أبطَلَ الكونغرس الأميركي في 28 أيلول/سبتمبر الماضي بأغلبية كاسحة حق النقض (الفيتو) الذي  مارسه الرئيس باراك أوباما بحق قانون العدالة ضدّ رعاة الإرهاب، المعروف بـ"جاستا" (JASTA). هذا القانون، كما هو معروف، يُخضع الحكومات الأجنبية إلى السلطة القضائية الأميركية في بعض حالات العمليات الإرهابية.  وهذه كانت المرة الأولى التي يتم فيها إبطال فيتو في عهد أوباما، والمرة الـ101 في تاريخ الكونغرس (228 عاماً).

منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، سرت سلسلة من المطالب المدنية من لدُن عائلات الضحايا للحصول على تعويضات مالية. لكن، بما أنه من غير الوارد جني تعويضات من تنظيم القاعدة، سعى الادّعاء بدلاً من ذلك إلى نيلها من المملكة العربية السعودية- بما في ذلك أربعة أمراء كانوا أعضاء في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الذي حُلّ منذ ذلك الحين، بدعوى أن التمويل الخيري الرسمي لهذا المجلس شقّ طريقه إلى جيوب القاعدة، وبالتالي استُخدم لتنفيذ الهجمات.

كانت المحاكم الأميركية رفضت باستمرار هذه الدعاوى، مُستندةً إلى قانون الحصانة السيادية الأجنبية للعام 1976، الذي نظّم وصنّف قانونياً ممارسات دبلوماسية عريقة تنصّ على أن الدول الأجنبية، مع استثناءات طفيفة، تتمتّع بحصانة إزاء السلطة القضائية الأميركية. بيد أن تشريع "جاستا"، الذي لايشير لا إلى السعودية ولا إلى هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، ردّ على هذه الطعون، وعدّل قانون الحصانة السيادية، مفسحاً بذلك المجال أمام استثناء جديد يتعلّق بحالات من الإرهاب الدولي المُنفَّذ فوق الأرض الأميركية.

من الواضح أن "جاستا"، الذي ضغطت بحدّة من أجله عائلات الضحايا (الذين يشكلّون قوة سياسية مكينة في سنة انتخابية)،  قانونٌ مُضلّل للغاية ويُعتبر تشريعاً خطرا. فهو يهدّد بصدور ردود فعل مماثلة من جانب دول في مجال الحصانة السيادية التي تُعتبر أساسية لممارسة العلاقات الدولية، كما قد تُضعف السلطة التنفيذية الأميركية في ممارستها لتوجّهاتها الخارجية. وفي هذا الصدد، كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي.أي.آي) جون برينان أصدر تصريحاً نادراً حذّر فيه من "المضاعفات الخطيرة على الأمن القومي للولايات المتحدة"، فيما سطّر وزير الدفاع آشتون كارتر مذكرّة إلى الكونغرس، قال فيها إن "جاستا" قد يسفر عن نتائج مدمّرة لوزارة الخارجية وسِلكها، و"يقوّض جهودنا لمكافحة الإرهاب في الخارج". أما المعلّقون العرب فقد تساءلوا عما إذا كان المنطق القانوني لـ"جاستا" يمكن تطبيقه أيضاً على الولايات المتحدة، خاصة في ضوء الحروب المدمّرة في العراق وأفغانستان.

والحال أن مسائل الحصانة السيادية تتطلّب تحليلاً قانونياً دقيقاً تتجاوز حيثياته هذه العجالة، على الرغم من أنه تتعيّن الإشارة إلى أن الكونغرس أبدى بالفعل حساسية تجاه مثل هذا القلق. فقد أصدرت لجنة من الحزبين تضم 28 سيناتوراً – جميعهم من أنصار "جاستا" - بياناً علنياً حتى قبل إطاحة فيتو أوباما، ركّزت فيه على ضرورة حل "المضاعفات غير المحسوبة" لهذه الخطوة. وبعدها حذا حذوها رئيس مجلس النواب وزعيم الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس.
مع ذلك، لايزال السؤال الكبير معلّقاً في الهواء: هل تسبّب الكونغرس بقطيعة كبرى في الشراكة السعودية- الأميركية، التي كانت إحدى الركائز الرئيسة للنظام الإقليمي الشرق أوسطي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

سبق أن حذّر مسؤولون سعوديون أعضاء الكونغرس الأميركي من أنهم قد يبيعون أصولاً مالية لهم في الولايات المتحدة تبلغ 750 مليار دولار، بما في ذلك نحو 100 مليار دولار في سندات الخزينة الأميركية، ماقد يُشعل فتيل أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة. كما سرت تكهنات بأن المملكة ربما تقلّص أو حتى تُنهي تعاونها مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب. ثم: ماذا عن أمر هؤلاء الأمراء الأربعة الذين وردت أسماؤهم في قائمة اتهامات 11 أيلول/سبتمبر؟ أحدهم هم الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي أصبح الآن ملكا، مايعني أن هذه الأزمة لن تكون دبلوماسية وحسب بل شخصية أيضا.

لكن يجب التنويه هنا بأن العلاقات الأميركية- السعودية كانت تعبق أصلاً بأجواء توتر حاد، برزت في خضمها خلافات سياسية بارزة حول كل شيء تقريباً، من مصر إلى إيران والعديد من الأزمات الأخرى مابينهما. ومع ذلك، أعتقد أن "جاستا" سيكون في نهاية المطاف "وجع رأس" لا كارثة دبلوماسية. 

لماذا؟ لأنه لايوجد، أولاً وأساساً، دليل حتى الآن، أو حتى لايحتمل أن يبرز دليل، على أن للسعودية أي دور مباشر أو غير مباشر في هجمات 11 أيلول/سبتمبر. فالصفحات الـ28 الشهيرة - أي ذلك الجزء المنقّح من تحقيقات الكونغرس العام 2002 حول هذه الهجمات والتي تضمنت تقارير استخبارية أوّلية حول علاقة السعودية بتنظيم القاعدة - رُفع عنها غطاء السريّة في تموز/يوليو الماضي. وتوضح هذه الوثائق أنه كان لمسؤولين سعوديين علائق عميقة مع التجسدات الأولى للقاعدة أكثر مما اعترفوا به، وأنهم لم يأخذوا خطر أسامة بن لادن على محمل  الجد حتى حلول العام 2003 على الأقل. بيد أن هذه التقارير الاستخبارية لاتتضمن البتة أي دليل على أن السعودية كانت لها معرفة مُسبقة بهجمات 11 أيلول/سبتمبر، أو كان لها ضلع فيها.

علاوةً على ذلك، حين نضع في الاعتبار السرعة السلحفاتية للنظام القانوني الأميركي، فقد تمضي سنوات طوال قبل أن تشق القضايا طريقها عبر المحاكم، مايوفّر فسحة واسعة من الوقت للكونغرس كي يحدّ من تبعات "الجاستا"، خصوصاً إذا مابانت دلائل على أن موظفين أميركيين قد أصبحوا عرضة إلى ردود فعل في الخارج. 

وعلى أي حال، هذا البند التشريعي يُطلق عملية تستطيع بموجبها الإدارة أن تسعى إلى فترة تجميد للدعاوى المدنية لمدة 180 يوماً بهدف السعي إلى حل دبلوماسي مع الدولة المُتهمة. هذا على الرغم من أنه ليس واضحاً البتة ما إذا كانت السعودية مُستعدة للانخراط في مثل هذه العملية. 

وأخيراً، تتضمن الجاستا" آليات لتنفيذ الحكم القضائي مفادها أنه حتى ولو حصل متقاضٍ على حكم ضدّ السعودية في نظام قضائي أميركي، ستكون عملية تحصيل الحكم مُعقّدة قانونياً وتستهلك ردحاً طويلاً من الزمن.

حتى الأن، لاتزال ردود فعل الرياض مضبوطة نسبيا. فعلى رغم أن وزارة الخارجية السعودية أصدرت بياناً صحافياً حَمَلَت فيه بعنف على إسقاط الفيتو وحذّرت من "المخاطر التي يجسّدها الجاستا"، إلا أنها أعربت في الوقت نفسه عن الأمل بأن "تسود الحكمة في نهاية المطاف، وأن يتخذ الكونغرس الخطوات الضرورية الآيلة إلى  تصويب هذا التشريع بهدف تجنُّب بروز مضاعفات خطيرة غير مقصودة".

بالطبع، سيتدارس مدراء صناديق السيادة الخليجيون ملياً وعميقاً مسألة استقرار أو لا استقرار محفظاتهم الاستثمارية في الولايات المتحدة، على رغم أنه ليس من السهل البتة تحويل الكلام عن بيع الأوراق المالية إلى أفعال على الأرض، حيث من المؤكد أن يؤدي البيع بأسعار رخيصة إلى تأثيرات سلبية جمّة على الاقتصاد السعودي أكثر من الاقتصاد الأميركي، نظراً إلى  الفوارق الكبيرة في الأحجام بينهما.

أما بالنسبة إلى العلاقات الأمنية، فقد تقوم الرياض ببعض البادرات الرمزية قصيرة الأمد، على غرار إعادة النظر بتبادل المعلومات الاستخبارية، وعمليات مكافحة الإرهاب، او بمشتريات الأسلحة. لكن يبقى أن السعودية ترى إلى هذه التعاون على أنه مفيد لها كما للولايات المتحدة. ثم أن هذه المجالات من العلائق يمكن على أي حال أن تُقسّم إلى فئات مستقلة عن بعضها البعض، مايعني استبعاد حدوث تحوٌّل بنيوي حاد بعيداً عن الشراكة الأمنية الراسخة منذ أمد بعيد بين البلدين.
لا أحد على وشك إدارة الظهر للحقيقة بأن "الجاستا" تشريع رديء ويمكن أن يُلحق، مع الوقت ، أضراراً فادحة وخطيرة بالمصالح الخارجية الأميركية. لكن المخاوف (أو التوقعات) من حدوث قطيعة أميركية- سعودية، تشي بسوء فهم لطبيعة الشراكة بين البلدين. 
لاريب أن مستشاري الرئيس الأميركي المُقبل لشؤون الشرق الأوسط، سيضمّون "الجاستا" إلى السلسلة الطويلة من التحديات الإقليمية التي سيُواجه. صحيح أن مهمتهم الخاصة باستعادة الثقة مع المملكة السعودية ستكون أصعب باطراد، لكني أراهن أن السعوديين لن يدفعوا فلساً واحداً من جراء "الجاستا".