استكملت الولايات المتحدة، في السنة الأولى من عهد إدارة بايدن، السياسة التي انتهجتها الإدارتان الأميركيتان السابقتان وقوامها خفض الالتزامات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. فاستبدلت الأهداف الطموحة التي سعت إليها في الماضي، مثل إحداث تحوّل في المنطقة ونشر الديمقراطية فيها، بأولوية متواضعة أكثر هي ضمان الاستقرار الإقليمي، كي لا تنزلق الولايات المتحدة من جديد في مستنقع نزاعات الشرق الأوسط.

إضافةً إلى أولوية تحقيق الاستقرار الإقليمي، ركّزت إدارة بايدن على هدفَين محدّدَين: أولًا، هي تسعى إلى إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، أي الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، إضافةً إلى ألمانيا، كوسيلة لتجنّب سباق تسلّح في المنطقة. وثانيًا، تواصل واشنطن التركيز على مكافحة الإرهاب، ولا سيما الأعمال الإرهابية التي من شأنها تهديد الأراضي الأميركية.

لكن المشكلة الأساسية هي أن الإدارة الأميركية ماضيةٌ في تنفيذ كلٍّ من هذه الأهداف من دون احتساب أثرها على بعضها بعضًا. فالتحديات التي تواجهها واشنطن في المنطقة مترابطة بشكل وثيق، إلا أن سياساتها ليست كذلك. لذا، قد تتسبّب التدابير التي تتّخذها لتحقيق مجموعة معيّنة من الأهداف بانعكاسات من شأنها عرقلة أهدافها الأخرى، ما يُسهم في تقويض استراتيجية واشنطن. لذا، على الإدارة الأميركية اعتماد مسارات في السياسة العامة تعمل على معالجة التحديات الإقليمية على نحوٍ أكثر تماسكًا، وإلا ثمة خطرٌ بألا تفضي الخطوات الأميركية إلى تعزيز الاستقرار والأمن، بل إلى سيناريو معاكس تمامًا.

إرساء الاستقرار في المنطقة

ثمة تناقضات بين الهدف الأميركي الأساسي المتمثّل بإنشاء بيئة إقليمية مستقرة، بالتزامن مع تقليص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. ففي ضوء تفكّك النظام الذي فرضه السلام الأميركي (أو ما يُعرَف بـPax Americana) الذي ساد بعد الحرب الباردة في المنطقة، لم تُطلق واشنطن أي مسار يرمي إلى ملء الفراغ الذي تخلّفه وراءها.

نتيجةً لذلك، تبنّت دول المنطقة تعريفًا أوسع لأمنها القومي ونفوذها، وذلك من خلال التدخّل في تحديد النتائج العسكرية والسياسية في بلدان أخرى يقع بعضها على مسافة جغرافية بعيدة منها. وأصبحت المنطقة، نتيجة هذه التدخلات، أقل تماسكًا وأكثر تشرذمًا، ولا تزال آفاق تحقيق الاستقرار فيها بعيدة المنال.

على سبيل المثال، باتت الإمارات العربية المتحدة، التي كانت في السابق لاعبًا إقليميًا صغيرًا نسبيًا، تضطلع بنفوذ في مختلف أنحاء القرن الأفريقي، وفي اليمن وتونس وليبيا والسودان وحتى مصر. أما تركيا التي كانت تتطلّع للانضمام إلى أوروبا قبل عقدٍ من الزمن، فتنشط راهنًا في شرق المتوسط وشمال أفريقيا والصومال وسورية والعراق وقطر. ولعلّ المسألة الأهم هي أن إيران تواصل استغلال التصدعات التي تعتري الكثير من المجتمعات العربية لتوسيع نفوذها الإقليمي. قد تكون مظاهر استعراض النفوذ هذه أمرًا طبيعيًا، ولكن إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى إرساء استقرار حقيقي، فينبغي عليها أن تُقرِن استراتيجية فك الارتباط مع اتخاذ جملةٍ من التدابير الأمنية، إضافةً إلى ترتيبات أخرى يجري التوصل إليها عن طريق التفاوض بين دول الشرق الأوسط، كي ترسم بذلك معالم المرحلة المقبلة.

يُعبّر الصراع العربي-الإسرائيلي خير تعبير عن تعقيدات المشهد الإقليمي. لقد اتّخذت دول عربية عدة وإسرائيل خطوات عدة لتعزيز التفاهم في ما بينهما، أبرزها اتفاقات أبراهام التي أيّدتها إدارة بايدن، لكن هذه الإجراءات ليست كفيلة بتحقيق الاستقرار. فأحد دوافع إبرام هذه الاتفاقات كان بناء تحالفات ضد إيران، ما قد يسهّل إطلاق عملات عسكرية في المستقبل. علاوةً على ذلك، أسقطت هذه الاتفاقات مبدأ الأرض مقابل السلام الذي كان في ما مضى محوريًا في المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيما واصلت إسرائيل بناء المستوطنات في الضفة الغربية وحول القدس، ما يقوّض إمكانية التوصل إلى تسوية للصراع ويجعل حل الدولتين مجرّد أضغاث أحلام.

وعلى مستوى العلاقات بين القوى العظمى، فالفراغ الأمني الذي يخلّفه الأميركيون في الشرق الأوسط سمح للصين وروسيا، الخصمَين الأساسيين للولايات المتحدة على الساحة العالمية، بتحقيق مكاسب عدة. قد لا يبقى هذا التطور بالضرورة من العوامل المُخلّة بالاستقرار في المدى الطويل - إذ إن الترتيبات بين القوى العظمى قد تؤدّي في نهاية المطاف إلى التخفيف من حدّة التشنجات في المنطقة – لكن في الوقت الراهن، غالب الظن أنه سيحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة، ولا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022. تُعوّل روسيا، منذ العام 2015، على تردّد الولايات المتحدة في التدخل في النزاع السوري، وقد حصدت نتائج دبلوماسية وعسكرية مهمّة بكلفة منخفضة نسبيًا. ووسّعت موسكو أيضًا امتدادها في مختلف أنحاء العالم العربي، حتى إنها بنت علاقات وثيقة مع شركاء الولايات المتحدة المخضرمين، وقلّصت خسائرها عبر الاستعانة بمرتزقة مقرّبين من الدولة الروسية لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والأمنية.

في غضون ذلك، واصلت الصين ترسيخ روابطها الاقتصادية والدبلوماسية مع بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، موسّعةً شراكاتها الاقتصادية والتجارية، وكذلك مبادراتها في قطاعات البنى التحتية والمال والتكنولوجيا والطاقة. وأطلقت أيضًا منتديات دبلوماسية متعددة الأطراف، منها منتدى التعاون الصيني-العربي، ووقّعت اتفاقات عدة مع مصر وإيران والسعودية، حتى إنها قرّرت مساعدة المملكة في العمل على إنتاج صواريخ بالستية. ترى بلدان الشرق الأوسط في روابطها مع الصين وسيلةً لتنويع آفاق تعاملها مع القوى العالمية، أو التملّص تمامًا من التعاطي مع الولايات المتحدة. ولكن، قد يظهر ذلك لواشنطن مساوئ خفض وجودها العسكري في الشرق الأوسط، نظرًا إلى أن المنطقة قد تتحوّل قريبًا إلى ساحة مواجهة في إطار التنافس الأميركي-الصيني.

يُعتبر تجاهل قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان أحد العيوب البارزة التي تشوب عملية خفض الالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط. صحيحٌ أن هذه المسائل لم تكن مطلقًا في رأس قائمة الأولويات التي تتوخّاها واشنطن في المنطقة، لكن الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان شكّل جانبًا أساسيًا من جوانب الهوية الأميركية، ويعتبره المسؤولون الأميركيون ضروريًّا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

لقد تراجعت قدرة واشنطن على الدفع نحو التغيير الديمقراطي، في ظل التغليب الدائم للمصالح على القيم. فعلى سبيل المثال، عبّرت واشنطن عن هواجسها بشأن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان، إلا أنهاوافقت في كانون الثاني/يناير على صفقة كبرى لبيعها أسلحة بقيمة 2.5 مليار دولار أميركي. وقد أتاح هذا السلوك هامشًا أكبر أمام دول عدة للانخراط في أنشطة مناهضة للديمقراطية وتجاهل حقوق الإنسان. وتبدّى ذلك بأوضح صوره خلال الانتفاضات العربية، إذ رأت معظم النخب السياسية والقوات المسلحة الإقليمية في التظاهرات الحاشدة في العامَين 2010 و2011 تهديدًا وجوديًا. وتجلّى ذلك من خلال تقويضها لعمليات الانتقال الديمقراطي في مختلف أنحاء المنطقة، ولا سيما في تونس والسودان، إنما أيضًا من خلال تشديد القيود المفروضة على المجتمع المدني وحرية التعبير.

ونتيجةً لذلك، تحوّلت قيمٌ غالبًا ما اعتبرتها الولايات المتحدة مهمّة، مثل وضع حدٍّ لحالة الإفلات من العقاب عن الجرائم المُرتكَبة، إلى مجرّد كلام فارغ في نظر المنطقة. مع ذلك، يبقى التغاضي عن الجرائم التي يُفلت مرتكبوها من العقاب محفّزًا أساسيًا للتململ الاجتماعي والشعور بالسخط. وينطبق ذلك بصورة خاصة في سورية حيث ارتكب نظام بشار الأسد جرائم مروّعة خلال النزاع الدائر في البلاد، ما تسبّب بموجة لجوء كبيرة. وفيما بدأت دول عربية حليفة للولايات المتحدة تطبيع علاقاتها مع النظام السوري، بموافقة ضمنية من واشنطن، يبدو أن ما من اكتراث فعلي بمحاكمة المسؤولين السوريين. ويغيب أيضًا الزخم اللازم لتسوية أزمة اللاجئين، التي سيحاول النظام السوري استغلالها ليفرض على الدول المجاورة التي تستضيف أعدادًا كبيرة منهم تطبيع علاقاتها معه. ولكن هذا الانخراط مع سورية يقوّض الجهود الأميركية الرامية إلى استخدام ورقة الضغوط الاقتصادية لانتزاع تنازلات من نظام الأسد. ففي ظل غياب العدالة الانتقالية، ما من رادع فعلي يثني القادة في مختلف أنحاء المنطقة عن ارتكاب جرائم ضد شعوبهم أو شعوب أخرى، ما يفاقم هشاشة الوضع ككُل.

الاتفاق النووي المتقطّع مع إيران

لم تسفر المفاوضات التي تستضيفها فيينا لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة عن أي نتائج حتى الآن. وفي غضون ذلك، تواجه الولايات المتحدة تحدّيًا مزدوجًا يتمثّل في فتح حوارٍ مع إيران من جهة واحتوائها من جهة أخرى. في الوقت الراهن، ليس واضحًا بعد ما إذا كانت طهران ستلتزم من جديد بالشروط التي فرضها الاتفاق. وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق واقتربت إيران من مرحلة تصنيع سلاحٍ نووي، ستسعى الدول المحيطة بها على الأرجح إلى تطوير برامجها النووية الخاصة، وقد تزداد احتمالات تنفيذ إسرائيل هجومًا على المنشآت النووية الإيرانية. وغالب الظن أن يؤدّي ذلك إلى تداعيات كارثية تلقي بظلالها على المنطقة، وهذا تحديدًا ما تسعى واشنطن إلى تجنّبه من خلال استئناف العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة.

لكن هل السيناريو المعاكس صحيحٌ؟ بعبارة أخرى، هل سيتحقق الاستقرار إذا استؤنِف العمل بالاتفاق النووي، أو حتى إذا تم التوصل إلى اتفاقٍ أقل طموحًا ينصّ على تعليق إيران تخصيب اليورانيوم مقابل إعفائها من بعض العقوبات؟ كلّا، على الأرجح. فغالب الظن أن تخفيف العقوبات سيُدرّ تمويلًا إضافيًا لحلفاء إيران وأذرعها في المنطقة، وتحديدًا في لبنان واليمن والعراق وسورية. تعتبر دول عربية كثيرة، وتحديدًا دول الخليج، أن الأنشطة التي تضطلع بها هذه المجموعات مُخلّة بالاستقرار إلى حدٍّ كبير، وقد تستدعي من هذه الحكومات ردودًا تسهم بدورها أيضًا في زعزعة الاستقرار.

على سبيل المثال، إذا حصل حزب الله على دعم مالي أكبر من إيران فسيتمكّن من توسيع نفوذه في لبنان من خلال استغلال الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وتعزيز شبكات الدعم والحماية الاجتماعية التابعة له، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية. وقد يتيح ذلك لإيران أيضًا الاستمرار في تسليح حزب الله تحسّبًا لاندلاع نزاع مُحتمل مع إسرائيل. تدرك الولايات المتحدة هذه المخاطر جيدًا، وقد تعاونت مع بلدان أخرى لتجنّب أن يكون انهيار لبنان مطيّةً تحصل إيران من خلالها على فرصٍ إضافية لترسيخ نفوذها في البلاد. وخير مثال على ذلك القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة العام الماضي بالسماح لمصر بتزويد لبنان بالغاز الطبيعي عن طريق الأردن وسورية لتوليد الطاقة الكهربائية، على الرغم من أن هذا الإجراء اقتضى استنباط طرقٍ للالتفاف على القانون الأميركي الذي يفرض عقوبات على النظام السوري. ففي ضوء الأضرار الفادحة التي تكبّدها الاقتصاد اللبناني بسبب أزمة الكهرباء، رأت واشنطن أن هذا الاستثناء كان ضروريًا.

وعلى نحو مماثل، إذا حصلت حركة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، على تمويل إضافي من إيران، فسيطول على الأرجح أمد النزاع اليمني، ما يطرح تهديدات متزايدة على الأمن القومي السعودي. يُضاف إلى ذلك أن سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل الغربي اليمني سمحت لهم بتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر، ولا سيما بالقرب من مضيق باب المندب الاستراتيجي.

وينطبق ذلك أيضًا على العراق وسورية. ففي العراق، إذا حصلت المجموعات شبه العسكرية الشيعية في الغالب على تمويل إيراني إضافي، فستواصل تقويض أركان الدولة العراقية ومحاولات بناء دولة موحّدة وذات سيادة قادرة على ضبط حدودها وتحقيق المصالحة الداخلية. وقد يؤدي ذلك إلى تدهور العلاقات بشكل أكبر بين السنة والشيعة في البلاد، على وقع مساعي تنظيم الدولة الإسلامية إلى إحياء شبكاته، ولا سيما في بعض المناطق العراقية ذات الغالبية السنية.

وفي سورية كذلك، ساعد النفوذ الإيراني (والروسي أيضًا) الأسد على عرقلة خطة صاغتها منظمة الأمم المتحدة للبلاد. غياب التسوية السياسية يطيل أمد نزوح ملايين اللاجئين السوريين العالقين في الدول المجاورة، ويزيد وطأة التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تثقل كاهلهم. إذًا، قد يبقى هؤلاء اللاجئون في المنفى إلى أجل غير مسمى ما لم يتم اجتراح حل سياسي يضمن عودتهم الآمنة إلى وطنهم.

وتكمن المفارقة في أن التوصّل إلى اتفاق يرمي إلى تجنّب حدوث سباق تسلّح في المنطقة، وبالتالي إلى توطيد الاستقرار الإقليمي، قد يؤدي في الواقع إلى قدر أقل من الاستقرار، وبالتالي إلى زيادة عمليات شراء الأسلحة. فما يتجاهله صناع السياسات الأميركيون هو أن إيران، بعد عقود من المواجهة مع الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية، باتت تضع نُصب أعينها هدفًا أساسيًا هو الحفاظ على بقاء نظامها القائم وعلى ديمومة منظومتها السياسية والاجتماعية. ولضمان ذلك، ترى طهران أن عليها الحفاظ على النفوذ الذي اكتسبته في عددٍ من الدول العربية.

إبعاد شبح التطرّف

أخيرًا وليس آخرًا، لا تزال مكافحة الإرهاب في صُلب الأولويات الأميركية في الشرق الأوسط. لكن إذا اكتفت إدارة بايدن بتناول هذه المشكلة من زاوية أمنية وحسب، فستكرّر بذلك أخطاء الإدارات السابقة. واقع الحال أن صنّاع السياسات لطالما استخفّوا بقدرة المجموعات المتطرفة على استغلال مشاعر الإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي والاقتصادي. وحين تتناول الولايات المتحدة مسألة الإرهاب بمعزل عن الديناميكيات الإقليمية – وهو أمرٌ مبرَّر على الأرجح نظرًا إلى الجرائم المريعة التي تنفذّها التنظيمات المتطرفة - فهي تركّز على تجلّيات العنف، وليس على الأسباب الكامنة التي تدفع كثيرين نحو التطرّف. وللأسف، تتعدّد العوامل التي ستؤدي في بعض الحالات إلى حشد المجموعات المتطرفة العنيفة دعمًا شعبيًا متناميًا، وأبرزها مشاعر السخط الاجتماعي الناجمة عن التوترات والصراعات الإقليمية المتواصلة، وفقدان ثقة الشعوب في قادتهم السياسيين وفي مؤسسات الدولة، وتسييس الانتماءات الطائفية، والتفاوت الكبير في الدخل، والتأخّر الفادح على مستوى التنمية، وتفاقم تبعات التغير المناخي، وغيرها.

إذًا، من غير المجدي الاكتفاء بمكافحة الإرهاب من دون السعي إلى اجتراح حلول طويلة الأجل، ذاك أن إلحاق الهزيمة بالمتطرفين، ليظهروا من جديد بعد انتهاء العمليات العسكرية، غير مجد. فبعد أن يُمنى تنظيم متطرف ما بالهزيمة، ينبغي التركيز على تكثيف البرامج التي تُساعد على إرساء الاستقرار في المرحلة اللاحقة، وذلك عبر اتّخاذ خطوات عدّة أبرزها: تحسين الحوكمة، وإطلاق عمليات إعادة إعمار عادلة ومنصفة، وإعادة دمج السكان الذين عاشوا تحت نير هذه الجماعات في دولهم عبر توفير فرص مناسبة لهم. قد لا تكون الولايات المتحدة مستعدة للقيام بذلك في الوقت الراهن، لكن استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب ستتضرّر نتيجة تقاعسها عن ذلك.

مسارات سياسية يمكن تطبيقها

ما المسارات المتاحة للخروج من متاهة التناقضات التي تنطوي عليها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط؟ تقتضي الخطوة الأولى والأساسية مراجعة السياسات العامة لضمان أن تكون متناسقة مع بعضها البعض. يُشار في هذا الصدد إلى أن الولايات المتحدة تمتلك جميع آليات صنع السياسات، لكن عملية صنع القرار في الشرق الأوسط تفتقر إلى التماسك. لكن، نظرًا إلى تشابك أبرز قضايا المنطقة بعضها ببعض، لا يمكن للإدارة الأميركية معالجة قضية واحدة بمعزل عن الأخرى.

لذا، يجب أن ترتكز هذه المقاربة المتكاملة على رُكنَين أساسيَين: أولًا، فيما تحوّل الولايات المتحدة نطاق اهتمامها العالمي نحو التنافس مع الصين، عليها العمل على ملء الفراغ الذي تخلّفه في الشرق الأوسط. وثانيًا، يجب أن تنكبّ واشنطن على معالجة النزاعات القديمة، من خلال اجتراح أفكار جديدة ربما، كي لا تقوّض هذه القضايا الشائكة الأولويات الأميركية في المنطقة.

ويقتضي المسار الأول أن تعمل الولايات المتحدة مع حلفائها وخصومها على السواء من أجل وضع الأسس التي تُبنى عليها منظومة أمنية إقليمية تسهم في تعزيز آفاق التنمية في المنطقة. لا شكّ أن النظام القديم قد اندثر وثمة نظام جديد قيد التشكُّل. وعلى الرغم من الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فإن جميع هذه الأطراف تُجمع على ضرورة ضمان الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وينطبق هذا الأمر أيضًا على دول عدّة في المنطقة أضنتها الحرب وأنهكتها، ولا سيما أن النزاعات في سورية واليمن وليبيا باتت عالقة في حالة من الجمود والمراوحة.

أما على المستوى الأمني، على الولايات المتحدة أن تضع في صُلب أولوياتها تيسير عملية اتّخاذ موقف إقليمي جماعي حول إيران، يُشكّل خطوة أولى على طريق معالجة التداعيات السلبية الناجمة عن سلوك طهران في المنطقة. ويمكن لواشنطن تحقيق ذلك فيما تعمل على خفض وجودها العسكري في المنطقة، من خلال إعادة هيكلة مساعدتها الأمنية لتتماشى مع هذا الهدف. وحتى لو رفضت إيران المشاركة في مسعى كهذا، وهذا شبه مؤكّد (نظرًا إلى دور واشنطن)، يمكن للإدارة تشجيع الدول العربية على صياغة ردٍّ مُوحّد على الخطوات الإيرانية المُخلّة بالاستقرار. وإن حدث ذلك في سياق اتفاق بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، فقد يحقّق هذا المسعى عملية إعادة دمج إيران في المنطقة، ويفضي إلى تبنّي موقف موحّد إزاء الأنشطة الإيرانية، ما يسمح بفتح نقاش أوسع حول الترتيبات الأمنية الإقليمية، ربما بالتعاون مع الصين وحتى روسيا.

ويجب أن تترافق أي منظومة أمنية إقليمية مع التوصل إلى اتفاق بشأن سورية. وفي وسع واشنطن التعاون مع دول أخرى من مجموعة الدول الخمس زائد ألمانيا، لوضع شروط واضحة حول مسألة تطبيع العلاقات مع نظام الأسد. من المستحسن اعتماد هذا الإطار لأنه متّبع أيضًا في المفاوضات بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو ينطوي على طمأنة الدول الكثيرة التي تمتلك مصالح في سورية. فإن لم يتم إطلاق عملية سياسية يُعتدّ بها، ستبقى المشاكل الناجمة عن الصراع السوري تراوح مكانها من دون حل، وعلى رأسها مصير ملايين اللاجئين السوريين.

بالإمكان ربط ذلك بإنشاء إطار تعاون متعدّد الأطراف، ينكبّ على معالجة قضايا التنمية الإقليمية. فالتركيز على التحديات الأمنية يغفل التهديدات غير التقليدية المُحدقة بأمن المجتمعات مثل التغيّر المناخي وتدهور الأوضاع الاجتماعية السياسية بوتيرة متسارعة. ففيما يؤدي الانفلات الأمني إلى تداعيات جمّة على التنمية والتطور، تكون التهديدات الأمنية في الكثير من الأحيان نابعة من جذور اجتماعية سياسية، على غرار التنافس على الموارد الطبيعية، والتفاوت الاجتماعي الاقتصادي، والإقصاء السياسي والاقتصادي، والكوارث الطبيعية، وما إلى ذلك. ويمكن لمقاربة التعاون الإقليمي، إذا تم تبنّيها برعاية منظمة الأمم المتحدة والولايات المتحدة، أن تتناول مسائل مختلفة مثل التجارة والنقل والموارد المائية المشتركة والتغيّر المناخي، وأن ترافق عملية التحوّل نحو اقتصادات أقل اعتمادًا على المواد الهيدروكربونية، معوّلةً على المواهب والثروات التي تزخر فيها المنطقة.

أما المسار الثاني من المساعي الأميركية فيمكن أن يستند إلى جولات الحوار الإقليمي الراهنة من أجل تعزيز المبادرات التي ترعاها دول المنطقة. ففيما تتابع مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة مسارها الطبيعي، على واشنطن أن تدعم مثلًا المفاوضات السعودية-الإيرانية المتواصلة. فالرياض وطهران منخرطتان في جولة محادثات جديدة يرعاها العراق، ويمكن للولايات المتحدة العمل على تقوية الموقف السعودي وضمان التوصّل إلى نتيجة من شأنها إرساء الاستقرار في المناطق التي تُعتبر ساحات مواجهة إقليمية، مثل اليمن ولبنان والعراق وسورية. وهكذا، ستنجح واشنطن في تهدئة مخاوف الكثير من العرب من خلال طمأنتهم بأن إعادة إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة لن يأتي على حساب تقويض مصالح الدول العربية.

ويمكن أن ينطوي المسار الثالث من الجهود الأميركية على بلورة أفكار جديدة للمساعدة في حل النزاعات القديمة والمتمادية. فلأنها عالقة في دوامة التكرار، قد يُخيَّل للبعض أن هذه الصراعات يمكن احتواؤها بسهولة. هذا صحيحٌ، لكن إلى حدٍّ ما. والمثال الأبرز على هذه النزاعات المديدة التي لا تزال تُحدث ارتدادات إقليمية هو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي أنتج دولة قائمة على نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) تسمح بانتهاك حقوق الفلسطينيين على نحو سافر، ما يؤدي إلى تداعيات إقليمية لأنه يسهم في تعميق الخصومات بين دول المنطقة. وقد يطرح ذلك تهديدات أمنية في حال عمدت دول مثل إيران على تزويد المجموعات المحاربة بأسلحة أكثر تطوّرًا. لذا، يتعيّن على واشنطن تبنّي رؤية جديدة لحلّ هذا الصراع، بعيدًا عن اتفاقيات أوسلو، وذلك من خلال اعتماد نهج قائم على ضمان حقوق الشعب الفلسطيني التي لا يمكن التنازل عنها. ويجب الإقرار بأن تحقيق الاستقرار الإقليمي لا يقتصر على إدارة التشنّجات التي تطرأ فحسب، بل يتطلّب ذلك استباق التداعيات التي قد تنجم عن نزاعات تاريخية قديمة ما زالت معلّقة من دون حل حتى يومنا هذا.

خاتمة

على الرغم من التحديات العالمية والأولويات المتزاحمة التي تواجهها الولايات المتحدة، تبرز الحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، إلى التزام سياسي أميركي أكثر تماسكًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمواصلة السعي خلف أهداف متضاربة سيؤدي حتمًا إلى السيناريوات نفسها التي تحاول واشنطن تجنّبها. في غضون ذلك، بدأت الدول المتنازعة في المنطقة بملء الفراغ الذي تخلّفه الولايات المتحدة. لكن الأحداث التي ستنجم عن ذلك قد تدفعها للعودة مجدّدًا إلى منطقةٍ يشعر الأميركيون بأنها استنزفت قدرًا مُفرطًا من طاقتهم.