خضر خضور باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. أجرى خضور، الذي يحمل الجنسية السورية، أبحاثاً كثيرة عن النزاع في سورية، وغالباً ما يتطرّق في تحليلاته إلى مسائل تقع خارج حدود التغطية التقليدية لتطورات البلاد. أصدر في شهر كانون الثاني/ يناير العام 2018 دراسة عن العودة المحتملة للنازحين السوريين إلى محافظتي الرقة ودير الزور، تحت عنوان "العودة إلى أي مستقبل؟ ماذا سيبقى للنازحين في سوريا " ، وقد ناقشها في حديث مع مدوّنة «ديوان» في الشهر نفسه.

مايكل يونغ: أصدرت مؤخراً دراسة في مركز كارنيغي، بعنوان "العودة إلى أي مستقبل؟ ماذا سيبقى للنازحين في سورية". ماذا تناقش فيها؟

خضر خضور: في حين تركّز الدراسة على شرق سورية، إلا أنها تؤكد ألا عودة متوقّعة إلى سورية من دون التوصّل إلى تسوية سياسية في البلاد. لا ينبغي التعامل مع التسوية السياسية والعودة كقضيتَيْن منفصلتَيْن، فانتهاء القتال لايهيّئ في حد ذاته الظروف للعودة إذا كانت الجهات الفاعلة على الأرض لا تزال منخرطة في فرض وقائع جديدة على الأرض.

يمكن أن يسيء المشاركون في النزاع السوري إستخدام ورقة عودة اللاجئين في سبيل تأسيس نظام سياسي جديد يعزّز مكاسبهم العسكرية، ويمكّنهم من الحصول على شرعية دولية.وهذا هو المحتمل على وجه الخصوص في ساحة المعركة في شرق سورية، حيث يتنافس النظام السوري وقوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد.

يسعى النظام جاهداً لإعادة فرض سيطرته على المناطق التي خسرها خلال النزاع، بينما تنحو قوات سورية الديمقراطية إلى تعزيز المكاسب التي حققتها على الأرض خلال القتال ضد الدولة الإسلامية. ويتطلع الطرفان إلى اعتراف دوليوقد يستغلّانورقة عودة اللاجئين لتحقيق أهدافهما. لكن ، إذا اقترنت عودة كهذه بالأهداف السياسية للجهات الفاعلة المشاركة في النزاع، فإنّها لن تؤدي إلّا إلى تعزيز الظروف التي أدّت إلى مغادرة الكثير من الأشخاص في المقام الأوّل،وبالتالي السماح فقط بعودة انتقائية للاجئين.

مايكل يونغ: ما العقبات الأساسية التي تمنع عودة اللاجئين إلى محافظتي الرقة ودير الزور في شرق سورية؟

خضر خضور: هناك مروحة من العوامل المنوّعة، أكثرها وضوحاً أنّه طالما أنّ الصراع مستمرّ، فإنّ عودة اللاجئين تتوقف على الجهات العسكرية الفاعلة التي تسيطر على أجزاء مختلفة من شرق سورية. ومع توسّع رقعته، لم يجبر النزاع الناس فقط على الخروج، بل خلق أيضاًوقائع جديدة في مواطنهم الأصلية . فعلى سبيل المثال، تجهد الطبقة الوسطى الحضرية في الرقة اليوم لتصوّر ما هو المآل في حال العودة إلى مدينة مدمرّة وتدار من قبل قيادة جديدة في مجلس الحكم المحلي المدعوم من قوات سورية الديمقراطية.

في المقابل، تتجزّأ محافظة دير الزور إلى جزر تقع تحت سيطرة النظام وقوات سورية الديمقراطية، ويقوم كل منهما بجذبزعماء القبائلوالقادة المحليين إلى صفّه. وإلى جانب الديناميكيات المتحوّلة للقوى المحلية، فقد أدى التوسّع غير المسبوق على الأرض لقوّات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على قوات سورية الديمقراطية، إلى إثارة الشكوك العربية تجاه الأكراد، الأمر الذي أدّى إلى تثبيط عودة العديد من اللاجئين. والفجوة نفسية أيضاً، إذ أنّ اللاجئين لا يستطيعون تصوّر العودة إ وبناء مستقبلهم في مناطق منأشهم التي تغيّرتإلى درجة أنّهؤلاء الناس يشعرون بأنّهم لن يكونوا قادرين على التأقلم.

مايكل يونغ: كيف أثّرت هزيمة الدولة الإسلامية على الوضع في محافظة دير الزور؟ وكيف يمكنك أن تصف الوضع هناك اليوم؟

خضر خضور: دفعت المعركة ضد الدولة الإسلامية النظام وقوات سورية الديمقراطية وحلفائهما إلى مواجهة. تشبه دير الزور مناطق أخرى على الحدود العراقية السورية، مثل سنجار على الجانب العراقي، حيث وعلى الرغم من هزيمة الدولة الإسلامية، يتم تنفيذ أجندات إقليمية ودولية. تقع دير الزور على مفترق طرق بين سورية والعراق، وكما العديد من المناطق الأخرى على طول الحدود بين البلدين، فإنّها تخاطر بالبقاء منطقة عسكرية تكون فيها لجهات فاعلة إقليمية ودولية مصلحة ثابتة في الحفاظ على وجودها ووكلائها.

تسيطر قوات سورية الديمقراطية على مناطق شمال نهر الفرات، وتعدّ دير الزور مفتاحاً لها للحفاظ على شراكتها مع الولايات المتحدة بعد هزيمة الدولة الإسلامية، وبالتالي تعزيز فرصها فيالحصول على الشرعية السياسية في سيناريو ما بعد النزاع.وعلى الرغم من أنّ خطط الولايات المتحدة في شرق سورية لاتزال غير واضحة، يستمرّ وجود واشنطن ودعمها العسكري لقوات سورية الديمقراطيةفي هذا الجزء الاستراتيجي من الأرض، حيث من الممكن التصدّي لجسر إيراني متصوّر بين إيران والمشرق. ولدى قوات النظام السوري المنتشرة في جنوب الفرات مصلحة مشتركة مع إيران وروسيا في منع التحصّن الأميركي في شرق سورية.

مايكل يونغ: كيف ترى تأثير الهجوم التركي في شرق سورية على الوضع في الرقة، خصوصاً في ما يتعلّق باللاجئين؟

خضر خضور:أدى الهجوم التركي ضد وحدات حماية الشعب في شمال سورية إلى ترسيخ المواجهة الإقليمية في دير الزور. وهو يعزّز الأحجية التي بدأت مع دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب، وهي قوة عسكرية كردية سورية مواليةلحزب العمّال الكردستاني الذي يحارب الحكومة التركية منذ عقود. كما يضع حليفين من منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ــ تركيا والولايات المتحدة ــ في منافسة غير مريحة، ويخلق اصطفافاً ظرفياً بين تركيا وروسيا، كما يزيد الشرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا.

الصراع التركي مع حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب في شمال سورية له تداعيات في شرق البلاد، لأنّ الاستقطاب الذي سيعقبه يجعل من المرجح أنّ تقوم الولايات المتحدة وروسيا بدعم حليفيهما هناك ــ قوات سورية الديمقراطية والنظام على التوالي ــ مما سيفاقم التوتّرات في ذلك الجزء من سورية.

مايكل يونغ: بناءً على ما تتابعه ، ما الذي سيحتاجه اللاجئون السوريون للعودة إلى محافظتي الرقة ودير الزور، وما مدى احتمال حدوث ذلك؟

خضر خضور: التحدّي سياسي بقدر ما هو نفسي. اسأل اللاجئين السوريين إذا ما كانوا ينوون العودة إلى تلك المناطق، وسيجيبون: "العودة إلى أين؟". كان الرحيل عبارة عن تمزًّق مفاجئ شتّت العائلات في بلدان مختلفة، وهدم الهياكل الاجتماعية القائمة ليُنشئ أخرى جديدة على الأرض. لذلك، فإنّ الشرط الأساسي للعودة هو السماح للاجئين، على الأقل جزئياً، بإعادة تركيب تلك الهياكل المحطّمة، والتمكّن منإعادة التأقلم مع واقع جديد على الأرض. لا عودة إلى سورية ما قبل الحرب. لذلك، فإنّ التسوية السياسية وحدها يمكن أن تخلق الظروف لعودة اللاجئين، من خلال سدّ الفجوة بين سورية القديمة وسورية ما بعد الحرب التي يمكن اللاجئين تخيّل العودة إليها.