ملخّص

تُقسَم الحدود التركية-السورية إلى مناطق سيطرة منفصلة تدعم مشاريع سياسية متناقضة. فهي خاضعة لقوات سورية الديمقراطية في شمال شرق سورية، ولهيئة تحرير الشام في إدلب، ولتركيا في كانتونات عدة. لكن هذه المناطق الحدودية تشكّل نوعًا من إيكوسيستم سياسي-أمني واحد مرتبط بجنوب تركيا وبالمناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام. تبعًا لذلك، وحده اتفاق سلام يعتبر المناطق الحدودية كلًّا لا يتجزأ ويرسّم مناطق النفوذ التابعة للقوى الكبرى يمكن أن يؤدّي إلى تسوية مستقرة في المدى الطويل.

نقاط أساسية

أرميناك توكماجيان
أرميناك توكماجيان باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.
More >
  • عزّزت الحرب في سورية النشاط الاقتصادي في المناطق الواقعة على طول الحدود السورية-التركية، إذ فُتحت معابر حدودية جديدة مع تركيا، وكذلك معابر داخلية تربط بين مناطق خاضعة لسيطرة أفرقاء مختلفين.
  • تشهد المناطق الحدودية انتشارًا عسكريًا وأمنيًا واسعًا، حيث يتداخل عشرات آلاف المقاتلين مع ملايين المدنيين. ولم تحقق الجهود التي بذلتها تركيا لتحقيق استقرار الاقتصاد من خلال تحفيز الصناعة في المناطق التي تمارس فيها نفوذها، سوى نجاح ضئيل، ولا تزال المناطق الحدودية تعتمد على التجارة.
  • تبدّلَ موقع النزاعات المسلّحة في سورية وبات يمتدّ على شكل قوس من غرب البلاد إلى شرقها على طول الحدود التركية-السورية بأكملها. ومن الأسباب الرئيسة للنزاع موقف أنقرة التي تعتبر أن حزب العمال الكردستاني، الذي هو في نظرها القوة التي تقف خلف قوات سورية الديمقراطية، يشكّل تهديدًا خطيرًا للأمن القومي التركي.

خلاصات

خضر خضّور
خضر خضّور باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تركّز أبحاثه على العلاقات المدنية-العسكرية والهويات المحليّة في بلاد الشام، مع تركيز خاص على سورية.
  • طبعت الحدود بين سورية وتركيا العلاقات الثنائية منذ بداية القرن العشرين. كان الاستثناء في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين تراجعت أهمية الحدود. وفي إثر اندلاع النزاع السوري في العام 2011، أصبحت الحدود مجددًا العامل الحاسم في العلاقات السورية-التركية.
  • رسمت الحرب معالم منظومة اجتماعية واقتصادية جديدة في شمال سورية. فقد ظهر عدد من المشاريع السياسية ومناطق النفوذ التي وقعت أحيانًا فريسة صفقات سياسية بين القوى الأكبر.
  • أعادت الحرب هندسة المجتمع السوري. فعلى امتداد الحدود الكاملة مع تركيا، يعيش النازحون من مختلف أنحاء سورية إلى جانب السكان المحليين في مناطق ذات كثافة سكانية عالية. وقد شكّل العامل الديموغرافي والنزوح في هذه المناطق مصدرَين أساسيَّين للخلافات، ومن شأن أي نشاط عسكري أن يحمل في طياته خطر حدوث مزيد من التغييرات الموجعة من هذا القبيل.
  • الوضع القائم الحالي في شمال سورية غير قابل للاستمرار في المدى الطويل. ثمة أجندات متضاربة، ولن تتبلور تسوية راسخة إلا في حال التوصل إلى تسوية شاملة تعتبر المنطقة الحدودية كلًّا غير قابل للتجزئة وتحدّد مناطق النفوذ التابعة للقوى الكبرى.

مقدّمة

خلال العام المنصرم، ولّدت التطورات في الجانب السوري من الحدود مع تركيا أجواء سياسية تعصف بها النزاعات، وتسبّبت بتعقيد آفاق التوصل إلى أي نوع من التفاهم بين أنقرة ودمشق. وتشمل هذه التطورات الانتفاضة السورية، والتحولات الديموغرافية الواسعة، وصعود المجموعات الإسلامية المتشددة، وتوسّع أحد فروع حزب العمال الكردستاني في أجزاء كثيرة من الحدود، والتدخلات المتكررة من الجيش التركي، وإرساء حضور القوات العسكرية الأميركية والروسية على السواء. لقد أدّت الحرب في سورية، التي كانت ولا تزال المحرّك الأساسي لهذه التطورات (انظر الخريطة 1)، إلى صعود أنماط اقتصادية واجتماعية وسياسية مترابطة ومتمايزة في آن على طول الحدود الممتدة على مسافة 911 كيلومترًا. بصورة عامة، تُقسَم المنطقة إلى ثلاث مناطق شبه مستقلة ذاتيًا: الشمال الشرقي حيث يفرض أحد فروع حزب العمال الكردستاني سيطرته؛ والوسط حيث تخضع ثلاثة كانتونات لتأثير تركي قوي؛ وإدلب في الشمال الغربي، والتي تحكمها مجموعة إسلامية محلية.

تؤثّر هذه المناطق الثلاث في السياسات الحدودية التركية وتتأثّر بها. والحال هو أن إدلب والكانتونات الثلاثة الخاضعة للسيطرة التركية، حيث يتألف نصف السكان من أشخاص نازحين داخليًا، مرتبطة اجتماعيًا واقتصاديًا بمناطق محاذية في الجانب التركي من الحدود، مثل شانلي أورفة وغازي عنتاب وكيليس وريحانلي. لقد سعت أنقرة إلى تثبيت استقرار الاقتصاد في إدلب والكانتونات الثلاثة، وإلى منع التحولات الديموغرافية الكبرى. أما المنطقة الواقعة في الشمال الشرقي فلها أنماطها الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وتفصلها عن تركيا حدود صلبة. وتؤدّي الديناميكيات المحلية إلى تعزيز هذه الانقسامات. في حين وجدت تركيا طرقًا لدعم الأفرقاء السياسيين المحليين أو التعايش معهم في الكانتونات الثلاثة وحتى في إدلب، لا يزال شبح القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني في شمال شرق البلاد يقضّ مضجع أنقرة.

على الرغم من الاختلافات بين هذه المناطق الثلاث، وأبرزها الأجندات المتضاربة للأفرقاء المحليين وداعميهم الخارجيين، فإنها مترابطة في ما بينها، ومع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، من خلال المعابر الداخلية. تسهّل هذه المعابر تدفّق السلع، وبدرجة أقل، الأشخاص، ما يعني أن التفكك الاقتصادي والنزوح الديموغرافي في منطقة ما، أو في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام، يؤثّران في المناطق الأخرى وفي جنوب تركيا. واقع الحال هو أن المناطق الحدودية الثلاث والمناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري والمنطقة الواقعة جنوب تركيا هي أشبه ببلاطات متراكبة إنما متقلقلة – ولذلك فإن الدوس على واحدة منها يؤدّي حتمًا إلى تزحزح البلاطات الأخرى من مكانها.

كان تشكُّل المناطق الحدودية الثلاث جزءًا من إعادة التنظيم الجذرية التي أحدثتها الحرب في المشهد الاقتصادي والسياسي والأمني في شمال سورية. وإعادة التنظيم تجعل من الصعب تصوّر عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل العام 2011. ليس المقصود أن الوضع الراهن مستقر. فالحدود السورية-التركية لم تعد خطًا فاصلًا بين بلدَين، بل أصبحت معقلًا للتوتر بين أفرقاء عدة يتنافسون على النفوذ على طول هذه الحدود – وتحوّلت إلى إحدى المناطق الأشد عسكرة في الشرق الأوسط. المعضلة هي أنه حتى لو لم يكن هذا الوضع هو الأمثل في نظر أيٍّ من الأفرقاء السياسيين والعسكريين الأساسيين، ليس ثمة مخرج يناسبهم جميعهم. لذلك، من شأن محاولات أُحادية يقوم بها أي طرف من الأطراف لإعادة رسم الخريطة أن تتسبب بانفجار النزاعات التي تعتمل شيئًا فشيئًا.

الحدود السورية-التركية: عامل محدِّد للعلاقات المتبادلة

منذ إنشاء الجمهوريتَين التركية والسورية في النصف الأول من القرن العشرين، شكّلت الحدود الفاصلة بينهما مسألة خلافية. فقد كان للحدود، أكثر من أي عامل آخر، تأثير في العلاقات الثنائية، وينطبق ذلك بصورة خاصة على مرحلة الثمانينيات، حين مدّت سورية حزب العمال الكردستاني بالدعم. والاستثناء اللافت الوحيد للقاعدة كان العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، خلال التقارب التاريخي بين تركيا وسورية. لقد حوّل النزاع السوري الذي اندلع في العام 2011 الحدود إلى نقطة عبور تُستخدَم بكثرة لدخول اللاجئين الوافدين من سورية إلى تركيا، ولدخول الأموال والأسلحة والمقاتلين الأجانب، وحتى الجنود الأتراك، إلى سورية. من نواحٍ عدة، طُبِعت العلاقات بين البلدَين مجددًا بالأحداث الجارية عند حدودهما.

من بداية مضطربة إلى تقارب حذر

المرة الأولى التي رُسِم فيها الخط الفاصل بين تركيا وسورية الخاضعة للانتداب الفرنسي كانت في اتفاق أنقرة للعام 1921 الذي أنهى حالة الحرب بين فرنسا وتركيا.1 لكن ترسيم الحدود على الأرض كان عملية طويلة أثّرت إلى حدٍّ كبير في العلاقات التركية مع سورية خلال خضوعها للانتداب الفرنسي ومن ثم بعد نيلها استقلالها. وتمحورت المسألة الأكثر خلافية حول الطرفَين الشرقي والغربي للحدود. في المنطقة الواقعة شمال شرق سورية، تبيّن أن ترسيم الحدود سهل عند سكة حديد بغداد، لكن وقع خلاف بشأن الطرف الشمالي الشرقي لسورية، أو ما بات يُعرَف بـ"منقار البط". وفي الشمال الغربي، تمحور الخلاف حول سنجق اسكندرون الذي يسمّيه الأتراك هاتاي.

بعد المفاوضات والتنازلات من الجانب التركي في العام 1929، ثبّتت سورية سيطرتها على المناطق الواقعة في الشمال الشرقي، ومنها "منقار البط".2 لكن في الشمال الغربي للبلاد، سارت الأمور بطريقة مختلفة. فقد منح الاتفاق الفرنسي-التركي في 29 أيار/مايو 1937 حكمًا ذاتيًا لسنجق إسكندرون الذي انفصل عن سورية في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1937، في إثر استفتاء محلي مثير للجدل. وفي أيلول/سبتمبر 1938، أعلنت الجمعية التشريعية في الإقليم استقلال جمهورية هاتاي، وهذه كانت الخطوة الأخيرة قبل أن يصبح جزءًا من تركيا في حزيران/يونيو 1939.3

ظلّت هاتاي نقطة خلافية أساسية بين تركيا وسورية بعد حصول سورية على استقلالها، في حين أن الحدود ككل شكّلت مصدر تشنّج في ما تبقّى من القرن العشرين. وتمثّلت إحدى المشكلات الأساسية في التهريب. تنعكس أهمية هذه المسألة في القرار التركي بزرع ألغام لإبعاد المهرّبين.4 في العام 1960، أقامت تركيا سياجًا حول حدودها مع سورية وزرعت ألغامًا في المنطقة، وفرضت القانون العرفي في مناطق في الجانب التركي. وقد ساهمت هذه الإجراءات في خفض التهريب، لكنها لم تضع حدًا له.5 في العام 1981، تخطّى التهريب، بحسب التقديرات، التجارة الشرعية في القيمة النقدية.6

استمر التهريب مع تحسّن العلاقات السورية-التركية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وافتُتِحت محطات وقود في سرمدا، على مقربة من معبر باب الهوى. كانت هذه المحطات تدرّ أرباحًا طائلة، ولذلك كان يجب امتلاك واسطة قوية مع مسؤولين كبار في دمشق للتمكّن من افتتاح محطة محروقات.7 وكانت مئات الآليات التركية والسورية تعبر الحدود يوميًا ذهابًا وإيابًا. وكانت تنقل، في معظم الأحيان، وقودًا سوريًا مدعومًا، إضافةً إلى سلع مثل الشاي والتبغ، من سورية إلى تركيا. استمرت هذه الممارسة بعد اندلاع الحرب في سورية. وشكّلت سرمدا، شأنها في ذلك شأن عدد كبير من المدن الحدودية الأخرى، محطة في رحلة المحروقات نحو السوق السوداء التركية، حيث كانت الأسعار في العام 2012 أعلى بأربعة أضعاف تقريبًا من الأسعار في سورية.8

النزاع الآخر المرتبط بالحدود كان (ولا يزال) النزاع على المياه، ولا سيما مياه نهر الفرات الذي ينبع في تركيا ويمرّ في سورية ثم العراق. لطالما أثارت تركيا حفيظة دمشق من خلال بنائها السدود عند نهر الفرات (وكذلك نهر دجلة) في إطار مشروعٍ انطلق في ستينيات القرن العشرين. والأكبر بينها هو مشروع جنوب شرق الأناضول الذي أُطلِق في أواخر الثمانينيات ويتألف من سدود عدة. يُتوقَّع أن يُنجَز المشروع الذي باتت بعض سدوده قيد التشغيل، في منتصف العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين، وسيضم اثنَين وعشرين سدًّا وتسعة عشر مصنعًا للطاقة المائية، ما يؤمّن مياه الري لما مجموعه 1.8 مليون هكتار من الأراضي في حوض الفرات-دجلة.9 ووفقًا لبعض التقديرات، سيؤدّي المشروع إلى خفض كمية المياه التي تتدفّق إلى سورية بنسبة 50 في المئة، ما سيتسبب بتفاقم المشكلة الناجمة عن السدود التي بدأ تشغيلها في إطار مشروع جنوب شرق الأناضول؛ يُشار في هذا الصدد إلى أنه خلال قيام تركيا بملء سد أتاتورك في العام 1990، تكبّدت سورية (والعراق) تبعات وخيمة، مع تراجع كميات المياه المتدفّقة، في غضون فترة زمنية وجيزة، من 500 متر مكعب في الثانية إلى 165 مترًا مكعبًا فقط.10 كانت العلاقات السورية-التركية مشحونة أصلًا، لكن تنفيذ أجزاء من مشروع جنوب شرق الأناضول في التسعينيات زاد من حدّة التشنج المتبادل وانعدام الثقة.11

لكن المشكلة الأكبر كانت الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني. فالتنظيم القتالي الكردي الذي أطلق تمردًا في جنوب شرق تركيا في العام 1984، عمد بوتيرة متزايدة إلى شن هجمات انطلاقًا من سورية حيث كان يُقيم زعيمه عبدالله أوجلان بين العامَين 1980 و1998. وكانت تركيا وسورية، في مناسبات عدة في الثمانينيات والتسعينيات، على وشك تسوية خلافاتهما. ففي العام 1987، وقّع الجانبان اتفاقًا لمعالجة مسألتَي حزب العمال الكردستاني والمياه، لكن تأثيره لم يعمّر طويلًا.12 وأُبرِم اتفاق مماثل آخر في العام 1992، ولكنه لم يحقق أيضًا نتائج على الأرض.13

في الواقع، ظلّ الخلاف قائمًا حتى العام 1998 حين جرى التوصّل إلى تسوية له. في ذلك العام، كانت طبول الحرب تُقرَع بين تركيا وسورية على خلفية إيواء هذه الأخيرة لحزب العمال الكردستاني على أراضيها. في تشرين الأول/أكتوبر 1998، هدّدت تركيا بغزو سورية، فتراجعت هذه الأخيرة ووافقت على تقديم تنازلات. وكانت النتيجة اتفاق أضنة الذي وقّعته تركيا وسورية في وقت لاحق من العام نفسه. وأعقبته سلسلة من الاتفاقات الإضافية كان آخرها "اتفاق التعاون المشترك للتصدي للتنظميات الإرهابية" الذي أُبرِم في كانون الثاني/يناير 2011، قبيل بدء الانتفاضة السورية.14 ومن النتائج الأساسية لجميع هذه الاتفاقات التزام سورية بالامتناع عن تقديم أي نوع من الدعم لأي تنظيم كان، ولا سيما حزب العمال الكردستاني وفروعه التي اعتبرتها تركيا تنظيمًا إرهابيًا.15 وفقًا للملحق الثاني (تحديدًا المادة 5) لاتفاق أضنة، تحتفظ تركيا "بحقها في ممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس". والأهم من ذلك، منح الملحق الرابع في الاتفاق نفسه تركيا الحق في "اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كلم".16 وقد استشهدت تركيا بهذه المادة لتبرير تدخّلها في سورية خلال النزاع الدائر في البلاد.

في مطلع القرن الحالي، أتاح اتفاق أضنة، وانتقال السلطة بالوراثة إلى بشار الأسد في سورية، وصعود حزب العدالة والتنمية في تركيا وتبدُّل الديناميكيات الإقليمية والدولية، للبلدَين المتجاورَين الذهاب أبعد من مسألة الحدود في ما يتعلق بالعامل المحدِّد للعلاقات الثنائية بينهما. كانت سورية تواجه مجموعة كبيرة من التحديات الإقليمية والدولية التي كان بعضها مشتركًا مع تركيا. لقد تسبّبت الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر واجتياح العراق بقيادة الولايات المتحدة بتدهور العلاقات السورية-الأميركية، ما جعل أنقرة شريكًا منطقيًا لدمشق. في غضون ذلك، ساهمت إمكانية أن يتحوّل الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق إلى حكم دائم، في تحقيق تقارب أكبر بين الدولتَين المتجاورتَين.17 وكان فشل المحادثات السورية-الإسرائيلية وضعف المحور العربي (الذي يتألّف من سورية والسعودية ومصر) من الأسباب التي ساهمت أيضًا في التقارب السوري-التركي.18 على الصعيد الداخلي، حصلت الاندفاعة الأقوى لتحسين العلاقات مع سورية بعد صعود رجب طيب أردوغان إلى السلطة في تركيا في العام 2003 وقيام إدارته بإعادة توجيه السياسة الخارجية نحو الشرق الأوسط تحت شعار "صفر مشاكل، تجارة قصوى" مع جيرانها.19 كانت تركيا تشكّل، من وجهة النظر السورية، جسرًا ضروريًا جدًّا للعبور إلى الاقتصاد العالمي.20

في هذا السياق، اتخذ الجانبان خطوات عملية كثيرة حوّلت العداء بينهما إلى صداقة. فقد دعمت سورية العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وداخل سورية نفسها.21 في المقابل، زادت تركيا كمية المياه التي تتدفّق من أراضيها إلى سورية. لعل التداعيات الأكثر وضوحًا كانت على الجبهة الاجتماعية والاقتصادية، في ضوء الزيادة اللافتة في التجارة والحركة عبر الحدود. وقد ازداد حجم التجارة من 600 مليون دولار أميركي في العام 1998 إلى 2.3 مليارَي دولار في العام 2010. ومالت كفّة الميزان التجاري لصالح تركيا، مع بلوغ حجم الصادرات التركية نحو ثلاثة أضعاف حجم الصادرات السورية تقريبًا.

مع تحسُّن العلاقات، بدأ الأتراك يزورون سورية بأعداد متزايدة والعكس. وفقًا للبيانات الرسمية السورية، ازداد عدد المواطنين الأتراك الذين زاروا سورية من 170,000 في العام 1998 إلى 730,000 في العام 2009، وتضاعف الرقم إلى 1.45 مليون في العام 2010، مع دخول نظام الإعفاء من تأشيرات السفر حيز النفاذ. وفقًا للبيانات الرسمية التركية، ازداد أيضًا عدد السوريين الذين دخلوا إلى تركيا، ولو كانت الزيادة أكثر تدرّجية، إذ ارتفع العدد من نحو 100,000 في العام 1998 إلى 900,000 في العام 2010 (انظر الشكل1).22

علاوةً على ذلك، تخطت العلاقات الاقتصادية التجارة والزيارات. في العام 2007، أصبحت تركيا المستثمر الخارجي الأكبر في سورية. فقد تضاعفت الاستثمارات الخارجية المباشرة التركية مقارنةً بالعام السابق أي 2006، وبلغت 146 مليون دولار.23 وكان لأربعين في المئة تقريبًا من الأعمال في منطقة الشيخ نجار الصناعية في حلب شركاء أتراك، وبلغت قيمة الأموال التركية في هذه المشاريع 650 مليون دولار.24

الحدود نقطة خلافية من جديد

بعيد اندلاع النزاع السوري، تحوّل هذا التقارب غير المسبوق إلى عداوة شديدة من جديد. في البداية، اعتمدت تركيا موقفًا قائمًا على الانتظار وترقُّب ما سيحدث، واتّبعت المسار الدبلوماسي مع النظام السوري – مثالٌ على ذلك زيارة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى دمشق في آب/أغسطس 2011. لكن بحلول تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، دعت أنقرة إلى تنحية الأسد وقدّمت علنًا الدعم لخصومه.25 ومع سلوك النزاع منحى أكثر عنفًا، وتدفّق اللاجئين إلى تركيا، رفعت أنقرة الصوت أكثر للمطالبة بضرورة التدخّل الإنساني. وعزّزت تركيا أيضًا دعمها للمعارضة الخاضعة لسيطرة الإخوان المسلمين في سورية – بصورة أساسية من خلال السماح بعبور الأسلحة والمقاتلين الثوّار إلى سورية – فقد رأت فيها بديلًا محتملًا عن الأسد.26 وبدا أن أنقرة تصدّق أن إطاحة الأسد وشيكة، بمساهمة من الأسلحة والمقاتلين الثوّار الذين كانت تسمح بعبورهم إلى سورية، من جملة عوامل أخرى.

لكن اتّضح تدريجًا أن النظام السوري يمتلك قدرة على الصمود أكبر بكثير مما اعتقده معظم المراقبين، ومنهم تركيا. لم تتخلَّ أنقرة عن خطابها المؤيِّد للتدخل، إلا أنها قلّصت سياستها في الشأن السوري.27 وباتت الأولويات التركية تتمحور حول الحدود – وبوجهٍ خاص، حول التهديدات الأمنية والديموغرافية التي تعتمل في المنطقة الحدودية. في ناحية من النواحي، أعادت الانتفاضة السورية ورهان تركيا الخاطئ على رحيل الأسد سريعًا من السلطة، العلاقات المتبادلة إلى مربّع المسألة الحدودية.

بدأ التهديد الأمني، الذي نتج من انهيار السلطة المركزية في شمال سورية وانتشار المجموعات المسلّحة، بالظهور نحو أواخر العام 2012، لكنه تقدّم إلى الواجهة في العام التالي. في شباط/فبراير 2013، انفجرت سيارة مفخخة عند بوابة جلفاكوز (باب الهوى) الحدودية في مقاطعة هاتاي جنوب البلاد، ما أسفر عن مقتل أربعة عشر شخصًا.28 وبعد بضعة أشهر، تسبب انفجار سيارة مفخخة بمقتل نحو خمسين شخصًا في مدينة ريحانلي عند الحدود التركية.29 وقد اضطُرَّت تركيا، بسبب تصاعد وتيرة الحوادث الأمنية الدموية، إلى تغيير سياسة الحدود المفتوحة، ففرضت اعتبارًا من العام 2015 قيودًا مشدّدة على الدخول إلى أراضيها والخروج منها.30

بدأ تهديدٌ آخر اشتمل على عنصر أمني وديموغرافي على السواء، بالتبلور أيضًا في العام 2012. ففي تموز/يوليو من ذلك العام، انسحب الجيش والقوى الأمنية السورية من المناطق ذات الأكثرية الكردية في شمال شرق البلاد، ما ترك الباب مفتوحًا أمام حزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو أحد فروع حزب العمال الكردستاني التركي، للتقدّم وملء الفراغ. ومع قيام حزب الاتحاد الديمقراطي بطرد المسؤولين الحكوميين المدنيين من عدد كبير من معاقله واستبدالهم بمسؤولين منضوين في صفوفه، وجدت تركيا نفسها فجأةً عند عتبة عدوٍّ لدود. وبعد ذلك بفترة وجيزة، هدّد رجب طيب أردوغان الذي كان آنذاك رئيسًا للوزراء بأن لبلاده "حقًا لا جدال فيه" بالتدخّل في حال أنشأ حزب العمال الكردستاني مخيّمات عسكرية في سورية.31

إحدى نقاط التحوّل الرئيسة في ما يتعلق بالديناميكيات المتغيرة بين أنقرة ودمشق تمثّلت في التدخل العسكري الروسي في سورية في أيلول/سبتمبر 2015. فهذا التدخل لم يؤدِّ إلى تضاؤل آمال المعارضة السورية بطرد الأسد وحسب، بل أتاح أيضًا لهذا الأخير استعادة السيطرة على جميع معاقل المعارضة بين العامَين 2016 و2018، ما عدا تلك الواقعة في الشمال الشرقي والشمال الغربي. بعد وقت قصير من التدخل الروسي، أصبحت تركيا تسعى أكثر بكثير إلى فرض وجودها في شمال سورية، ونظّمت عمليات عسكرية عدة على طول حدودها. بدأت العملية الأولى التي أُطلِق عليها اسم "درع الفرات" في آب/أغسطس 2016 وانتهت في مطلع العام 2017.

تداخلَ الهجوم جزئيًا مع سحب تركيا دعمها للثوّار في حلب ومع قيام النظام بشنّ هجومٍ أسفر عن السيطرة على المدينة في كانون الأول/ديسمبر 2016. ما جرى كان بصورة أساسية مقايضة بين روسيا وتركيا.32 ففي مقابل عدم التدخل في المهمة الروسية الهادفة إلى مساعدة النظام على استعادة جزء كبير من المناطق السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة، سُمِح لتركيا ضمنًا بضمان أمن حدودها من خلال التحرك داخل الأراضي السورية. وقد دخلت القوات العسكرية التركية إلى سورية عبر بلدة جرابلس الحدودية، والتحمت مع المجموعات المسلّحة المتمركزة في سورية والمَدينة بالفضل لتركيا، واستولت على مدينة الباب قرب حلب من قبضة الدولة الإسلامية. وبقدر الأهمية التي اكتسبها طرد الدولة الإسلامية من الباب ومناطق أخرى، كان مهمًا أيضًا منع وحدات حماية الشعب، الجناح المسلّح لحزب الاتحاد الديمقراطي، من تكوين ما أسمته تركيا " كوريدورًا إرهابيًا" عند العتبة التركية من خلال الربط بين منطقتَي منبج وعفرين غير المتجاورتَين اللتَين كانت وحدات حماية الشعب تسيطر عليهما.33 وكانت المنطقة التي أنشأتها تركيا، وباتت تُعرَف بمنطقة درع الفرات، مرتبطة إداريًا بمحافظتَي غازي عنتاب وكيليس التركيتَين، وتخضع للإشراف العسكري التركي.

وكانت المحطة التالية منطقة عفرين الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب. فقد تقدّمت القوات التركية وأذرعها السورية باتجاه عفرين في مطلع العام 2018. وبعد الاستيلاء سريعًا على المدينة، حوّلوها إلى كانتون ثانٍ خاضع للسيطرة التركية. وتجدر الإشارة إلى أن كانتون درع الفرات متاخم لعفرين.34

العملية العسكرية التركية الثالثة، التي أدّت إلى تشكيل كانتون ثالث تحت السيطرة التركية، استهدفت أيضًا قوة ذات أكثرية كردية، إنما هذه المرة في شمال شرق البلاد حيث كانت السيطرة لقوات سورية الديمقراطية، وهي تنظيم مسلّح يضم مجموعات عدة تحت قيادة وحدات حماية الشعب. شنّت تركيا وأذرعها السورية العملية التي أُطلِق عليها اسم نبع السلام في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019. وتمكّنت، في غضون عشرة أيام، من طرد قوات سورية الديمقراطية والسيطرة على منطقة تصل حتى عمق 30 كيلومترًا، وتمتدّ من تل أبيض إلى رأس العين.35 وقعت العملية بعد ثلاثة أيام من اتخاذ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قرارًا بسحب القوات الأميركية من شمال سورية،36 وانتهت بعد توصّل تركيا إلى اتفاق على حدة مع كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة.37 هكذا أصبحت المنطقة التي جرت السيطرة عليها في عملية نبع السلام منطقة ثالثة للنفوذ التركي، علمًا بأنها لم تكن محاذية لكانتونَي درع الفرات وعفرين.

على النقيض من مناطق درع الفرات وعفرين ونبع السلام، لم تقع إدلب تحت السيطرة التركية. تمارس هيئة تحرير الشام الإسلامية المتشددة سيطرة محكمة في المنطقة، حيث تتحرك من خلال قوتها الأمنية العسكرية ومن خلال جناح مدني يُعرَف بحكومة الإنقاذ. ولكن مصير إدلب هو أيضًا رهنٌ بقرارات أنقرة. ويعود ذلك بصورة أساسية إلى الاتفاقات التي جرى التوصل إليها بين روسيا التي تمارس نفوذًا واسعًا في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام، وبين تركيا التي تقع عند حدود إدلب الغربية وتمارس سيطرتها على كانتون عفرين المتاخم لإدلب شمالًا. في أيلول/سبتمبر 2017، أعلنت ترويكا أستانة، أي روسيا وإيران وتركيا، أن إدلب ستصبح منطقة منخفضة التصعيد. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت تركيا إنشاء نقاط مراقبة في الجهة الخاضعة لسيطرة المعارضة عند الجبهة الأمامية، فحصلت على موطئ قدم في إدلب، فيما أقدمت روسيا وإيران على الخطوة نفسها في الجهة التابعة للنظام.38 وعلى الرغم من أن حدود إدلب تغيّرت مرات عدة منذ ذلك الوقت بما يصبّ في مصلحة النظام، بفضل التقدّم الذي أحرزته القوات التابعة له، إلا أن القوات ومراكز المراقبة التركية لا تزال في مكانها. وبما أن القوات التركية هي الرادع الرئيس في وجه سيطرة النظام، تمارس تركيا نفوذًا غير مباشر على إدلب.

مناطق مختلفة ذات منظومة اجتماعية واقتصادية مترابطة

تمتلك محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام والكانتونات الثلاثة الخاضعة للنفوذ التركي القوي – درع الفرات وعفرين ونبع السلام – خصائص مختلفة، لكنها جزءٌ من منظومة اجتماعية واقتصادية واحدة. (حتى الشمال الشرقي الخاضع لسيطرة قوات سورية الديمقراطية، والمختلف اجتماعيًا، لا يزال مرتبطًا بهذه المناطق على الصعيد الاقتصادي). لقد أدّى التحوّل في المشهد الديموغرافي والتوزيع السكاني دورًا محوريًا في تكوُّن هذه المنظومة الاجتماعية والاقتصادية. وأدّت التغييرات الديموغرافية الناجمة عن موجات متعددة من النزوح الداخلي والخارجي بعد الانتفاضة في العام 2011، إلى تركّز أعداد كبيرة من السوريين في الشمال الغربي، ولا سيما في إدلب. وشكّل الشمال الغربي، طوال فترة الحرب، ملاذًا آمنًا نسبيًا للفارّين من نيران النظام، نظرًا لقربه من الحدود الدولية، وما يتيحه من سهولة الوصول إلى الملاجئ والمساعدات الإنسانية، وما يؤمّنه من فرص اقتصادية أفضل.

مع سلوك النزاع منحى أكثر عنفًا في أواخر العام 2012 ومطلع العام 2013، ازدادت أعداد السكان النازحين داخليًا في الشمال الغربي. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وصل عدد السكان في المنطقة إلى نحو 4 ملايين شخص منهم 2.7 مليون نازح.39 حاليًا، يعيش حوالى ثلث السكان النازحين داخليًا في نحو 600 مخيم قرب الحدود،40 بعدما كان العدد 65,000 نازح يقيمون في 26 مخيمًا في أيار/مايو 2013.41 لقد أصبحت المنطقة الواقعة شمال غرب سورية الوجهة الرئيسة للنازحين داخليًا، والأكثر تأثّرًا إلى حدٍّ كبير بحركة النزوح الداخلي. تشير المنظمات الإنسانية، استنادًا إلى تتبّعها لحركة نحو 10 ملايين سوري بين كانون الثاني/يناير 2016 وكانون الأول/ديسمبر 2020، إلى أن 70 في المئة من هذه الحركة كانت داخل محافظتَي إدلب وحلب.42 وفي حين أن الجزء الأكبر من هذه الحركة كان ناجمًا عن نزوح سكان إدلب وحلب إلى مناطق أخرى داخل المحافظتَين، انتقلت أعداد كبيرة من النازحين من محافظات حماه ودير الزور وريف دمشق إلى الشمال الغربي.43

تتجلى الديموغرافيات المتغيّرة بصورة أساسية في المناطق الحدودية. فقد ازداد عدد السكان في ناحية سرمدا الواقعة في منطقة حارم في محافظة إدلب على مقربة من معبر باب الهوى مع تركيا، من 15,000 قبل العام 2011 إلى 130,000 في العام 2020.44 وارتفع عدد سكان منطقة حارم بأكملها – والتي تضم سرمدا وباب الهوى وبلدات حدودية أخرى – من 450,000 نسمة في العام 2011 بحسب التقديرات إلى 1.1 مليون في العام 2019.45 وينطبق الأمر نفسه على أعزاز قرب معبر باب السلام مع تركيا، حيث بلغ عدد السكان في صيف 2020 عشرة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب حين كان العدد 30,000 نسمة.46

في غضون ذلك، ارتفعت أيضًا أعداد اللاجئين المسجّلين في تركيا، من بضعة عشرات الآلاف في مطلع العام 2012 إلى 150,000 في أواخر العام 2012، وسجّلت رقمًا مضاعفًا نحو أربع مرات في كانون الثاني/يناير 2014، وازدادت إلى 3.6 ملايين بحلول مطلع العام 2018.47 يبلغ مجموع اللاجئين، في الوقت الراهن، نحو 3.7 ملايين شخص يعيش أقل من 60 في المئة منهم بقليل قرب الحدود السورية، ويقيم 15 في المئة في اسطنبول.48 ووفقًا لما تُبيّنه الخريطة 2، من أصل 12.6 مليون شخص يقيمون في تسع محافظات تركية تقع عند الحدود السورية أو قربها، 2,150,000 شخص (أو 17 في المئة) هم من الجنسية السورية. وتبلغ نسبة السوريين في المحافظات الحدودية 75 في المئة في كيليس، و26 في المئة في هاتاي، وأكثر من 20 في المئة في محافظتَي غازي عنتاب وشانلي أورفة حيث الكثافة السكانية هي الأعلى.

أدّت الحرب السورية أيضًا إلى تراجع حلب كمركز للأعمال والصناعة في شمال سورية، ونشوء مراكز مماثلة جديدة. كانت مدينة الشيخ نجار في حلب تُعتبَر من أهم المدن الصناعية في البلاد.49 في العام 2010، عشيّة اندلاع الحرب، كانت الشيخ نجار تضم 30 في المئة من جميع المؤسسات الصناعية في البلاد،50 وكان اقتصادها المحلي يساهم بنسبة 24 في المئة من إجمالي الناتج المحلي السوري.51 وفي ضوء ما تسبّبت به الحرب من استنزاف مقدّرات حلب، وتقسيم المدينة، وعزلها عن مناطقها الداخلية الريفية، تراجعت مكانتها المحورية وظهرت منظومة اجتماعية واقتصادية جديدة عابرة للحدود. من الخصائص التي تتّسم بها هذه المنظومة الجديدة تشكُّل مجتمعات ومراكز أعمال في جانبَي الحدود السورية-التركية يمكن أن يتنفّس الاقتصاد الجديد من خلالها. كانت سرمدا المثال الأوّل عن هذه المراكز، ولا تزال النموذج الأبرز عنها، على الرغم من أن المدن الحدودية، مثل أعزاز والراعي وجرابلس، شهدت أيضًا زيادة كبيرة في الأنشطة الاقتصادية على مر السنين.52

لقد ساهم تراجع حلب والتحوّل الديموغرافي الواسع نحو تركيا في تكوُّن مجتمعات أعمال جديدة في المدن التركية أيضًا، ولا سيما في غازي عنتاب. وفقًا لما ورد على لسان أستاذ جامعي محلي، وصحافي ومدير إحدى منظمات حقوق الإنسان، كانت غازي عنتاب، على غرار حلب، "مركزًا للتجار وذوي المهارات. لذلك حين وصل السوريون، كانوا يتمتعون بالمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد في غازي عنتاب".53 أصبح السوريون لاعبين أساسيين في صناعات الأحذية والمواد البلاستيكية، وكذلك في إنتاج النسيج المحبوك (قماش عادي يُحاك في خيوط متشابكة) في ورش عمل صغيرة لحياكة النسيج.54 وقد حاولت مدن أخرى أيضًا استخدام الرأسمال السوري. قال رجل أعمال سوري كان يملك مصنعًا للنسيج في مدينة الشيخ نجار قبل العام 2011: "تشجّع السلطات التركية السوريين على الاستثمار... لقد اجتمعنا [رجال الأعمال السوريون] بعدد كبير من المحافظين، [مثل محافظَي] شانلي أورفة وكيليس. حاولوا جميعهم تشجيعنا على فتح مصانع في المدن الصناعية [في محافظاتهم]".55

من النتائج الأساسية لنزوح عدد كبير من المنتمين إلى مجتمع الأعمال السوري عبر الحدود ظهور سلسلة توريد موازية داخل تركيا. وفقًا لدراسة أُجريَت في غازي عنتاب في العام 2020، أشار 96 في المئة من السوريين الذين شاركوا في الاستطلاع إلى وصولهم إلى المنتجات السورية. وفي ذلك دليل على أن السوريين في غازي عنتاب "أنشأوا شبكاتهم التجارية الخاصة، ولا سيما في مجال السلع الاستهلاكية الأساسية".56 هذه الظاهرة ملحوظة على نطاق صغير مع انتشار البقاليات الصغيرة التي كانت قد أصبحت غير رائجة في تركيا وأغلق عدد كبير منها أبوابه.57 وعلى نطاق أوسع، يشهد ما يُعرَف بالشارع الإيراني في وسط غازي عنتاب تحوّلًا من المنازل المتداعية والبنى التحتية المتروكة من دون صيانة إلى منطقة تسوّق نابضة بالحركة حيث مالكو المتاجر والزبائن هم سوريون في أكثريتهم.58 خلال نقاش مع مجموعة من مالكي المصانع السوريين في المدينة الصناعية في غازي عنتاب، أكّد جميعهم أن منتجاتهم موجّهة إلى السوريين في تركيا أو خارجها.59 والحال هو أن سلسلة توريد المنتجات السورية في تركيا تمتدّ إلى خارج الحدود. لقد أدّى التحوّل الديموغرافي وتكوُّن مجتمعات أعمال سورية في تركيا إلى ظهور اقتصاد إقليمي بين تركيا وشمال سورية، إضافةً إلى اقتصاد عابر للحدود يربط شمال سورية بالأسواق العالمية عن طريق تركيا.

وتشكّل منطقة شمال سورية الخاضعة لسيطرة المعارضة (الكانتونات الثلاثة المدعومة من تركيا إضافةً إلى إدلب) سوقًا مهمة للمنتجات السورية الوافدة من تركيا. فقد بلغت قيمة إجمالي الصادرات من المحافظات التركية التسع الواقعة على الحدود السورية أو بالقرب منها إلى سورية 171 مليون دولار في العام 2012، لترتفع بما يقارب ستة أضعاف إلى 950 مليون دولار في العام 2015 (انظر الشكل 2 والشكل 3)، ما يمثّل ثلثَي إجمالي الصادرات التركية إلى سورية.60 من الصعب تحديد النسبة المئوية للمنتجات التي يتمّ تصنيعها في المصانع السورية التي تتّخذ من تركيا مقرًا لها، مع أن الارتفاع الهائل في الصادرات إلى سورية حصل بعد توافد عدد كبير من السوريين، ما يُشير على ما يبدو إلى دور سوري لا يُستهان به في هذا الارتفاع.

لكن سلسلة التوريد هذه ليست أُحادية الاتجاه: فبعض السلع المحددة التي منحت السلطات التركية تصريحًا لاستيرادها تصل إلى تركيا، على الرغم من أن هذه الكميات أقل بكثير من تلك التي تصل إلى سورية من تركيا.61 ويشكّل زيت الزيتون السوري الذي يتمّ إنتاجه في إدلب وعفرين وتصديره إلى تركيا أو إلى بلدان ثالثة عبر تركيا أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فقبل الحرب، كان زيت الزيتون أحد المنتجات السورية المميزة وكان من بين أهم عشرة منتجات يتمّ تصديرها غير منتجات الطاقة (النفط والبنزين والكهرباء والفوسفات وغيرها). وفي العام 2011، أنتجت سورية 208,000 طن من زيت الزيتون، وصدّرت 16,500 طن، وبلغت قيمتها 3,289,245 مليون ليرة سورية (أي ما بين 70 و75 مليون دولار).62 يُشار إلى معظم كميات زيت الزيتون هذا، وأفضله خصوصًا، يتمّ إنتاجه في شمال غرب سورية، ولا سيما عفرين.63

إن وضع الإنتاج راهنًا غير واضح، لكن المسؤولين والتجار المحليين يعتبرون أن زيت الزيتون هو أحد أهم المنتجات الوافدة من شمال غرب سورية.64 فهو يُستهلَك في السوق المحلية ويتمّ تصديره على السواء. وتُعتبر تركيا ممرًّا نحو الأسواق الخارجية. فقد شرح أحد التجار أن ثمّة شركات مرخصة تعمل، بموافقة الحكومة التركية، على أخذ زيت الزيتون من المنتجين المحليين، ثم تقوم باختباره وتصديره إلى الخارج بالنيابة عنهم عبر تركيا.65 وبحسب أحد تجار الزيت، يمكن وضع علامة "صنع في سورية" أو "صنع في تركيا" على المنتج، بناءً على تنظيمات البلد المستورد وطلبات الشارين.66 وسلّط خبير تركي في تجارة زيت الزيتون الضوء على الجانب الإشكالي لإنتاج وتصدير الزيت من عفرين كمُنتج تركي، نظرًا إلى واقع أن عفرين تقع في سورية وأن عددًا كبيرًا من سكانها الأصليين الأكراد تمّ تهجيرهم على يد القوات السورية المدعومة من تركيا في كانون الثاني/يناير من العام 2018.67 علاوةً على ذلك، حافظ المنتجون السوريون في تركيا على العلاقات مع الأسواق الخارجية التي اعتادوا التصدير إليها قبل العام 2011، أو أقاموا علاقات جديدة. في هذا السياق، تحدّث خياط قديم من حلب يدير حاليًا ورشة صغيرة في غازي عنتاب قائلًا: "سبعون في المئة من المنسوجات التي يُنتجها السوريون مخصصة للتصدير إلى العراق والمغرب وروسيا والسعودية وغيرها. أما الباقي فيُباع محليًا، وعلى وجه الخصوص إلى السوريين".68

لقد استخدمت تركيا نفوذها المتنامي في شمال سورية للتخفيف من تدفّق اللاجئين. وبعد فترة سادت فيها سياسات متساهلة عند الحدود، بدأت أنقرة في العام 2013 بتشديد الرقابة على الحدود. فبين العامَين 2015 و2018، حين أصبح الصراع متركّزًا على طول الحدود التركية، قامت أنقرة ببناء ثالث أطول جدار في العالم، بعد سور الصين العظيم والجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك.69 منح هذا الإجراء الصارم تركيا قدرة أكبر على مراقبة التحركات عبر الحدود. وكما ذكرنا آنفًا، أقامت تركيا أيضًا وجودًا عسكريًا داخل سورية لإبقاء خصومها بعيدًا، ما شكّل تخومًا مع النظام السوري في إدلب، وأخرى مع حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب وقوات سورية الديمقراطية عبر منطقتَي درع الفرات ونبع السلام. وبات تجنّب انتقال السكان إلى تركيا، وحتى نحو حدود تركيا مع سورية، يُشكّل أولوية قصوى بالنسبة إلى أنقرة.

على الصعيد الاقتصادي، حاولت تركيا إرساء وضع اقتصادي أكثر استقرارًا وديمومةً في شمال سورية من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير. ونظرًا إلى أن القطاع الإنساني أصبح جزءًا لا يتجزأ من اقتصاد شمال سورية، ضغطت تركيا على روسيا في صيف العام 2021 للامتناع عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضدّ تجديد مجلس الأمن الدولي العمل بآلية إيصال المساعدات الإنسانية المصرّح بها من قبل الأمم المتحدة عبر معبر باب الهوى. كذلك، قامت أنقرة بتعزيز إدارة الحدود من منظور تجاري.70 ففي منطقة درع الفرات مثلًا، فتحت معبرَيْ الراعي وجرابلس، ما سهّل الحركة التجارية من خلال العمل جنبًا إلى جنب مع معبر باب السلام. وقال أحد التجار: "كانت السيارات تستغرق خمسة عشر يومًا لدخول سورية [من باب السلام]، وبعد فتح عدد أكبر من المعابر، تمّ تقليص المدّة إلى ما بين 24 و48 ساعة".71 علاوةً على ذلك، في العام 2018، ظهرت الخدمات البريدية التركية وكذلك شركات الكهرباء والاتصالات في تلك الأجزاء من سورية الخاضعة للنفوذ التركي.

ويتمثّل أحد أبرز الأمثلة على محاولات تركيا بناء اقتصاد أكثر استقرارًا في الشمال في دعمها إنشاء مناطق صناعية تتطلّب، على عكس التجارة، رأس مال يُعتد به، والتزامًا واستقرارًا على المديَين المتوسط والطويل. وخلال السنوات القليلة الماضية، أعلنت أنقرة إنشاء عدد من المناطق الصناعية، في الباب والراعي وجرابلس وغيرها من المناطق (انظر الخريطة 3). عبّرت تركيا عن دعمها لمثل هذه المبادرات من خلال الزيارات الرسمية، كتلك التي قام بها وزير الداخلية التركي إلى مدينة الراعي في كانون الأول/ديسمبر 2021.72 وترى أنقرة أن الاستقرار الاقتصادي في شمال سورية لن يسهم فحسب في إثباط حركة الهجرة إلى الخارج، بل قد يشجّع أيضًا السوريين المقيمين في تركيا على العودة.

إذا كانت الحدود السورية التركية غرب الفرات شريانًا اقتصاديًا مع معابر مزدهرة، فالحدود على الضفة الشرقية من النهر وعرة تكاد تنعدم فيها حركة المرور. ومنذ أن استولى المقاتلون الأكراد التابعون لحزب الاتحاد الديمقراطي (الذين شكّلوا لاحقًا نواة قوات سورية الديمقراطية) على جزء من المنطقة الحدودية الشمالية الشرقية في صيف العام 2012، أبقت تركيا هذا الجزء من الحدود مغلقًا وعزّزت التدابير الأمنية. وبالتالي، تراجعت الأنشطة عبر الحدود إلى حدٍّ كبير، ومعظمها غير رسمية. مع ذلك، لا يمكن اعتبار شمال شرق البلاد معزولًا بالكامل، إذ إنه جزء من الاقتصاد الحدودي لشمال سورية مع تركيا من خلال المعابر الداخلية التي تربط المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية بكانتون درع الفرات المدعوم من تركيا، وأهم مثال على ذلك هو معبر عون الدادات. علاوةً على ذلك، ترتبط المنطقة التي تديرها قوات سورية الديمقراطية ارتباطًا وثيقًا بمناطق سورية الخاضعة للنظام، إذ ثمة حوالى ستة معابر داخلية رسمية وعدد أكبر من نقاط التهريب.

ويوضح واقع أن بعض السلع تشقّ طريقها من الأسواق الدولية أو التركية إلى المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام عبر باب الهوى في إدلب، أو المعابر في منطقة درع الفرات، أو الأراضي التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، مدى ترابط هذه المناطق المنفصلة. ذكر أحد التجار المخضرمين أن استيراد السلع إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام عبر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة أرخص من استيرادها عبر ميناء طرطوس. وتصل الواردات من تركيا إلى باب الهوى، وتعبر إلى سرمدا بتكلفة زهيدة، ثم تشقّ طريقها إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام عبر المعابر الداخلية.73 وعلى الرغم من أن هيئة تحرير الشام أغلقت معابرها مع النظام في أوائل العام 2020،74 لم تتوقف التبادلات التجارية. وأضاف التاجر نفسه أنه على الرغم من ارتفاع التكلفة وازياد طول الرحلة، لا تزال السلع من تركيا تصل إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام.75 وتشير هذه الظاهرة، ربما أكثر من أي عامل آخر، إلى أن المناطق في شمال سورية مترابطة مع بعضها البعض اقتصاديًا وتجاريًا، بغض النظر عمن يسيطر عليها.

الحكم الذاتي المتنامي واللااستقرار الدائم

على الرغم من انتشار المناطق الصناعية المدعومة من تركيا والضجيج المحيط بهذه الظاهرة في دوائر المعارضة، تبقى معظم هذه المشاريع معلّقة أو عالية المخاطر أو صغيرة النطاق. وحتى حين تصبح جاهزة للعمل، تبدو هذه المناطق الصناعية أشبه بمجموعة من ورش العمل الصغيرة أكثر من كونها مصانع متكاملة. في هذا السياق، يَعتبر عدد كبير من رجال الأعمال أن النشاط الأهم هو إنتاج زيت الزيتون، إلى جانب البلاستيك والصابون والمنسوجات.76 وكشف مسؤول بارز في حكومة المعارضة، في مقابلة معه، أن مثل هذه المشاريع تسعى واقعيًا إلى جذب رؤوس أموال تصل قيمتها إلى 100,000 دولار كحدّ أقصى،77 ويكمن أحد أسباب الرغبة في هذا الاستثمار المتواضع في نسبة المخاطر إلى الأرباح. يُشار إلى أن تجمّع المصانع في منطقة واحدة يجعلها هدفًا سهلًا للغارات الجوية التي تشنّها روسيا والنظام، فضلًا عن كونها مصدرًا مغريًا للإيرادات بالنسبة إلى المجموعات المسلحة المتفلتة.78 ونظرًا إلى هذه المخاطر، لا يُعتبر الإنتاج المحلي بالضرورة أكثر ربحية دائمًا. ولفت أحد التجار إلى هذه النقطة قائلًا:

"في مثل هذه الفترات التي يسودها انعدام استقرار، تُعدّ التجارة الخيار الأفضل لممارسة الأعمال. فهي ببساطة عملية بيع وشراء. ففي حال دمار بضائعك أو ضياعها، يُمكن التعامل مع الأمر. لكن إن دمّر النظام مصنعك، فسينتهي كل شيء. كذلك، غالبًا ما يكون الاستيراد أرخص من الإنتاج محليًا".79

ولا يقتصر الأمر على القطاع الصناعي. فعلى سبيل المثال، إن قدرة روسيا على منع وصول الإمدادات التي تقدّمها الأمم المتحدة من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي تمنحها هي - وبالتالي النظام السوري - ورقة ضغط لممارسة نفوذها في قطاع أساسي من الاقتصاد المحلي هو: المساعدات الإنسانية.80 وفي تموز/يوليو 2021، أصبح تجديد آلية عبور المساعدات الإنسانية عبر الحدود، أي عمليًا استمرار تدفّق مساعدات الأمم المتحدة إلى سورية عبر باب الهوى، من القضايا الخلافية الرئيسة في مجلس الأمن. ففيما مارست الولايات المتحدة وحلفاؤها ضغوطًا من أجل تجديدها، هدّدت روسيا باستخدام حق النقض ضد القرار ووضع حدٍّ لعبور المساعدات الحدود، ما لم تمر عبر دمشق لتصل إلى مناطق المعارضة. ومن خلال التعدّي على آلية توزيع المساعدات، ستتمكّن روسيا والنظام من الإطاحة بإحدى ركائز الاقتصاد في شمال غرب البلاد. وفي نهاية المطاف، تمّ التوصل إلى تسوية بين روسيا والولايات المتحدة، وتأجيل حلّ القضية لغاية تموز/يوليو من العام 2022.

تجدر الإشارة إلى أن إدلب لا تنفرد وحدها بهذه المشكلة، بل تتشارك معها المناطق الحدودية الثلاث التي تعاني بسبب موقعها الجغرافي واعتمادها على القوى الخارجية، إذ غالبًا ما تجد نفسها عالقة بين روسيا وتركيا والنظام السوري. وقد عمدت تركيا، مقابل عدم معارضة روسيا لعملية درع الفرات التركية التي انطلقت في آب/أغسطس 2016، إلى سحب دعمها لقوات المعارضة في شرق حلب، ما سهّل استيلاء النظام وروسيا على المنطقة في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر من العام نفسه.81

هذا ويرتبط جزء كبير من المفاوضات ذات الصلة المباشرة بالمناطق الحدودية السورية التركية بالمشروعَين السياسيَّين الإقليميَّين اللذَين تُشرف عليهما جهتان غير دولتيَّين هما: هيئة تحرير الشام في إدلب وقوات سورية الديمقراطية في شمال شرق البلاد. فتركيا تعارض قوات سورية الديمقراطية، والنظام السوري يُعارض هيئة تحرير الشام، وروسيا لا ترى فائدة لها من الاثنتَين. وفي العام 2017، تم التوصل إلى اتفاق، في إطار اجتماعات الأستانة بين روسيا وتركيا وإيران، لإدراج إدلب في ما يسمى بمناطق خفض التصعيد، ما أدّى في نهاية المطاف إلى تقسيم المحافظة بين هيئة تحرير الشام والقوات التركية - على جانب واحد تقريبًا من الطريق السريع الدولي إم 4 - وقوات النظام وإيران وروسيا على الجانب الآخر منه. لقد منح مثل هذا التطور موسكو والنظام نفوذًا في شمال غرب البلاد، ومكّن أنقرة من القيام بثلاثة أمور: نشر قواتها على الخطوط الأمامية مع النظام السوري، ومنع تدفّق الأشخاص النازحين داخليًا إلى تركيا، وممارسة بعض النفوذ على هيئة تحرير الشام.

لقد وقعت المناطق الخاضعة لإدارة الأكراد، كتلك التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب وقوات سورية الديمقراطية، ضحية مناورات مماثلة. فعندما شنّت تركيا هجومها على عفرين في كانون الثاني/يناير 2018، كانت قد حصلت على موافقة ضمنية من روسيا والنظام السوري. وعمدت روسيا، إلى جانب السماح لتركيا باستخدام المجال الجوي السوري الذي تسيطر عليه موسكو، إلى سحب قواتها المتمركزة في عفرين قبل بدء الهجوم.82 وعبّر النظام السوري عن قبوله الضمني من خلال عدم حشد أي من قواته لمواجهة الهجوم العسكري التركي. وتحدّث مسؤولون في وحدات حماية الشعب عن خيانة روسية ودعوا دمشق علنًا إلى الدفاع عن الأراضي السورية ضدّ تركيا.83 وفي هذا الإطار، ذكرت بعض التقارير أن روسيا اقترحت وقف التدخل التركي في حال سلّمت وحدات حماية الشعب عفرين إلى النظام، لكن اقتراحها هذا قوبِل بالرفض من الأكراد.84

لم يكن الهجوم في عفرين حالة فريدة. ففي العام 2019، عندما أطلقت تركيا عملية نبع السلام ضد قوات سورية الديمقراطية، لم يتدخل النظام السوري، على الرغم من أن وحدات حماية الشعب التي تقود قوات سورية الديمقراطية ناشدته بذلك، ولم تُحرّك روسيا ساكنًا إلا بعد أن اقتطعت تركيا أراضٍ إضافية داخل سورية، بعمق 30 كيلومترًا من تل أبيض إلى رأس العين.85 وفي نيسان/أبريل 2021، انسحبت القوات الروسية فجأةً من تل رفعت (وهي منطقة معزولة صغيرة شمال حلب حيث تجمّع النازحون داخليًا من عفرين بعد التدخل التركي في كانون الثاني/يناير 2018)، ما جعلها عرضةً لهجوم تركي. وفيما لم يصدر أي تفسير رسمي من روسيا، من المرجح أن تكون موسكو سحبت قواتها لفترة وجيزة من أجل الضغط على وحدات حماية الشعب في عدد من القضايا المتعلقة بالتجارة عبر المعابر الداخلية وكميات النفط التي تصل إلى النظام.86

لقد نفّذت جميع الأطراف شكلًا من أشكال الهندسة الديموغرافية. ففي ظل سيطرة القوات الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية، حصلت موجات نزوح عدّة، مستكملةً تاريخًا طويلًا من التظلمات السكانية في شمال شرق سورية، ولا سيما بين العرب والأكراد. كذلك، شهدت المناطق الخاضعة لقوات المعارضة المدعومة من تركيا تغيّرات ديموغرافية كبيرة. فعندما استولت القوات التركية على عفرين في كانون الثاني/يناير 2018، نزحت شريحة واسعة من سكان المدينة ذات الغالبية الكردية البالغ عددهم 320,000 نسمة. وبحسب لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في آب/أغسطس 2018، تم تسجيل نحو 140,000 نازح داخليًا من سكان عفرين في تل رفعت ونبل والزهراء التي يسيطر عليها النظام.87 أما أولئك الذين انتهى بهم الأمر في تل رفعت التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، فتسببوا بنزوح السكان المحليين.88 ولا تزال أزمة النزوح المزدوجة هذه مستمرة. وقد ذكرت لجنة التحقيق، في معظم تقاريرها اللاحقة، انتهاكات وجرائم مختلفة ارتُكبت بحق الأكراد على أيدي المجموعات المسلحة المدعومة من تركيا والتي تفرض سيطرتها على المنطقة بحكم الأمر الواقع.89 وفي الوقت نفسه، تُفيد بعض التقارير أن الأشخاص النازحين داخليًا من غير الأكراد الذين فرّوا من مناطق أخرى من سورية قد استقروا في عفرين.90

تصرّف النظام السوري على نحو مماثل. فما إن بدأ النظام السوري، بدعم جوي روسي ودعم بري ترعاه إيران، باستعادة الأراضي من المعارضة في العام 2016، حتى أرغم السكان مرارًا على الاختيار بين إما العيش تحت حكمه أو النزوح إلى إدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام. ومنذ ذلك الحين، تمّ إجلاء أكثر من 200,000 سوري من مختلف أنحاء البلاد إلى إدلب. وهكذا، تكون دمشق، من خلال المساعدة في تحويل شمال غرب البلاد إلى الوجهة النهائية للسوريين الذين يتمّ إجلاؤهم، قد تخلّصت من الأشخاص غير المرغوب فيهم واستخدمتهم في الوقت نفسه للضغط على تركيا التي أرهقتها أزمة اللاجئين الذين يعيشون الآن في مخيمات على عتبتها.

وعلى الرغم من صدور تصريحات كتلك التي أدلى بها رئيس قوات سورية الديمقراطية ومفادها أن عصر المقايضة الديموغرافية قد ولّى، فإن هذا التفكير يبقى مجرّد تمنٍّ.91 فلغاية الآن، كانت الطريقة الوحيدة المتاحة أمام الجهات الفاعلة الرئيسة للتوصل إلى اتفاق هي على حساب المجموعات المحلية كقوات سورية الديمقراطية وهيئة تحرير الشام. ببساطة، إن إبرام اتفاق بين النظام السوري وروسيا من جهة، وتركيا من جهة أخرى، قد ينطوي على تضحيات واسعة النطاق من جانب هيئة تحرير الشام وقوات سورية الديمقراطية، الأمر الذي سيؤدي بشكل شبه مؤكد إلى نزوح السكان بشكل كبير.

شهدت سورية في السابق موجات نزوح مماثلة. فخلال فترة ترسيم وتوطيد الحدود بين تركيا في عهد مصطفى كمال أتاتورك وسورية في عهد الانتداب الفرنسي، والتي استمرت حوالى عشرين عامًا، تمّ إبرام سلسلة من الصفقات من أقصى غرب البلاد إلى أقصى شرقها. وقد أثّر ذلك بشكل فادح على التركيبة الديموغرافية المحلية، بحيث اضطر الأكراد والعرب والأرمن والأشوريين إلى النزوح مرارًا، وفي الغالب من تركيا إلى شمال سورية. ثم اندلعت الحرب الأهلية السورية فحرّكت مياهً كانت راكدة لمدة ثمانية عقود، وعانت مجتمعات كثيرة المصير نفسه. وثمة خوف من أن يحمل المستقبل في جعبته المزيد من المعاناة.

هذا الخوف مبرَّر في حال واصلت المفاوضات والتسويات المنحى نفسه الذي تسلكه راهنًا. فهذه المقاربة لن تؤدّي إلى حلٍّ دائم، إذ يستحيل حلّ الصراع من خلال تطبيق إجراءات مجتزأة وتدريجية لأن ذلك أسفر عن نشوء إيكوسيستم سياسي-أمني واحد يمتدّ من أقصى حدود سورية شرقًا إلى أقصى حدودها غربًا. ولن يتحقق الاستقرار إلا في حال التوصّل إلى اتفاق شامل يعتبر المنطقة الحدودية كلًّا غير قابل للتجزئة على المستوى السياسي-الأمني، ويحدّد مناطق النفوذ التابعة للقوى الأساسية على الأرض. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقًا من هذا النوع قد يسبّب بدوره نزوحًا سكانيًا، ولا سيما إذا انطوى على قرار القوى الكبرى بالتضحية بقوى أصغر حجمًا. لكن ذلك على الأقل سيشكّل الحادثة الأخيرة من نوعها قبل بلورة تسوية على المدى الطويل.

خاتمة

إن ما بدأ على شكل صراع في مناطق سورية الداخلية بين النظام والجهات المناوئة له من أجل السيطرة على المناطق واكتساب نفوذ سياسي، سُرعان ما تطوّر ليصبح نزاعًا على القوس الشمالي، أي الحدود السورية مع تركيا. تشكّل العوامل الديموغرافية والاقتصادية والأمنية كلها جزءًا من هذا الصراع الحدودي، ويُعتبر مصير ثلاث مناطق حدودية معلّقًا بها. وهذه المناطق هي: إدلب، والكانتونات المدعومة من تركيا، والمنطقة الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية. وفي السنوات المقبلة، لن يقرّر الصراع الحدودي فقط مصير سورية ككيان سياسي، بل سيرسم أيضًا معالم السياق الجيو-استراتيجي الأوسع. يُرجَّح أن تبقى المناطق الحدودية في المستقبل المنظور ورقة مساومة في إطار العملية التفاوضية القائمة بين القوى الأساسية الثلاث: النظام السوري وتركيا وروسيا.

لن تصل هذه العملية التفاوضية إلى خواتيمها في القريب العاجل، إلى حدٍّ كبير لأن النظام في دمشق لم يقبل بعد بالواقع الجديد القائم على حدوده الشمالية ولا يزال مصرًّا على إعادة المناطق الحدودية الثلاث إلى كنفه، الأمر الذي لا تريده أنقرة وتعتبره غير واقعي. والسبب الثاني هو أن روسيا عمدت إلى توسيع رقعة انتشارها وتحاول الاضطلاع بدور أكبر في مستقبل سورية، بعد انسحاب القوات الأميركية من معظم المناطق الواقعة شرق الفرات منذ العام 2019. وقد سبّب ذلك أحيانًا احتكاكًا بين روسيا وسورية، ولا سيما حول الحدّ الذي ينتهي عنده نفوذ موسكو ويبدأ فيه نفوذ طهران.

إلى حين حلّ هاتَين المسألتَين، ستواصل المفاوضات مسارها الحالي، إذ تنطلق ثم لا تلبث أن تراوح مكانها. إضافةً إلى ذلك، سيستمرّ القوس الشمالي في تأجيج جذوة الصراع بين الأطراف المتناحرة، فيما يحاول كلٌّ منها تعزيز موقعه على الأرض على حساب الأطراف الأخرى. في غضون ذلك، ستبقى المنظومة الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها الحرب قائمة في المناطق الحدودية الثلاث، لكن من دون أي طابع مؤسساتي.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.

هوامش

1 Yücel Güçlü, “The Controversy Over the Delimitation of the Turco-Syrian Frontier in the Period Between the Two World Wars,” Middle Eastern Studies

2 Seda Altuğ, “The Turkish-Syrian Border and Politics of Difference in Turkey and Syria (1921–1939),” in Syria: Borders, Boundaries, and the State, ed. Matthieu Cimino (Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, 2020), 47–73.

3 “République du Hatay: Règlement du Sandjak d'Alexandrette,” Digithèque de Matériaux Juridiques et Politiques, accessed March 28, 2022, https://mjp.univ-perp.fr/constit/hatay.htm.

4 Michael B. Bishku, “Turkish-Syrian Relations: A Checkered History,” Middle East Policy 19, no. 3 (Fall 2012): 42.

5 S. Çelik, “Hatay-Suriye Sınırında Kaçakçılık (1940),” Atatürk Üniversitesi Sosyal Bilimler Enstitüsü Dergisi 24, no. 3 (2020): 1065.

6 Bishku, “Turkish-Syrian Relations: A Checkered History,” 42.

7مقابلة أجراها المؤلّفان مع قريب أحد أصحاب محطات الوقود من سرمدا، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2020.

8 Armenak Tokmajyan, “The War Economy in Northern Syria,” Shattuck Center for Conflict, Negotiation and Recovery (Central European University School of Public Policy), December 2016, 10, https://www.thealeppoproject.com/wp-content/uploads/2016/12/War-Economy-2.pdf.

9 “Southeastern Anatolia Project (GAP),” Turkish Ministry of Industry and Technology, http://www.gap.gov.tr/en/what-is-gap-page-1.html.

10 Mark Dohrmann and Robert Hatem, “Hydro-Politics in Turkey, Iraq, and Syria,” Middle East Journal 68, no. 4 (Autumn 2014): 574, 579.

11المصدر السابق، ص. 574. انظر أيضًا: Robert Olson, “Turkey-Syria Relations Since the Gulf War: Kurds and Water,” Middle East Policy 5, no. 2 (May 1997): 169.

12 Meliha Benli Altunışık and Özlem Tür, “From Distant Neighbors to Partners? Changing Syrian–Turkish Relations,” Security Dialogue 37, no. 2 (June 2006): 233.

13 Olson, “Turkey-Syria Relations Since the Gulf War: Kurds and Water,” 171–172.

14 “Joint Cooperation Agreement Against Terrorist Organizations,” Grand National Assembly of Turkey, see full text of the agreement in Turkish: https://www2.tbmm.gov.tr/d23/1/1-1009.pdf.

15إبراهيم حميدي، ""الشرق الأوسط" تنشر نص اتفاق أضنة... 10 تنازلات متبادلة بين أنقرة ودمشق"، الشرق الأوسط، 26 كانون الثاني/يناير 2019، https://bit.ly/3tsw6tR
انظر أيضًا: Grand National Assembly of Turkey, “Joint Cooperation Agreement Against Terrorist Organizations,” Second Part, Article 5, Section 1, https://www2.tbmm.gov.tr/d23/1/1-1009.pdf.

16إبراهيم حميدي، ""الشرق الأوسط" تنشر نص اتفاق أضنة... 10 تنازلات متبادلة بين أنقرة ودمشق".

17 Meliha Benli Altunişik and Özlem Tür, “From Distant Neighbors to Partners? Changing Syrian–Turkish Relations,” 243.

18 Samir al-Taqi and Raymond Hinnebusch, “As Seen From Damascus,” in Turkey-Syria Relations: Between Enmity and Amity, ed. Raymond Hinnebusch and Özlem Tür (Farnham, UK: Ashgate Publishing, 2013), 99–103.

19 Özlem Tür, “The Political Economy of Turkish-Syrian Relations in the 2000s—The Rise and Fall of Trade, Investment and Integration,” in Turkey-Syria Relations: Between Enmity and Amity, 160.

20 Al-Taqi and Hinnebusch, “As Seen From Damascus,” 104–105.

21 Lacin Idil Oztig, “Syria and Turkey: Border-Security Priorities,” Middle East Policy 26, no.1 (Spring 2019): 119.

22البيانات مأخوذة من النشرات الإخبارية السنوية الصادرة عن وزارة السياحة التركية،
https://yigm.ktb.gov.tr/TR-249709/yillik-bultenler.html

23 Tür, “The Political Economy of Turkish-Syrian Relations in the 2000s,” 169.

24المصدر السابق.

25 Özlem Tür and Mehmet Akif Kumral, “Paradoxes in Turkey’s Syria Policy: Analyzing the Critical Episode of Agenda Building,” New Perspectives on Turkey 55 (2016): 110. See also Anna Barnard, “Turkish Leader Says He Has Lost Confidence in Assad,” New York Times, August 28, 2011, https://www.nytimes.com/2011/08/29/world/middleeast/29syria.html.

26 Aaron Stein, “The Origins of Turkey’s Buffer Zone in Syria,” War on the Rocks, December 11, 2014, https://warontherocks.com/2014/12/the-origins-of-turkeys-buffer-zone-in-syria/. See also Özlem Tür and Mehmet Akif Kumral, “Paradoxes in Turkey’s Syria Policy: Analyzing the Critical Episode of Agenda Building,” 111–112.

27في أيار/مايو 2013، أفادت تقارير أنه خلال اجتماع مع الرئيس الأميركي بعد استخدام النظام المزعوم للأسلحة الكيميائية، اقترحت أنقرة القيام بتدخل عسكري دولي من شأنه ضرب أهداف النظام ومعاقله، وبالتالي إرغام الأسد على التنحي، لكنه لم يحظ بدعم أميركي. ولم تتراجع حدّة الخطاب التركي بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين. وبقيت دعوات تركيا للتدخل مكثّفة، حتى إن الجيش التركي أطلق، بدءًا من العام 2016، عددًا كبيرًا من العمليات العسكرية. انظر أيضًا:
Aaron Stein, “The Origins of Turkey’s Buffer Zones in Syria.”

28 “Turkey Blames Syria for Border Gate Attack,” Hürriyet Daily News, March 11, 2013, https://www.hurriyetdailynews.com/turkey-blames-syria-for-border-gate-attack-42749.

29 “Syria Denies Turkey Reyhanli Car Bombs Role,” BBC, May 12, 2013, https://www.bbc.com/news/world-middle-east-22499326.

30مقابلات أجراها المؤلّفان مع عدد من السكان المحليين في إدلب من ذوي الخبرة المباشرة، تشرين الأول/أكتوبر 2020.

31"أكراد سورية: صراع داخل الصراع"، مجموعة الأزمات الدولية، تقرير الشرق الأوسط رقم 136، 22 كانون الثاني/يناير 2013، ص. 3، https://www.crisisgroup.org/ar/middle-east-north-africa/eastern-mediterranean/syria/syria-s-kurds-struggle-within-struggle

32 Ibrahim Hamidi, “Are Putin and Erdogan Doing Territorial Swaps in Syria Again?,” MENASource (blog), Atlantic Council, October 15, 2021, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/are-putin-and-erdogan-doing-territorial-swaps-in-syria-again/.

33 “Turkey-Backed FSA Makes Significant Advances in Syria,” TRT World, September 2, 2016, https://www.trtworld.com/mea/dozens-of-villages-in-syria-liberated-since-euphrates-shield-178102; Sinan Ülgen and Can Kasapoğlu, “Operations Euphrates Shield: Aims and Gains,” Carnegie Europe, January 19, 2017, https://carnegieeurope.eu/2017/01/19/operation-euphrates-shield-aims-and-gains-pub-67754.

34 Francesco Siccardi, “How Syria Changed Turkey’s Foreign Policy,” Carnegie Europe, September 14, 2021, https://carnegieeurope.eu/2021/09/14/how-syria-changed-turkey-s-foreign-policy-pub-85301.

35المصدر السابق.

36 “US Begins Troop Withdrawal From Northeastern Syria Ahead of Turkish Offensive,” Deutsche Welle, October 7, 2019, https://www.dw.com/en/us-begins-troop-withdrawal-from-northeastern-syria-ahead-of-turkish-offensive/a-50719681.

37 “US, Turkey Agree on Turkish Ceasefire with Syrian Kurds,” Al Jazeera, October 17, 2019, https://www.aljazeera.com/news/2019/10/17/us-turkey-agree-on-turkish-ceasefire-with-syrian-kurds.
انظر أيضًا: “Full Text of Turkey, Russia Agreement on Northeast Syria,” Al Jazeera, October 22, 2019, https://www.aljazeera.com/news/2019/10/22/full-text-of-turkey-russia-agreement-on-northeast-syria.

38"أفضل الخيارات السيئة لإدلب السورية"، مجموعة الأزمات الدولية، تقرير الشرق الأوسط رقم 197، 14 آذار/مارس 2019، ص. 4، https://www.crisisgroup.org/ar/middle-east-north-africa/eastern-mediterranean/syria/197-best-bad-options-syrias-idlib

39 “North-West Syria: Cross-border Humanitarian Response Fact Sheet (September and October 2021),” UNHCR, November 30, 2021, https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/north-west-syria-cross-border-humanitarian-response-fact-sheet-3.

40 “IDP Camps Monitoring Study—January 2022,” Assistance Coordination Unit, IMU, https://bit.ly/3hBgzk3.

41حسابات المؤلّفين استنادًا إلى: “IDPs Camp Monitoring Report: Northern Syria Edition 22,” Assistance Coordination Unit, IMU May 2015, https://acu-sy.org/imu_reports/idp-camp-monitoring-report-northern-syria-v-22/.

42 “Syrian Arab Republic IDP Movement,” UNOCHA Humanitarian Response, December 2020, https://www.humanitarianresponse.info/en/operations/stima/idps-tracking.

43المصدر السابق.

44مقابلة أجراها المؤلّفان مع رئيس سابق للمجلس المحلي في سرمدا، ومهندس يمتلك عمله الخاص في سرمدا، 7 آب/أغسطس 2020.

45في التعداد العام لسنة 2004، بلغ عدد السكان في منطقة حارم 382,000 نسمة. ومع احتساب متوسط نسبة نمو السكان عند 2.5 في المئة في سورية، يُرجَّح أن عدد السكان وصل إلى 450,000 نسمة في العام 2011. واستند تعداد العام 2019 إلى التقديرات السكانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

46المصدر السابق.

47 “Syrian Regional Refugee Response,” UNHCR Operational Data Level, https://data2.unhcr.org/en/situations/syria/location/113. See also Turkey’s Ministry of Interior, “Temporary Protection,” https://en.goc.gov.tr/temporary-protection27.

48 “Temporary Protection,” Turkey’s Ministry of Interior.

49 “What Has Syria Lost With the Destruction of Aleppo?,” Syrian Observer (reposted from Sasa Post), December 16, 2016, https://syrianobserver.com/features/24566/what_has_syria_lost_with_destruction_aleppo.html.

50"عدد المنشآت الصناعية المبحوثة في المسح حسب المحافظات لعام 2010"، المكتب المركزي للإحصاء (سورية)، http://cbssyr.sy/economy%20statistics/economic%201/2010/eco-tabA.htm.

51 “What Has Syria Lost With the Destruction of Aleppo?,” Syrian Observer.

52أرميناك توكماجيان وخضر خضّور، "كيف تحوّلت بلدة سرمدا الصغيرة إلى بوابة سورية إلى العالم الخارجي"، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، 2 حزيران/يونيو 2021، https://carnegie-mec.org/2021/06/02/ar-pub-84661

53مقابلة أجراها المؤلّفان مع أستاذ جامعي وصحافي وناشط في مجال حقوق الإنسان من غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021، غازي عنتاب، تركيا.

54المصدر السابق.

55مقابلة أجراها المؤلّفان مع صناعي وتاجر من حلب، مقيم حاليًا في تركيا (عبر تطبيق Zoom)، تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

56 Mehmet Nuri Gültekin et al., Syrians in Gaziantep (Gaziantep: University of Gaziantep Press, 2020), 19.

57مقابلة أجراها المؤلّفان مع أستاذ جامعي وصحافي وناشط في مجال حقوق الإنسان من غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021، غازي عنتاب، تركيا.

58مقابلة أجراها المؤلّفان مع خياط سوري يدير ورشة في "الشارع الإيراني"، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

59محادثة أجراها المؤلّفان مع خمسة تجار وصناعيين في غازي عنتاب، يمتلكون مصانع في المناطق الصناعية، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

60 Turkish Statistical Institute, https://data.tuik.gov.tr/Kategori/GetKategori?p=dis-ticaret-104&dil=2.

61 للاطلاع على قائمة السلع، انظر: https://ticaret.gov.tr/duyurular/suriyede-guvenlik-altina-alinan-bolgelerle-yapilacak-ticarette-gumruk-hizmetine

62حسابات المؤلّفَين استنادًا إلى البيانات التي نشرها المكتب المركزي للإحصاء (سورية)، http://cbssyr.sy/yearbook/2012/Data-Chapter9/TAB-8-9-2012.pdf وللاطلاع على إجمالي كمية زيت الزيتون المُنتج، انظر: http://cbssyr.sy/yearbook/2012/Data-Chapter4/TAB-26-4-2012.pdf

63مقابلة أجراها المؤلّفان مع خبير مرخص في زيت الزيتون، تشرين الأول/أكتوبر 2021، غازي عنتاب، تركيا.

64مقابلة أجراها المؤلّفان مع عضو بارز (نائب) في حكومة المعارضة الانتقالية، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021. ومقابلة أجراها المؤلّفان مع صناعي وتاجر من حلب، مقيم حاليًا في تركيا (عبر تطبيق Zoom)، تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

65مقابلة أجراها المؤلّفان مع صناعي وتاجر من حلب، مقيم حاليًا في تركيا (عبر تطبيق Zoom)، تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

66مقابلة أجراها المؤلّفان مع تاجر زيت زيتون من إدلب، مقيم حاليًا في غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

67مقابلة أجراها المؤلّفان مع خبير مرخص في زيت الزيتون، غازي عنتاب، تركيا، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

68مقابلة أجراها المؤلّفان مع خياط سوري يدير ورشة في "الشارع الإيراني"، غازي عتناب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

69 “Turkey Finishes Construction of 764-km Security Wall on Syria Border,” Daily Sabah, June 9, 2018, https://www.hurriyetdailynews.com/protection-zone-established-for-displaced-syrian-gazelles-150433.

70"خوفًا من كارثة إنسانية.. دعوات لإبقاء معبر باب الهوى مفتوحًا"، موقع DW، 30 حزيران/يونيو 2021، https://bit.ly/3Cmtz6M

71مقابلة أجراها المؤلّفان مع صناعي وتاجر من حلب، مقيم حاليًا في تركيا (عبر تطبيق Zoom)، تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

72"متفقدًا أحوال المدنيين.. وزير الداخلية التركي يزور “الراعي” السورية"، وكالة أنباء تركيا، 19 كانون الأول/ديسمبر 2021، https://tr.agency/news-146160

73مقابلة أجراها المؤلّفان مع تاجر حلبي (عبر تطبيق Zoom)، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020.

74"ما حقيقة فتح معبر "أبو الزندين" مع النظام السوري شمالي سوريا"، عنب بلدي، 16 كانون الثاني/يناير 2022، https://www.enabbaladi.net/archives/540380

75مقابلة أجراها المؤلّفان مع تاجر من حلب (عبر تطبيق Zoom)، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020. وقد تمّ التحقق من المعلومات مع خبير اقتصادي ومسؤول سابق في مؤسسات المعارضة (عبر واتساب)، 12 شباط/فبراير 2022.

76مقابلات أجراها المؤلّفان مع عدد من التجار وأصحاب الورش الصناعية/المصانع، المدينة الصناعية في غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

77مقابلة أجراها المؤلّفان مع عضو بارز (نائب) في حكومة المعارضة الانتقالية، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

78مقابلات أجراها المؤلّفان مع عدد من التجار وأصحاب الورش الصناعية/المصانع، المدينة الصناعية في غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

79مقابلة أجراها المؤلّفان مع تاجر زيت زيتون من إدلب، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

80للاطلاع على النقاش بأكمله، انظر أرميناك توكماجيان وخضر خضّور، "كيف تحوّلت بلدة سرمدا الصغيرة إلى بوابة سورية إلى العالم الخارجي".

81 Ibrahim Hamidi, “Are Putin and Erdogan Doing Territorial Swaps in Syria Again?,” MENASource (blog), Atlantic Council, October 15, 2021, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/are-putin-and-erdogan-doing-territorial-swaps-in-syria-again/.

82 “Russia Says It Is Withdrawing Its Troops From Syria’s Afrin Region,” Video Report by France 24 Moscow correspondent Thomas Lowe, France 24, January 20, 2018, https://www.france24.com/en/video/20180120-russia-says-it-withdrawing-its-troops-syrias-afrin-region.

83 "قائد كردي ينتقد روسيا ويصفها بعديمة المبادئ"، الجزيرة، 22 كانون الثاني/يناير 2018، https://bit.ly/3rGm7jc

84"مسؤول: الأكراد رفضوا "صفقة روسية" بتسليم عفرين للنظام"، 29 كانون الثاني/يناير 2018، العربية، https://bit.ly/3HFxyNw انظر أيضًا: Haid Haid, “Why Did Russia Abandon Afrin?,” Middle East Eye, February 12, 2018, https://www.middleeasteye.net/opinion/why-did-russia-abandon-afrin.

85 Ibrahim Hamidi, “Kurds Make ‘Secret Offer’ to Damascus,” Asharq Al-Awsat, January 5, 2019, https://english.aawsat.com/home/article/1533171/kurds-make-%e2%80%98secret-offer%e2%80%99-damascus. See also “Full Text of Turkey, Russia Agreement on Northeast Syria,” Al Jazeera, October 22, 2019, https://www.aljazeera.com/news/2019/10/22/full-text-of-turkey-russia-agreement-on-northeast-syria.

86 "الانسحاب الروسي المؤقت من تل رفعت شمال حلب"، مركز جسور للدراسات، 14 نيسان/أبريل 2021، https://bit.ly/3nB2LJZ

87"تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية"، مجلس حقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 9 آب/أغسطس 2018، الفقرة 71،
https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/G1824613.pdf

88 Khaled al-Khateb, “Displaced Syrians Demand to Return, Seek Regime-YPG Exit,” Al-Monitor, November 14, 2019, https://www.al-monitor.com/originals/2019/11/displaced-tell-rifaat-protest-against-turkey-russia-deal-oct.html.

89 "تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية"، مجلس حقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 28 كانون الثاني/يناير 2021، الفقرتين 39 و44،
https://undocs.org/A/HRC/43/57

90 Khayrallah al-Hilu, “Afrin Under Turkish Control: Political, Economic and Social Transformations,” Middle East Directions, July 25, 2019, 15–16, https://cadmus.eui.eu/bitstream/handle/1814/63745/MED_2019_10.pdf?sequence.

91 Amberin Zaman, “Syrian Kurdish Commander Says Russia Opposes Further Turkish Land Grabs,” Al-Monitor, November 9, 2021, https://www.al-monitor.com/originals/2021/11/syria-kurdish-commander-assured-washington-turkey-wont-invade-again.