للوهلة الأولى، يبدو أن اتفاق القرض الجديد بين صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية، والذي نُشِر في 10 كانون الثاني/يناير 2023، يتضمّن نطاقًا مدهشًا من حيث اتّساعه وطموحه. فبالإضافة إلى اجراءات تعالج احتدام الأزمة النقدية وسوء مشكلة الديون اللتَين تعاني منهما مصر، وعدت الحكومة بإحداث إعادة هيكلة جذرية لحصة كلٍّ من القطاع العام والقطاع الخاص في الاقتصاد. فهي تنوي الاحتفاظ بغُلبة الدولة — بل وزيادتها — في قطاعات تتلقّى حاليًا حصة الأسد من الاستثمارات، كالعقار والنقل. ولكن حتى مع ذلك، لو نفّذت الحكومة تعهّداتها كاملةً، ستكون التأثيرات أهم من تأثيرات برنامج الخصخصة الذي تم إطلاقه في العام 1991.

إذا كان من الصعب تصديق كل هذا، فذلك لأنه لا يُصَدّق. جاءت تعهّدات الحكومة المصرية في مذكّرة موَجّهة إلى صندوق النقد ومُلحقة بالاتفاق، واستندت كذلك إلى وثيقة جديدة أعدّتها الحكومة في العام الفائت، هي "سياسة ملكيّة الدولة". من الملفت أن هذه الوثيقة تعِد بِـ"تخارج" الدولة كليًا من79 قطاعًا اقتصاديًا وبتخفيض حضورها في45 قطاعًا آخر خلال ثلاث سنوات، وبزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات العامة من30 إلى65 في المئة.

من الملفت أن هذه السياسة الجديدة، التي قد تقلب رأسًا على عقب كيفية عمل الاقتصاد المصري برمّته، خرجت عن استشارات مغلقة بين عدد محدود من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين ورجال الأعمال على مدى ثلاثة أشهر فحسب. بل والملفت أكثر من ذلك هو أن التغييرات المقترحة تبشّر بمكاسب حقيقية، ولكنها تشكّل تهديدًا صريحًا لجهات مؤسسية قويّة ولجماعات مصالح متنفّذة. لكن لا الحكومة ولا رجل مصر القوي، الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد مهّدا علنًا إما لتنفيس ردود الفعل التي ستأتي لا محال أو لكسب تأييد الفئات المحورية مسبقًا.

واقع أن السيسي قد أقرّ سياسة ملكية الدولة الجديدة رسميًا لا يغيّر في الأمر شيئًا. فالواضح أن غرضه المباشر كان ضمان الاتفاق مع صندوق النقد الدولي آملًا، على وجه الخصوص، أن يفتح ذلك الباب أمام حصول مصر على مبلغ14 مليار دولار كقيمة قروض وائتمانات إضافية من مصادر دولية أخرى. لكن خطابات السيسي وقراراته الرسمية على مدى السنوات الأخيرة تكشف عن غرض مختلف جذريًا، ألا وهو رَسمَلَة الشركات والأصول المملوكة للدولة (كالبنية التحتية) من خلال حقنها بالأموال الخاصة، مع استمرار حيازة الدولة لها (أي تلك الشركات والأصول). بدلاً من بيع الحصص أو تسليم السيطرة إلى حاملي الأسهم من القطاع الخاص، يعرض السيسي على المستثمرين "عائدًا مستقرًّا يشبه السندات في الهيئات القائمة والعاملة"، كما جاء في سياسة مشابهة أعلنتها الحكومة الهندية في آب/اغسطس 2021. هذا، وتُخوِّل التشريعات الجديدة في مصر الهيئات المملوكة للدولة التي تقدّم الخدمات وتدير المرافق "إصدار سندات قابلة للتداول [...] مقابل ما ينشأ لصالح هذه الجهات من تدفقات نقدية مستقبلية"، وتسمح كذلك لشركات القطاع الخاص بإدارة المشروعات والأشغال العامة التي تموّلها الحكومة.

في جوانب كثيرة، لا تعرض الحكومة المصرية على مستثمري القطاع الخاص أكثر من حق الانتفاع، في أحسن الأحوال. ولكن يقوم الرئيس في الوقت ذاته بنقل مروحة متنامية من أصول الدولة التي تنطبق عليها السياسة الجديدة من أيدي الحكومة إلى سيطرة عددٍ آخذ بالتزايد من الهيئات الحديثة المنشأ التي تخضع مباشرةً وحصرًا له. إحداها صندوق الثروة السيادي، الذي ظهر منذ إنشائه على أنه الإطار المُفَضّل لدى السيسي لجذب رأس المال الخاص، بدلاً من طرح الشركات المملوكة للدولة بحرية في البورصة المصرية. وبالتالي، ينبغي اعتبار تبنّيه لسياسة ملكية الدولة نوعًا من التوجيه المضلِّل للأنظار، علمًا أنه قد يستخدمها على الرغم من ذلك لتغليف استراتيجيته الفعلية.

سوف تتّضح الهوّة بين الموعود والواقع على أسرع وجه في ما يتعلّق بالحصة الكبيرة من السلع والخدمات العامة التي تقدّمها الشركات والهيئات العسكرية. فقد تعهّدت الحكومة المصرية إلى صندوق النقد الدولي بإخضاع جميعها (أي الشركات والهيئات العسكرية) إلى الإطار السياساتي والتنظيمي نفسه الذي تُحكَم بموجبه نظيراتها المدنية في القطاع العام، كجزء من خطة "تسوية الملعب" الاقتصادي أسوةً بالقطاع الخاص. ولكن، على خلاف ذلك، فإن الشركات والهيئات العسكرية ما زالت على مسار تصاعدي لم يتباطأ منذ سنوات كثيرة. بل وأكثر من ذلك، فهي تواصل التوسّع والتمدّد في قطاعات اقتصادية أعلنت الحكومة تخارج الدولة منها.

في هذا السياق، تبرز خطة الحكومة عرض حق الانتفاع على القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) في شركات ومرافق الخدمات التابعة لهيئة قناة السويس، والتي تعتبرها المؤسسة العسكرية جزءًا من منطقتها الاقتصادية الحصرية، كنقطة احتكاك أولى. ولكن من الأرجح أن تحذو المؤسسة العسكرية حذو الرئيس، في رسم صورة محسّنة تُظهر مشروعاتها وأنشطتها التجارية في المجال المدني وكأنها متماشية مع سياسة ملكية الدولة، مع احتمال التخلّي عن بعضها إذا كانت تناقض تلك الصورة بطريقة فجّة لا يمكن تلطيفها أو إخفاؤها.

لعل كل ما سبق يلقي بظلال الشك حول مصير الإطار السياساتي المتفق مع صندوق النقد الدولي، إلا أن الطرفين يحتاجان إلى اتفاق جيّد بالظاهر، من دون أن تتوافر لدى أيٍّ منهما الإرادة أو القدرة على فرض الالتزام به. بل إن الاتفاق مُصاغٌ بطريقة تجعل حدوث خروقات هامة — وتقبُّلها — أمرًا شبه حتمي، وأول هذه الخروقات سيكون عدم تطبيق البنود المتعلّقة بالمؤسسة العسكرية. لكن المؤسسة العسكرية قد لا تضطر إلى إجهاد نفسها من أجل الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية: إذا دلّ الماضي على شيء، فهو أن الحكومة المصرية سوف تُراوغ أصلاً في تنفيذ كافة تعهّداتها تجاه صندوق النقد. ولكن لم يعد أكيدًا أن شركاء مصر الأجانب الآخرين سيكونون متسامحين مثل الصندوق. إذ يشعر المسؤولون في بعض دول الخليج بالامتعاض من أن السيسي أساء استخدام حزام النجاة المالي الذي مدّوه إليه منذ العام 2013، وقد يتردّدون في ضخ المزيد، ما قد يهدّد فرص حصول مصر على القروض الإضافية المأمولة والبالغة14 مليار دولار.

لن يسمح السيسي بنشوء هوّة بينه وبين المؤسسة العسكرية في الوقت الراهن، على أمل أن تضطر الحكومة إلى تحمّل عبء التعامل مع المواطنين المصريين المستائين والتوسّل مجدّدًا إلى المانحين الأجانب. ولكنه لن يستطيع تأجيل المشكلة إلى ما لا نهاية.

هذا نص معدّل لمقال رأي صدر باللغة الإنكليزية في صحيفة الفاينانشل تايمز.