استُقبِل المسافرون الذين هبطوا في مطار الجزائر في 8 آذار/مارس 2022 بصوت امرأةٍ ترحّب، عبر مكبّرات الصوت، بالركّاب وتتمنّى لهم "عيدًا سعيدًا بمناسبة يوم المرأة العالمي". يُحتفى بالمرأة الجزائرية سنويًا في هذا التاريخ. وخلال العام الجاري، كان للنساء حضورٌ بارز في التصريحات الحكومية والحملات الدعائية. ومرّ الأشخاص المتّجهون من المطار غربًا عبر لوحة إعلانات عملاقة عليها صورة امرأة، ترافقها جملة كُتبت باللغة الإنكليزية، ومفادها: "هي ليست امرأة. إنها مهندسة". النقاش في هذه المسألة متشعّب وينطوي على إشكاليات عدة.

ريادة في تعليم النساء، وتعثُّر في ريادة أعمالهن

ورد في تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في العام 2021 بعنوان "كي تكون الثورة الرقمية ذكيّة، سيتعيّن عليها أن تكون شاملة للجميع"، أن الجزائر تضم النسبة الأكبر من النساء خرّيجات اختصاص الهندسة في العالم، إذ تبلغ نسبتهن 48.5 في المئة من مجموع خرّيجي الهندسة في البلاد. وعلى سبيل المقارنة، تبلغ النسبة 26.1 في المئة في فرنسا، و19.7 في المئة في كندا، و14 في المئة في اليابان. لكن، في حين أن النساء الجزائريات أنهَين ربما احتكار الرجال لدراسة الهندسة، لا يزال الرجال يسيطرون على المهنة بحدّ ذاتها. لذا، ليس مفاجئًا أن رائدات الأعمال يعانين أيضًا من نقص التمثيل، إذ تعيقهن مجموعتان من القيود. تتألف المجموعة الأولى من أعراف اجتماعية وثقافية متجذّرة بعمق، مثل المفاهيم التقليدية عن الأدوار الجندرية وغياب الدعم العائلي، فيما تتمثّل المجموعة الثانية بالمعوّقات المالية مثل نقص رأس المال وغياب الدعم المؤسسي للحصول على الرساميل من خلال القروض المصرفية أو الاستثمار.

تُعدّ الجزائر رائدة في تعليم المرأة في العالم العربي وخارجه على السواء. فقد ارتفعت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة لدى النساء من 62.2 في المئة في العام 1987 إلى 97.3 في المئة في العام 2018. وبلغ مجموع المسجّلين في التعليم العالي 52.5 في المئة في العام 2020، حيث حصّة النساء أعلى مع 66.4 في المئة. وأتاح التعليم الشامل للنساء الدخول إلى سوق العمل. ففيما مثّلت النساء 8.1 في المئة من مجموع القوة العاملة في العام 1987، وصلت نسبتهن بعد ثلاثة عقود إلى 20 في المئة. لكن على الرغم من هذا التقدّم، لا تزال النساء غير ممثّلات على نحوٍ كامل في سوق العمل. ففي العام 2019، اقتصرت نسبة توظيف النساء البالغات في الجزائر على 13.8 في المئة فقط، مقابل 60.7 في المئة للرجال.

يُشار إلى أن تمثيل النساء ناقص أيضًا في قطاع الأعمال، حتى لو كانت جمعية سيدات الأعمال الجزائريات أو (Savoir Et Vouloir Entreprendre SEVE) تقدّم صورة وردية نوعًا ما عن تقدّم المرأة. أُنشئت هذه الجمعية في العام 1993 للمساعدة على دمج النساء في الاقتصاد الوطني من خلال توجيههن لإنشاء الأعمال وتسهيل الحوار بينهن وبين المؤسسات الاقتصادية. وفقًا للجمعية، يشهد انخراط النساء في مجال الأعمال ارتفاعًا، إذ ازداد بنسبة 25 في المئة بين العامَين 2013 و2018. ولكن حتى الجمعية تشير إلى أن عدد رائدات الأعمال في الجزائر، من دون احتساب المهن الحرّة والأنشطة الزراعية، اقتصر على 150,000 امرأة في العام 2018. ويعني ذلك أن النساء لم يشكّلن سوى 7.6 في المئة من أصل 1.96 مليون رائد أعمال في البلاد.

ويُعتبر هذا المشهد أقل تفاؤلًا بعد بالنسبة إلى مؤشر ماستركارد لريادة الأعمال النسائية (MIWE) للعام 2020، إذ إن الجزائر تحتل تقريبًا أسفل قائمة البلدان الـ58 الخاضعة للتقييم، بحيث نالت 37 نقطة في المؤشر. وحدها بنغلاديش التي نالت 36 نقطة تحتل مرتبة أدنى من الجزائر. واللافت أن بلدانًا أخرى في أفريقيا، مثل غانا وأوغندا، حققت أداء جيدًا في المؤشر، مع 60 و56 نقطة على التوالي. والحال أن نسبة النساء اللواتي يملكن أعمالًا هي 36.5 في المئة في غانا، و39.6 في المئة في أوغندا، إنما بالكاد تصل إلى 6 في المئة في الجزائر.

ثمة عاملٌ آخر يجب التوقف عنده في هذه المسألة. وفقًا لصحافيتَين استقصائيتَين، من بينهما نعيمة بنوارت، تُعتبر الأرقام التي عرضتها جمعية SEVE (وحتى مؤشر ماستركارد) مضلّلة لأن رجالًا كثرًا يستخدمون أسماء زوجاتهم وأمهاتهم وشقيقاتهم عند الحصول على ترخيص لإنشاء عمل خاص بهم، إما بهدف خفض أصولهم الشخصية المعلَن عنها، وبالتالي تجنّب الخضوع لضرائب إضافية، أو لأنهم موظفون حكوميون ولا يُسمَح لهم بامتلاك عملهم الخاص. تشدّد بنوارت على أن رقم 150,000 رائدة أعمال مضخّم، وأن الرقم الحقيقي يبلغ نحو 5,000، مشيرةً إلى أن نقص التمثيل يبدو واضحًا للعيان حين يشارك الجزائريون في منتديات أعمال إقليمية ودولية، نظرًا إلى أن الوفود الجزائرية تضم عددًا قليلًا جدًّا من النساء.

التقاليد تعيق التغيير

عند مناقشة العوائق التي تعترض تقدّم المرأة الجزائرية، ولا سيما في مجال الأعمال، تبرز على نحوٍ خاص القيود الاجتماعية والثقافية. شرحت رائدات أعمال، في مقابلات معهن، أن عليهن التفكير في احتمال حدوث ردود فعل مناوئة عند كل خطوة يتخذنها في مجال الأعمال.1 مثلًا، يُفضَّل أن تُقام الأنشطة خلال النهار – بتعبير آخر، إقامة غداء عمل بدلًا من عشاء عمل – لأن اللقاءات المسائية بين الرجال والنساء تحمل دلالات غير مستحَبّة. كذلك، لفت الكثير من النساء في مقابلات معهن إلى أن بعض الأفكار السائدة في المجتمع تقف عائقًا أمام التغيير، وأبرزها نظرة المجتمع إلى المرأة بأن عليها التركيز بالدرجة الأولى، إن لم يكن حصرًا، على تربية الأولاد، واعتبار أن الرجل مؤهّلٌ أكثر للنجاح في ريادة الأعمال.

غالبًا ما أشارت رائدات الأعمال في المقابلات إلى أن كثرًا، ولا سيما في أوساط رواد الأعمال الرجال، لم يأخذنهن في البداية على محمل الجد. تروي أميرة حمداد، مؤسِّسة شركة Jurex الاستشارية ومديرتها التنفيذية: "في البداية، كانوا يشيرون إلى Jurex بأنها ’شركة صغيرة تقودها فتاة‘، وحين نجحت الشركة وأصبحت كبيرة، لم يعترفوا لي بالفضل، بل نسبوه إلى زوجي... لقد اعتبروا أنه العقل المدبّر خلف الشركة [تضحك]".2

عاشت رائدة أعمال أخرى تدعى مليكة س. تجربة مريرة جدًّا. فهي اختصاصية في القطاع الزراعي كانت تملك مزرعة بلح صغيرة قرب واحة في جنوب غرب الجزائر، قبل أن تتخلى عنها وتقوم بإنشاء مصلحة معنية بزراعة الزيتون في منطقة القبائل. تروي:

حين بدأت، كان الأمر أشبه بالجحيم. لم يأخذني أحد على محمل الجد في تلك المنطقة، ولم يرغبوا في التعامل معي. واجهت صعوبة في التوظيف. فتدخّل زوجي لمساعدتي، إنما كان الأوان قد فات. لم يأخذني الناس على محمل الجد لمجرد أنني امرأة. ذات يوم، قال لي أحد الموظفين، "يجب أن أخبرك أمرًا. لا يريد زملائي الرجال تلقّي الأوامر منك. يفضّلون التعامل مع زوجك".3

تحدّثت بعض النساء، ولا سيما اللواتي يتحدّرنَ من العاصمة الجزائر أو من مدن كبرى أخرى مثل وهران وقسنطينة، عن الدعم الذي تلقّينه من عائلاتهن. قالت ليلى عقلي، المؤسِّسة والمديرة التنفيذية لشركة Pi-Relations التي تُعتبَر من الشركات الرائدة في مجال العلاقات العامة في الجزائر: "كانت عائلتي وزوجي بمثابة شبكة الأمان التي أعوّل عليها ماليًا وعاطفيًا. لم أشعر بالقلق على الإطلاق لأنني استطعت أن أعتمد عليهم".4 عاشت ميريم فورنير-قاسمي، مؤسِّسة شركة SunGy للطاقة الشمسية ومديرتها التنفيذية، تجربة مماثلة. تروي: "بعض أفراد العائلة ساورتهم الشكوك، لكن والدي قدّم لي دعمًا كبيرًا. كان رائد أعمال، لذلك تفهّمني ودعمني".5

لكن في المقابل، واجهت نساء أخريات الاستياء أو الاعتراض من عائلاتهن. تقول ماجدة نفيسة رحال، مؤسِّسة شركة الاتصالات ShiftIn ومديرتها التنفيذية، إن "الدعم العائلي كان محدودًا جدًّا". أما عتيقة ب.، وهي مالكة متجر حلويات في تلمسان، فلم تحصل على أي دعم. تروي: "حاولت والدتي وزوجي تعطيل مشروعي لأنهما لم يوافقا على عملي خارج المنزل".6 وقد اضطُرَّت نساء كثيرات محرومات من الدعم العائلي، مثل عتيقة، إلى اصطحاب أطفالهن معهن إلى العمل.

اللافت هو أن جميع رائدات الأعمال اللواتي أُجريَت معهن مقابلات في إطار هذا المقال، سواء كنّ ممن حصلن على الدعم العائلي أم ممن تخلّت عنهن عائلاتهن، شدّدن على عامل واحد كان أساسيًا في نجاحهن. وهذا العامل تمثّل في حصولهن على الدعم من رائدات وروّاد أعمال مخضرمين أشرنَ إليهم أحيانًا بعبارة "مجتمع رواد الأعمال". لقد لفتن الانتباه بصورة خاصة إلى الدعم الذي حصلن عليه من مجموعة الأقران هذه في بداية مسارهن في ميدان الأعمال. أسدت لهن هذه المجموعة نصائح كنّ بأمس الحاجة إليها، وقدّمت لهن التوجيه والتدريب على المدى القصير، ووضعت في تصرفهن خبرتها في التسويق وفي المجالَين المالي والقانوني.

وقد اختصرت حمداد، مؤسِّسة Jurex، الأمر على النحو التالي: "كانت عائلتي حاضرة، لكن أقراني كانوا أكثر حضورًا بعد. فمن مجتمع رواد الأعمال أستمدّ طاقتي واندفاعي وصفوة أفكاري لأننا نتبادل الحديث ونفهم بعضنا بعضًا".7 وعبّرت سهام ب.، مؤسِّسة ومديرة شركة للبستنة الأحيائية في قسنطينة، عن شعور مماثل قائلة: "أسهم الدعم الذي تلقّيته من عائلتي، وفي المقام الأول من أقراني والمتعاونين معي، في تسهيل تجربتي كرائدة أعمال".8

أشارت جميع رائدات الأعمال في المقابلات التي أُجريت معهن إلى مزايا الاستقلالية الذي تؤمّنها ريادة الأعمال. كان الانخراط في هذا المجال خطوة إيجابية لكثيرات منهن في مسيرتهن المهنية. فقد منحهن ذلك شعورًا بأنهن "مستقلات" و"يتمتعن بالحرية" وبأنهن "أكثر مرونة" و"قادرات على الإبداع والابتكار"، إضافةً إلى منحهن توازنًا أفضل بين العمل والحياة، على الرغم من العوائق التي اعترضتهن في البداية. وقد شدّدن جميعهن على اضطرارهن في وظائفهن السابقة، سواء في القطاع العام أو في الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، إلى العمل لأيام إضافية في الأسبوع، ولم يكن من المحبّذ طلب إجازة من العمل وإظهار روح المبادرة، بل كان يمكن أن يؤدّي ذلك إلى معاقبتهن. لقد منحتهن ريادة الأعمال الحرية والاستقلالية والهامش اللازم لتسيير الأمور كما يحلو لهن.

التحديات المالية

إضافةً إلى هذه العوائق الاجتماعية والثقافية، تعاني رائدات الأعمال من صعوبة الحصول على التمويل، وذلك على الرغم من وجود الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (ANSEJ)، والصندوق الوطني للتأمين ضد البطالة (CNAC)، والوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغّر (ANGEM)، والتي أُنشئت جميعها لمساعدة روّاد الأعمال، ولا سيما الشباب منهم. تعتبر بنوارت وغيرها أن المشكلة ناجمة عن سلوكيات التمييز الجنسي المُمأسسة. وهذا يُبيّن لماذا لم يحصل سوى 10 في المئة من رائدات الأعمال في الجزائر على التمويل من وكالات الدعم الأساسية، ومن ضمنها الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب والصندوق الوطني للتأمين ضد البطالة (CNAC)، كما ورد في تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية في العام 2016. وقد اضطرت جميع النساء اللواتي أُجريت مقابلات معهن في إطار هذا المقال، إلى الاعتماد على التمويل الذاتي لإنشاء أعمالهن. في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، قُدِّمت الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب في إطار جديد وأوسع نطاقًا، بحيث تحوّلت إلى الوكالة الوطنية لدعم وتطوير ريادة الأعمال. لكن لا بد من الانتظار لمعرفة ما إذا ستحمل هذه الخطوة تأثيرًا إيجابيًا على النساء الطامحات إلى الانخراط في مجال ريادة الأعمال.

أشارت رائدات الأعمال، في المقابلات معهن، إلى أن الظروف والمهل الزمنية والتأخير في النظر في طلبات التمويل هي العوامل الأهم التي تحول دون نيلهن الموافقة للحصول على قروض. ولفتت نساء كثيرات أيضًا إلى أن فائض الإجراءات البيروقراطية فرض عليهن عبئًا أكبر مقارنةً مع الرجال، نظرًا إلى أنهن ما زلن يتحملن حصة الأسد في المسؤوليات المنزلية وتلك المتعلقة بتربية الأولاد، لذا وقتهنّ أضيق على الدوام. وأشرن أيضًا إلى أن المصارف لا تبدي، في معظم الأحيان، اهتمامًا بمساعدتهن. ففي الجزائر، لا تفرض المصارف فحسب شروطًا أصعب للحصول على قروض للمشاريع المتعلقة بالتكنولوجيا الرقمية والعلاقات العامة والاستشارة، والتي يُنظَر إليها بأنها محفوفة بالمخاطر ولديها حظوظ أقل بتوليد عائدات متينة على الاستثمار، ولكن يبدو أيضًا أن للمصارف نظرة بائدة عن المرأة في مجال ريادة الأعمال.9 فريادة الأعمال النسائية لا تزال مرادفة لتصفيف الشعر والحِرَف اليدوية ورعاية الأولاد. شرح علي أ.، وهو موظف سابق لدى الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغّر، أن المصارف والوكالات المعنية بتعزيز ريادة الأعمال تفضّل منح قروض لشراء المواد الخام.10 وهذا يفيد الشابات الراغبات في إطلاق مشاريع معنية بمعالجة المنتجات الغذائية، أو صنع الأقمشة، أو تقديم خدمات مثل تصفيف الشعر، إنما لا يُفيد في الكثير من المشاريع الأخرى.

علاوةً على ذلك، اشتكت جميع السيدات، في المقابلات معهن، من ارتفاع معدلات الفوائد المصرفية. على سبيل المثال، تتيح المصارف إمكانية طلب قرض في شكل سلفة على فاتورة. إذا كانت السيدة التي تسعى للحصول على القرض تتكبّد كلفة إنتاجية عالية، يمكنها أن تطلب من المصرف سلفةً على المبلغ تساوي كلفة المبيع للمستخدم النهائي. مقابل هذه الخدمة المسمّاة "التخصيم"، يتقاضى المصرف عمولة لا تقل عن 9 في المئة، وهي نسبة مرتفعة جدًّا. ففي فرنسا مثلًا، تتراوح العمولة من 0.5 إلى 2.5 في المئة. نتيجةً لذلك، لا يكون لدى النساء، في معظم الأحيان، أي خيار سوى التمويل الذاتي لمشاريعهن. يقتضي ذلك أحيانًا توظيف مدّخراتهن في المشروع أو الاقتراض من أسرتهن وأصدقائهن. في مثل هذه الظروف، تُعتبر المخاطر كبيرة، ويمكن أن يؤدّي إخفاق المشروع إلى الإفلاس المالي.

على الرغم من الجهود التي بذلتها الدولة لضمان التمويل لرواد الأعمال، بمن فيهم النساء، يبقى أن هذه الجهود غالبًا ما مُنيت بالفشل. ففي العام 2019، أعلن وزير الصناعة والمناجم السابق يوسف يوسفي عن اتّخاذ إجراءات عدة لإتاحة مزيد من الفرص أمام النساء اللواتي يؤسّسن أعمالهن الخاصة. وهدفت هذه الخطوات إلى استيفاء مقتضيات أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة للعام 2030، ولا سيما الهدف الخامس، الذي يُطلَب من الحكومات بموجبه "إجراء إصلاحات لمنح النساء حقوقًا متساوية في الموارد الاقتصادية، إضافةً إلى التملك والتصرّف بالأراضي وأشكال أخرى من الممتلكات، والحصول على الخدمات المالية والميراث والموارد الطبيعية، بما يتماشى مع القوانين الوطنية". لكن هذا البرنامج الوليد واجه جملةً من الانتقادات، ولا سيما من رائدات الأعمال اللواتي انتقدن مديري البرنامج لأنهم لم يعيروا اهتمامًا خاصًا لمشاريعهن، أو أعاروها اهتمامًا إنما من دون تقديم مساعدة ملموسة. وقد أشارت رائدات الأعمال في المقابلات معهن إلى مسألتَين متلازمتَين، الأولى تتعلق بصعوبة وصولهن إلى الأراضي، والثانية بالتعامل مع تقلبات سوق الإيجارات.

في ما يتعلق بالأراضي، يمكن التوقف عند ما جرى مع سهام ب. من شركة البستنة الأحيائية. فقد تخلّت عن مشروعها الأوّل لصنع حقائب يد من المواد العضوية، بسبب عدم قدرتها على الوصول إلى الأراضي التي تحتاج إليها لزراعة النبات الضروري لصناعة منتجها. فقد وعدتها الحكومة بمنحها الأرض مجانًا في السنوات العشر الأولى، شرط دخولها في شراكة مع الدولة. وهذا ما فعلته، لكنها لم تحصل مطلقًا على الأرض. وفي نهاية المطاف، تخلّت عن المشروع، وأطلقت شركتها الحالية وتحمّلت التكاليف بنفسها. وثمة حالات أخرى مشابهة. والأسوأ أن بعض النساء اللواتي يعشن تجارب مماثلة لا يمكنهن النهوض والبدء من جديد كما فعلت هي.

أما المسألة الثانية فتُعنى بسوق الإيجارات. تتطلب الأعمال الصغيرة الموجّهة نحو الخدمات، ولا سيما تلك التي أُنشئت في إطار آليات عامة مثل الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب والصندوق الوطني للتأمين ضد البطالة، حيازة صك ملكية للأرض/الموقع، أو عقد إيجار يمتد لأكثر من عامَين. وهذه عقبة يصعب تخطّيها، لأنه في ما يتعلق بالمساحات المستخدمة لأغراض تجارية، يطلب مالكو الأرض عادةً تسديد بدل الإيجار مسبقًا عن عام كامل، لكن عددًا كبيرًا من روّاد الأعمال لا تتوافر لديهم هذه المبالغ. إضافةً إلى ذلك، حتى لو تمكّنت امرأة تطمح إلى ريادة الأعمال من تأمين المبلغ وسداد بدل الإيجار مسبقًا، قد يُرفَض طلبها للحصول على قرض من المصرف، ما يعني أن المبلغ الذي سدّدته لاستئجار المساحة التجارية يضيع سدىً. أخيرًا، سوق الإيجارات غير منظَّمة، وغالبًا ما يعمد المالكون إلى زيادة بدلات الإيجار من دون إشعار مسبق أو مفاوضات مع الأشخاص المعنيين.

لقد واجهت فلّة، وهي رائدة أعمال متوسطة العمر تعمل في مجال رعاية الأطفال في عنابة، وضعًا مماثلًا:

أردت أن أفتح دار حضانة للأطفال والرضّع. في عامي الأول، كان عليّ أن أستأجر مكانًا، وكنت بحاجة إلى عقد يحمل اسمي وينص على أنني استأجرت المكان لثلاث سنوات، كي أتمكّن من التواصل مع المصارف. ثم اضطررت إلى إنفاق المزيد من الأموال للحصول على شهادة المطابقة والنظافة لأن المكان مخصّص لإقامة دار حضانة للأطفال. وبعد ذلك، كان عليّ الانتظار لأشهر عدة للحصول على جواب من المصرف، ومن السلطات البلدية ومؤسسات أخرى بعد تأكّدها من الامتثال لشروط السلامة. خلال تلك الفترة، كنت أستأجر المكان، وانتظرت خمسة عشر شهرًا للحصول على جواب. وحين وصلني الجواب وأطلقت دار الحضانة، قرر مالك الأرض زيادة بدل الإيجار. كان قد أصبح لديّ زبائن، وكان أهل الأطفال يثقون بي، فلم أُرد استئجار مكان آخر. وهكذا بقيت ودفعت الإيجار.11

خاتمة

مما لا شك فيه أن النساء الجزائريات قطعن شوطًا طويلًا منذ نيل الجزائر استقلالها في العام 1962. فقد انتقلن فعليًا من هامش قطاع الأعمال واقتربن أكثر فأكثر من محور عالم ريادة الأعمال. بدأت الدولة الجزائرية تُبدي اهتمامًا بإعداد برامج دعم لريادة الأعمال النسائية وتعزيز قدرات المرأة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فأطلقت الكثير من المبادرات لمرة واحدة. ولذلك، تستحق الدولة التقدير والتشجيع.

لكن، يمكن ويجب فعل الكثير لمأسسة هذه المبادرات، وتعزيز فاعليتها، وترشيد البيروقراطية الشديدة التعقيد في البلاد. فضلًا عن ذلك، تحتاج الجزائر إلى حملة توعية ثقافية من شأنها التصدّي للتأثير المؤذي الذي تمارسه المفاهيم الذكورية البالية والكارِهة للنساء في ما يتعلق بأدوار المرأة. ولن تعود هذه الخطوات بالفائدة على النساء فحسب، إنما أيضًا على الدولة ككل. فالنساء اللواتي أُجريت معهن مقابلات في إطار هذا المقال يُقدّمن، أسوةً بنساء أخريات، دليلًا قاطعًا على الجدوى التجارية لريادة الأعمال النسائية في الجزائر. ويُثبت انتصارهن في بيئة مجافية إلى حد كبير أن ما من أمرٍ مستعصٍ على المرأة إذا أتيحت لها فرص متكافئة للتنافس في عالم الأعمال.

هوامش

1 أُجريت مقابلات مع اثنتّي عشرة سيدة أعمال. في بعض الحالات، غُيِّرت الأسماء ومعلومات تعريفية أخرى بناءً على طلب من السيدات أنفسهن.

2 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 25 شباط/فبراير 2022.

3 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 25 آذار/مارس 2022.

4 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 24 شباط/فبراير 2022.

5 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 25 آذار/مارس 2022.

6 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 26 آذار/مارس 2022.

7 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 25 شباط/فبراير 2022.

8 مقابلة أُجريت عبر الهاتف، 22 شباط/فبراير 2022.

9 مقابلة أُجريت مع مصرفي من Crédit Populaire d’Algérie، العاصمة الجزائر، 20 آذار/مارس 2022.

10 مقابلة مع علي أ.، موظف سابق في الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغّر (ANGEM)، العاصمة الجزائر، 13 آذار/مارس 2022.

11 مقابلة مع فلّة، مالكة دار حضانة للأطفال في عنابة، أُجريِت هاتفيًا، 26 آذار/مارس 2022.