دالية غانم–يزبك باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تتمحور أبحاثها حول العنف والتطرّف السياسيين، والتعصّب، والإسلاموية، والجهادية، مع تركيز خاص على الجزائر. وتساهم دورياً في "ديوان"، ونشرت مؤخراً مقالاً حول نساء القوات المسلحة الجزائرية بعنوان "أهلاً بالمرأة في الجيش ولكن...". في مساهمتها الأخيرة لكارنيغي، نشرت مقالة مطوّلة عن الإسلام في الجزائر، بعنوان "الإسلام التابع للدولة في الجزائري ُواجه منافسة حادّة".

أجرت "ديوان" مقابلة مع غانم- يزبك في منتصف نيسان/أبريل لمناقشة هذه المقالة.

مايكل يونغ: ما مدى سيطرة الدولة على الإسلام في الجزائر، وبماذا تتميّز هذه السيطرة؟

دالية غانم- يزبك: قبضة الدولة على الشؤون الدينية عموماً وعلى الإسلام خصوصاً، قوية، لكنها ليست شاملة. يُقصد بالقبضة القوية أن الدولة تسيطر على معظم مقاليد المجال الديني من طريق المؤسسات الدينية الرسمية، والوزراء،والقضاة، والعلماء، والأئمة، وهكذا دواليك. وتُعدّ هذه المؤسسات والشخصيات نافذة ومؤثّرة في المسائل الدينية. تسيطر الدولة كذلك على المساجد والأوقاف الدينية، حيث أن العاملين في المساجد هم في الواقع موظفون مدنيون. وتوفّر الدولة تأويلات وتوجيهات حول المسائل الروحية، من خلال المساجد والقوانين، مثل قانون الأسرة، وأيضاً من خلال تنظيم الفتاوى الصادرة عن المجلس الإسلامي الأعلى.

تُسيطر الدولة كذلك على المنشورات. فعلى سبيل المثال، تتولّى لجنة في وزارة الشؤون الدينية التدقيق بنسخ القرآن الكريم، وتضطلع أيضاً بمسؤولية السماح بنشر الكتب الدينية في معارض الكتب. وفي العام 2014، مُنع حوالى 250 كتاباً، لأنها "تدافع عن التشيُّع وتسوِّغ التطرف والإرهاب"، على حدّ تعبير المسؤولين. تنظّم الدولة أيضاً الزكاة، وإجراءات الحج إلى مكة والمدينة. كما تبثّ، للحفاظ على احتكارها تفسير الدين، برامج دينية على التلفزيون والراديو الرسميين.

تعود الكلمة الفصل في المدرسة إلى الدولة في مايتعلّق بالشؤون الدينية. ووزارة التربية الوطنية هي المسؤولة عن الكتب كلها. فالنظام التعليمي الجزائري مركزي إلى حدٍّ بعيد، ويُدرّس الإسلام في المدارس كافة، العامة والخاصة على حدٍّ سواء.

كما قلتُ في البداية، سيطرة الدولة قوية لكنها غير شاملة، لأن من العسير السيطرة على كل جوانب الفضاء الديني، على الرغم من الإجراءات التي ذكرتُ. وخير مثال على ذلك هو التعليم، إذ يصعب على الدولة مراقبة كل المجموعات الدراسية والمدارس الدينية التي قد لاتتشاطر معها الدولة بالضرورة التفسير الديني نفسه. فقد أعلن محمد عيسى، وزير الشؤون الدينية والأوقاف، في العام 2016 عن وجود 139 مدرسة قرآنية خارجة عن سيطرة الدولة.

مثلٌ آخر على صعوبة إحكام الدولة قبضتها على المجال الديني، هو استحالة سيطرتها على العدد الكبير من الدعاة الذين يبثّون آراءهم عبر الإنترنت أو القنوات الفضائية. وقد أظهرت دراسة أجرتها في العام 2018 شركة Interface Media ، أن الجزائريين يُقبلون على الدعاة المصريين والسعوديين أكثر مما يُنصتون إلى الدعاة المحليين. مثلاً، يتابع حوالى مليوني جزائري صفحة الشيخ السعودي المتطرّف، محمد العريفي، على فايسبوك، فيما يقتصر عدد متابعيه السعوديين على 1.3 مليون متابع وحسب.

يونغ: تكتبين أن المساجد المرخّص لها من الدولة هي وحدها المخوّلة القيام بالشعائر، لكن عدد المساجد المخالفة للقانون كبير في الجزائر. فإلى أي مدى تنتشر هذه الظاهرة؟

غانم- يزبك: هنا أيضاً قبضة الدولة القوية لكن غير الشاملة. وعلى الرغم من أن الدولة تتولّى تشييد المساجد، وتمنحها الرخص، وتديرها، وتنظّمها كمصلحة عامة تعود إلى الأوقاف الدينية، تتعذّر السيطرة على أكثر من 17 ألف مسجد في البلاد، كما يصعب كذلك مراقبة ما يُقال في هذه المساجد وكيف يُعبّر عنه. وعلى الرغم من أن المساجد المرخّص لها والأئمة المأذونين هم وحدهم المخوّلون الإشراف على الشعائر، شُيِّدت مساجد كثيرة من دون موافقة وزارة الشؤون الدينية. وعليه، يصعب على الدولة متابعتها ومراقبة ما يُقال فيها. ففي العام 2015، أعلنت الحكومة الجزائرية أنها أغلقت 900 مسجد مخالف للقانون، وأن نحو 55 مسجداً تخضع إلى الرقابة لدواعٍ أمنية لأنها سلفية.

يونغ: كيف يستخدم النظام المساجد لتعزيز سلطته؟

غانم- يزبك: يُطلب من الأئمة والشخصيات الدينية دعم سياسات الحكومة ومحاكاتها بهدف ترسيخ وجود الدولة. وفي زمن الانتخابات، على سبيل المثال، درجت وزارة الشؤون الدينية على توجيه رسالة رسمية إلى علماء الدين في البلاد، تدعوهم فيها الى "توعية الجزائريين إلى الأخطار التي تهدّد البلاد"، إذا جاز التعبير، أو تذكير المواطنين بأن الاقتراع واجب عليهم. وفي الانتخابات التشريعية في العام 2017، دعا رجال الدين في البلاد الجزائريين إلى التصويت، وذكّروهم بـ"أهمية الاستقرار السياسي".

يونغ: ما مدى انتشار السلفية في الجزائر؟ الدولة الجزائرية تزعم مكافحتها، فيما كتب التربية الدينية لاتزال، على حدّ قولكِ، "ملتزمةً بروح السلفية"؟

غانم-يزبك: السلفية واسعة الانتشار في الجزائر، وستبقى على هذا المنوال طالما أن التربية الدينية سلفية التوجّه. ثمة التباس كذلك في مقاربة الدولة للتعليم والتربية، مايفسح المجال أمام بروز السلفية. الكتب المدرسية هي أداة تربوية تُستخدم في تعليم أجيال بكاملها، لكن الكتب الدينية المدرسية في الجزائر توجّه رسائل مُلتبسة، فهي، من جهة، تتمسّك بالمبادئ الديمقراطية، وتشدّد، من جهة أخرى على الهوية الدينية. باختصار، تحاول المدارس تنشئة مواطنين في دولة ديمقراطية، لكنها في الوقت نفسه، تربي الأفراد على أنهم جزء من مجتمع ديني هو الأمة.

يونغ: ما أبرز تحدٍّ سيواجهه، في المستقبل، الإسلام الرسمي في الجزائر؟

غانم- يزبك: التحديات كثيرة، ومنها السيطرة على المساجد والأئمة الخارجين عن الدين الرسمي، وخصوصاً أولئك الناشطين على الإنترنت أو القنوات الفضائية. لكن الأخطر برأيي هو أن الدولة، مهما حاولت السيطرة على الدائرة الدينية، لن تتمكّن من إلزام الناس الاعتماد على الهيئات الرسمية وممثّليها لطلب المشورة الدينية، كما لن تتمكّن من ضمان حدوث ذلك. ففي الواقع، خاب أمل الشباب الجزائريين في مؤسساتهم الدينية، ولم يعودوا يثقون بها. لذا، قد ينجذبون إلى أصوات دينية أخرى، خصوصاً تلك التي توفّر حلولاً "جاهزة وسريعة" لمسائل معقدة، أو تطرح رؤيةً مانوية عن العالم.