حازم صاغية | مؤلّف وكاتب بارز في صحيفة الحياة

حتمية؟ لست متأكّداً من ذلك، بل أفضّل أن أقول إنها مُرجّحة جدّاً. فاليوم، ما نلحَظه في منطقة الشرق الأوسط عبارة عن موقفين لايمكن التوفيق بينهما: أولاً، موقف إسرائيلي متعنّت رافض لأي وجود عسكري إيراني في سورية، باعتباره أشبه بتهديد لأمنها القومي. وثانياً، إصرار إيران على جني ثمار ما استثمرته هي ووكلاؤها في سورية. والاستراتيجية الإسرائيلية في هذا السياق تبدو مُحافظة في هذا الصدد، بمعنى أنها تريد الحفاظ على الوضع القائم في المنطقة، فيما الاستراتيجية الإيرانية ثورية، إذ ترمي إلى الإطاحة بالوضع القائم ومعه أبرز ركائزه: نظام الدولة-الأمة.

في غضون ذلك، يرقى المسعى الإيراني الرامي إلى ربط طهران ببيروت، وربما بغزة، عبر العراق وسورية، إلى مصاف تغيير "طبيعة" المنطقة على كل المستويات تقريباً، وبالتالي تشكّل هذه الهندسة الجذرية منعطفاً دراماتيكياً وخطيراً. يُضاف إلى ذلك أن طبيعة النظامين الإسرائيلي والإيراني غير مطمئِنة لمحبّي السلام، إذ إن أحد هذين النظامين شبه توتاليتاري والآخر ذو نزعة قومية مُفرطة، ناهيك عن أن الدولتين توسّعيتين. أما لبنان العالق بين مطرقة الأولى وسندان الثانية، فهو في موقف لايُحسَد عليه.


 

جان-بيار فيليو | أستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد الدراسات السياسية في كليّة الشؤون الدولية في باريس. وهو مؤلّف كتب عدة من بينها: The Arab Revolution: Ten Lessons From the Democratic Uprising (الثورة العربية: عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية) في العام 2011، وGaza: A History (تاريخ غزة) في العام 2014، وFrom Deep State to Islamic State: The Arab Counter-Revolution and Its Jihadi Legacy (من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية: الثورة المضادة العربية وإرثها الجهادي) في العام 2015

المؤرّخون عموماً، وأنا من بينهم، أكثر مهارةً بكثير في استقراء الماضي من التنبّؤ بالمستقبل. على أي حال، لايبدو أن ثمة حرباً شاملة تلوح في الأفق بين إيران وإسرائيل في سورية. كذلك، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه صعوبة في التكيّف مع واقع أن القوة الإيرانية باتت على مقربة من حدود إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، نتيجةً لسياسته التي اتّسمت بقصر النظر والتي تمثّلت في اعتبار نظام الأسد "أهون الشرّين"، لا بل حتى أحد الحصون الضامنة للاستقرار. كذلك، أظهرت الاشتباكات الأخيرة بين إسرائيل وإيران في سورية أن الجانبين يواجهان صعوبة في التعامل مع مثل هذا الوضع غير المسبوق، لكنني أستبعد أن تؤول الأمور إلى المزيد من التصعيد. غالب الظن أن يتم تحديد "خطوط حمراء" جديدة باتفاق ضمني بين إسرائيل وإيران.

لقد ظنّ نتنياهو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادرٌ على حثّ إيران على ضبط النفس، لكنه أخطأ التقدير كثيراً. طهران ليس لديها الآن أي مصلحة في خوض صراع مفتوح مع إسرائيل من شأنه أن يهدّد مكاسبها الكُبرى في سورية. لذا، أنا واثق بأنه سيتم التوصّل إلى اتفاق أمر واقع في المدى القصير، فيما سيتكبّد السوريون مجدّداً أكلاف إجراءات "تخفيف التصعيد" المُلتوية.


 

نيكولاس نوي | شريك مؤسس للموقع الإلكتروني Mideastwire.com في بيروت

للأسف، بات الآن احتمال اندلاع حرب مدمّرة في سورية، يشارك فيها على الأقل إسرائيل وإيران وقوّات الرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله، مرجحاً جداً، علماً أنه كان يتمّ الحشد لها منذ عقود. لكن المؤكد أنها ليست حتمية.

في الواقع، وعلى الرغم من أنه كان بإمكان إدارة ترامب إرجاء انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران، في خطوة كانت لتساهم في تقليص إمكانية نشوب نزاع فوري مع إيران، إلا أن ثمة العديد من الخطوات التي يمكن أن تقوم بها لخفض هذه الاحتمالات. فبإمكانها، مثلاً، تأخير عملية نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والعمل في الوقت نفسه على طمأنة إسرائيل وكبح جماح سيرها العلني والمتعمّد نحو حرب "وقائية" تتعلّق بـ"خطوطها الحمراء" في سورية.

في موازاة ذلك، يمكن أن تقوم الإدارة الأميركية أيضاً بالتواصل مع روسيا على وجه السرعة، وتشجيعها على استخدام هذه "المحفّزات" الجذّابة للحؤول دون "ردود" إيرانية إضافية على الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقعها في سورية الشهر الماضي، وبعدها وضع خارطة جديدة لسورية تقيّد البنية التحتية العسكرية الخاصة بإيران وبحزب الله، وفي أفضل الأحوال في إطار الجهود المتجدّدة بقيادة روسيا والولايات المتحدة لوقف أعمال العنف في جميع أنحاء البلاد.

الجدير ذكره هنا هو أن المشكلة الأساسية في كل ما سبق، تكمن في أن الولايات المتحدة، التي تُعتبر في وضع أفضل يخوّلها على الأقل التحقّق ما إذا كانت عملية التخفيف من حدّة النزاع هذه قد تؤتي أُكلها، يحكمها - بالأغلبية الآن - أفراد لايملكون لا القدرة ولا الرغبة على إدارة مثل هذه المهمة بالغة الصعوبة بشكل فعّال.

يمكن أن يُكبح جماح الديناميكيات التي تساهم في انزلاقنا السريع نحو حرب أعتقد شخصياً أنها قد تبدأ في سورية، لكنها ستنتشر حتماً إلى عمق لبنان وإسرائيل (ومن المحتمل جداً إلى إيران نفسها). بيد أن الحقيقة المؤلمة هنا تتمثّل في أنه لا الولايات المتحدة ولا روسيا ولا أي مجموعة أخرى من الأطراف الفاعلة العالمية القوية تبدو جاهزة، أو مستعدة، أو قادرة على القيام بذلك.


 

نيكولاس بلانفورد | مراسل لصحيفة Christian Science Monitor في بيروت، وباحث غير مقيم في مبادرة السلام والأمن في الشرق الأوسط، في مركز "برنت سكوكروفت للأمن الدولي" في المجلس الأطلسي، ومؤلف كتاب "المارد الشيعي يخرج من القمقم: 30 عاماً من الصراع بين حزب الله وإسرائيل" Warriors of God: Inside Hezbollah’s Thirty-Year Struggle Against Israel (2011)

تعيّن على إيران، في مرحلة ما، تماماً كما حصل بالأمس، توجيه ردّ أقوى على الضربات الجوية الإسرائيلية المتكرّرة التي تستهدف أصولها في سورية، من أجل الحفاظ على مظهر من مظاهر الردع. لذلك، يمكننا بسهولة توقّع تفاقم الوضع بين إسرائيل وإيران على الأراضي السورية. لكنني أعتقد أنه من مصلحة جميع الأطراف إبقاء لبنان بمنأى عن أي تصعيد، حتى لو كان حزب الله يساعد إيران في داخل سورية. لكن، إذا دُفع حزب الله إلى المشاركة من لبنان، سيتسّع نطاق النزاع بشكل كبير وسيثبت أنه مدمّر بشكل هائل للبنان وإسرائيل على السواء. ويتمثّل الخطر الأساسي في أنه إذا ما تصاعدت حدّة النزاع بين إسرائيل وإيران في سورية، فقد يقدّر الإسرائيليون في مرحلة ما أن حزب الله على وشك فتح جبهة لبنان، وأنه من الأفضل ضرب حزب الله في لبنان أولاً قبل إطلاقه الصواريخ الموجّهة نحو تل أبيب. وينطبق المنطق نفسه على الجانب الآخر، بحيث قد تقرّر إيران أنه يتعيّن على حزب الله إطلاق صواريخه لحرمان إسرائيل من خيار الضربة الأولى.

باختصار، يُعتبر اندلاع نزاع بين إسرائيل وإيران في سورية أكثر من مجرد احتمال، وبينما يحاول الطرفان الإبقاء عليه تحت السيطرة ومحدوداً جغرافياً، إلاّ أن خطر بلوغه الأراضي اللبنانية حقيقي.