في الوقت الذي تتكيّف فيه دول العالم مع قرار الرئيس دونالد ترامب بسحب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، أي الاتفاق النووي مع إيران، فإنّ العديد منها تدرك من دون شكّ إلى أين سيُفضي المسار الأميركي: الحرب.

عندما انتهت إدارة أوباما من خطة العمل الشاملة المشتركة، كانت هناك انتقادات مبرّرة لما رشح عنها. إذ لم تتم معالجة مسألة الطموحات الإقليمية الإيرانية، على افتراض أنّ التطرّق إلى هذا الموضوع كان سيُفشل المفاوضات حول صفقة نووية من دون تحقيق مكاسب ملموسة. وأدرك آخرون أنّ الرئيس الأميركي آنذاك، باراك أوباما، يتصوّر الصفقة كجزء من عملية أوسع تعترف بمصالح إيران في الشرق الأوسط، وتخلق نظاماً إقليمياً جديداً يبرّر فك الارتباط الأميركي.

بالنتيجة، الرئيس السابق هو مَنْ قال ما يلي لجيفري غولدبرغ من صحيفة "ذا أتلانتيك" الأميركية، في مقابلتهما الطويلة في نيسان/أبريل 2016: "تتطلّب المنافسة بين السعوديين والإيرانيين، التي ساعدت على إذكاء حروب بالوكالة وفوضى في سورية والعراق واليمن، منّا أن نقول لأصدقائنا، وكذلك للإيرانيين، إنّهم في حاجة إلى إيجاد طريقة فعّالة لتشارك الجيرة والتعايش وإقامة نوع من السلام البارد".

من المؤكّد أنّ ذلك لم ينجح، لأنّه لايمكن نفي الحقيقة بأنّ خطة العمل الشاملة المشتركة حرّرت الأموال التي استخدمتها إيران لتمويل أجندتها في توسيع تأثيرها الإقليمي، خاصةً تمويل عمليّاتها العسكرية المستمرة في سورية لصالح نظام الأسد.

لكن في حين أنّ المنتقدين ربّما كانوا على حقّ في تحليلهم لخطة العمل الشاملة المشتركة، إلا أنّهم أخطأوا في الدعوة إلى انسحاب الولايات المتحدة منها. والسبب بسيط: ففي غياب احتمال التوصّل إلى إجماع حول كيفية إعادة صياغة الوثيقة - وهو ما يبدو خيالياً اليوم - فإنّ المنتقدين يدفعون أميركا في اتجاه واحد، نحو مواجهة عسكرية مع إيران حول القضية النووية. إنّهم لن يعترفوا بذلك، ربّما لأنّ ترامب لايبدو توّاقاً لبدء حرب أخرى في الشرق الأوسط. لكن على الرئيس أن يدرك أنّ هذا هو بالضبط المكان الذي يتم اقتياده إليه.

المنطق بسيط. ستبقى إيران في خطة العمل الشاملة المشتركة ما دامت المسألة تستحق العناء. ومع ذلك، من المرجّح أن تفرض إدارة ترامب عقوبات ثانوية على المتعاملين تجارياً مع إيران لمنع الجمهورية الإسلامية من جني المكاسب. إنّ الإيرانيين، ونظراً إلى أنّ الخطة لم تعد توفّر فوائد، سينسحبون، ومن المحتمل جداً أن يستأنفوا تخصيب اليورانيوم. كما ستقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بزيادة الضغوط، وسيتعيّن على ترامب، أو خَلَفه، أن يقرّر كيفية التصرّف. وبما أنّ إيران سبق أن خصّبت اليورانيوم في ظلّ العقوبات، فمن المرجّح أن تفعل ذلك مرّة أخرى مستقبلاً. وهكذا، سرعان ما ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام القليل من البدائل عدا إبرام صفقة جديدة، والتي سترفضها طهران نظراً إلى سلوك أميركا الأخير في ما يتعلق بخطة العمل الشاملة المشتركة. وبالتالي، فواشنطن إما لن تفعل شيئاً بشأن التقدّم النووي الإيراني، أو تهاجم إيران.

يجب على أولئك الذين دفعوا باتجاه التخلّي عن هذه الخطة أن يعلموا أنّ هذا ما ستقود إليه مساعيهم، لأنّ الرئيس ببساطة انسحب، من دون أن يضع خطّة بديلة لما بعد قراره. نعم، سيفرض ترامب عقوبات تجعل من المكلف بالنسبة إلى إيران تمويل برنامج نووي متجدّد أو عملياتها الإقليمية، لكن هل سيغيّر هذا سلوكها؟ ربما لم يعد الشعب الإيراني مستعدّاً للتنازل عن الزبدة لقاء البندقية، نظراً إلى المشاكل الاقتصادية التي يعانيها البلد، لكن هل نصره (على النظام) مؤكد؟ إنّ وسائل القمع الإيرانية شاسعة، بحيث أنّ رهان ترامب على ثورة من الداخل يكاد يكون سياسة محض مثالية.

لايترك هذا سوى الخيار العسكري لضمان عدم قيام إيران ببناء سلاح نووي. مع ذلك، ليس الأمر كما لو أنّ الإيرانيين لم يستعدوا لهذا الاحتمال. فمنشآتهم النووية محميّة بشكل جيد، والصواريخ التي قدّموها لحزب الله في لبنان موجودة للعمل كرادع لأي خطة لقصف إيران. ولدى الإيرانيين الكثير من الوسائل الأخرى للردّ على الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكننا أن نكون على يقين من أنّهم سيستخدمونها. كما لاتوجد ضمانة لنجاح الضربة العسكرية، أو لأن تعيد إيران بناء برنامجها النووي. الأسوأ من ذلك، أنّ ترامب أحدث إرباكاً كبيراً في تحالفاته، قد تجد الولايات المتحدة نفسها بسبب ذلك معزولة، في الوقت الذي تحضّر حججها لضرب إيران.

هذا قد لايكون مهمّاً بالنسبة إلى المتشدّدين بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، لكنّه ينبغي أن يكون كذلك. فإذا كان كابوسهم هو إيران النووية التي هي أيضاً قوّة إقليمية، ربّما يكونون قد ساعدوا في جعل الأمر حقيقة. فقريباً، قد لاتكون هناك أي وسيلة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، ولاتوجد خطة عمل شاملة مشتركة لتكون بمثابة رافعة يمكن أن تؤثّر على سلوك الحكّام في طهران. لقد نسف ترامب اتفاقاً، كان على الرغم من كل عيوبه، قد نجح في فرض بعض القيود على النظام الإيراني، على نقيض وضع قد لايوفّر أياً منها على الإطلاق.

المتغيّر المجهول هو ترامب نفسه. يقال إنّ الرئيس لا يحب الوقوع في شرك الخيارات السيئة. لكنّه قد يكتشف قريباً أنّ المحيطين به فعلوا ذلك بالضبط، إذ أنّهم يوجّهون الولايات المتحدة نحو العمل العسكري ضدّ إيران. وإذا ما رفض ترامب توسّلاتهم، فقد يعني ذلك العيش مع إيران النووية. وإذا أيّدهم، فقد يجد نفسه في حرب جديدة في الشرق الأوسط، وهو ما تشير تصريحاته الأخيرة بشأن الانسحاب من سورية بقوّة إلى أنّه لايريده. يحتاج الرئيس إلى باب للهروب الآن.