جان بيار فيليو أستاذ مادة الدراسات الشرق أوسطية في كلية العلوم السياسية في مدرسة باريس للشؤون الدولية. تولّى كرسي أستاذية في كل من جامعة كولومبيا في نيويورك وجامعة جورجتاون في واشنطن. في رصيده العديد من المؤلفات، منها "الثورة العربية: عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية" (2011) (The Arab Revolution: Ten Lessons From the Democratic Uprising)، و"غزة: تاريخ" (2014) (Gaza: A History) و"من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية: الثورة المضادة العربية وإرثها الجهادي" (2015) (From Deep State to Islamic State: The Arab Counter-Revolution and its Jihadi Legacy). نال كتابه عن غزة جائزة كتاب فلسطين في العام 2015. ومنذ فترة وجيزة، نُشِر باللغة الإنكليزية المجلد الثالث والأخير من التاريخ التصويري الذي كتبه عن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وشاركه في التأليف ديفيد بوشار، بعنوان "أفضل الأعداء: تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط" (Best of Enemies: A History of US and Middle East Relations).

مايكل يونغ: نشرتم مؤخراً باللغة الفرنسية طبعة محدّثة وموسّعة من كتابكم "من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية: الثورة العربية المضادة وإرثها الجهادي" بعنوان "جنرالات وعصابات وجهاديون: تاريخ الثورة العربية المضادة" (Généraux, Gangsters et Jihadistes: Histoire de la Contre-Révolution Arabe). الكتاب هو في الواقع عبارة عن تفكيك تحليلي لطبيعة الأنظمة الديكتاتورية العربية، وكيف تمكّنت من البقاء. هلا تطلعوننا بإيجاز على الحجّة التي تطرحونها في الكتاب؟

جان بيار فيليو: عندما نشرتُ الطبعة الأولى من الكتاب باللغة الإنكليزية، في تموز/يوليو 2015، كانت حجّتي الأساسية أن الأنظمة الديكتاتورية العربية ليست على الإطلاق متاريس ضد الإرهاب الجهادي، لا بل أدّت دوراً أساسياً في تعزيز تنظيم الدولة الإسلامية وحلفائه. أردت أن أُبيِّن أن العمليات الانتقالية الديمقراطية في العالم العربي يمكن أن تكون فعلياً بمثابة ترياق مضاد للتصعيد الجهادي.

عندما صدرت الطبعة الفرنسية الموسّعة من الكتاب في وقت سابق من هذا العام، كانت الخلافة التي أعلنتها الدولة الإسلامية قد تفكّكت في سورية والعراق، مع مساهمة متأخرة ومحدودة جداً من نظام الأسد في هذا المجال. حتى تدمر، التي "حُرِّرت" من قبضة الدولة الإسلامية في أيار/مايو 2015، استولى عليها الجهاديون من جديد في كانون الأول/ديسمبر 2016، لتتم سيطرة النظام عليها مرة أخرى بعد تدخّل كثيف من روسيا والميليشيات الموالية لإيران، وهذه المرة تحققت السيطرة في شكل نهائي. قطعت الثورات المضادة دورة كاملة في العالم العربي، لكنها لم تقترن في أي مكان بالعودة إلى أوضاع ما قبل 2011. لهذا وضعت عنواناً فرعياً للطبعة الفرنسية هو "تاريخ الثورة العربية المضادة" (A history of the Arab counter-revolution).

يونغ: لماذا اعتمدتم مثل هذه المقاربة في فهم الانتفاضات العربية ورد الفعل المضاد عليها؟ هل شعرتم بأن هناك شيئاً ما ناقصاً في التحليلات السابقة لهذه الانتفاضات الشعبية؟

فيليو: في تموز/يوليو 2011، أصدرت كتاب "الثورة العربية: عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية" باللغة الإنكليزية. لم أؤمن بـ"ربيع عربي" ولا بـ"شتاء عربي"، لكنني حاولت توصيف الأزمة الثورية التي ظهرت في مستهل العام 2011. كانت هناك عملية انتقالية ناجحة وحيدة في تونس، وثورة من دون انتقال في ليبيا، في حين كانت ردود الفعل المضادة للثورات في أوجّها في أماكن أخرى. لقد اختطف الجيش المصري مرتين الاحتجاجات الشعبية من خلال تنفيذ انقلاب، أولاً بإطاحة الرئيس حسني مبارك في شباط/فبراير 2011، واستبداله بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ ثم إطاحة الرئيس محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، واستبداله بعبد الفتاح السيسي.

أقرّ صراحةً بأن تركيزي الأولي على الديناميكيات الثورية منعَني من إدراك الحجم الكامل لموجة الثورات المضادة. لهذا ركّزت في كتابي الأخير على دراسة التكوين التاريخي والمنطق التشغيلي لجهاز القمع في الدول العربية. بالمقارنة مع الكتابات الوفيرة عن التيارات الإسلامية والتطرّف العنفي، عدد المؤلفات المنشورة عن هيكليات القوة تلك قليلٌ جداً، وأحد الأسباب هو غموضها، والمخاطر المترتبة عن أي محاولة لكشف النقاب عن ممارساتها القذرة. لهذا ربطت، في عنوان الطبعة المحدَّثة، كلمة "جنرالات" بـ"جهاديين"، وأيضاً بمصطلح "العصابات"، التي غالباً ما تؤمّن الجسر بين هذين العالمَين السفليين.

يونغ: من المواضيع التي تتطرقون إليها وجود ما تسمّونه طبقة مملوكية في بعض الأنظمة العربية. ما هي خصائص هذه الطبقة؟

فيليو: أقيم، كمؤرّخ، مقارنة بين الزمر العسكرية المعاصرة في العالم العربي وبين المماليك الذين حكموا مصر وسورية في الفترة ما بين 1260 و1516. كانوا يشكّلون نخبة، أو خاصّة، متمايزة بوضوح عن العامّة، مثلما يعيش الجنرالات الموجودون في السلطة اليوم في جيوب عسكرية داخل مجتمعاتهم المغلَقة مع نواديهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وهم على ارتباط مباشر بمحاور الاقتصاد المعولَم. هناك دائماً تجاذب بين آلية صنع القرارات الجماعية وبين الرغبة الحادّة لدى السلطان الحاكم في تأسيس سلالة. هذه كانت الحال في القرون الوسطى، وهذه هي الحال اليوم، والاستثناء الناجح الوحيد هو نظام الأسد في سورية. فعلى الرغم من المحاولات التي بذلها مبارك في مصر أو علي عبدالله صالح في اليمن لتأسيس ديكتاتورية وراثية – وخير تعبير عنها المصطلح العربي "جملكة"، الذي يجمع بين كلمتَي "جمهورية" و"مملكة" – إلا أن أياً منهما لم يفلح. استمدّ المماليك في القرون الوسطى شرعيتهم من الخليفة الذي كان يتمتع بسلطة اسمية فقط، في حين أن السلطان الذي كان يحكم باسمه، كان يتمتع بسلطة مطلقة.

غير أن المقارنة الأهم هي تلك التي تُقدّمها ديناميكية السلطة الداروينية. ففي ذلك الوقت، كما اليوم، كان النصر النهائي من نصيب أعتى المتنافسين على السلطة، أي الجهة التي كانت جاهزة للذهاب إلى أقصى الحدود في معركتها ضد زملائها المماليك من أجل تحقيق السلطة المطلقة.

يونغ: تسلّطون الضوء على نموذجَين من القيادة النيو-مملوكية: الجزائر ومصر. ما هي أوجه التشابه أو الاختلاف؟

فيليو: في البلدَين، النخب التي حاربت من أجل الاستقلال تمّت تصفيتها عن طريق انقلابات. في العام 1952، لم يُسقط الضباط الأحرار في مصر النظام الملكي وحسب، إنما أيضاً المنظومة البرلمانية التي كانت قائمة منذ نيل مصر استقلالها رسمياً في العام 1922. بيد أن المواجهة بين اللواء محمد نجيب والعقيد جمال عبد الناصر في العام 1954 هي التي رسمت مسار النظام. منذ ذلك الوقت، أقدم هذا النظام بصورة منهجية على قمع كل معارضة، مع فاصل ثوري قصير في 2011-2013.

في الجزائر، في العام 1962، تقدّم جيش الحدود، وهو عبارة عن وحدات من جيش التحرير الوطني كانت تتمركز خارج البلاد، لقمع المقاومة في أوساط السكان المحليين الذين حاربوا الاستعمار الفرنسي وحققوا الاستقلال. كان أحمد بن بلّة العضو المؤسس الوحيد في جبهة التحرير الوطني الذي وقف إلى جانب الجيش الذي ساعده على إلغاء خصومه السياسيين. لكن أطيح به في العام 1965 على يد وزير دفاعه، هواري بومدين، الذي استمر حكمه الاستبدادي حتى العام 1978.

ثمة فارقان أساسيان بين النظامَين الجزائري والمصري. الأول هو أن الحكّام الجزائريين يستطيعون الاعتماد على الإيرادات الكبيرة المستمدّة من قطاع الموارد الهيدروكربونية، في حين أن الحكّام المصريين تمكّنوا من الاعتماد أكثر على أهميتهم الاستراتيجية. على ضوء ذلك، من المذهل أن نرى كيف أن أنور السادات الذي خلف عبد الناصر في الحكم، استطاع الانتقال من حلفٍ مع الاتحاد السوفياتي مستند إلى النزاع المسلّح مع إسرائيل، إلى "باكس أمريكانا" (أو سلام أميركي) مستند إلى السلام مع إسرائيل، من دون إجراء تعديل جوهري في المنظومة الحاكمة.

ثانياً، فضّل الجيش الجزائري، الذي غالباً ما يُسمّى "صنّاع القرار"، أن يحكم من خلف الكواليس منذ إطاحته الرئيس الشاذلي بن شديد، خليفة بومدين، في العام 1992. وقد دفعته هذه الآلية إلى إرساء حكم مشوَّه على رأسه رئيس عجوز ومريض، عبد العزيز بوتفليقة، الذي هو في الواقع "مومياء رئاسية" من النوع الرديء، في حين أن الجيش المصري يستمتع بمنافع السلطة الرسمية.

يونغ: في كتابكم رسالةٌ ضمنية مفادها أن الأنظمة النيو-مملوكية سوف تدمّر بلدانها كي تبقى في السلطة، كما في سورية. لكنكم لستم من القائلين إنه على الشعوب أن تلتزم الصمت إلى الأبد. ما هي الخيارات المتاحة أمام المجتمعات التي تختنق في ظل الأنظمة السلطوية؟

فيليو: هذا الكتاب مُهدى إلى جميع النساء والرجال الذين يستمرون في تكبّد مشقات رهيبة للنضال من أجل التحرّر الجماعي والشخصي في العالم العربي. أنا دائم الإعجاب بشجاعتهم وصمودهم. وأدرك أيضاً السجال الدائر حول اللاعنف كسلاح استراتيجي. لقد اضطُرّ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك إلى التراجع في وجه الموجات اللاعنفية من الاحتجاجات الشعبية. على النقيض، تسبّب التمرد المسلح بتفكّك المعسكر الثوري في سورية كما في ليبيا، ممهّداً الطريق أمام تدخل خارجي ألحق ضرراً شديداً بالتطلعات المحلية إلى الحرية. أعرف أنه من السهل أن أتكلم عن اللاعنف وأنا جالس في مكتبي في باريس، في وقتٍ يُطلق فيه الطغاة العرب العنان لقمع شديد ضد أي شكل من أشكال المعارضة. غير أن السجال عن اللاعنف قائم وناشط. وهناك أيضاً تأمّل استبطاني عميق في المسائل الاجتماعية، إنها قضية "الرغيف" التي تُربَط في الشعارات الثورية بـ"العدالة" و"الحرية". من الأسباب الرئيسة خلف تمكُّن تونس من تحقيق الانتقال الديمقراطي قوة تيارها الاجتماعي المتمثّل بالاتحاد العام التونسي للشغل.

يونغ: وما دور الغرب في كل هذا، في الوقت الذي يمكن أن يؤدّي فيه أي تدخل إلى كارثة أو إلى اتهامات بالنيو-إمبريالية؟

فيليو: يجب أن نتقبّل، وأخيراً، أنه بين الاجتياح الأميركي الكارثي للعراق في العام 2003 وبين اللامبالاة الأميركية بعد عمليات القصف بالأسلحة الكيميائية في منطقة دمشق الكبرى في العام 2013، هناك حيّزٌ لسياسة أكثر تطوراً يمكن أن تجمع بين عناصر التدخل وعدم التدخل.

وفوق ذلك كله، يُثير مفهوم "الغرب" سجالاً مطرداً في الشرق الأوسط، مع إبداء إدارة ترامب معارضة صارخة لحلفائها الأوروبيين، أولاً في مسألة القدس، ثم عبر الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني. عموماً، يجب إعادة الشعوب العربية إلى محور المعادلة الإقليمية، نظراً إلى أن تطلعاتهم الديمقراطية تجسّد التجلّي المعاصر لحقهم في تقرير المصير، وهو حقّ غير قابل للتصرف. لايستطيع أي ديكتاتور عربي أن يحقق تطلعات شعبه، تماماً كما أنه ليس بإمكان أي مؤتمر دولي أن يحقق السلام لبلاد تمزّقها الحرب، مثل سورية.

يونغ: اعتُبِر العام 2011 محطة مفصلية جديدة في العالم العربي، لكن في كتابكم، تُبيّنون القوى التي تفرض استمرار الأمور على المنوال نفسه من دون أي تغيير. أين أصبحنا اليوم، وما هي توقّعاتكم للمستقبل؟

فيليو: لم تحمل الثورة المضادة، في أي مكان، حتى مجرد الوهم باستمرار الأمور على حالها. بل أُطلِق العنان لعنف غير مسبوق من أجل سحق التطلعات الديمقراطية. منذ الاجتياح الفرنسي لمصر في العام 1798 لم تقع مجزرة شبيهة بتلك التي ارتُكِبت في القاهرة في آب/أغسطس 2013. والسابقة الوحيدة للفظائع التي يرتكبها الأسد في سورية تعود إلى زمن تيمورلنك الذي زرع الرعب في مختلف أنحاء البلاد في 1400-1401. في جانبٍ مهم، يجب مقارنة طغاة اليوم بغزاة الأمس، نظراً إلى أن الزمر الحاكمة تقمع شعوبها كما تفعل قوى الاحتلال. وعلى الرغم من هذا الانحدار إلى الجحيم، لايستطيع أي أوتوقراطي عربي أن يدّعي أنه أعاد إرساء "الاستقرار" الذي يدّعي تثبيته على حساب "الحريات" الفردية والجماعية. من الواضح أن الموجة الثورية للعام 2011 تعرضت إلى هزيمة واسعة، غير أن الرد المضاد للثورة مُنيَ، في كل مكان، بفشل ذريع في تحقيق أهدافه. وبما أنه لايمكن نشر الاستقرار الحقيقي من دون انتقال ديمقراطي، ستبقى الأزمة مستوطِنة في العالم العربي ما دامت تطلعات الشعوب موضع إنكار.