طرح مصرع محسن فكري، الذي لقي حتفه بطريقة مروّعة في 28 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وما أعقب ذلك من احتجاجات في المغرب، السؤال حول ما إذا كانت المملكة أمام لحظة مفصلية يصنعها محمد بوعزيزي جديد (أي مفترق ثوري على الطريقة التونسية)، إنما في المغرب هذه المرة. أم أن مايجري مجرّد صدى للحركة الاحتجاجية نفسها التي شهدها المغرب قبل خمسة أعوام.

لعلها ليست لحظة ثورية، لكن من غير الواضح أيضاً ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستشكّل أم لا مرحلة سياسية مهمة، كما احتجاجات العام 2011.

تحوّلت التحركات التي انطلقت في 20 شباط/فبراير 2011 إلى محطة مهمة في المشهد السياسي المغربي، ودفعت النظام الملَكي إلى تدشين مراجعة دستورية، أدّت بدورها إلى تشكيل حكومة ائتلافية بقيادة الإسلاميين الذين لم يتوانوا، على عكس الأفرقاء السياسيين الآخرين وعلى الرغم من أنهم لم يشاركوا في الحركة الاحتجاجية، عن انتهاز الفرصة لتسلّم مقاليد الحكم. لكن الآن، وعلى ضوء التباين الشديد في المناخات الإقليمية مقارنةً مع العام 2011، أيّ نوعٍ من التأثير يمكن أن تمارسه الاحتجاجات الأخيرة؟

انطلقت الاحتجاجات في مدينة الحسيمة وانتشرت كالهشيم في شمال المغرب، ثم وصلت إلى باقي أنحاء البلاد، على خلفية مصرع بائع السمك محسن فكري طحناً بين فكَّي آلة طحن النفايات، عندما ألقى بنفسه داخل شاحنة النفايات يوم الجمعة الماضي، في محاولة منه لاسترجاع أسماكه التي صادرتها الشرطة (والتي قُدِّرت قيمتها، بحسب ما أُفيد، بنحو 11000 دولار أميركي). لم تُعرَف بعد ملابسات الحادث والأسباب التي أدّت إلى مصرع فكري طحناً. لقد فتحت وزارة الداخلية تحقيقاً، وقطع وجهاء ومسؤولون محليّون وعوداً باقتياد المذنبين سريعاً إلى قوس العدالة. وجاء هذا الرد القوي من الحكومة بعدما تعالت صيحات الاستهجان والغضب في مختلف أرجاء المغرب، والتي ساهمت وسائل الإعلام الوطنية ومواقع التواصل الاجتماعي في مفاقمتها. فقد تبادل المغاربة صور ومقاطع فيديو عن الحادث، مع هاشتاغات على غرار "#كلنا_محسن_فكري" و"#طحن_مو"، وهي العبارة التي يُزعَم أن أحدهم استخدمها قبل مصرع بائع السمك. ومايعزّز مشاعر النقمة والسخط هو اليأس الذي يعتري الكثيرين، لأن المسؤولين يتعاملون باستخفاف مع الحياة والكرامة الإنسانيتين ولايعيرونهما أي قيمة.

إلى جانب رد الفعل الشعبي الساخط، هناك أيضاً مسألة سياسية مهمة ترتبط بالحادث وبالاحتجاجات التي أعقبته. صحيح أن طرفاً ما سيُنزَل به العقاب لأن هذا ماتقتضيه الضرورة السياسية الفورية، إلا أنه لابد من طرح السؤال الأوسع: مَن المسؤول حين تقع مشكلة ما في المغرب؟ ومَن يتحمّل مسؤولية الازدراء المتجذّر الذي يتعرض إليه المواطن العادي؟

تعاني السياسة المغربية من انفصام شديد. فقد درجت العادة على تحميل الأفرقاء السياسيين والمسؤولين المُنتخَبين المسؤولية في الخطاب العام، في حين أن سلطتهم تقتصر على الحد الأدنى من الحوكمة وصنع القرارات. أما القوى التي تحكم قبضتها على البلاد – النظام الملكي ودائرته الواسعة من المستشارين والمديرين والمسؤولين – فتبقى خارج نطاق المساءلة والاستجواب.

لذلك تطرح الاحتجاجات معضلة بالنسبة إلى السياسيين والأحزاب السياسية: لقد عبّرت أحزاب عدّة عن سخطها الشديد لمصرع فكري وطالبت بإجراء تحقيق في ملابسات الأحداث (عبّر البعض عن تضامنهم مع المتظاهرين)، لكن معظمها غاب عن الاحتجاجات (ماعدا الحزب الاشتراكي الموحد المهمَّش إلى حد كبير على الساحة السياسية، والذي وجّه زعيمه نداء قوياً للمطالبة بالمساءلة ومنح المواطنين حقوقهم). إذن، الملك وحده بمستطاعه أن يؤدّي دور الحكَم والمنقذ الأوحد، وهو دور لن يتوانى عن تأديته.

ليس جديداً على الأحزاب السياسية التقليدية في المغرب توخّي الحيطة والحذر في مثل هذه المواقف، وينطبق هذا الأمر في شكل خاص على حزب العدالة والتنمية الذي يُتوقَّع أن يتسلّم زعيمه، عبدالإله بنكيران، رئاسة الوزراء مجدداً بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة. في العام 2011، عندما بدأت احتجاجات الربيع العربي تتبلور على الأرض في المملكة، لم يؤيّد معظم الأحزاب التقليدية صراحةً حركة 20 شباط/فبراير الناشئة (وحده الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قدّم دعمه للحركة، وبخفر).

الصراع واضح أيضاً في أسلوب بنكيران في التعاطي مع الأمور. فالرجل الذي يخوض حالياً مفاوضات لتشكيل حكومة، توجّه بالتعازي إلى أسرة فكري، لكنه أصدر تعليمات إلى أعضاء حزبه بعدم "الاستجابة بأي شكل من الأشكال" إلى النداءات التي تُطلَق للمشاركة في الاحتجاجات. وفي حين لمّح حزب العدالة والتنمية إلى رغبته في تجنّب تسييس الحدث المأسوي، تندرج استراتيجيته غالباً في إطار غريزة البقاء السياسية التي تدفع بنكيران إلى النأي بنفسه عن مسألة لاتقدّم – أقلّه راهناً – منافع تُذكَر لحزب العدالة والتنمية.

على الرغم من أن الإقرار بالمأساة يُعتبر خطوة آمنة سياسياً، إلا أن طرح تساؤلات عن ممارسات شرطي أو أي موظف آخر في الدولة، أو عن المساءلة في شكل عام، محفوف بالمخاطر. أولاً، ربما تساور بنكيران مخاوف بأنه قد يكون هو نفسه هدفاً ينصبّ عليه جزء، على الأقل، من هذا الغضب الشعبي، بصفته مسؤولاً منتخباً على وشك أن يستهلّ ولايته الثانية في رئاسة الوزراء. وهو يدرك، ثانياً، على الأرجح، أن ممارسة ضغوط شديدة لفرض المساءلة الحكومية قد يُعتبَر هجوماً ضمنياً على البلاط الملكي.

يسلك حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصد ثاني أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات الأخيرة وتعهّد بالبقاء في صفوف المعارضة، مساراً مختلفاً. فالمفارقة هي أن هذا الحزب، الذي يتكوّن من وجهاء ومسؤولين وموالين للبلاط الملكي، كان أكثر صراحة في دعمه للاحتجاجات، ربما لأنه يعتبرها فرصة لتسجيل نقاط سياسية ضد حزب العدالة والتنمية، أو لأنه يشعر بأن لديه هامشاً أكبر للانتقاد حين تكون هذه الخطوة مؤاتية سياسياً، من دون أن يهدّد ذلك مكانته نظراً إلى قربه من البلاط الملكي. لكن حتى الانتقادات الصادرة عن حزب الأصالة والمعاصرة تنطوي على مجازفة. فقد يُتَّهم بالرياء والنفاق لأنه يتحدث ضد نظام يشكّل امتداداً له.

قد لاتكون هذه الحادثة كافية لتغيير الديناميكيات السياسية ووضع حدٍّ لغياب مساءلة أعوان السلطة الحقيقيين في المغرب، وربما يقتصر العقاب في نهاية المطاف على المسؤولين المباشرين عن مقتل فكري. لكن فيما يتصاعد الغضب تارةً وينحسر طوراً، ولاسيما أن الرأي العام ينفّس باطّراد عن غضبه، ستتفاقم على الأرجح الصرخات المطالبة بالمساءلة الحقيقية.