوم الذي قاده حفتر في مايو 2014 ، انظر" الشواطئ المشتعلة" ، فريدريك ويري، صفحة 187-205. وانظر ايضاً"معركة بنغازي"، فريدريك ويري، Atlantic، 28 فبراير،2014.
https://www.theatlantic.com/international/archive/2014/02/the-battle-for-benghazi/284102.

69 للاطلاع على مقابلة تعرض تهديدات حفتر بالاستيلاء على طرابلس في صيف 2014، انظر " الانحيازات في ليبيا" ، فريدريك ويري، نيويوك تايمز، 7 يوليو، 2014.
https://www.nytimes.com/2014/07/08/opinion/taking-sides-in-libya.html.

70 " الشواطئ المشتعلة"، فريدريك ويري، صفحة 191-205 .

71 مقابلة أجراها المؤلف مع ابن رجل دين مدخلي متوفي في بنغازي، ليبيا، مايو 2017. و "وداعاً للصمت: معركة السلفيين المدخليين في ليبيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية ودورهم في الصراع الفصائلي"، فريدريك ويري، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 13 أكتوبر 2016. , https://carnegie-mec.org/diwan/64846 و" السلفية وسقوط الدولة الليبية"، فريدريك ويري.

72 المصدر السابق.

73 "السلفية وسقوط الدولة الليبية"، فريدريك ويري ، صفحة 133.

74 بحسب أحد المتحدثين السلفيين " إن قوة الدعم الخاصة قامت بحماية السلفيين في سوق الجمعة و غنيوة (نسبة إلى عبد الغني الككلي قائد جماعة مسلحة قوية مركزها طرابلس) حمتهم في ابو سليم". من مقابلة أجراها المؤلف مع أحد المتحدثين السلفيين في منطقة أبو سليم، طرابلس، ليبيا، يونيو ونوفمبر2019.

75 مقابلة أجراها المؤلف مع متحدثين سلفيين مداخلة في طرابلس، ليبيا، يونيو و نوفمبر 2019.

76 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق بالأوقاف في مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

77 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين بالأوقاف في طرابلس و مصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019 ويناير 2020.

78 الفطماني على وجه الخصوص كانت له سمعة راسخة وإن كانت استقطابية كرئيس للواء 28 مايو في بني وليد وهو اللواء الذي ارتكب الكثير من الاعتداءات أثناء ثورة 2011 وتم إخراجه من البلدة في 2012 على يد السكان الموالين للقذافي. انظر" مقابلة – قائد ليبي يقول أن قواته تتجمع لأستعادة بني وليد"، رويترز، 28 يناير، 2012.https://www.reuters.com/article/oegtp-libya-walid-ah1-idARACAE80R02320120128وانظر ايضاُ " النخبة المحلية الليبية وسياسة بناء التحالفات"، ولفرام لاتشر، Mediterranean Politics, 21, no. 1 (2016): 74.،

79 أسس غويلة تحالفاً قوياً مع الغرياني ويرأس حالياً إدارة الوعي والإرشاد في مؤسسة تناصح التابعة للغرياني.

80 ومع ذلك فإن ما تردد هو أن مسئولي الأوقاف الجدد قد تركو الأئمة المداخلة في مناصبهم داخل مساجد مدينة طرابلس على الأقل في البداية. وبحسب أحد المتحدثين السلفيين " عندما استولت قوات فجر على العاصمة غادر كبار الأئمة السلفيين طرابلس متجهين إلى الجبال، ولكن فجر لم تستبدل وعاظ المساجد"، من مقابلة أجراها المؤلف مع متحدث سلفي مدخلي في طرابلس، ليبيا، في يونيو ونوفمبر 2019.

81 " عن عملية فجر ليبيا: تنظيم الدولة الإسلامية والزحف القادم من غرب ليبيا"، فريدريك ويري وعلاء الربابة، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مدونة ديوان، 24 يونيو، 2015.
https://carnegieendowment.org/2015/06/24/taking-on-operation-dawn-creeping-advance-of-islamic-state-in-western-libya/ib0e

82 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق بالأوقاف في طرابلس، ليبيا، نوفمبر2019. انظر أيضاً " وزير الأوقاف والشئون الإسلامية يقوم بزيارة للمنطقة الجنوبية لمتابعة سير عمل الوزارة"، وكالة الأنباء الليبية 4 أبريل، 2015.
https://lana-news.ly/art.php?id=73903.

83 بحسب اثنين من مسئولي الأوقاف السابقين المطلعين على الموضوع، في 2015 قام محمد حمزة وهو قائد قوي من قادة قوات الردع الخاصة بتوجيه التهديدات لأبوبكر بصراوي،نائب وزير الأوقاف، متهماً إياه بعضوية جماعة الإخوان مما دفع البصراوي للجوء إلى قائد قوة درع ليبيا المركزية ليصدر بدوره تهديدات مماثلة لحمزة.

84 لمشاهدة الفيديو على اليوتيوب انظر" بوابة الوسط: ما يجري في ليبيا من قتال جهاد في سبيل الله"، 11 أغسطس، 2014. وانظر ايضاً " علماء ليبيون يدحضون تقارير تربط بين عبد الباسط غويلة ومفجر مانشستر" ليبيا هيرالد، 6 يونيو، 2014.
https://www.youtube.com/watch?v=paT8BEQP-ow;
https://www.libyaherald.com/2017/06/06/libyan-scholars-blast-reports-linking-abdulbaset-ghwaila-with-manchester-bomber.

85 على عكس الكثير من الافتراضات فإن لواء عمر المختار لم ينضم أبداُ لمجلس شورى ثوار بنغازي وكان من مناهضي جماعة أنصار الشريعة والحقيقة أن قائده زياد بلام قد أصيب في ذراعه في كمين قاده أنصار الشريعة. من مقابلة أجراها المؤلف مع قادة الجماعات المسلحة المرتكزة في بنغازي، مصراتة، ليبيا، فبراير 2016.

86 " رجل الدين الكندي الليبي المرتبط بعملية تفجيرات مانشستر ينتوي الرجوع إلى كندا لتبرئة اسمه"، ليسا لافنتيور وإفان داير، هيئة الإذاعة الكندية، 4 يونيو، 2017.https://www.cbc.ca/news/politics/libyan-cleric-manchester-bomber-1.4143899.

87 مقابلة أجراها المؤلف مع باحث ليبي في الشئون الإسلامية في مصراتة، ليبيا، 2019، ومقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق بالأوقاف، طرابلس، ليبيا، يناير 2020. وقد نشرت وسائل التواصل الاجتماعي خبر وفاة ولده ونشرت الصورة التالية على فيسبوك، شبكة أخبار سرت، منشور على فيسبوك في 9 أبريل، 2015.
https://www.facebook.com/shabakasirt/photos/%D8%B3%D8%B1%D8%AA-%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B7%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%AF-%D8%B9%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%B3%D8%B1%D8%AA-%D9%88%D9%87%D9%88-%D8%A5%D8%A8%D9%86-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81-%D9%81%D9%8A-/443181309189059.

88 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول بالأوقاف، طرابلس ومصراتة، ليبيا، نوفمبر 2019.

89 للمزيد عن هذه النقاشات خاصة في مدينة مصراتة انظر" هل يصطلح من أ نهكتهم الحرب في ليبيا؟ رسالة من مصراتة"،فريدريك ويري، Foreign Affairs، 2 فبراير، 2015.
https://www.foreignaffairs.com/articles/north-africa/2015-02-02/libyas-war-weary-make-peace.

90 " أوقاف طرابلس تطالب الدعاة بالتحذير من خطر داعش"، أجواء، 19 مايو، 2016.http://www.ajwa.net/news/view.

91 تم رفع المقطع المصور من على الرابط التالي ليوتيوب https://www.youtube.com/watch?v=oqE3fDJx6aw. أنظر أيضاً "وداعاً للصمت"، فريدريك ويري.

92 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق بالأوقاف في طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

93 جاء هذا التعاون كبادرة بين مجموعة بوادر وحوارات قامت بها وزارة الأوقاف في طرابلس، اتضحت من خلالها قدراتها التفاوضية، في محاولة للتواصل مع الجماعات الموالية لحفتر. وشملت هذه المحاولات مسابقة تلاوة قرآن أقيمت في مدينة الزنتان وتنسيق زيارة عالم صوفي من الشرق. وقد ابتدر هذه المحاولات مسئول أوقاف مشرقي ينحدر من قبيلة فرجان وهي القبيلة التي ينتمي إليها حفتر. وبحسب مسئول سابق في الأوقاف " لم يستطع حفتر أن يؤذيه لأنه فرجاني". ومع ذلك ظل التنسيق محدوداً بسبب المعارضة الشديدة التي عبرت عنها الأصوات المتشددة في الأوقاف الشرقية. من مقابلة أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين في الأوقاف، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019 ويناير2020.

94 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق بالأوقاف في طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

95 انظر" السلفية وسقوط الدولة الليبية"، فريدريك ويري، صفحة 132.

96 "أوقاف طرابلس تمنع دعاة المداخلة من إلقاء الدروس بالمساجد"، ليبيا اوبزرفر، 24 نوفمبر2016.
https://www.libyaobserver.ly/news/tripoli-awqaf-madkhali-preachers-not-allowed-give-religious-speeches-mosques.

97 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول أوقاف سابق من غريان، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

98 المصدر السابق.

99 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولي أوقاف سابقين في طرابلس ومصراتة ،نوفمبر 2019.

100 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولي أوقاف سابقين في طرابلس ومصراتة ،نوفمبر 2019.

101 المصدر السابق.

102 أعتقل القاضي أيضاً لفترة قصيرة في أغسطس 2018 على يد إدارة التحقيقات العامة بطرابلس بزعم عدم سماحة للحجاج من كبار السن باصطحاب مرافقين. انظر" القبض على رئيس الأوقاف في طرابلس"، صفا الحاراثي، ليبيا أوبزرفر، 4 أغسطس،2018.
https://www.libyaobserver.ly/news/head-awqaf-authority-arrested-tripoli.

103 " فصائل طرابلس المسلحة تستولي على مجمع ريفالي بعد معارك طاحنة"، أحمد الأمامي، رويترز، 15 مارس، 2017.
https://www.reuters.com/article/us-libya-security-tripoli/tripoli-armed-factions-take-over-rivals-compound-in-heavy-fighting-idUSKBN16M1NY

104 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين بالأوقاف في طرابلس، ليبيا، يناير 2020.

105 المصدر السابق.

106 شقيق العباني، وهو رجل دين سلفي سجنه نظام القذافي لأكثر من عشر سنوات، من المقربين من قائد قوة الردع الخاصة، وقد وصفه مصدر ديني بأنه "مرجع ديني" أو "مفتي". وقد تحدث العباني نفسه عن إرسال رجال دين سلفيين للسجون التابعة لقوة الردع الخاصة لإعادة تأهيل المقاتلين المساجين فيها دينياً. من مقابلات أجراها المؤلف مع أتباع السلفية ومسئولي أوقاف سابقين، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019. للمزيد عن إعادة تأهيل المساجين على المذهب السلفي انظر" عندما جاء تنظيم الدولة الإسلامية إلى ليبيا"، فريدريك ويري، أتلانتك، 10 فبراير، 208.
https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/02/isis-libya-hiftar-al-qaeda-syria/552419.
وقد ذكر بعض المتحدثين إن الإقالة تمت بضغط من زعيم جماعة مسلحة أخرى في طرابلس وهوهيثم التاجوري الذي كان يرأس لواء ثوار طرابلس. من مقابلات أجراها المؤلف مع أتباع السلفية ومسئولين سابقين في الأوقاف، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

107 أشهر هؤلاء كان الداعية المدخلي المعروف مجدي حفالة. من مقابلات أجراها المؤلف مع متحدثين سلفيين في طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

108 "صعود المداخلة: من قلب الصراع الليبي من أجل السيطرة الدينية"، أليسون بارجتر Middle East Eye,، 19 مايو، 2020.
https://www.middleeasteye.net/news/libya-war-religion-struggle-madkhalists-rise-supremacy.

109 انظر" الشيخ عبد الرزاق البشتي مدير مكتب أوقاف الزاوية سابقا"، التناصح، 18 أبريل، 2020.
https://tanasuh.tv/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%.

110 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول أوقاف سابق من غريان، طرابلس، ليبيا، نوفمبر 2019.

111 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول في بلدية عفران، طرابلس، ليبيا، يناير 2020. جاء هذا على خلفية تصريح سابقة من هيئة الأوقاف الشرقية وصمت فيه أتباع المذهب الإباضي بالكفر. انظر" ليبيا: التحريض ضد أقلية دينية"، منظمة هيومن رايتس ووتش، 20 يوليو، 2017.
https://www.hrw.org/news/2017/07/20/libya-incitement-against-religious-minority.

112 انظر" الأقطاب والإعلام والمرتزقة: كيف تنتج النزاعات في ليبيا شبكات عابرة للدولة تمتد عبر إفريقيا والشرق الأوسط" ، ولفرام ليتشر،مشروع دراسي تابع لمشاريع دراسات العلوم السياسية في الشرق الأوسط، 40، إفريقيا والشرق الأوسط: ما وراء الانقسام، يونيو 2020.
https://pomeps.org/category/memos/africa-and-the-middle-east-beyond-the-divides.

113 > "حرب دار الإفتاء على الأوقاف ي ليبيا معركة سياسية بغطاء ديني"، الحبيب الأسود، العرب، 8 مايو، 2020.
https://alarab.app/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%AF%D8%A7%D8%B1-
و"خلاف الغرياني وأوقاف الوفاق.. "صراع على المنابر لأغراض سياسية"، سارة رشاد، المرجع، 12 مايو، 2020.
https://www.almarjie-paris.com/15133

114 "مذكرة للرد على الادعاءات السبع للغرياني والمدعو محمد أبو عجيلة ومن حذا حذوهم في تجنيهم للهيئة والعاملين بمكاتبها"، هيئة الأوقاف والشئون الإسلامية، 5 مايو 2020.

115 مقابلة هاتفية أجراها المؤلف مع مقيمين في شرق ليبيا، نوفمبر 2019.

116 ملاحظات ومحادثات المؤلف مع مقيمين وأعضاء في المجتمع البنغازي والبيضاوي مايو 2017.

117 "السلفية وانهيار الدولة الليبية"، ويري، صفحة 134.

118 >للمزيد عن ديناميكيات ماحدث انظر" الاستراتيجيات الجنوبية للفريق حفتر وعواقب حملة فزان" عماد الدين بادي،هيئة الشرق الأوسط، 7 مارس، 2019.
https://www.mei.edu/publications/general-hifters-southern-strategy-and-repercussions-fezzan-campaign.

119 مقابلات أجراها المؤلف مع شخصيات مدخلية في صب اته وطرابلس، ليبيا، يناير 2019. انظر ايضاُ "وزير وفريق وكتائب: التحول في موازين القوى في ليبيا"، فريدريك ويري، New York Review of Books، 3 مارس ، 2019.
https://www.nybooks.com/daily/2019/03/19/a-minister-a-general-militias-libyas-shifting-balance-of-power.

120 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولي أوقاف سابقين، طرابلس، ليبيا، يناير 2020.

121 المصدر السابق.

122 مقابلة أجراها المؤلف مع مسئول سابق بالأوقاف من غريان، طرابلس، ليبيا، يناير 2020.

123 للمزيد عن هذه الوحدة وموقفها وعلاقتها مع رجال الدين السعوديين التابعين لربيع بن هادي المدخلي في المدينة أنظر" السلفية وسقوط الدولة الليبية" فريدريك ويري، 23.

124 مقابلات أجراها المؤلف مع متحدثين ليبيين في طرابلس، ليبيا، نوفمبر2019.

125 أثار تضارب روايات العباني وأحد مساعدي المدخلي حول هذا الاجتماع الانشقاق داخل الوسط المدخلي وبحسب تقارير صحفية أعلن عباني أن المدخلي "لم يتذكر إصدار الفتوى"، وفي وقت لاحق اصدر نجل المدخلي بياناً يفند فيه أقوال والده. للاطلاع على ملخص للخلاف انظر" حرب دينية في ليبيا لاستمالة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي"، عبد السلام سكية، الشروق، 29 ديسمبر، 2019.
https://www.echoroukonline.com/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9.

126 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين بالأوقاف، طرابلس ليبيا، يناير 2020.

127 مقابلات أجراها المؤلف مع مسئولين سابقين بالأوقاف، طرابلس ليبيا، يناير 2020.

128 مقابلة أجراها المؤلف مع باحث إسلامي ليبي، مصراتة، ليبيا، يناير2020.

129 "ميلشيات السراج تقتحم مكاتب الأوقاف غربي ليبيا"، عبد الهادي ربيع ، العين الإخبارية، 5 مايو،2020.
https://al-ain.com/article/endowments-alkhums-zawia-terror.

130لقراءة المزيد عن هذا الجدل الليبي انظر" السلطة الإسلامية والدول العربية في زمن الجائحة"، فريدريك ويري، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 16 أبريل،2020.
https://carnegieendowment.org/2020/04/16/islamic-authority-and-arab-states-in-time-of-pandemic-pub-81563.

131 " من هم قادة ليبيا الجدد"، جلال حرشاوي، الشرق 21 ,” OrientXXI 20 فبراير، 2021.
https://orientxxi.info/magazine/who-are-libya-s-new-leaders,4539.

132 انظر بيان التجمع الوطني لعلماء ومشايخ ليبيا بشأن جائحة فيروس كورونا الذي أصدره في 22 مارس 2020 التجمع الوطني لعلماء ومشايخ ليبيا التابع للغرياني.
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=2513766025553692&id=1800486330215002.