احتفلت تونس في 23 كانون الثاني/يناير الماضي بالذكرى السنوية الـ172 لإلغاء العبودية، مُذكّرة بذلك العديد من الناس بأنها كانت المجتمع العربي الأول الذي يقوم بمثل هذه الخطوة. والآن، تونس تصنع التاريخ مجدداً من خلال مسودة قانون سيجرّم، في حال إقراره، التمييز العرقي. وهذا سيكون أول قانون من نوعه في شمال أفريقيا.

بدأ العمل لإطلاق هذا القانون التونسي الرائد ضد التمييز العرقي بعد الانتفاضة التونسية في 2010-2011 التي ألهمت التونسيين من أصحاب البشرة السمراء واللاجئين الأفارقة من منطقة جنوب الصحراء وحلفائهم في المجتمع المدني، وحفزتهم على الدفغ لإقرار تشريع يضع خاتمة لقرنين من التمييز العرقي الاقتصادي والاجتماعي الذي كان يمارس كأمر واقع.

والحال أن العرق كان دوماً قضية مثيرة للجدل والاحتجاجات في تونس، لكن قادة البلاد السابقين في مرحلة ماقبل العام 2011- من الحبيب بورقيبة إلى زين الدين بن علي- كانوا يتجاهلونها إلى حد كبير بذريعة حماية الوحدة الوطنية. وفي عهد بورقيبة، كانت البلدان الغربية تشيد بأنموذج التعليم الشامل والعلمنة والسير في ركاب التعريب والنزعة الوطنية، وتصفه بأنه مشروع ناجح. لكن هذا غطّى على الحقيقة البشعة التي تتعلّق بالتمييز المنهجي ضد الأقليات، بما في ذلك البربر سكان البلاد الأصليين.

في العام 2011، تشجّع الأفارقة السمر بوعود الانتفاضة التونسية الخاصة باستعادة الكرامة والمساواة لضحايا الأنظمة السابقة، وخرجوا إلى العلن مطالبين بالمعاملة العادلة ووضع حد للعنصرية. التحرّك بدأ في وسائط التواصل الاجتماعي لجذب الانتباه إلى حقيقة التمييز العنصري ضد أصحاب البشرة السمراء، قبل أن تبدأ أجهزة الإعلام التقليدية بتسليط الأضواء بدورها على هذه الظاهرة.

وفي السنوات التي تلت الانتفاضة، انطلقت احتجاجات للتنديد بالعنصرية وبالاعتداءات على التونسيين من أصحاب البشرة السمراء والأفارقة من جنوب الصحراء المقيمين في البلاد. وحينها، بدأ هؤلاء بالمجاهرة بطلب إنهاء ما أسموه "العنصرية الصامتة" التي كانوا ضحاياها لعقود مديدة. بيد أن هذه الخطوة جوبهت بمعارضة عنيفة من القطاع الغالب في الرأي العام الذي ندّد بالكفاح ضد العنصرية لأنه يؤدي برأيه إلى حرف الأنظار عن القضايا الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها المشاكل الاقتصادية. كما اتهم النشطاء الحزبيون المُنتمون إلى أقصى اليسار، خاصة منهم القوميون العرب، المحتجين بزرع بذور الشقاق في المجتمع. لا بل نفى أيضاً بعض التونسيين نفياً قاطعاً أن يكون ثمة عنصرية ضد أصحاب البشرة السمراء. وحينها فقط أدرك هؤلاء أن معركتهم من أجل المواطنة الكاملة والمساواة تحتاج إل نقلها من الشارع إلى البرلمان.

في ذلك الوقت، بدأت تتأسس العديد من المنظمات المعارضة للتمييز العنصري في البلاد، على غرار "آدم للمساواة والتنمية" (ADAM)، وجمعية "أقليات" (Minorités) في العام 2011، و"منامتي" (M’nemty) في 2013. وقد نظمت هذه الهيئات المسيرات، والندوات والمهرجانات بالتعاون مع منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية غير الحكومية، وكذلك مع الأمم المتحدة. وسرعان ما آتت هذه الجهود أُكلها حين أمر رئيس الحكومة يوسف الشاهد في 26 كانون الأول/ديسمبر 2016، خلال المؤتمر الوطني ضد التمييز العنصري، بإعداد مسودة قانون تجرّم التمييز العنصري وتحمي ضحاياه. وكانت هذه المرة الأولى التي يعرب فيها مسؤول تونسي عن مثل هذا الدعم.

ومع أن دستور العام 2014 لايتضمّن أحكاماً تحظّر التمييز العنصري بشكلٍ صريح، إلا أن مشروع القانون الذي أعدّته منظمات المجتمع المدني وسّع نطاق فصول عدّة من الدستور، بما في ذلك الفصل 21 الذي يكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، والفصل 23 المتعلّق بكرامة الذات البشرية وحرمة الجسد، والفصل 47 الذي ينصّ على أن تتكفّل الدولة بتوفير الحماية لكل الأطفال من دون تمييز.

إضافةً إلى تجريم وتعريف المعاملة التمييزية على أنها كل فعل تمييزي قائم على أسـاس العـرق أو اللـون أو النسـب كما تنصّ عليه المعاهدات الدولية المُقرّة ، يتضمّن مشروع القانون إجراءات ترمي إلى اجتثاث التمييز العنصري من قطاعات التعليم والتربية والثقافة والإعلام، ويُعاقِب بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 1000 دينار (416 دولار) إلى 3000 دينار (1250 دولار) كل من ارتكب فعلاً أو أدلى بقول بقصد الاحتقار أو النيل من الكرامة.

يُضاف إلى ذلك أن القانون يكلّف الدولة بانتهاج سياسات للوقاية من ممارسات التمييز العنصري. وهذا مهم بشكلٍ خاص نظراً إلى الحوادث العنصرية المتكرّرة ضدّ المواطنين من أصحاب البشرة السمراء في تونس. من هذا المنطلق، دعا المجتمع المدني إلى تصوير أصحاب البشرة السمراء على نحو إيجابي أكثر في وسائل الإعلام، وزيادة تمثيلهم في المؤسسات التعليمية ومواقع صنع القرار.

كذلك ينبغي على الدولة اتّخاذ إجراءات لتيسير لجوء الضحايا إلى القضاء، ومكافحة الإفلات من العقاب عند وقوع هجمات عنصرية، وتوفير التدريب الضروري لأعضاء السلك القضائي وأعوان السجون في تطبيق القانون. ويشدّد مشروع القانون على حقّ الضحايا في الحصول على الحماية القانونية، والخدمات الصحية والاجتماعية، والإحاطة النفسية، وأيضاً على حقّهم في الحصول على تعويض عادل ومناسب عن الأضرار التي لحقت بهم جرّاء التمييز العنصري. كما ينصّ على تشكيل لجنة وطنية لمناهضة التمييز العنصري، تُعنى بجمع البيانات والمعطيات المتعلّقة بالممارسات العنصرية واقتراح الاستراتيجيات المناسبة.

تجري حالياً مناقشة مشروع القانون هذا، الذي تمّت إحالته إلى البرلمان في 23 كانون الثاني/يناير، ويُتوقّع أن يُقرّ، وفق ما قالته جميلة دبش كسيكسي، وهي نائبة في البرلمان كانت أيّدته. بيد أن تصريحات الوزير المعني بحقوق الإنسان، مهدي بن غربية، كانت أكثر دقّة، إذ قال إنه يأمل إقرار القانون قبل 21 آذار/مارس، الذي يصادف اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري.

سيمثّل تمرير هذا المشروع انتصاراً كبيراً للتونسيين أصحاب البشرة السمراء والأفارقة من دول جنوب الصحراء في تونس، الذين عملوا يداً بيد مع منظمات المجتمع المدني التونسية، بما فيها "منامتي" (M’nemty)، وجمعية "أقليات" (Minorités)، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. والهدف هو تسليط الضوء على أهمية القانون، ولفت الأنظار إلى الطلاب الذين يواجهون عقبات إدارية، ولاسيما في الحصول على تصاريح إقامة، ويعانون من جرّاء التمييز والإساءة الجسدية.

هذا وقامت منظمات المجتمع المدني التونسي وصنّاع السياسات والمنظمات الدولية، من خلال عملها في إطار الحملات ضدّ التمييز القائم على أساس العرق، بوضع حجر الأساس للنص القانوني الذي سيعزّز اتفاقية الأمم المتحدة الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي وقّعتها تونس العام 1967، لكنها فشلت في التنفيذ، بسبب التردّد الرسمي في ذلك الوقت للإقرار بوجود التمييز. إضافةً إلى ذلك، ثمة أمل في أن تتردد أصداء مشروع قانون مناهضة التمييز العنصري بشكل إيجابي، على المستوى الإقليمي، وبروز تأثيرات اجتماعية وسياسية وأخرى قائمة على الحقوق في العالم العربي.

يُعتبر مشروع القانون هذا أحدث جزء من العديد من التشريعات التقدمية التي تتم مناقشتها اليوم وتُعالج محرمات اجتماعية. ويتضمن هذا التشريع قوانين مكافحة العنف القائم على الجندر، والدفع من أجل الحقوق على حقوق متساوية في الميراث، والسماح للمرأة التونسية بالزواج من غير المسلمين. وفي الوقت الذي تمثّل فيه هذه القوانين الرائدة خطوة مهمة إلى الأمام، لازال المجتمع التونسي يواجه تحديات أخرى، بما في ذلك قبول حقوق الأقليات الأخرى، مثل مجتمع المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًا (إل جي بي تي) أو التونسيين الذين اعتنقوا الدين المسيحي. وقد يكون تجريم التمييز ضدّ هذه الجماعات هو المعركة القانونية المقبلة التي ستخوضها الجماعات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في تونس.