سام هيلر | محلّل أول في مجموعة الأزمات الدولية، تركّز أعماله على التنظيمات الجهادية، وسورية عموماً

يصعب تصوّر كيف يمكن إعادة إحياء مسار جنيف للسلام في سورية، أقلّه في هذه المرحلة. فجُلّ ما يمكن أن تفعله الدول المعنية هو تكرار مواقفها، أي أنها ستواصل دعم إطار جنيف والمبعوث الأممي الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، والتشديد على أن المجتمع الدولي لن يوفّر الدعم المالي لإعادة إعمار سورية إلا بعد تحقيق اختراق سياسي. وهذا ما توقّعناه من مؤتمر المانحين الذي انعقد هذا الأسبوع في بروكسل، إضافةً إلى بعض الإيضاحات بشأن التزامات المانحين حيال الخطة الإنسانية للأزمة السورية.

لكن إعادة الإعراب عن هذه المواقف لن تدفع المسار السياسي السوري قدماً، بل ستؤدّي إلى استمرار المواجهة بين الحكومة السورية وبين داعمي المعارضة. هذا الجمود يناسب الرئيس بشار الأسد، الذي لايزال تعنّته العائق الأساسي في وجه أي مسار سياسي يحظى برعاية دولية. ففي ظل غياب الحل السياسي، تستطيع قواته أن تتابع تقدّمها في ساحة المعركة. وتبدو حكومة الأسد على قاب قوسين من بلوغ الحدّ الجغرافي الأقصى من الأراضي التي تستطيع استعادتها من خلال القوة العسكرية الغاشمة. لذا سيكون عليها على الأرجح عقد مساومات سياسية جديدة، في الأستانة أو غيرها، لتتمكّن من المضيّ قدماً. لكنها لم تبلغ بعد هذه الحدود القصوى.


 

ناتالي توكي | مديرة معهد Istituto Affari Internazionali في روما، ومستشارة خاصة للممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني

لاينفكّ المجتمع الدولي يكرّر أن ما من حلّ عسكري للنزاع السوري. والحقيقة هي أن التوصّل إلى إبرام اتفاق سياسي داخل سورية نفسها وبين القوى الإقليمية والعالمية، هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يضع حدّاً لهذه الحرب الكارثية. لقد قيل لنا أن الطريق إلى السلام يمكن أن يمرّ عبر إطار الأستانة، لكنه يجب أن ينتهي في جنيف.

من البديهي للغاية القول إن النزاع السوري – مثله مثل أي نزاع - لايمكن أن ينتهي إلا بحل سياسي، بيد أن هذا الحل يتطلّب وضع حدّ للمرحلة العسكرية من النزاع. بيد أن مجرّد التركيز على فضائل الحل السياسي لايساهم كثيراً في حثّ الأطراف العسكرية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، خاصةً منها أولئك الذين يدركون أنهم "يربحون" في المواجهة العسكرية. لقد أدّت الضربات العسكرية التي شنّتها مؤخراً الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا في سورية، عن غير قصد، إلى إرجاء الحل السياسي. ولا يُعزى السبب إلى أن الردّ العسكري المستهدف على هجوم كيميائي كان خطأ (على الرغم من أن إجراء تحقيق كامل قبل ذلك كان ليبدو مبرَّراً)، بل لأن نظام الأسد، الذي يؤمن بحل عسكري، يعرف الآن أنه يستطيع استكمال استراتيجيته العسكرية من دون قيود وبدعم من حلفائه. في هذه المرحلة، ليس باستطاعة أحد عكس هذا المنحى.

قد تنتهي المرحلة العسكرية الأكثر حدّة في الحرب السورية، لكن مفاوضات الأستانة ستتعثر، فيما تبقى إمكانية إحراز تقدّم يُعتدّ به في جنيف بعيدة المنال ما لم تعترف الأطراف كافة بمؤشرات الفشل والكوارث.


 

عمّار قحف | الشريك المؤسّس والمدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية، الذي يُعنى بالأبحاث السياسية، مع تركيز خاص على سورية. مقرّه في اسطنبول وواشنطن العاصمة

أدّت العمليات العسكرية المتواصلة التي ينفّذها كلٌّ من روسيا والجيش السوري والميليشيات التابعة له إلى فشل كل صولات وجولات محادثات جنيف بشأن سورية، ولا نهاية تلوح في الأفق. نتيجةً لذلك، لاتزال سورية ساحة لصراعٍ بالوكالة بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهي شهدت أحياناً اندلاع اشتباكات مباشرة أكثر بين دول خارجية، ناهيك عن أنها تضم قواعد عسكرية لأربع دول على الأقل والعديد من الميليشيات غير الدُولتية.

في هذه المرحلة، بات على المرء أن يميّز بين مسار جنيف وبين مسار سياسي دولي يشمل اللاعبين الدوليين والإقليميين الأساسيين المنخرطين في الصراع السوري. فهذان المساران لم يعودا مترادفين بالضرورة. يبدو أن الضربات العسكرية التي شنّتها مؤخراً الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا في سورية كانت عبارة عن محاولة لحمل الطرف الآخر (أي روسيا) على العودة إلى شكل من أشكال العملية السياسية، بخاصةً بعد أن اعتقد الروس أنهم سيطروا على جوانب النزاع السوري كافة. وبالتالي، ثمة مؤشر على وجود رغبة في بلورة عملية سياسية ما بعد مفاوضات جنيف.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط

سيكون ذلك في غاية الصعوبة. فهو يتطلّب التوصّل إلى موقف أوروبي موحّد لتشجيع الولايات المتحدة على إطلاق مبادرة سياسية يُعتدّ بها بشأن سورية، وإقناع الروس بأن مسار جنيف هو الوحيد القادر على تحقيق سلام قابل للحياة في سورية، وعلى حفظ مصالحهم. وينبغي على الروس، في المقابل، الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد للمشاركة في مسار قد يجبره على تقديم تنازلات مؤلمة، ويخضعه إلى بعض المساءلة والمحاسبة للفظائع المُرتكبة في سورية على مدى السنوات السبع الماضية. أما إيران فستلعب دوراً معطّلاً إلى حدٍّ كبير، إلا إذا أدركت أنها ستتكبّد المزيد من الخسائر ببقائها خارج اللعبة. وينطبق الأمر نفسه على تركيا وإسرائيل، في وقتٍ تنخرط الدولتان باطّراد في لعبة ذات حصيلة صفرية في سورية، وفيما تلوح في الأفق نُذُر باندلاع صراع إقليمي، ولاسيما بين إسرائيل وإيران.

لكن في ظل هذه الصراعات بين الدول الكبرى في سورية، باتت المخاطر كبيرة وأكلاف عدم التدخّل أكبر. وفي حين يرسّخ الأسد سيطرته على الأجزاء الرئيسة من البلاد، ينحسر النزاع الأساسي، وتكتسب نزاعات ثانوية بين مختلف القوى الدولية أهمية، خاصةً على طول الحدود السورية. ومن شأن ذلك أن يخلّف تداعيات كبيرة على المنطقة وخارجها. وفي هذا السياق، تبقى جنيف المكان الوحيد المتاح اليوم للتصدّي إلى هذه التحديات.

*تم تعديل مداخلة عمّار قحف بسبب خطأ مطبعي.