ثمّة تكهّنات كثيرة في بيروت هذه الأيام بأن الانتخابات البرلمانية في لبنان، والتي من المقرّر إجراؤها في العام 2017 بعد أن أُرجِئت مرتين، ستتم بصرف النظر عما يحدث في البلاد. وفي ضوء ذلك، من المُفيد إلقاء نظرة على الانتخابات التي شهدتها البلاد هذا العام، لأنها قد توضح الكثير عمّا ينتظرنا في المستقبل إذا تم إجراء الانتخابات البرلمانية.

في الفترة بين 8 و29 أيار/مايو صوّت اللبنانيون في انتخابات بلدية. وفي غياب أي مقياس موضوعي آخر، نجحت الانتخابات في الكشف عن وجود عدد من الاتجاهات السياسية الهامّة في البلاد. وفي حين تُعدّ الانتخابات البلدية في لبنان محليّة بطبيعتها إلى حدّ كبير، الأمر الذي يوجب التزام الحذر في وضع تفسيرات سياسية أوسع، كانت الانتخابات الأخيرة مختلفة إلى حدّ ما. والسبب هو أنها كانت أول انتخابات تشهدها البلاد منذ العام 2009، وبالتالي فهي شكّلت فرصة للناخبين للتعريف بمزاجهم.

التحدّي السنّي وتآكل الحريرية

جرت الانتخابات البلدية في لبنان في اللحظة التي كان يتم فيها التشكيك بزعامة رئيس الوزراء السابق، سعد الحريري، داخل تيار المستقبل الذي يتزعم، وفي الطائفة السنية، وكذلك على المستوى الوطني. ففي بيروت وطرابلس، وهما معقلان مارس فيهما الحريري زعامة لانزاع فيها تقريباً على الطائفة السنّية، تلقّى الحريري إنذاراً قاسياً. إذ أظهرت النتائج في كلتا المدينتين وجود صدوع في الهيمنة شبه المطلقة التي كان الحريري يتمتّع بها سابقاً.

في العاصمة بيروت التي يمثّلها الحريري في البرلمان، خسرت القائمة التي رعاها أكثر من ثلث ناخبي الحريري السنّة التقليديين، مقارنةً مع انتخابات العام 2010. كما خسر نحو ثلثي الأصوات داخل المناطق ذات الأغلبية المسيحية، على الرغم من أن القوى السياسية المسيحية الرئيسة كانت ضمن التحالف الواسع الذي شكّله. وبالتالي، كانت بيروت درساً مهمّاً لكلٍّ من الحريري والطبقة السياسية برمّتها، والتي تعاونت في تشكيل القائمة المدعومة من الحريري، بما في ذلك حزب الله.

في طرابلس، أتت الضربة التي تلقّتها الحريرية من داخل صفوفها. فقد نافست قائمة واسعة تحظى برعاية سياسيين سنّة، بمن فيهم الحريري وكذلك رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي والوزير السابق محمد الصفدي، قائمة مدعومة من وزير العدل أشرف ريفي. وريفي هذا مدير سابق لقوى الأمن الداخلي، وكان أحد المحسوبين على الحريري، إلى أن انفصل عنه على خلفية استقالته من الحكومة (والتي لم يقبلها رئيس الوزراء تمام سلام) من دون موافقة الحريري. وإحدى النتائج الملحوظة للانتخابات أن شعبية ريفي نجحت في حرمان القائمة المنافسة من حوالى نصف الأصوات في المدينة وفي الطائفة السنّية. كانت الهزيمة شبه كاملة.

في المشهد السنّي، كانت النتائج إشارة إلى تآكل التأييد للحريري، وألمحت إلى الصعود المحتمل لخصوم على يمينه، يُرجّح أن ينظروا إلى الانتخابات البرلمانية باعتبارها فرصة لاستغلال سخط السنّة وتقوية أنفسهم أكثر.

تغيُّر مزاج في المجتمع الشيعي

جرت الانتخابات في ظل الوجود العسكري لحزب الله في سورية. وأثارت خسائر الحزب الفادحة هناك تساؤلات جديّة حول مدى اصطفاف الشيعة وراء الحزب في لبنان، حيث فقدت العديد من الأسر أبناءها في القتال.

حقّقت القوائم التي ساندها حزب الله وحليفه الشيعي التقليدي، حركة أمل، انتصارات أكيدة في معاقلها. ومع ذلك، كانت تلك الانتصارات أضيق نطاقاً في العديد من مدن الجنوب، حيث تمكّنت العائلات التقليدية، وكذلك الشخصيات اليسارية السابقة، من فرض تحدّيات جدّية. انطبق الأمر نفسه على البقاع والهرمل، أحد معاقل حزب الله، حيث ينبغي على الحزب غالباً التعامل مع الحقائق القَبَلية التي تجعل سيطرته أقلّ من مطلقة. وفي القرى الشيعية في دائرة جبيل، المسيحية في غالبها، جرى وضع متانة التحالف بين حزب الله وحركة أمل على المحكّ. إذ ناورت حركة أمل مع الأعيان والأسر المحلية، ماشكّل تحدّياً لحزب الله الذي اضطر إلى قبول انتكاساته.

لقد أبرزت الانتخابات وما أعقبها داخل الطائفة الشيعية اتساعَ الفجوة بين أقوى قوتين سياسيتين فيها، وكذلك الصعوبة المتزايدة التي يواجهها حزب الله في الحفاظ على السيطرة المطلقة على الطائفة وولائها له. علاوةً على ذلك، لجأ الحزب، الذي وجد نفسه في مواجهة الأزمة الاقتصادية نفسها التي أثّرت على الجميع في لبنان، إلى تقليص الخدمات الاجتماعية التي يقدّمها إلى الطائفة الشيعية الأوسع، ما أثّر على جاذبيته الشعبية. وبالتالي، قاعدة الأنصار المباشرة للحزب هي التي تدفع أعلى أثمان الصراع في سورية.

قوة الجذب المحدودة للتحالف المسيحي

جرت الانتخابات بعد أسابيع من المصالحة التاريخية بين الحزبين السياسيين المسيحيين الرئيسين، حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. وقد دعم الحزبان معاً قوائم في العديد من الدوائر الانتخابية، وأتاحت لهما النتائج تحديد ما إذا كان يمكنهما احتكار التمثيل السياسي في المناطق المسيحية في المستقبل.

لكن النتائج التي حقّقها التحالف جاءت متباينة. ففي المناطق التي نافس فيها غرماءه المحليّين وسواهم، لم يتمكّن التحالف من حصد أكثر من 50 في المئة من أصوات المسيحيين في المتوسط. وفي مدينة زحلة البقاعية، حيث خاض التحالف واحدة من أشرس معاركه، فازت القائمة التي أيّدها بنسبة 44 في المئة فقط من الأصوات. ومع ذلك، ألحقت الأحزاب الصغيرة والزعماء المحليّون التقليديّون هزائم بقوائم التحالف في بلدات عدّة في جبل لبنان والشمال وعكار.

في المدن الأخرى ذات الأهمية المسيحية، مثل جونيه، دعم حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر قوائم متنافسة، مايمثّل انتكاسة للتقارب بينهما. وفي الدوائر الانتخابية المسيحية في بيروت، عصا جمهور الحزبين تعليمات التصويت لأنه لم يكُن راضياً عن التحالف الذي أُبرم مع الحريري.

في حين أن المصالحة المسيحية ليست غير شعبية في حدّ ذاتها (بل على العكس من ذلك)، إلا أنها لم تمنح القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر تصريحاً مجانيّاً لفرض الهيمنة السياسية على الطائفة المسيحية على حساب الواقع المحلّي. لكن سيكون من المثير للاهتمام احتمال أن تتمدّد هذه المشاعر إلى الانتخابات البرلمانية.

هل نحن أمام بروز اتّجاه واعد؟

على الرغم من وجود شعور بأن الانتخابات كانت تجري في جوٍّ من اللامبالاة الشعبية العميقة، إلا أنه ثَبُت أن هذا الانطباع مُخطئ. إذ ظهرت بعض الديناميكيات المفاجئة، ومن بينها تعبئة منظمات مجتمع مدني معيّنة.

في بيروت، تحدّت قائمة "بيروت مدينتي"، التي تتألف من مبتدئين في ميدان السياسة، ائتلافاً من القوى السياسية والطائفية الرئيسة في البلاد. وتمكّنت هذه القائمة من استقطاب أكثر من 30 في المئة من الأصوات، وبلغت الذروة بحصولها على حوالى 64 في المئة من الأصوات في بعض الدوائر. ركّزت القائمة على قضايا الإدارة البلدية، ماساعد على رفع مستوى المشاركة في المناطق المعروفة بمعدّلات إقبال منخفضة.

كان لقائمة "بيروت مدينتي" أيضاً مقلّدوها في مناطق أخرى من لبنان، في زغرتا وبعلبك على سبيل المثال، ماكشف عن وجود شهية لإشراك المجتمع المدني والعمل على المستوى المحلّي بين جيل جديد يسعى إلى طرق جديدة لمقاربة السياسة. كان الشعور بالاشمئزاز ملموساً بالفعل في حملة "طلعت ريحتكم" التي عبّأت الشارع ضد سوء تعامل الحكومة مع أزمة القمامة في العام الماضي، مايشي بأن فكرةً واحدة تحقّق تقدّماً: يرى الكثير من اللبنانيين أنه إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود على المستوى الوطني، فينبغي عليهم على الأقل توجيه اهتمامهم إلى الشؤون المحليّة وتنظيم بيئتهم المباشرة بأنفسهم.

وإذا جرت الانتخابات البرلمانية في العام المقبل، نكون في وضع أفضل لمعرفة ما إذا كان بالإمكان تطبيق ردّ الفعل هذا أيضاً على السياسة الوطنية بطريقة أو أخرى.