أجرى العراق في 12 أيار/مايو أول انتخابات برلمانية منذ هزيمة مايسمى تنظيم الدولة الإسلامية. كان التصويت إنجازاً بحدّ ذاته، باعتبار أنه كان في معظمه تنافسياً وعادلًا وخالياً من أعمال العنف. وفي منطقة تتميّز بقابلية التنبؤ بسلوكيات الهيمنة السلطوية، كانت النتيجة غير متوقّعة. ثمّ، وعلى الرغم من التأخّر في نشر النتائج النهائية، في ظل وجود بعض الدوائر الانتخابية التي لم تصوّت بعد، والادّعاءات المتعلقة بحدوث مخالفات في التصويت، ولاسيما في كركوك المختلطة إثنياً والمتنازع عليها، فالواقع الذي تكشّف هو إمكانية تبدّل السلطة في العراق، الأمر الذي قد يصبح نمطاً سائدا.

سلّطت الانتخابات الضوء على الفجوة الواسعة والخطرة بين الحكّام وبين المحكومين في العراق، من خلال إبراز الرفض الشعبي الكبير للنظام السياسي بعد حزب البعث. فقد أدلى 44.5 في المئة فقط من الناخبين المسجلين بأصواتهم، في ما يُعتبر أدنى نسبة إقبال منذ انطلاق العملية الانتخابية في العام 2005. وقاطع الانتخابات مايصل إلى ثلثيْ سكان بغداد، الذين ينتخبون النسبة الأكبر من النواب في البرلمان المؤلف من 329 مقعدا. والجدير ذكره هنا أن نسبة المشاركة في الانتخابات في نينوى، المحافظة المُحرّرة من قبضة الدولة الإسلامية، كانت الأعلى على مستوى البلاد، لكنها على رغم ذلك لم تتجاوز 53 في المئة.

شكّلت نسبة المشاركة صفعة لمؤسسة سياسية استُخفّ بها لعدم كفاءتها، وانقسامها، وفسادها المستشري، وأُلقي عليها اللوم جرّاء حلقات العنف المتعاقبة التي عصفت بالبلاد منذ إطاحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وقد خسرت الكتل التي يتزعمها كلّ من إياد علاوي ونوري المالكي، اللذين تولى كل منهما رئاسة الحكومة العراقية لمرّة واحدة، نحو ثلثيْ نوابها، في حين تمّ استبعاد العديد من كبار السياسيين عن مقاعد كانوا يشغلونها منذ فترة طويلة.

كذلك، جاء تحالف "النصر" الذي يقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي متخلّفاً عن زعيمي الشيعة الآخرَين الأكثر تأثيراً ونفوذاً، مقتدى الصدر وهادي العامري، اللذين احتلّت قائمتاهما المرتبتين الأولى والثانية على التوالي. فقد استفاد العبادي من قتاله الناجح ضد الدولة الإسلامية وردّه على الاستفتاء الكردي حول الاستقلال في أيلول/سبتمبر 2017، وحظي بشعبية محدودة كزعيم فوق الانتماءات الطائفية والإثنية. مع ذلك، فقد عانى أيضاً من سوء سمعة حزبه السياسي، حزب الدعوة، الذي حكم العراق لأكثر من عقد من الزمن. كما فشل في إقناع الناخبين بأنه يستطيع تحقيق التغيير في جهاز الدولة الذي تمسّ حاجة البلاد إليه، ناهيك عن تحسين البنية التحتية للعراق وتوفير الخدمات العامة واستحداث الوظائف.

يُنظر إلى كل من الصدر والعامري على أنهما يملكان قدرة أكبر على تنفيذ هذه المهام التغييرية. فمقتدى الصدر هو ابن آية الله العظمى محمد صادق الصدر، الذي اغتيل على يد نظام صدام أواخر التسعينيات. وفي أعقاب الغزو الأميركي العام 2003، شكّل مقتدى وأتباعه مقاومة عسكرية ضدّ القوات الأميركية والحكومات العراقية المتعاقبة، بينما أثار في الوقت نفسه حنق إيران بسبب تفضيله نموذجاً عراقياً مختلفاً من الإيديولوجيا الشيعية وكذلك بسبب تركيزه على الوطنية العراقية. وقد انخرط الصدر وأنصاره في نهاية المطاف في العملية السياسية، مُستفيدين من كل الامتيازات التي مُنِحت لهم لجني الثروات. بيد أنهم لطالما هدّدوا باللجوء إلى الشارع وإطاحة النظام، في حال لم تتم تلبية مطالبهم المتمثّلة بإجراء الإصلاحات وقطع دابر الفساد. وقد اعتُبر تحالفهم الانتخابي مع الحزب الشيوعي العراقي ومنظمات المجتمع المدني خطوةً أساسية نحو تحقيق نضجهم السياسي، على الرغم من أنه كان مبهماً وغير متوازن.

أما العامري فقد كان منفيّاً طيلة سنوات حكم صدام في إيران، حيث بنى علاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإسلامي. وهو سياسي ووزير سابق ونائب في البرلمان وقائد عدد من الميليشيات التي خاضت معارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وقد نُظر إليه تارةً بأنه قائد شيعي حَرُوْن، وطوراً بأنه سياسي براغماتي أقام وشائج متينة مع كلٍّ من القواعد الشعبية السنّية في العراق، من جهة، ومع القوى الغربية، من جهة أخرى.

الأمر المُشتَرَك بين هذين القائدين أنهما شخصيتان إسلاميتان استمدّتا نفوذهما من نموذج حكم ميليشيوي قوامه خزّان لاينضب من الشباب الشيعة الذين تم تجنيدهم من هامش المجتمع، من مناطق ريفية أو شبه ريفية أُقصي سكانها من النظام وشبكات المحسوبية والزبائنية التي ولّدها. هؤلاء الشباب ترعرعوا في كنف ثقافة شعبية تشرّع أعمال العنف المروّعة، وتجسّد نموذجاً من التطرّف لايختلف كثيراً عن تطرّف نظرائهم السنّة الذين حارب العديد منهم في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

يواجه الصدر والعامري عند هذا المنعطف مروحةً من الرهانات الكُبرى، إذ يتعيّن عليهما استعادة قدرات الدولة العراقية، وبناء هوية وطنية تضمّ تحت جناحها كل الطوائف والإثنيات، وحماية العراق من براثن المواجهة المُحدقة بين الولايات المتحدة وإيران. المُطمئن في الموضوع أن النظام العراقي مصمَّمٌ على الحؤول دون سيطرة طرف واحد على النظام برمّته. وبالتالي، أيّاً تكن هوية قائد الميليشيا الذي سيصبح "صانع الملوك" في تأليف الحكومة العتيدة، سيضطرّ إلى مسايرة الأفرقاء السنّة والأكراد، من جهة، والرعاة الإقليميين والدوليين، من جهة أخرى.

إن التحالفات التي ترسم معالم السياسة العراقية هي ثمرة لعبة حَذِقة ومتقلّبة الأطوار، لاتستند بالكامل إلى إيديولوجيات أو برامج. وبانتظار صدور نتائج الفرز النهائي للأصوات، غالب الظن أن تشهد هذه التحالفات جرعة كبيرة من التنازلات، التي ترقص على ايقاع البراغماتية والعلاقات الشخصية واتفاقات توزيع الريع.