آرون ديفيد ميلر هو راهناً نائب رئيس المبادرات الجديدة ومدير برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون الدولي للأبحاث في واشنطن العاصمة. طيلة عقدين، شغل في وزراة الخارجية الأميركية مناصب عدة كمحلّل، ومفاوض، ومستشار شؤون الشرق الأوسط لوزراء خارجية من الجمهوريين والديموقراطيين. وبين 2003 و2006، كان رئيس منظمة Seeds of Peace التي تحظى باعتراف دولي وتتناول قضايا حل النزاعات والتعايش. له خمسة كتب، صدر آخرها في العام 2014 عن دار بالغرايف بعنوان The End of Greatness: Why America Can’t Have (and Doesn’t Want) Another Great President (نهاية العظمة: لماذا لن يكون لأميركا رئيس عظيم آخر؟). وهو كاتب عمود بعنوان Reality Check (واقع العالم) في مجلة فورين بوليسي، ومحلّل شؤون دولية في شبكة CNN، ومعلّق دوري في كلٍّ من راديو NPR، وBBC، وSirius XM.

أجرت "ديوان" مقابلة مع ميلر في منتصف نيسان/أبريل لمعرفة وجهة نظره من المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية ومن تفاقم التوتّر في الشرق الأوسط. 

مايكل يونغ: شاركتم عن كثب في مفاوضات السلام العربية–الإسرائيلية في إدارة كلٍّ من جورج بوش الأب، وكلينتون، وجورج بوش الابن. هل بلغت هذه المفاوضات اليوم طريقاً مسدوداً، وهل ترى أن لمساعي صهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، أي حظوظ بالنجاح؟ 

آرون ديفيد ميلر: منذ أن غادرت الحكومة في العام 2003، اتّسم تحليلي لعملية السلام، بشكل مزعج ومتّسق، بالسلبية. ويعود ذلك جزئياً إلى أنني لم أعد مفوّضاً بابتكار أفكار لا يخفاني أنها لن تثمر. والسلبية هذه تعود، إلى حد كبير، إلى ما كنت أراه بأم العين ولازلت أراه حتى اليوم. لاأتّفق في هذا الصدد مع غراوتشو ماركس حين يسأل في فيلم Duck Soup: "أتصدّقني أنا أم عينيك الكاذبتين؟" حسناً، أنا أعرف ما أراه. 

لكن إذا ما كنت تريد مفاوضات يمكن أن تتمخض عن حل الدولتين، يقتضي الأمر ثلاثة مسائل لم تكن يوماً متوفّرة في تاريخ المفاوضات الإسرائيلية–الفلسطينية، وهي: أولاً، قادة هم أسياد اللعبة السياسية في بلادهم، وليسوا أسراها ولا أسرى إيديولوجياتها، أي أصحاب رؤى يملكون حس البراغماتية. وثانياً، شعور بالإلحاح- (تألَّم واربَح)- يجعل من فوائد تغيير الوضع القائم أكثر جاذبية من مخاطر إبقائه على حاله. وثالثاً، وجود طرف ثالث، هو على الأغلب الولايات المتحدة، يملك الإرادة ومهارة لعب دور الوسيط، إذا شاء الطرفان ورغبا جديّاً في ذلك. غير أن هذه العوامل كلها غير متوفرة اليوم. لذا، تُعتبر حظوظ نجاح السيد كوشنر ضئيلة وتكاد تكون معدومة. 

يونغ: كيف أثرّ اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل في مستقبل المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين؟ هل دق المسمار الأخير في نعشها، أم أنه لم يفعل سوى إضافة عائق جديد في مسار عسير؟

ميلر: كانت عملية السلام في غيبوبة قبل أن تدلو إدارة ترامب بدلوها في مسألة القدس. ولكن هذا القرار فاقم صعوبة مهمة كانت أصلاً شبه مستحيلة. وجمع في خطوة واحدة ثلاث كوارث: مفاقمة تشظي صدقية الولايات المتحدة كوسيط؛ وتقويض جوهر المفاوضات؛ والدفع بأكثر المسائل حساسية المرتبطة بالاتفاق النهائي إلى صدارة الأولويات، في ظل غياب الثقة بين طرفي النزاع، وفيما هما أقل استعداداً من أي وقت مضى للتعامل مع المسألة الحساسة هذه. لا أذكر أي مصلحة أمن قومي أميركي خُدمت من خلال قرار نابع من سياسات داخلية في المقام الأول، ومن رغبة السيد ترامب في أن يكون صورة مختلفة تماماً عن أوباما. نعم، لاشك في أن عاصمة إسرائيل يجب أن تكون في القدس الغربية، لكن لاسبب يوجب الإقدام على هذه الخطوة الآن، بل ثمة أسباب كثيرة تحملنا على الامتناع عنها. 

يونغ: حاجج المسؤولون الأميركيون لقترة طويلة بأنه سيتوجّب على إسرائيل، في ظل غياب التسوية، معالجة العامل الديموغرافي الذي يميل بوضوح إلى كفة الفلسطينيين. ويُقال إن إسرائيل، في محاولتها الحفاظ على يهوديتها، ستتخلّى عن ديمقراطيتها. كيف تتجلّى هذه الديناميكيات برأيكم؟ 

ميلر: الحجة الديموغرافية وأثرها الكارثي المُحتمل على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، مُقنعة. فالاحتلال الإسرائيلي يقوّض فعلياً القيم الأخلاقية والمعنوية التي اعتقد الإسرائيليون أنها ستميّز الدولة التي أرادوا إنشاءها وتعزيزها. لكن التوازنات الديموغرافية هي عامل معقّد ومتقلّب، ويقتضي وقتاً قبل أن تتّضح وجهته، مع تحولات وانعطافات كثيرة ومتباينة. عموماً، يتعامل السياسيون مع الأمور وليدة اللحظة الراهنة التي يضطرّون إلى معالجتها. 

 واليوم، هناك حقيقة وجود دولة واحدة، إذ تسيطر إسرائيل، بدرجات متفاوتة، على الضفة الغربية وغزة. وهذا واقع لايبشّر بالخير للمستقبل، ويغذّي على أقل تقدير حلقة مفرغة من تسويات ومواجهات تُخمد تارةً وتشتعل تارةً أخرى. وفي الوقت نفسه، وفي ظل ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية، قد يحسِب الإسرائيليون فعلاً أنهم قادرون على التحكّم بالمسألة الديموغرافية. فسكان غزة، وعددهم 1.8 مليون نسمة، يخضعون إلى سلطة حماس. وتبسط السلطة الفلسطينية حكمها على 2.8 مليون فلسطيني، على رغم أن إسرائيل تمسك بمقاليد أكثر من 60 في المئة من الضفة الغربية. وعلاقة فلسطينيي القدس الشرقية، وعددهم 300 ألف نسمة، بإسرائيل والسلطة الفلسطينية، مختلفة. ويشكّل 1.8 مليون فلسطيني من مواطني إسرائيل كأقلية قومية كوكتيل تحديات من نوع آخر. ويبدو أن إسرائيل لا تقيم وزناً يُعتد به لفلسطينيي الشتات. لذا، ستسعى إلى صوغ مقاربات مختلفة لكل من هذه الكيانات الفلسطينية المنقسمة والمنفصلة، محاولةً نزع فتيل التحدي الديموغرافي ليسهل عليها إدارته. ويساهم ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية وانقسامها في تيسير هذه العملية. ومع الوقت، ما لم تُذلَّل المشكلة الفلسطينية ومعها مسألة السيطرة على الفلسطينيين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، سيتواصل النزاع ويُهدّد قيم وأمن نظام الكيان اليهودي والديموقراطي.

يونغ: في المنطقة الأوسع، نلاحظ ازدياد التوترات بين إيران وعدد من الدول العربية، في الخليج تحديداً كما في إسرائيل. ويرى بعض المراقبين أن هذه الحال ستفضي لامحالة إلى اندلاع نزاع مسلّح. هل توافقونهم الرأي؟

ميلر: يبدو أن صعود إيران وانقسام العالم العربي وتعثّره، يؤدّيان إلى خلل في توازن القوى من شأنه إشعال فتيل نزاع أكثر حدّة بين إيران والدول السنّية. إضافةً إلى ذلك، يؤجّج قلق اسرائيل من دور إيران في سورية، الاضطراب في المنطقة. لاريب في أن إيران ليست مصدر خطر هائل، لكنها تواجه عالماً عربياً يبدو أن دولاً بارزة فيه إما تدور في فلكها (العراق وسورية) أم أنها مُنشغلة أكثر فأكثر بمشاكلها الخاصة، كما هي حال مصر.  وبالفعل، إذا سألتني ما هي الدول النافذة في المنطقة وجوارها اليوم، سأعدّد ثلاث دول غير عربية وهي: إسرائيل وإيران وتركيا. فهذه الدول الثلاث تتمتع بالاستقرار وبإمكانات اقتصادية هائلة، وتملك جيوشاً وأجهزة استخبارات يُعتد بها تسمح لها ببسط نفوذها في المنطقة. لكن، للمفارقة، حَملت المملكة السعودية، التي درجت تاريخياً على تجنّب المخاطر، رايةَ جبه مساعي إيران بقيادة الشاب المتهور إلى حد ما، محمد بن سلمان ، وانضمت إليها إسرائيل بشكل غير رسمي. ووجدت إسرائيل نفسها في نزاع مسلح مع إيران، بينما يتواجه السعوديون والإيرانيون في اليمن. لكن يبدو أن ما يحصل في اليمن وفي الخليج لن يطلق شرارة تصعيد كبير، على خلاف ما يحصل في سورية، حيث ثمة خليط قاتل يجمع بين تصاعد النفوذ الإيراني وعزم إسرائيل على صدّه، ما قد يشعل فتيل نزاع أوسع، على الأرجح بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. وقد تنتهي الأمور إلى صيف حامي الوطيس في المنطقة.

يونغ: رأينا أن الجهود الدبلوماسية الأميركية كانت شحيحة العام الماضي، بحيث تبدو الولايات المتحدة غائبة عن جبهات كثيرة. ما تداعيات ذلك على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط؟

ميلر: استناداً إلى سنواتي الطويلة في المفاوضات، تقتضي الدبلوماسية الناجحة شرطين على الأقل: فرص حقيقية سانحة لاتنفرد فيها الولايات المتحدة في السعي إلى بلوغ اتفاقات متنوعة؛ وإدارة أميركية ترغب في الاستفادة من هذه الفرص وتملك القدرة على ذلك. ويكفي أن يلقي المرء نظرة على المنطقة ليقول بسهولة إن المنطقة لم تمر بمرحلة أحوج مما هي الآن إلى الدبلوماسية الناجحة، غير أنها ليست في متناول اليد. فالظروف السائدة راهناً لاتسمح للدبلوماسية الجريئة والتغييرية أن ترى النور، سواء في اليمن، أو الحرب الباردة السعودية-القطرية، أو الحرب السورية الأهلية، أو القضية الإسرائيلية–الفلسطينية، أو المواجهة الايرانية-السعودية. ويترافق ذلك مع غياب شروط النجاح الضرورية أو الأساسية- أي الشعور بالإلحاح، وتوفّر الإرادة المحلية، وإيجاد التوازن الصحيح في المصالح. 

في مقدور الجهات الخارجية المساهمة إلى حد ما في تهيئة الأجواء، بيد أنها عاجزة عن صناعة الإرادة أو السياسات المحلية التي من شأنها حمل الأطراف على المبادرة إلى اتخاذ قرارات صعبة، خصوصاً، في ظل توسّع هوة فقدان الثقة بين الطرفين- وهي هوة شاسعة وعميقة شأنها شأن الأخدود العظيم. فالولايات المتحدة عالقة في شراك منطقة لايسعها تغييرها ولا مغادرتها. لذا، يبدو أن الحل الوسط يقضي بإدارة النزاع لا حلّه.

يونغ: على صعيد شخصي، هل تشعرون أن كل جهودكم الديبلوماسية ذهبت هباء؟

ميلر: للأسف، قبل أن أمضي 20 عاماً في المفاوضات العربية- الإسرائيلية، كنت أطول قامة بكثير. لكنني فعلاً، وعلى رغم كل الأخطاء، لا أشعر بأن الجهود ذهبت هباء. فمؤتمر مدريد في العام 1991 حمل الأطراف على الحوار. وعقد التسعينيات هو العقد الوحيد في نصف القرن المنصرم الذي لم تقع فيه حرب عربية–إسرائيلية كبيرة. وأعتقد أن الاتفاقات المؤقتة التي أُبرمت يومها، على رغم شوائبها، أنقذت بعض الأرواح. وعلى رغم فشله، تمخّض مؤتمر كامب ديفيد في تموز/يوليو من العام 2000، عن بعض الانفراجات التي قد تصبح جزءاً من اتفاق قد يُبرم ذات يوم. والدروس المستقاة من السنوات التي قضيتها في المفاوضات واضحة ولا لبس فيها. فكل اختراق أُبرِم- سواء بين مصر وإسرائيل، أو بين إسرائيل والفلسطينيين، أو بين إسرائيل والأردن- جرى في البداية سرّاً ومن دون علم الولايات المتحدة. والعبرة هي أنك لاتستطيع البناء من دون توفّر المواد اللازمة. لذلك، فالإرادة المحلية أساسية، ومن دونها، يتعذّر كليّاً التوصّل إلى اتفاقات سلام.