منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، طبّقت موسكو الاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية نفسها التي سبق أن اتّبعتها في سياقات أخرى، مثل الشيشان وسورية. صحيحٌ أن الصراعَين السوري والأوكراني يختلفان اختلافًا كبيرًا، إلا أنهما ينطويان على أوجه شبه عدة يمكن أن تقدّم دروسًا لأوكرانيا وشركائها في الوقت الراهن. ومن شأن فهم أوجه الشبه هذه أن يساعد في تحديد كيف يمكن للمجتمع الدولي التعامل مع الحرب بطريقة تحول دون إضاعة الوقت الثمين وتحافظ على الرصيد السياسي وتحمي الأرواح.

إيما بيلز
إيما بيلز مستشارة مستقلة تركّز أبحاثها على الشؤون السورية. وهي باحثة غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة، ومستشارة أولى في المعهد الأوروبي للسلام، وكانت سابقًا باحثة زائرة في مختبر أبحاث التحليل الجنائي الرقمي التابع للمجلس الأطلسي. يمكنكم متابعة تغريداتها على تويتر: @ejbeals.

إن الاستراتيجية التي انتهجتها روسيا في سورية، بعد تدخّلها العسكري في أيلول/سبتمبر 2015، لم تكن جديدة. ففي فترة 1999-2000، استخدمت موسكو تكتيكات الحصار ضدّ غروزني خلال الحرب الشيشانية الثانية من أجل تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية. وأثناء المفاوضات، تعهّدت بتأمين ممرّ آمن للمقاتلين الشيشان، ثم عمدت إلى قصف الطريق المؤدية إلى خارج المدينة وزرع الألغام فيها. وقد دمّرت القوات الروسية العاصمة غروزني، بما في ذلك بنيتها التحتية الإنسانية والمدنية. وفيما تُعتبر خطوات روسيا في أوكرانيا جزءًا من قاموسها السوري، عُرفت المقاربة التي طبّقتها موسكو في سورية عمومًا باستراتيجية غروزني.

دعمت موسكو نظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ أولى مراحل الصراع السوري. وساعدته على المستوى الدبلوماسي، أولًا من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به لوقف مشروع قرار حول سورية في العام 2011، ثم من خلال تقديم المشورة الاستراتيجية للنظام ومساعدته في عملية صنع القرار خلال مختلف فصول الصراع السوري. وفي العام 2013، حين شنّ النظام هجومًا بالأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في شرق الغوطة، ما أسفر عن مقتل حوالى 1,500 شخص، متجاوزًا بذلك الخط الأحمر الذي حدّده الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وافقت روسيا على التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة عن طريق التفاوض. وأظهر غياب الرد الصارم من جانب الدول الغربية أنها غير مستعدّة للتدخل، حتى بعد انتهاك القوانين والمعايير الدولية.

في أوكرانيا، أدّى هذا التقاعس تاريخيًا إلى جملة من التداعيات. ففي العام 2014، بعد أن شهدت أوكرانيا احتجاجات الميدان الأوروبي التي تخلّلتها الإطاحة بالرئيس الموالي لروسيا، ردّت موسكو عبر ضم القرم ثم احتلال شرق أوكرانيا، حيث لا تزال القوات الروسية منتشرة حتى اليوم. صحيحٌ أن الدول الغربية فرضت عقوبات اقتصادية على روسيا، إلا أن عدم اتّخاذ إجراءات أكثر صرامة مهّد الطريق أمام التدخل العسكري الروسي في سورية من أجل إبقاء الأسد في الحكم وضمان المصالح الروسية في دول المشرق، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى ميناء طرطوس. وقد لجأت روسيا إلى تكتيكات عسكرية ودبلوماسية وإلى حملات التضليل الإعلامي في سورية، وطبّقت الكثير منها خلال الأسبوعَين الأولَين من غزوها المستمر لأوكرانيا. يشير الرد الدولي إلى أن المجتمع الدولي تعلّم بعض الدروس، لكن ثمة المزيد من العبر التي يمكنه استخلاصها.

تختلف أوكرانيا عن سورية من نواحٍ عدة. فلدى أوكرانيا حكومة فعّالة لا تزال تسيطر على معظم أراضي البلاد، وتحارب قوة احتلال وتحظى بدعم كبير من حلفائها. كذلك، تحتل أوكرانيا موقعًا مختلفًا في علاقتها مع روسيا وهي ملمّة تاريخيًا باستراتيجيات موسكو، ولا تفترض وجود حسن نية من الجانب الروسي. وقد أعطاها هذا الأمر أفضلية في المفاوضات مقارنةً مع الجهات الخارجية التي حاولت التفاوض مع موسكو في سورية. لذا، سيكون من الضروري البناء على المقاربة الأوكرانية، إلى جانب تطبيق الدروس المستفادة في سورية، إذا ما أرادت الجهات المعارِضة للخطوات الروسية في أوكرانيا إنهاء الحرب.

التكتيكات الروسية في الصراع السوري

طبّقت روسيا في سورية مزيجًا من الإجراءات من أجل تحقيق أهدافها، بما في ذلك فرض الحصار، والتلاعب بالمساعدات الإنسانية، وممارسة القوة العسكرية، وتجاهل القانون الدولي الإنساني، واستغلال المسار الدبلوماسي من أجل كسب الوقت اللازم لتحقيق أهدافها، واستخدام التضليل الإعلامي والترويج للأخبار الكاذبة.

لم تبتكر روسيا تكتيكات الحصار في سورية، بل ورثتها. فحين بدأ انخراط القوات العسكرية الروسية في الصراع، كان الشمال السوري قد أصبح خاضعًا لسيطرة مزيجٍ متنوّع من المجموعات المسلحة غير الحكومية. كانت المناطق الواقعة في وسط البلاد وجنوبها تحت سيطرة الحكومة، مع وجود مجموعة بارزة من الجيوب الخاضعة لسيطرة المعارضة. أُخضعت هذه الجيوب من خلال اتفاقيات الهدنة المحلية وتكتيكات الحصار بدرجات متفاوتة، بيد أنها بقيت تحت سيطرة المعارضة نظرًا إلى أن القوات التابعة للحكومة السورية لم تملك العدد الكافي من العناصر لخوض معارك على هذا الكمّ من الجبهات في الوقت نفسه. بدأ سعي النظام إلى حرمان خصومه من المساعدات في مراحل مبكرة من الصراع، وشهد الكثير من الحصارات تعزيز خطوط التهريب عبر الأنفاق والحواجز، والتي تم التسامح معها أحيانًا لأنها سمحت لمجنّدي الجيش السوري بتلقّي الرشاوى المكمِّلة لأجورهم، وسمحت للمتنفّعين من الحرب المرتبطين بالنظام بجني الأموال. وفي آب/أغسطس 2016، أصبحت داريا أولى المدن المحاصرة الواقعة في ريف دمشق التي سقطت عقِب التدخل الروسي، بعد أن كانت خاضعة لسيطرة المعارضة. فقد أوقفت القوات الحكومية، بدعم عسكري روسي، أنفاق الإمدادات وشنّت حملة قصف عسكري شرسة استهدفت المستشفى الوحيد في المنطقة، ما تسبّب بإغلاقه. وفي غضون أيام، تم إجلاء السكان قسرًا على متن الباصات الخضراء التي أصبحت ذائعة الصيت. وتكرّر هذا الأسلوب مرارًا خلال المرحلة اللاحقة.

وقد انطلقت مفاوضات عالية المخاطر اختلفت مدّتها ونطاقها، لضمان وصول المساعدات أو حدوث عمليات إجلاء أو وقف إطلاق النار. في الأماكن التي سعت فيها روسيا وحلفاؤها إلى تحقيق انتصار عسكري وسياسي، لم يرضوا بأقل من ذلك. ولم يتم التوصل إلى نتيجة مغايرة إلا حين أُرغِموا على التخلّي عن أهدافهم التوسعية الكبرى. وخير مثال على ذلك محافظة إدلب، حيث دفع الانخراط التركي روسيا إلى تغيير حساباتها الاستراتيجية، ما أدّى إلى اتفاقية هدنة بين الدولتَين فرضت حالة من الهدوء النسبي في الخطوط الأمامية على مدى سنتَين. مع ذلك، يبقى الأمل ضئيلًا بإمكانية التفاوض من أجل تحقيق عملية وقف إطلاق النار على المستوى الوطني في سورية.

علاوةً على ذلك، انخرطت روسيا في مفاوضات دبلوماسية أخرى، مستخدمةً في أغلب الأحيان هذه العمليات للم ماطلة وكسب الوقت، من دون الرغبة في المشاركة فيها بحسن نيّة. بدلًا من ذلك، تمّ استخدام المفاوضات تكتيكيًا لصرف الانتباه عما كان يحدث على أرض الواقع، وإنكار الادّعاءات بارتكاب روسيا جرائم حرب وغيرها من الأعمال المشينة، وتأخير حلّ الصراع، وإبعاد اللوم عنها. مع ذلك، اعتبر البعض في المجتمع الدولي أن المشاركة الروسية في المساعي الدبلوماسية تعكس صورة مفادها أن موسكو تتصرّف بعقلانية وتبدي حسن نية ورغبة في التوصّل إلى تسوية. صحيحٌ أن هذه المشاركة منحت روسيا شرعية قيّمة، إلا أنها عجزت في أغلب الأحيان عن إبرام اتفاقيات أو عن تطبيق نتائجها.

وحتى حين امتثل المسؤولون الروس لاتفاقيات وقف إطلاق النار الرفيعة المستوى من خلال قرار مجلس الأمن الدولي، على غرار الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه خلال الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية في العام 2018، أعلنوا أنهم لن ينفذّوها إلّا بعد موافقة الأطراف على الشروط المحددة. وبعدئذٍ، أعلنوا عن فتح ممرات إنسانية من جانب واحد، في ظل ظروف جعلتها فعليًا غير صالحة للاستخدام. وكانوا يسعون تحت الطاولة إلى فرض الاستسلام عسكريًا. وفي غضون أسابيع، حققوا هدفهم هذا ولم يُطبَّق قرار مجلس الأمن القاضي بوقف إطلاق النار.

وقد تمّ اللجوء إلى استراتيجية مماثلة لضمان السيطرة الكاملة على المساعدات الإنسانية، سواء داخل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وروسيا أو خارجها. فمنذ بداية الصراع، رفض نظام الأسد السماح بوصول المساعدات إلى معارضيه. وفي العام 2014، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2165 بشأن إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى المناطق الواقعة شمال غرب سورية وشمال شرقها والخاضعة لسيطرة المتمردين. كذلك، عمدت روسيا إلى التلاعب بعملية تجديد هذا القرار التي تتمّ سنويًا ، من أجل إغلاق المعابر الحدودية عندما كان ذلك مناسبًا لها، بينما هدّدت بإغلاق معابر أخرى ما لم تنتزع هي وحلفاؤها مجموعة من التنازلات.

أدّى فشل المجتمع الدولي في التصدّي بشكل ملائم للانتهاكات المنتظمة والواضحة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي في سورية، والتي تجلّت على شكل هجمات استهدفت المستشفيات والمدارس والمدنيين ، فضلًا عن النزوح القسري، إلى تشجيع موسكو أكثر نظرًا إلى استمرار حالة الإفلات من العقاب. فمع أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة ، ومعها عشرات المجموعات المعنية بحقوق الإنسان، وثّقت جرائم الحرب المُرتكبة منذ بداية الصراع السوري، لم تُنفَّذ أي آلية مساءلة على المستوى الرفيع لغاية الآن. وبعد سنوات من الهجمات الموثّقة التي استهدفت المستشفيات، تمّ إنشاء مجلس التحقيق التابع للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالتحقيق في الهجمات على المستشفيات ، والذي أصدر في العام 2020 توصيات متواضعة تركّزت على نظام الإخطار الإنساني ليس إلا. كذلك، ثمّة آليات مساءلة جديدة وأكثر فعالية مخصّصة للاستفادة من كل فرصة متاحة لتحقيق العدالة، لكنها تركّز في الدرجة الأولى على أفراد داخل نظام الأسد من دون التطرّق إلى التدخّل الروسي. ولم يصدر أي تنديد دولي يُعتد به للانتهاكات الروسية الموثّقة.

إضافةً إلى ذلك، لم تتوانَ روسيا ونظام الأسد عن استخدام تقنيات التضليل الإعلامي وتلفيق المعلومات منذ بداية الصراع السوري، لطمس أفظع ارتكاباتهما في سورية. ومن الأمثلة على ذلك قيام روسيا بالترويج لمواقف الأم أغنيس ، وهي راهبة لبنانية من دير القديس يعقوب المقطّع في سورية، أبدت شكوكًا حيال استهداف الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية في العام 2013. وردًّا على هذه الهجمات، صوّت البرلمانيون في المملكة المتحدة ضدّ التدخل في سورية للرد على هذا الهجوم، ولم يُطرح خيار استخدام القوة العسكرية حتى للتصويت في الكونغرس الأميركي. بدلًا من ذلك، أُحيل ملف الهجوم إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ، ما أطلق عملية يتعيّن على سورية بموجبها الإعلان عن حجم ترسانة أسلحتها الكيميائية وتفكيكها، وهو أمر لم تفعله دمشق بعد. وقد أتاحت أحداث لاحقة المزيد من الفرص لنشر معلومات مضلّلة ومغلوطة لاقت صدى في وسائل إعلام هامشية في الدول الغربية.

لقد اكتسبت حملة التضليل الروسية زخمًا أكبر بعد تدخلها في سورية، إذ عمدت قناة RT (روسيا اليوم سابقًا) المؤيدة للكرملين، وشبكات البوت نت (botnet) المتخصصة في تنفيذ هجمات إلكترونية، ومواقع الأخبار الزائفة على ما يبدو، إلى الترويج لبعض الأصوات المحلية، مثل مواقف الأم أغنيس، لصنع حالة من الإجماع الواسع النطاق حول سردية النظام السوري لمسار الأحداث، الأمر الذي ساهم في إضعاف الاستجابات الدولية للصراع. فكلما ازداد فقدان الثقة بالسرديات الرسمية في الدول التي لديها مصالح في سورية، تراجع نطاق التدخل المحتمَل. وفي نهاية المطاف، باتت أولويات الدول المناهضة للأسد سابقًا تتمثّل في احتواء الوضع وإرساء الاستقرار في البلاد، ما ساعد روسيا على البدء بتسهيل عملية تطبيع العلاقات مع نظام الأسد ، وبالتالي تعزيز مكاسب كلٍّ من النظام وموسكو، وربما التخفيف من حدّة المخاطر والتقليل من التكاليف التي تكبّدتها روسيا في سورية.

لقد نجحت روسيا والنظام السوري في إخضاع خصومهما عسكريًا، بمن فيهم السكان المدنيين، وفي السيطرة على شبكة واسعة من المساعدات، وزرع الشكوك حول حادثة تُعتبر من أسوأ انتهاكات القانون الدولي، واستخدما ذلك ليس فقط لتجنّب الخضوع للمساءلة والمحاسبة فحسب، بل أيضًا لتوطيد حكم الأسد ومكاسب موسكو. وأدّى ذلك إلى تقويض القوانين والأعراف الدولية في سياق دبلوماسي دولي يزداد تعقيدًا. وهذا هو تحديدًا السياق الأوسع الذي انطلق فيه الغزو الروسي لأوكرانيا.

تطبيق الدروس المستقاة من سورية في السياق الأوكراني

انتهجت روسيا في أوكرانيا عددًا كبيرًا من السياسات التي تبنّتها في سورية، ما يسمح بتقييم تكتيكاتها واتّخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها. لقد فرضت موسكو حصارًا في أوكرانيا للغرض نفسه كما في سورية، وهو إرغامها على الاستسلام. وانطوى هذا النهج على منع وصول المساعدات والسلع الأساسية، وقصف البنية التحتية الإنسانية واستهداف المدنيين، وفتح ممرات محفوفة بالمخاطر لإجلاء أعداد محدودة فقط من الأشخاص، ودفع السكان إلى النزوح. وفي الكثير من الحالات، كان هدف موسكو هو فرض الاستسلام، كما في الحملة الوحشية التي شنّتها على مدينة ماريوبول .

وفي أماكن أخرى، كما في كييف، كان فرض الاستسلام هو الطموح الأساسي، لكن المسؤولين الروس عكسوا مسارهم لأن قواتهم كانت مرهقة وقليلة الاستعداد ، وليس بسبب نجاح المفاوضات. مع ذلك، استخدمت روسيا الانسحابات لمحاولة تعزيز موقعها الدبلوماسي على الصعيد الدولي. صحيحٌ أنها انسحبت من كييف ومناطق أخرى وأعادت تنظيم قواتها لتحقيق أهدافها الخاصة، إلا أنها سارعت إلى تصوير ذلك على أنه تنفيذ للتفاهم التي تمّ التوصل إليها خلال المفاوضات مع أوكرانيا في أنقرة . وبعد ذلك، أعلن القادة الروس بشكل شبه تلقائي أن المحادثات وصلت إلى طريق مسدود وأكملوا سعيهم إلى تحقيق طموحاتهم في شرق أوكرانيا . واقع الحال أنهم حاولوا استغلال المسار الدبلوماسي للحصول على تأييد في صفوف الدول التي كانت تعارض غزوهم أو تشكّك به.

علاوةً على ذلك، سعت روسيا في البداية إلى تعزيز سيطرتها على طرق إيصال المساعدات الإنسانية من خلال قرار مجلس الأمن الدولي الذي ربط جميع المساعدات بعملية تنسيق تقودها الأمم المتحدة . لكن نظرًا إلى الاحتياجات الإنسانية الهائلة الناجمة عن الغزو وديناميكيات السيطرة في أوكرانيا، من الأجدى أن تتولى الحكومة الأوكرانية مهمة تأمين الممرات اللازمة لإيصال مساعدات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى. وقد أعلن المسؤولون الروس من جانب واحد عن فتح ممرات لإجلاء السكان وفرضوا شروطًا غير مقبولة، مثل ترحيل الأشخاص إلى مخيمات فرز في روسيا . وفي أحيان أخرى، سمحت موسكو بمرور محدود للمدنيين، لكنها منعت دخول السلع الأساسية . وحيثما أمكن، استخدمت نفوذها للسيطرة على المساعدات أو حرمان السكان منها، من أجل تعزيز أهدافها العسكرية والسياسية.

خلال الأسابيع الأولى من النزاع، قصفت روسيا عشرات المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية ، محاكيةً بذلك التكتيكات المستخدمة في سورية. ولا يزال الكرملين يحاول نشر معلومات مضلّلة ومغلوطة حول هذه الهجمات، مع العلم أن بيئة المعلومات الأكثر انفتاحًا في أوكرانيا تعمل على التصدّي لهذه المحاولات. ولجأت موسكو إلى المراوغة بشأن أسباب قصفها مستشفى للتوليد فضلًا عن مسرح يحتمي فيه المدنيون في ماريوبول ، وحاولت صرف الانتباه عن هذه الجرائم والتملّص من المسؤولية. وظهرت صور القتل الجماعي للمدنيين من بوتشا بعد انسحاب القوات الروسية ، لكن روسيا نسجت نسختها الخاصة من الأحداث على وقع تصاعد وتيرة الإدانات. وسمح لها ذلك مرة أخرى بحشد بعض الدعم، أو تجنّب إثارة استنكار بعض الدول التي تهرّبت من اتخاذ مواقف حازمة بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا. وركّزت حملات التضليل الروسية بشكل كبير على دول غير غربية كالهند والصين . ومن المرجّح أن يكون لهذا تأثير أكبر فيما تتوالى فصول النزاع وتتراجع التغطية الإعلامية الشاملة، ما يساعد موسكو في كسب (أو الحفاظ على) الأهمية والتعاطف في أوساط دول أخرى غير تلك التي تدعم أوكرانيا. يُشار إلى أن الحملة الإعلامية الشرسة التي دعمتها روسيا وزعمت وجود مختبرات بيولوجية مدعومة أميركيًا في أوكرانيا ، فشلت في اكتساب زخم واسع النطاق في وسائل الإعلام الغربية. لكن موسكو تمكنت مع ذلك من إثارة حالة من التشكيك لدى بعض الوسائل الإعلامية والأفرقاء السياسيين .

ولعلّ أهم درس يمكن استخلاصه من سورية واستخدامه في مواجهة النهج الروسي يتمثّل في ضرورة تغيير حسابات روسيا من أجل تغيير مسار النزاع. في سورية، خشيت معظم الدول الغربية من أن الانخراط أو الدعم العسكري الهادف لن يؤدي سوى إلى التصعيد. لكن عندما استخدمت تركيا الوسائل العسكرية لصدّ تجاوزات النظام السوري في محافظة إدلب خلال الهجوم الأخير في شباط/فبراير 2020، لم يسهم ذلك في اندلاع حرب عالمية ثالثة، بل ساهم في بلوغ اتفاقات هدنة محلية كانت من بين الأنجح في كل فصول الصراع.

وتمّ تكرار هذا السيناريو في أوكرانيا أيضًا، حيث كانت المقاومة العسكرية ضدّ القوات المسلحة الروسية فعّالة على نحو مفاجئ. وبدلًا من أن تنجح روسيا في الاستيلاء على البلاد بشكل سريع كما كان متوقعًا، سحبت موسكو قواتها من مناطق عدّة في البلاد ، أقلّه لحين. وتجدر الإشارة إلى أن الدول الغربية تقدّم دعمًا عسكريًا كبيرًا للقوات الأوكرانية. وسيشكّل الاستمرار في هذا النهج، طالما أنه ضروري، أحد أبرز الاختلافات بين الصراعَين الأوكراني والسوري. وقد ثَبُت أن هذا العامل مهم في إعادة ضبط روسيا لطموحاتها في النزاع، وسيكون حاسمًا أيضًا من أجل تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام عن طريق التفاوض.

كذلك، تمّ فرض عقوبات اقتصادية على روسيا بطريقة أكثر صرامة مما كان عليه الحال بعد تدخّلها في سورية. ويبدو أن تدابير محدّدة مثل إخراج روسيا من نظام سويفت المصرفي الدولي، قد تمّ تصميمها لتغيير تقييم موسكو لخياراتها، بدلًا من مجرد معاقبة المشاركين مباشرةً في العمليات الحربية أو تحذيرهم. وتُعتبر العقوبات التكتيكية مهمة أيضًا، مثل التوقف المؤقت الذي طلبته أوكرانيا بشأن استهداف الولايات المتحدة الأوليغارشي الروسي رومان أبراموفيتش الذي شارك في محادثات السلام في تركيا. ومن شأن العقوبات الموجّهة، حيثما أمكن، أن تؤدي إلى استجابة سياسية محددة قد تساعد، إلى جانب الدبلوماسية، في تغيير سلوك روسيا وتعزيز احتمال التوصل حلّ مستدام للصراع عن طريق التفاوض.

إضافةً إلى تهيئة الظروف التي تدفع روسيا إلى إعادة ضبط تكتيكاتها، على الدبلوماسية في أوكرانيا أن تكون أكثر نشاطًا وصرامةً وتعقيدًا من النهج الذي اتُّبع في سورية. ولا يمكن لأوكرانيا وداعميها أن يأملوا في الاستمرار بعزل روسيا، والتفاوض بشأن الممرات المحلية للدخول ووقف إطلاق النار، والتوصل إلى حلّ دبلوماسي للصراع، وقلب المسار الذي بدأ في سورية، وصون القانون والأعراف الدولية من جديد، إلّا من خلال بذل جهود دبلوماسية منسّقة على مستويات عدّة، بدءًا من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ووصولًا إلى الشركاء في المستويات الأدنى.

انطلق المسار الدبلوماسي على المستوى الرفيع بقوة. فقد ركّزت الجهود الغربية في بداية الغزو على تجريد روسيا من الدعم الدبلوماسي، وعزلها دوليًا. وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققه هذا المسار في بادئ الأمر، أصبح أقل وطأةً مع مرور الوقت. وخير دليل على ذلك تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 7 نيسان/أبريل على تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان ، إذ صوّتت ثلاث وتسعون دولة لصالح القرار، فيما صوّتت أربع وعشرون دولة ضدّه، وامتنعت ثمانٍ وخمسون دولة عن التصويت. وشكّل هذا تغييرًا ملحوظًا مقارنةً مع تصويت 141 دولة لصالح قرار الجمعية العامة في آذار/مارس الذي طالب بانسحاب روسيا غير المشروط من أوكرانيا ، إذ صوتت خمس دول ضدّه وامتنعت خمس وثلاثون دولة عن التصويت. وفيما تتوالى انتكاسات روسيا التي خسرت الانتخابات في أربع لجان تابعة للأمم المتحدة في نيسان/أبريل، يشير تراجع الدعم في التصويت الخاص بمجلس حقوق الإنسان إلى أن استراتيجية العزل ستتطلب تحفيزًا لتستمر في المدى الطويل.

ولتحقيق ذلك، لا بدّ من الاستفادة من بعض الدروس السورية. تشهد أوكرانيا راهنًا عددًا كبيرًا من التحقيق ات في قضايا تتعلّق بحقوق الإنسان وجرائم الحرب. لكن إن دلّت الحرب السورية على شيء فإنما تدلّ على أن المساءلة هي مشروع طويل الأمد سيُخلّف على الأرجح نتائج غير مرضية. لذلك، يمكن إيجاد استخدامات أكثر إلحاحًا للمعلومات التي يتم جمعها في إطار هذه المساعي، على غرار مكافحة حملات التضليل الروسية وتعزيز الجهود الدبلوماسية. فمن شأن توثيق الجرائم بشكل سريع ولا لبس فيه، ونشر المعلومات على نطاق واسع لكسب ورقة ضغط دبلوماسية مهمة أن يساهما في الحدّ من تأثير المعلومات المضللة الروسية، وتقويض جهود موسكو الرامية إلى إنكار أفعالها وإبعاد اللوم عنها.

لقد راوحت المفاوضات حول أوكرانيا مكانها حتى تاريخ كتابة هذا المقال. وفيما من المستبعد أن تنخرط روسيا بشكل فعّال مع القادة الأوكرانيين قبل أن تتمكن من إبرام اتفاق يرضيها، من المهم جدًّا السعي إلى إبرام تسوية للصراع عن طريق التفاوض، والاستفادة من جميع الفرص المتاحة. ولا بدّ من ممارسة الدبلوماسية النشطة على مستوى محلي أكثر، إذ من الضروري معالجة مسائل مثل إيصال المساعدات الإنسانية، وعمليات الإجلاء، والممرات، وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من خلال أنظمة الإخطار الإنساني. ويتعيّن على أوكرانيا وداعميها، خلال مراحل المفاوضات كافة، تسليط الضوء على المرات التي تتصرف فيها روسيا بسوء نية لمنعها من تحقيق أهدافها الدبلوماسية والحفاظ على تحالفاتها السياسية والاقتصادية. هذا الهدف دونه صعوبات جمّة، وتمّ التعامل معه بشكل سيئ في سورية، ما خلّف نتائج صبّت في مصلحة روسيا والنظام السوري.

وينبغي على الدول الداعمة لأوكرانيا تعزيز الدبلوماسية الرفيعة المستوى باستراتيجية قوية ومتكاملة. ويبدأ ذلك بضمان عدم تسرّب لغة قد تكون شائنة في قرارات مجلس الأمن الدولي، والحرص على ألّا تقوّض مفاوضات الأمم المتحدة بشأن المساعدات الإنسانية في موسكو حوارات أوكرانيا الخاصة، فيما تقدّم فيه الدول المؤيدة لها إما الدعم الفني لهذه الجهود عند الحاجة أو الدعم السياسي والدبلوماسي عندما يتطلّب الأمر تصعيدًا. ومن شأن توفير الدعم المادي والاستراتيجي للبلاد عبر نهج متكامل أن يساعد أيضًا، من خلال الربط بين الدعم الدبلوماسي والسياسي والعسكري والإنساني وبين تحقيق المساءلة والاستقرار، بدلًا من السماح لكلٍّ مكوّن منها بالعمل بمعزل عن الآخر. في سورية، لم تحظَ المعارضة سوى بدعم عسكري وتوجيه استراتيجي ضئيل، لكن في أوكرانيا، قد يساعد هذا الدعم على تحقيق أهداف عسكرية والحفاظ على خطوط الإمداد الإنسانية وطرق إيصال المساعدات للسماح بحماية المدنيين من خلال الاستعداد لحصار محتمل قد يكون مدمرًا في كييف ومدن أخرى، أو الحؤول دون حصوله. فمن خلال هذه الإجراءات، قد تصبح حماية المدنيين ممكنة، على أن تتوفّر جهود التوثيق والمساءلة عندما يفشل ذلك بدلًا من أن تكون أداة أساسية، كما رأينا في سورية.

ويُعتبر إعداد العاملين في المجال الإنساني والبنية التحتية لاستهداف روسي حتمي، وفي الوقت نفسه ضمان قدرة العمليات الإنسانية على توقّع الاحتياجات والاستجابة لها، أمرَين أساسيَّن في إنقاذ أرواح المدنيين قبل الحصار وخلاله وبعد انتهائه. في هذا السياق، تستطيع الجهات الفاعلة في سورية أن تقدّم دروسًا عدّة، بدءًا من التدريب العملي على التعامل مع الضربات المزدوج ة، ووصولًا إلى تقديم المشورة بشأن الحاجة إلى مراكز متكاملة لتحقيق الاستقرار تدمج مصادر التمويل المرنة مع الأنشطة الإنسانية بحيث يمكن تخزين السلع مسبقًا قبل أي حصار محتمل. علاوةً على ذلك، قد يساهم ضمان تبنّي أنظمة الإخطار الإنساني في أوكرانيا جميع التوصيات والدروس المقدّمة من مجلس التحقيق التابع لمجلس الأمن الدولي حول الهجمات التي استهدفت المستشفيات في سورية، وقيام الدول بإيجاد طرق لمعالجة انتهاكات القانون الإنساني الدولي من خلال الإدانة الدبلوماسية أو غير ذلك، في الحفاظ على الثقة بالأنظمة الإنسانية وبأهمية القانون الإنساني على المدى الطويل.

صحيحٌ أن بعض تكتيكات روسيا في أوكرانيا مشابهة لتلك التي استُخدمت في سورية، إلا أن ردود الفعل عليها كانت مختلفة بشكل كبير في بعض الأماكن. ويُعتبر العمل على توسيع هذا النهج من خلال تبنّي الدروس المُستخلصة بشقّ الأنفس في سورية، بدلًا من إعادة تعلّمها من جديد، ضروريًا للتخفيف من وطأة أسوأ تداعيات النزاع الأوكراني وإنقاذ حياة المدنيين الذين، شأنهم شأن ملايين السوريين، لم يطلبوا أبدًا من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يشنّ الحرب عليهم.