ندوى الدوسري باحثة أولى غير مقيمة في مشروع الديمقراطية في العالم العربي، وباحثة في شؤون إدارة النزاعات. في رصيدها خبرة تفوق سبعة عشر عاماً من العمل الميداني في اليمن. هي متخصصة في شؤون القبائل والحوكمة غير الرسمية في البلاد. يتركّز عملها الميداني منذ العام 2008، على الأمن والعدالة، والحوكمة، والانتقال السياسي، فيما يدرس آخر أعمالها المدركات على مستوى المجتمع المحلّي بشأن الصراع الحالي في اليمن. نُشرت كتاباتها في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومعهد السلام الأميركي، والمجلس الأطلسي، ومعهد الشرق الأوسط، ومنظمة أوكسفام، ومدوّنة Lawfare ، ومركز المدنيين في حالات النزاع، ومشروع الديمقراطية في العالم العربي. كتبت مؤخراً مقالاً لكارنيغي بعنوان "عدوّنا المشترك: العلاقات المُلتبسة بين القاعدة والقبائل اليمنية"، تطرّق إلى العلاقات بين القبائل وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في محافظة البيضاء، بالإضافة إلى تقرير معمّق لمشروع الديمقراطية في العالم العربي بعنوان "عدو لاصديق: القبائل اليمنية والقاعدة في شبه الجزيرة العربية" (Foe Not Friend: Yemen’s Tribes and Al-Qaeda in the Arabian Peninsula).

أجرت مدوّنة "ديوان" مقابلة مع الدوسري في منتصف شهر شباط/فبراير لمناقشة مقالها في كارنيغي.

مايكل يونغ: كتبتم مؤخراً مقالاً لكارنيغي بعنوان "عدوّنا المشترك: العلاقات المُلتبسة بين القاعدة والقبائل اليمنية". ماذا ناقشتم فيه أساساً؟

ندوى الدوسري: كانت الفكرة المحورية فيه أنّ القبائل ليست متحالفة مع القاعدة في شبه الجزيرة العربية كما يُعتقد في كثير من الأحيان.على العكس من ذلك، لعبت القبائل دوراً حاسماً في منع هذا التنظيم من ترسيخ وجود قوي في البلاد، وقد أعطيتُ محافظة البيضاء مثلاً على ذلك. وقد جادلتُ أنّ القبائل لاتزال ترى في القاعدة في شبه الجزيرة العربية تهديداً، لكنّها توصّلت إلى التسامح مع وجود هذا التنظيم الإرهابي خلال الحرب لأن لدى الطرفين عدوّاً مشتركاً يتمثّل في الحوثيين. جوهر نقاشي هو أنّه طالما أنّ القبائل مُجبرة على دفع الحوثيين إلى خارج مناطقها، فلن تتمكّن من إبعاد القاعدة في شبه الجزيرة العربية كما كانت تفعل قبل الحرب.

يونغ: مامدى اندماج القاعدة في شبه الجزيرة العربية في الثقافة القبلية، بحيث يصعب عزلها عن المجتمع القبلي؟

الدوسري: لسان حال المحلّلين في الشأن اليمني أنّ القبائل مسلّحة، وعنيفة، وخارجة عن القانون، ومناهضة للدولة. وقد أدى هذا التصوّر في كثير من الأحيان بالناس إلى الاعتقاد بأن القبائل توفّر بيئة حاضنة للقاعدة في شبه الجزيرة العربية، وهو انطباع شائع جدّاً كذلك بين النخب اليمنية في المناطق الحضرية، التي تعتبر أنّ القبائل "غير متحضّرة". في الواقع،القبائل أبعد ماتكون عن الخروج على القانون، بل تخضع إلى القانون العرفي، وهو نظام شديد التعقيد ومتطوّر جدّاً ساعدها في التعامل مع الصراع والحفاظ على الأمن على مرّ القرون وحتى اليوم.

لمجرّد أنّ القبائل مسلّحة، هذا لا يعني أنّها عنيفة. صحيح أنّ القبائل اليمنية تمتلك أسلحة، لكن لديها أيضاً قواعد وعادات تنظّم استخدامها، بحيث لاتسبّب ضرراً للمجتمعات القبلية. منطقة قبلية مثل مأرب التي كانت تاريخياً تمتلك وفرة من الأسلحة ووجوداً محدوداً للدولة، تعدّ اليوم مستقرة نسبياً وآمنة، بالمقارنة مع تعز وعدن اللتين كان لديهما القليل من الأسلحة  قبل الحرب، وأصبحتا الآن مدمّرتين بسبب العنف والصراعات الداخلية. الفرق هو أنّ القبائل لديها قواعد تحكم استخدام الأسلحة، أما المناطق الحضرية فلا. كذلك، تقوم القبائل بحل النزاعات عبر الوساطة والآليات السلمية، ونادراً ما تلجأ إلى العنف، إلا عندما تواجه تهديداً مباشراً لوجودها أو حين تريد الدفاع عن أراضيها. كما أنّ ما يمثّله تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الإيديولوجيا والعنف والرغبة في تقويض وجود الدولة، يتعارض مع جوهر الثقافة القبلية والقانون العرفي.

يونغ: يُعتبر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية قوّة قتالية أكثر فعالية من القبائل. كيف نجح هذا التنظيم في محاربة الحوثيين؟

الدوسري: يعمل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بأعداد صغيرة. وعندما يواجه مقاتلوه الحوثيين، يستخدمون غالباً تكتيكات حرب العصابات، و"يفوزون" من خلال قتل أكبر عدد ممكن منهم. فكل ما يريدون القيام به هو القتل. أما القبائل، فكل ما تريد القيام به هو دفع الحوثيين إلى خارج مناطقها، إذ ليس لديها مصلحة في محاربتهم خارج أراضيها أو في القتل، إلا للدفاع عن أرضها.

يونغ:أتعتقدون أنّه بمجرّد أن تبدأ الحرب في اليمن بالانحسار، ستسعى القبائل إلى احتواء القاعدة في شبه الجزيرة العربية؟

الدوسري: أجل، أعتقد أنّها ستفعل، لأنّها لا تزال تنظر إلى القاعدة في شبه الجزيرة العربية كتهديد خطير لها. لكن هذا يتوقّف أيضاً على مدى استمرار هذه الحرب. فالحرب التي شنّها الحوثيون ضد القبائل المحلية تُضعف هذه الأخيرة وتسمح للتنظيم بتجنيد رجالها، من دون أن تتصدّى له القبائل المشتّتة الآن بفعل القتال للدفاع عن وطنها ضد الحوثيين. ومع مرور الوقت، وإذا استمر القتال، فإنّ قدرة القبائل على محاربة القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحفاظ على النظام والسيطرة على مناطقها ستتضاءل.

يونغ: كيف تقيّمون دور الولايات المتحدة في محاولة كبح القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن؟ هل كان فعّالاً، أم زاد الأمور سوءاً؟

الدوسري: أعتقد أنّه لو كانت عمليات مكافحة الإرهاب الأميركية فعّالة، لما كان تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لايزال موجوداً في اليمن اليوم. لقد اعتمدت الولايات المتحدة على عمليات أمنية قصيرة الأجل في البلاد، بدلاً من التركيز على الأسباب الكامنة التي سمحت للتنظيم بالتمدّد. فقد قتلت الطائرات من دون طيار معظم قادته في البلاد، غير أنّه بالكاد هُزم. وقدّمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً إلى الرئيس الراحل علي عبد الله صالح لمحاربة القاعدة في شبه الجزيرة العربية، لكنّه لم يكن جادّاً في ذلك، واستخدمه في تقويض خصومه السياسيين والحفاظ على التدفّق المستمر للمساعدات الغربية في مكافحة الإرهاب. وهذا بدوره جعل منه دكتاتوراً أقوى، ما غذّى المظالم التي استغلّها التنظيم للتمدّد واكتساب نفوذ في البلاد.

يونغ: أخيراً، ما أسوأ سيناريو في ما يتعلّق بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في سياق الصراع اليمني؟ ما الذي يؤرقكم؟

الدوسري: أكبر مخاوفي هو انهيار القبائل، الأمر الذي سيحدث في نهاية المطاف ما دامت مضطرة للقتال للدفاع عن ديارها. في غياب الدولة، حافظت القبائل على الأمن والنظام وحلّت معظم الصراعات المحلية، حتى خلال الحرب الحالية. كما أنّها أبقت القاعدة في شبه الجزيرة العربية والجماعات المتطرّفة الأخرى تحت السيطرة. لكن إذا ما انهارت، فستترك فراغاً، وسيتمكّن هذا التنظيم من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي من دون منازع.