مقدّمة

فتح الأردن في آب/أغسطس 2021 كوّةً في جدار العزلة السياسية والاقتصادية التي تعيشها سورية من خلال إعادة الانخراط مع النظام السوري على أعلى المستويات. وشكّلت هذه الخطوة نقطة تحوّل، ليس في سياق النزاع السوري فحسب، بل أيضًا في إطار العلاقات التي تجمع دمشق بعمّان، والتي شهدت الكثير من الانعطافات والتقلّبات منذ نشأة الدولتَين الحديثتَين في سورية والأردن قبل مئة عام. صحيحٌ أن المصالحة بين الجانبَين لم تتحوّل إلى تطبيع كامل للعلاقات بينهما، إلا أنها قد تشكّل خطوة على مسار تحقيق هذا الهدف. لكن ما يختلف بشكل كبير عن مراحل التقارب السابقة هو أن هياكل الحكم في سورية التي مزّقتها الحرب أصبحت أكثر ضعفًا بكثير، وتلقّى اقتصادها ضربات موجعة للغاية، فيما لا تزال البلاد ترزح تحت وطأة العقوبات الدولية والصراع الداخلي، ناهيك عن استمرار التدخّل الخارجي في شؤونها.

أرميناك توكماجيان
أرميناك توكماجيان باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.
More >

أما الأسباب التي دفعت الأردن للانفتاح مجدّدًا على سورية فتتراوح من الاعتبارات الأمنية والديموغرافية إلى المكاسب الاقتصادية المُحتملة. ويبدو مُلفتًا أن خطوة الأردن أتت في سياق من السياسات الأميركية الأكثر مرونة نسبيًا تجاه سورية، وفي ظل مؤشّرات على أن واشنطن ترغب في تخفيف انخراطها في الشرق الأوسط. وقد أثار قرار الأردن جدلًا في أوساط مراقبي الشأن السوري حول ما إذا ستستفيد عمّان من انفتاحها على نظام محاصر ومنبوذ من معظم دول العالم. وسيستمر هذا السجال لبعض الوقت، إذ من غير الواضح بعد ما ستؤول إليه الأمور. لكن الأكيد، وما أوضحه المسؤولون الأردنيون مرارًا وتكرارًا هو أن الوضع السابق لم يكن يصبّ في صالح الأردن.

يُعتبر العامل الاقتصادي من بين العوامل الرئيسة التي دفعت الأردن إلى إعادة الانخراط مع سورية. فقد كانت سورية مهمة للاقتصاد الأردني طيلة القرن السابق الذي أعقب نشأة الدولتَين بشكلهما الحديث في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وثمة تشبيه شائع لوصف العلاقة بين الجانبَين ومفاده أن "سورية بمثابة رئتَي الأردن". كان هذا صحيحًا إلى حدٍّ ما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكن من غير الواضح ما إذا سيعود هذا الوضع إلى سابق عهده. فسورية دولة مزّقتها الحرب وجُرِّدت من قطاع صناعي كان قويًا في الماضي، ولم تعد تؤمّن عبورًا آمنًا ومنخفض الكلفة إلى البحر الأبيض المتوسط أو حتى إلى الأردن بحد ذاته. فعلامة "صُنع في سورية" التي كانت سابقًا مرادفًا للسلع والمواد الغذائية المنخفضة الثمن والعالية الجودة نسبيًا، بدءًا من الفاكهة والخضروات ووصولًا إلى الألبسة والأحذية، باتت اليوم مرتبطة أكثر بإنتاج وتصدير الكبتاغون وغيره من المواد المخدّرة غير المشروعة.

أهون الشرور

لدى الأردن أسباب مُقنعة كثيرة تدفعه إلى تحقيق تقارب حذر، ولو جزئي، مع نظام بشار الأسد في سورية، أبرزها شعوره بأنه لن يكسب شيئًا من مشاركته المتواصلة في المساعي التي يقودها الغرب لعزل جارته الشمالية. ومع أن الأردنيين يدركون جيدًا أن إصلاح العلاقات مع سورية لن يشكّل حلًّا سحريًا لمشاكل بلادهم الكثيرة، ترسّخت قناعة لدى كثيرين في أوساط الطبقة السياسية الأردنية بأن إعادة إحياء العلاقات مع دمشق ستفضي إلى نتائج إيجابية إلى حدّ كبير، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي.

واقع الحال أن الأردن انضمّ إلى المعسكر المناهض للأسد على مضض، وكان متخوّفًا من عواقب هذه الخطوة. وخير دليل على ذلك أن عمّان لم تعمد إلى قطع علاقاتها نهائيًا مع دمشق. ففي صيف العام 2011، طُلب من الأردن تبنّي موقف أكثر حزمًا تجاه نظام الأسد، وأتت هذه الضغوط من داخل المملكة ومن خارجها. ففي الداخل، كان جزء من المعارضة السياسية يطالب بتغيير السياسة المُعتمدة ردًّا على حملة القمع العنيفة التي شنّها النظام السوري على المتظاهرين. وفي الخارج، قامت الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، اللذان أصبحا ينتقدان الأسد بشدّة، بالأمر نفسه. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، صرّح العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لقناة بي بي سي قائلًا إن الأسد إذا كان حريصًا على مصلحة بلاده، "فعليه التنحّي". ربما يكون هذا التصريح للعاهل الأردني قد أرضى بعض حلفائه ومنتقديه المحليين، لكنه لم يجعل خياراته المتعلقة بسورية أسهل.

وفي العام 2014، فيما كانت سورية تغرق أكثر فأكثر في مستنقع الحرب الأهلية، اعتبر الأردن أن النزاع السوري قد يفضي إلى عدد من النتائج المحتملة التي تنطوي جميعها على إشكاليات بدرجات متفاوتة. وبرز من بينها سيناريوان بدا أنهما يشكّلان تهديدًا أكبر: الاحتمال الأول هو وجود نظام معادٍ في دمشق من شأنه أن يُلحق الضرر بالأردن؛ والاحتمال الثاني هو حلول مرحلة غير مستقرة ما بعد الأسد في سورية في ظل حكم القوى الإسلامية التي سيطرت على المعارضة المسلحة في العام 2013. وفي هذا السياق، وعلى حدّ قول أحد المراقبين، "غيّر العام 2014 قواعد اللعبة بالنسبة إلى السياسة الأمنية الأردنية".1 فقد شهد ذلك العام صعود تنظيم الدولة الإسلامية في سورية، وباتت مواجهته وتطويقه إحدى أولويات الأردن، بدلًا من السعي إلى تغيير النظام. إذًا، في العام 2014 (إن لم يكن قبل ذلك)، بدأت عمّان تعتبر أن بقاء النظام السوري هو على الأرجح أهون الشرور.

وسرعان ما أصبح سيناريو بقاء النظام أكثر ترجيحًا نتيجة التدخّل الروسي في النزاع بدءًا من أواخر العام 2015 تقريبًا. فقد قدّمت موسكو دعمًا عسكريًا للأسد، واستولت قواته على معاقل المعارضة واحدًا تلو الآخر بين العامَين 2016 و2018، بما في ذلك درعا الواقعة على الحدود السورية الأردنية والخاضعة آنذاك إلى سيطرة الثوار، وتضمّ المعبر الحدودي الأهم بين البلدَين. وبحلول العام 2018، أصبح احتمال بقاء الأسد في السلطة شبه مؤكد. ولم تجد عمّان نفسها مجاورة لنظام ساخط وحسب، بل أيضًا لحلفائه روسيا وإيران وحزب الله، وبات عليها التعامل مع التحديات الناجمة عن ذلك.

وفي مواجهة هذا الواقع الجديد، أبدى الأردن رغبة في بناء علاقات أفضل مع جارته الشمالية، وحرص في الوقت نفسه على عدم إثارة حفيظة حلفائه الأساسيين، ولا سيما الولايات المتحدة التي بقيت معادية للأسد بشدّة. ولعلّ المؤشّر الأبرز على رغبة الأردن في تحسين علاقاته مع سورية كان قراره بفتح معبر درعا الحدودي بعد أن استعاد النظام السيطرة على المنطقة من أيدي الثوار في آب/أغسطس 2018. وبدءًا من أواخر ذلك العام، شهدت المناطق الحدودية الأردنية فورة اقتصادية، إلا أن ذلك لم يَدم طويلًا لأسباب عدّة. فقد أصبحت السلطات الأردنية أقل تسامحًا مع التجارة الصغيرة النطاق التي انطوت على جانب غير رسمي. علاوةً على ذلك، مارست الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على سورية بموجب قانون قيصر، ضغوطًا على عمّان لثنيها عن الانخراط في أنشطة اقتصادية مع دمشق. وشدّدت واشنطن على ضرورة التزام حلفائها بنظام العقوبات، ولا سيما الدول التي تتلقّى منها مساعدات اقتصادية كبيرة مثل الأردن. وقد امتثلت عمّان لذلك، حتى أصبحت الفرصة سانحة أمامها للمناورة بعد فترة قصيرة، أي عندما انتُخب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة.

أكّد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في تصريح أدلى به في آذار/مارس 2021 أن الأولوية القصوى لسياسة بلاده الخارجية هي الصين، ولم يأتِ على ذكر الشرق الأوسط سوى مرتَين: المرة الأولى في سياق حديثه عن خطط الولايات المتحدة لتنشيط علاقاتها مع حلفائها وشركائها في المنطقة، والمرة الثانية في معرض تسليط الضوء على الدروس الصعبة التي استقتها واشنطن من "تدخلاتها العسكرية المتمادية في الخارج" فضلًا عن "محدودية القوة في بناء سلام دائم". إضافة ًعلى ذلك، أبدت الإدارة الأميركية الجديدة مرونةً أكبر من سابقتها حيال الملف السوري، إذ أبرمت اتفاقًا مع روسيا بشأن وصول المساعدات الإنسانية إلى دمشق، وقرّرت تخفيف وطأة العقوبات المفروضة على سورية بسبب "تداعياتها السلبية" على المواطنين السوريين العاديين، وأيّدت صفقة تزويد لبنان بالغاز من مصر والكهرباء من الأردن عبر سورية. صحيحٌ أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالعقوبات، إلا أن انكفاءها النسبي في الشرق الأوسط واعتمادها سياسات أكثر مرونةً حيال سورية أتاحا فرصًا جديدة أمام دول أخرى على غرار الأردن.

وعمدت عمّان سريعًا إلى الاستفادة من هذه التغييرات. ففي تموز/يوليو من العام 2021، حين أصبح الملك عبدالله أول قائد عربي يزور واشنطن بعد تولّي بايدن سُدة الرئاسة، كانت سورية على رأس جدول أعماله. لم يتّضح بالكامل ما تمّ الاتفاق حوله بين الجانبَين، لكن بعد الاجتماع سرّبت بعض وسائل الإعلام تفاصيل عمّا بات يُعرف بأنه "وثيقة سرية حول سورية" تضمّنت تشخيصًا للوضع هناك، وشدّدت على الإخفاقات السابقة، وقدّمت اقتراحًا للمسار الذي يُمكن اعتماده في المستقبل. ويُذكر في هذا الإطار أن الملك عبدالله حظيَ بدعم روسي لهذه الوثيقة خلال الزيارة التي قام بها إلى موسكو في آب/أغسطس الفائت. وتشير التطورات اللاحقة إلى أن واشنطن أعطت عبدالله الضوء الأخضر لتوطيد علاقاته مع النظام السوري.

وتَرافق هذا التحوّل في السياسة الأردنية مع حملة إعلامية هدفت إلى شرح خطوات المملكة وتبريرها. فقد أشار بعض كبار المسؤولين إلى أن الأسد باقٍ في منصبه وأن جميع المقاربات التي انتُهجت لغاية الآن بهدف التوصّل إلى حلّ للنزاع السوري قد باءت بالفشل. ونتيجةً لذلك، لم يعد محمولًا الحفاظ على الوضع القائم، ولا سيما بالنسبة إلى الأردن ودول أخرى في المنطقة. وعلى عكس الدول التي قادت الجهود الرامية إلى عزل الأسد، والتي هي جميعها بعيدة عن سورية (مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا في الغرب، وقطر في العالم العربي)، يُعتبر الأردن، على حدّ قول وزير خارجيته، "في مرمى النيران".

صاغ الأردن سياسته الجديدة كمحاولة للتوصّل إلى طرق جديدة لحلّ الأزمة السورية استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، واتفاق أميركي-روسي، وفي سياق دور أكبر للدول العربية في الشؤون السورية. لكن خطوة الأردن كانت، من نواحٍ عدّة، بمثابة محاولة لمعالجة مخاوفه الرئيسة من خلال الانخراط المباشر مع سورية، بدلًا من الاستمرار في اتّباع نهج الانتظار والترقّب، الذي فشل بكل وضوح في تحقيق مصالح عمّان. وشملت هذه المخاوف مكافحة تهريب المخدرات، وإعادة إحياء العلاقات الاقتصادية بين الجانبَين، وإرساء الأمن والاستقرار الاقتصادي في جنوب سورية، وتحقيق عودة (وإن جزئية) للاجئين السوريين في الأردن، ومعالجة مسألة وجود قوات إيرانية وأخرى موالية لإيران في المنطقة الحدودية الأردنية السورية.

أما على أرض الواقع، فقد تجلّت السياسة الجديدة على شكل اتصال هاتفي بين الأسد وعبدالله، واجتماعات بين وزيرَي خارجية البلدَين وغيرهما من كبار المسؤولين، خُصِّصت لمناقشة قضايا عدّة على غرار أمن الحدود وتهريب المخدرات، والتعاون في مجال إمدادات الطاقة والمياه، وتسهيل النشاط التجاري عبر معبر درعا الحدودي. وقد شكّك برز بعض المراقبين في مدى فاعلية هذا النهج، وسخر آخرون من قرار الأردن مناقشة مسألة تهريب المخدرات مع وزير الدفاع السوري، نظرًا إلى أن النظام السوري متّهم على نطاق واسع بالوقوف وراء هذه الظاهرة. إضافةً إلى ذلك، عمد الأردن إلى إعادة فتح الحدود لتحسين التبادلات التجارية. وأشار النقّاد إلى سورية لم يعد لديها ما تقدّمه للأردن بعد عقد من الحرب.

لا يزال من السابق لأوانه توفير تقييم شامل عمّا إذا كانت إعادة إحياء العلاقات مع سورية قد ساعدت الأردن في بلوغ أهدافه على الصعيدَين الأمني والسياسي. لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر على تبدّل الموقف الأردني، تبرز بعض المؤشرات على أن سياسة عمّان الجديدة تؤتي ثمارها على المستوى الاقتصادي، ما يُعتبر إنجازًا ملحوظًا لأن التعافي من الركود الاقتصادي يقع في صُلب أولويات الأردن. كذلك، قد يحمل هذا التقدّم المُحرز على الساحة الاقتصادية مؤشّرات تُنبئ بما سيحدث في المستقبل.

ليست طفرة اقتصادية، إنما بداية مُبشِّرة

طالت أبرز التغيّرات التي حدثت خلال الأشهر الستة الماضية المجال الاقتصادي، وتحديدًا قطاع التجارة والترانزيت. قبل الحرب، كانت سورية شريكًا تجاريًا مهمًا للأردن، من خلال التجارة البسيطة والصغيرة النطاق التي أفادت بالدرجة الأولى المناطق الحدودية الأردنية، فضلًا عن التجارة الواسعة النطاق وتجارة الترانزيت (المُعتمدة على الشاحنات) التي استفادت من ارتباط الأردن برًّا بأسواق الخليج المدرّة للربح. وتشير بيانات نوعية وكمّية إلى تحسُّن على جميع هذه المستويات الثلاث خلال الأشهر الستة الماضية. وإن دلّ الإيقاع التاريخي للعلاقات السورية الأردنية على شيء فإنما يدلّ على أن توطيد العلاقات الاقتصادية يُفسح مجال التعاون على الصعيدَين السياسي والأمني.

في هذا السياق، تقدّم مدينة الرمثا مثالًا مفيدًا على هذه الديناميكيات لأنها تقع على الحدود الأردنية وتُشكّل تقليديًا مركزًا لبيع السلع السورية المستوردة بشكل رسمي وغير رسمي. ففي فترة ما قبل العام 2011، كانت الرمثا تتباهى بأنها تستضيف أكبر سوق في البلاد للسلع السورية الرخيصة الثمن والعالية الجودة نسبيًا، والتي تشقّ طريقها من الرمثا إلى جميع المدن الأردنية الأخرى. في الواقع، كانت التجارة الصغيرة العابرة للحدود تشكّل العمود الفقري لاقتصاد المدينة، إذ أتاحت عددًا كبيرًا من فرص العمل، وأبقت تكاليف المواد الغذائية الأساسية وبعض السلع الاستهلاكية منخفضة بسبب فرق الأسعار بين الأردن وسورية.

لكن الحرب السورية طيلة عقد من الزمن قلبت الأمور رأسًا على عقب. فقد أدّى تدهور الاقتصاد السوري، وإغلاق الحدود لفترة طويلة، والتعطيل الناجم عن جائحة كوفيد-19، إلى تراجع الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير في الرمثا، مصحوبًا بارتفاع مستويات الفقر والبطالة. وأسهمت إعادة فتح الحدود مع سورية في نهاية العام 2018 في إنعاش اقتصاد المدينة، إلا أن ذلك لم يدم طويلًا، إذ عمدت الحكومة الأردنية إلى تشديد القيود المفروضة على التجارة غير الرسمية من أجل وقف تدفّق المخدرات والأسلحة والسجائر غير المشروعة من سورية. علاوةً على ذلك، مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على الأردن لثنيه عن الانخراط في أي نشاط اقتصادي مع سورية (في إطار سياسة واشنطن الرامية إلى عزل البلاد). وتُضاف إلى كلّ ما سبق ذكره التداعيات الناجمة عن أزمة كوفيد-19.

مع ذلك، أدّت إعادة فتح الحدود بالكامل في أيلول/سبتمبر 2021 إلى إنعاش اقتصاد الرمثا والمناطق الحدودية الأخرى من جديد. وشهدت بلدة جابر الحدودية ومدينة المفرق الواقعة على الطريق الدولي السريع بين دمشق وعمّان ارتفاعًا في عدد المسافرين والشاحنات التجارية. ووصف تاجر أردني مخضرم (من البحّارة) يعمل في التجارة الصغيرة النطاق التغيير الحاصل قائلًا إن الحركة التجارية أضعف اليوم مقارنةً مع فترة ما قبل العام 2011، لكنها بالتأكيد أفضل مما كانت عليه أثناء إغلاق الحدود أو فرض قيود شديدة على الحركة عبر الحدود.2 ويعبّر هذا التقييم خير تعبير عن التغيّرات التي طرأت على الحدود. فقبل العام 2011، كان التجار العاملون في التجارة الصغيرة النطاق يتردّدون إلى سورية يوميًا، وأحيانًا مرتين في اليوم، ما مكّنهم من جني عائدات أعلى بكثير من متوسط الدخل في الأردن (فقبل اندلاع الانتفاضة السورية، كان السائق الذي يقوم بعشر زيارات إلى اثنتَي عشرة زيارة إلى سورية في الشهر يحقق مدخولًا يوازي تقريبًا الحدّ الأدنى للأجور في الأردن). لكن الوضع يبدو مختلفًا تمامًا في الوقت الراهن. فالسائقون يذهبون إلى سورية مرة واحدة فقط كل بضعة أيام، بسبب تشديد إجراءات التفتيش الأمني، وضرورة الالتزام بالقيود المفروضة بسبب جائحة كوفيد-19، وتراجع تسامح السلطات الأردنية مع التجارة غير الرسمية. إذًا، تسبّبت هذه العوامل بخفض هامش ربح التجار، بيد أن الوضع لا يزال أفضل مما كان عليه أثناء إغلاق الحدود.3

أما على مستوى تجارة الترانزيت، فالاختلاف أقل بروزًا، تحديدًا لأن هذه التجارة التي استؤنفت في أيلول/سبتمبر 2018 عندما أُعيد فتح الحدود للمرة الأولى بين الأردن وسورية، كانت قادرة على الاستمرار. وتشير الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة التابعة للحكومة الأردنية إلى أن الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2018 شهدت تضاعُف الواردات من سورية مقارنةً مع العام الذي سبقه. ثم انخفضت الأرقام بين العامَين 2019 و2020، بسبب خلافات بين سورية والأردن وتداعيات جائحة كوفيد-19، لتعاود الارتفاع مجدّدًا بعد إعادة فتح الحدود آخر مرة. فعلى سبيل المثال، في تشرين الأول/أكتوبر 2021، ارتفعت الواردات من سورية بنسبة 40 في المئة، والصادرات بنسبة 20 في المئة، والسلع المُعاد تصديرها بنسبة 55 في المئة، مقارنةً مع الشهر نفسه من العام 2020. وصرّح نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع في الأردن أن أعداد الشاحنات التي دخلت من الأردن إلى سورية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2021 تراوحت ما بين 100 و120 شاحنة يوميًا، مقارنةً مع 15 إلى 20 شاحنة قبل إعادة فتح الحدود آخر مرة. وينبغي أيضًا أن نأخذ في الحسبان الصادرات السورية إلى المملكة العربية السعودية التي تُعتبر وجهة رئيسة للسلع السورية عبر الأردن. ووفقًا لبيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، ارتفعت قيمة الصادرات السورية إلى السعودية من 346 مليون ريال سعودي (ما يعادل 92 مليون دولار) في العام 2017 (وهو أدنى مستوى لها على الإطلاق)، إلى 1200 مليون ريال سعودي (أو 320 مليون دولار) في العام 2021.

لا شكّ أن الحرب غيّرت بعض السمات التاريخية للتجارة بين سورية والأردن. فعلى سبيل المثال، يميل الميزان التجاري اليوم لصالح الأردن بعض الشيء، بعد أن كان يصبّ في مصلحة سورية خلال العقد الأول من القرن الحالي، عندما شهدت التجارة نموًا كبيرًا، باستثناء العام 2006. لكن هذا التوازن تغيّر بين العامَين 2014 و2021، حين بلغت قيمة البضائع المُصدّرة أو المُعاد تصديرها إلى سورية نحو 587 مليون دينار أردني، فيما بلغت قيمة الواردات 464 مليونًا.

وثمة توجّه آخر قد يتعزّز خلال السنوات المقبلة وهو ربط الأسواق الدولية بسورية عبر الأردن. وعلى الرغم من عدم توافر إحصاءات مفصّلة، يَعتبر نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع في الأردن أن تجارة الترانزيت مع سورية عبر ميناء العقبة ومعبر جابر-نصيب الحدودي يمكن أن ترتفع بنحو 1000 في المئة في المستقبل المنظور، بفضل الرسوم التنافسية. بعبارة أخرى، ساهم تغيّر سياسة الأردن مؤخرًا تجاه سورية في تكريسه كمنطقة عبور (ترانزيت) للمستوردين السوريين.

علاوةً على ذلك، تنطوي إعادة إحياء العلاقات الاقتصادية مع سورية على بُعد سياسي مهم، سواء لجهة العلاقات الثنائية أو السياسات الداخلية. وأظهر استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية الأردني في تشرين الأول/أكتوبر وجود تأييد شعبي واسع كبير لقرار المملكة إعادة الانخراط مع سورية. ويعتقد حوالى 78 في المئة من المشاركين في الاستطلاع، وعددهم 1208 أشخاص، أن الأضرار الأكبر التي لحقت بالأردن نتيجة الحرب السورية كانت اقتصادية في طبيعتها. وقد حظيت السياستان اللتان اتّبعهما الأردن، أي الانفتاح على سورية وإعادة فتح معبر جابر-نصيب الحدودي، بتأييد 80 و84 في المئة من المشاركين على التوالي. وتشير هذه الأرقام، إلى جانب الملاحظات الميدانية والمحادثات التي أجراها المؤلّف في عمّان وإربد والرمثا، إلى أن معظم الأردنيين يوافقون على النهج الجديد لبلادهم تجاه سورية ويتوقعون أن يحقّق مكاسب اقتصادية.

في سياق العلاقات السورية الأردنية، التي تشهد منذ الخمسينيات وحتى اليوم فترات من العداء حينًا وفترات من الوفاق حينًا آخر، لطالما سهّل التحسّن الاقتصادي عمومًا آفاق توطيد التعاون السياسي والأمني. ففي منتصف السبعينيات على سبيل المثال، وبعد فترة من العداء الشديد بين الجانبَين، توصّل الأردن وسورية إلى تفاهم لإصلاح علاقتهما الاقتصادية. وبالفعل، كان الاقتصاد على رأس جدول أعمال الملك حسين حين زار الرئيس حافظ الأسد في دمشق خلال العام 1975. لكن، بدا واضحًا أن لدى الأردن حافزًا إضافيًا لعقد ذلك الاجتماع، فهو أراد تعزيز الأبعاد الاقتصادية للتوافق الأردني السوري "بما يتجاوز المكاسب القصيرة الأمد ويسمح ببناء علاقات سياسية أقوى من خلال وضع الأسس اللازمة لعلاقات اقتصادية راسخة".4

لكن هذا التوافق لم يعمّر طويلًا، وأعقبه عداء متجدّد دام عقدَين من الزمن. ولكن أُتيحت فرض جديدة للتعاون بعد وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد والعاهل الأردني السابق الملك حسين ووصول الرئيس بشار الأسد والملك عبد الله إلى سُدة الحكم في البلدَين اللذين سُرعان ما عاودا الانفتاح على بعضهما البعض. وخلال السنوات القليلة الأولى من العلاقات الودية، كانت الاتفاقات الموقّعة بين الطرفَين اقتصادية في الغالب.5 لكن مع مرور الوقت، تعزّزت آفاق التعاون بينهما لتشمل قضايا المياه، والتمويل، والأمن، وطرد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين السوريين من الأردن، ومعارضة الضغط الأميركي على سورية في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.6

خاتمة

قد لا تتجّه العلاقات بين سورية والأردن حُكمًا نحو التوافق الكامل، إذ إن ذلك يعتمد بشكل كبير على سلوك النظام السوري تجاه الأردن، فضلًا عن السياسات الإقليمية والدولية حيال سورية. وحتى لو كانت هذه فاتحةً لحقبة جديدة من العلاقات السورية الأردنية، إلا أن البلدَين لا يزالان في بداية الطريق والمسار المستقبلي لم يُحدَّد بعد. مع ذلك، تدلّ معظم المؤشّرات على أن الاقتصاد الأردني قد استفاد، وإن بشكل متواضع، من توثيق العلاقات مع سورية. علاوةً على ذلك، يحاول الأردن خلق نموذج اقتصادي جديد لنفسه، لا يكون فيه مجرّد سوق لبيع البضائع السورية ونقطة عبور لها في طريقها إلى الأسواق الخليجية، بل أيضًا مُصدّرًا إلى سورية وصلة وصل تربط دمشق بالأسواق الدولية. أخيرًا، ومع أن توطيد العلاقات الاقتصادية السورية الأردنية هو إنجاز بحدّ ذاته، فإنه قد يسهم أيضًا في تعزيز أواصر التعاون في مجالات أخرى مثل المياه، وأمن الحدود، والسياسات الإقليمية.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.

هوامش

1 Curtis R. Ryan, “Jordan: Between IS and the Syrian Civil War,” Orient IV (2017): 40.

2مقابلة أجراها المؤلّف مع بحّار أردني على طريق الرمثا-إربد، الأردن، 7 شباط/فبراير 2022.

3مقابلات أجراها المؤلّف مع عدد من السكان المحليين في مدينة الرمثا، الأردن، 5-7 شباط/فبراير 2022.

4 Curtis R. Ryan, “The Odd Couple: Ending The Jordanian-Syrian Cold War,” Middle East Journal 60, no. 1 (Winter 2006): 42–43.

5المصدر السابق، ص. 50.

6المصدر السابق، ص. 53.