في 24 نيسان/أبريل 2007، عقد أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون اجتماعاً مع الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق. ووفقاً لما جاء في محضر الاجتماع المُسرّب في صحيفة لوموند الفرنسية، تمحور النقاش حول لبنان، وتحديداً حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي كان من المُزمع إنشاؤها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

وإذ وُجّهت أصابع الاتهام الأولى في تلك الجريمة إلى سورية، أطلق الأسد بدوره تحذيراً إلى بان كي مون مفاده أن الاستقرار الطائفي في لبنان هشّ، مُلمِحاً ضمناً إلى أن أي استهداف للنظام السوري سيُلقي بظلاله على لبنان أيضاً. وأضاف الأسد أن إنشاء المحكمة، خصوصاً تحت الفصل السابع، "سيُطلق العنان بسهولة لصراع قد يتفاقم ليشعل حرباً أهلية في لبنان، نافخاً في إوار انقسامات سنيّة- شيعية يمتدّ لهيبها من البحر الأبيض المتوسط إلى بحر قزوين". يُضاف إلى ذلك أن إتيانَه المُفاجئ على ذكر الشيعة، يشي بأنه كان على علمٍ بدور محتمل لحزب الله في اغتيال الحريري.

لكن حديث الأسد تضمّن أيضاً رسالة غير مُعلَنة أبدى فيها استعداده لتجاوز كل الخطوط الحمراء للبقاء في سُدة الحكم. ومع حلول الذكرى السنوية السابعة للثورة السورية هذا الأسبوع، بتنا نعرف ما بإمكان الأسد فعله للبقاء في السلطة، وأيضاً مدى عجز المؤسسات الدولية عن الحؤول دون ذلك.

شكّل النزاع في سورية منعطفاً بارزاً في مسار النظام العالمي، وبالتالي لم تكن التهديدات التي نقلها الأسد إلى بان كي مون محض مبالغات. فبحكم موقع سورية في قلب العالم العربي، غالباً ماكانت الأحداث فيها قادرة على ممارسة تأثير إقليمي أوسع، ولاسيما أن الأسد الأب والابن أدرجا زعزعة استقرار الدول المجاورة في صُلب استراتيجيتهما الرامية إلى الحفاظ على السلطة وبقاء النظام. ولقد تمكّنا، من خلال إضرام النيران في طول المنطقة وعرضها، ومن حمل الآخرين على المجيء إلى دمشق للتفاوض بشأن التسويات والحلول. هذا ماجرى في التسعينيات، عندما شجّعت سورية حزب الله على شنّ هجمات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان لتعزيز أوراقها التفاوضية مع إسرائيل؛ وأيضاً حين سمح النظام للمجموعة التي شكّلت في مابعد تنظيم الدولة الإسلامية بالسيطرة على مناطق داخل سورية لدفع الدول الخارجية إلى مناقشة شؤون مكافحة الإرهاب مع المسؤولين السوريين.

ولإنقاذ نظامه بعد العام 2011، أعطى الأسد رجالَه الضوء الأخضر لارتكاب ممارسات وحشية من دون قيد أو رادع، فلم يتوانوا عن استخدام الأسلحة الكيميائية مراراً وتكراراً؛ وأغرقوا البلاد في لُجج كارثة إنسانية مهولة، إذ أُرغم 5.5 ملايين سوري على مغادرة البلاد، وأمسى 6.1 ملايين سوري نازحين داخلياً، من مجموع سكان البلاد البالغ 17-18 مليوناً؛ ناهيك عن تدمير أجزاء كبيرة من المدن والبلدات الكُبرى، وقصف المدنيين والمستشفيات والمدارس وإمدادات المياه، وارتكاب أعمال قتل جماعي أسفرت عن مصرع الآلاف في سُجون النظام.

مع ذلك، لم يؤدِّ أي من ذلك إلى اتخاذ إجراءات دولية منسّقة لوضع حدّ لأعمال العنف أو لمعاقبة المذنبين. لكن رغم كل شيء، يمكن وصف ردود فعل الدول الديقراطية الغربية، التي تُعتبر هي أسّ النظام الدولي القائم على القواعد، حيال عمليات الذبح هذه بالجبانة، وحين لاتكون متواطئة، بسبب الإغفال، تكون جبانة أيضاً لسماحها باستمرار الوضع على هذا المنوال. وبالفعل، يبدو أن المجتمع الدولي قد انقلب على الضحايا. فأوروبا، على سبيل المثال، خاطرت بالتفكّك والانفصال في العام 2015 على خلفية إمكانية قبول اللاجئين السوريين في مجتمعاتها، كذلك، أقفلت الولايات المتحدة أبوابها في وجه السوريين خلال العام الماضي. لم تكن سورية نقطة سوداء في النظام الدولي وحسب، بل أكّدت أيضاً المقولة بأن هذه الدول التي يُتوقّع أن تدافع عن المبدأ الليبرالي العالمي ليست سوى قوقعات فارغة.

في الوقت نفسه، لم يدفع أقوى داعمي الأسد أي ثمن على الإطلاق لمشاركتهم في القمع الوحشي للشعب السوري. فإيران تواصل توسيع نطاق نفوذها في المنطقة، في حين تتطلّع الدول الأوروبية إلى الاستفادة من الفرص الاقتصادية المربحة مع الجمهورية الإسلامية. أما الولايات المتحدة فتبدو في الغالب غير متّسقة، بقيادة متعهد ترفيه تلفزيوني ترقى سياساته الشرق أوسطية إلى مصافي العناوين الجوفاء والمتناقضة. ويبدو أن أمثال الأسد وبوتين في هذا العالم قد أدركوا حقيقة الغرب، وهم يُظهرون الآن الازدراء لأسباب مفهومة. وفيما يوسّع هؤلاء هوامش ما يمكن أن يقوموا به في سورية، يدركون تماماً أن ردود الفعل ستكون شبه معدومة.

بعبارة أخرى، مسألة سورية أكبر بكثير من أزمتها. فهي بالفعل تضع حداً لفترة الانتقال المقتضبة في نهاية القرن العشرين، حين كان التدخل لأسباب إنسانية رائجاً. كان من المفترض أن تكون مجزرة سربرنيتشا في البوسنة، من الأحداث التي يجب أن "تُذكر ولا تُعاد" في تاريخ العلاقات الدولية، لكن سورية تعيش على مايبدو سربرنيتشا جديدة كل شهر، فيما يتضاءل حجم حصار ساراييفو أمام هول مايحصل في حلب والغوطة الشرقية. وفي حين تنتشر التوجهات المعادية لليبرالية حول العالم، تنحسر أهمية حقوق الإنسان بمساهمة من المجتمعات الغربية. فغياب التسامح يطغى على المشهد، ويكتسب الغوغائيون ومشعلو الفتن الرُخصاء زخماً. قد لاتكون سورية السبب الوحيد في كل ما يحدث، لكنها بالتأكيد تُعتبر عاملاً رئيساً في تخلي الغرب عن قيمه وحتى عن جزء من نفسه وكينونته.

كان لقاء الأسد مع بان كي مون معبّراً إلى حدّ كبير. فقد استمع الممثل الأول للتعاون الدولي إلى تهديدات من طاغية من العالم الثالث، ووقف عاجزاً أمامها من دون أن يتمكّن من القيام بشيء يُذكر سوى تسريب تفاصيل ما قيل. وبعد أربع سنوات، كان يمكن للأسد أن يصدق في كلامه، في سياق مختلف، حيال قدرة سورية على زعزعة استقرار المنطقة الممتدة من البحر المتوسط حتى بحر قزوين، أو المناطق المحاذية له. قد تستمر الحرب السورية لفترة أطول بعد، لكن يمكن اعتبار المبدأ الليبرالي العالمي من أبرز ضحاياها.

كان أمراً حزيناً أن يظنّ الشعب السوري بأن التاريخ يقف إلى جانبه. وهذا على أي حال كان ما سمعوه من المحتالين في الغرب الذين هدفت كلماتهم المشجّعة إلى جعل لامبالاتهم مقبولة أكثر لشعب يعيش تحت حدّ السكين.

في الذكرى السنوية السابعة للانتفاضة السورية، وحدها الأكاذيب تبقى سائدة.