في 23 أيار/مايو، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية أنها ألقت القبض على 22 جهادياً في أقل من شهرين. وجاء ذلك بعد مصرع العشرات من أعضاء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على يد قوات الأمن منذ بداية العام 2018. كان من بين القتلى عادل الصغيري، المعروف بأبو رواحة القسنطيني، وهو عنصر جزائري فعّال يدير الحملات الدعائية للتنظيم. وفي منطقة القبائل الواقعة شرقي العاصمة الجزائرية، التي تُعتبر معقلاً تاريخياً للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، قتلت قوات الأمن أيضاً عضواً مهماً آخر هو بوعلام بكاي، المعروف باسم خالد الميغ، مسؤول العلاقات الخارجية في التنظيم. في المقابل، أقدم حداد فوضيل، المكنّى أبو دجانة، الذي كان يقود أحد الكتائب المحلية التابعة للتنظيم، على الاستسلام للسلطات.

خسر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي المناطق التي كان يسيطر عليها في منطقة القبائل، وهي موطن البربر. ويمكن إنحاء لائمة هذا التطوّر على الأساليب المتطرفة التي اتّبعها التنظيم، ومشاكله التنظيمية، والعمليات العسكرية التي تقودها الدولة، فضلاً عن سياساتها التصالحية تجاه الجهاديين التائبين. كما فقد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قادة رئيسين وأصولاً مهمة، ويجد صعوبة في تجنيد المقاتلين لأن إيديولوجيته لم تعد تجذب السكان المحليين. وبينما يبدو التنظيم عاجزاً عن بثّ أحلامه ببناء خلافة جزائرية إلى جيل جديد من الجزائريين، عمد إلى نقل عملياته إلى القسم الشرقي من البلاد، على مقربة من الحدود مع تونس. لكن ما يجدر ذكره هنا أن شبكات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قد تبقى قائمة على الأرجح، إذ أن التنظيم أظهر قدرة على الصمود وتنفيذ هجمات منخفضة الوتيرة في الجزائر. مع ذلك، يبقى التنظيم شوكة في حلق الدولة، لكنه لايشكّل تهديداً وجودياً لها.

حتى لو كان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أقل تطرّفاً من سلفه، أي الجماعة الإسلامية المسلّحة التي خاضت الحرب الأهلية في الجزائر، إلاّ أن أساليبه القاسية تسبّبت في تنفير السكان المحليين عنه. وعندما برزت الجماعات الجهادية في القبائل خلال التسعينيات، لم يحرّك المواطنون ساكناً، حتى لو كانت هي تُعارض إيديولوجياتهم. ولأن البربر لطالما كانت لهم علاقة تصادمية مع السلطات المركزية الجزائرية، التي فشلت في التخفيف من سخطهم، تمّ اعتماد ترتيبة مؤقتة بين سكان منطقة القبائل والتنظيم، ما سمح لهذه المنظمة الجهادية بتعزيز وجودها في المناطق البربرية الريفية.

مع ذلك، كان يمكن لهذا التعايش أن ينهار عندما بدأ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بترهيب السكان المحليين لابتزاز الأموال، واختطاف أو قتل رجال أعمال أثرياء في المنطقة. ويُعتقد أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي كان، منذ العام 2005، مسؤولاً عن خطف أكثر من 80 شخصاً. من جهة أخرى، شكّل انعدام الأمن المستمر عائقاً في وجه المشاريع التنموية والاستثمارات في منطقة القبائل، ما أدّى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي البائس أساساً في ولايات البربر. فعلى سبيل المثال، أفادت غرفة التجارة والصناعة في ولاية تيزي وزو، في العام 2014، عن قيام أكثر من 71 شركة بتصفية أعمالها في منطقة القبائل بسبب فقدان الأمن. نتيجةً لذلك، تغيّرت العلاقات بين السكان المحليين وبين القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مع تحوّل في المزاج الشعبي بشكل حاسم ضد التنظيم.

ثمة عامل آخر ساهم في تراجع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، يتمثّل في المشاكل التنظيمية التي يتخبّط فيها. فمع أن الأمير الوطني للتنظيم في الجزائر، عبد المالك درودكال المكنّى أبو مصعب عبد الودود، يتولّى قيادة التنظيم منذ العام 2004، إلا أن دوره يقتصر عملياً على تقديم النصح والمشورة، إذ لاتزال الكتائب العديدة للتنظيم تنفّذ عملياتها بشكلٍ مستقل. وقد تسبّب هذا الانفصال في غالب الأحيان بعجز كتائب التنظيم عن التواصل مع بعضها البعض، أو حتى عن تزويد رجالها بالحدّ الأدنى من الموارد والعتاد، ما أدّى إلى ضعضعته. ومثل هذا الهيكل التنظيمي قوّض قيادة درودكال، وأفرز تبعات سلبية ألقت بظلالها على التنظيم ككل.

أما السبب الأخير وراء خسارة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لمعقله في منطقة البربر فيُعزى إلى تدابير مكافحة الإرهاب الحازمة والمتواصلة التي اتخذتها الدولة الجزائرية. وقد وصلت الأمور إلى نقطة تحوّل في أيلول/سبتمبر 2014 مع اختطاف المواطن الفرنسي إيرفيه غورديل على أيدي تنظيم جند الخلافة في أرض الجزائر، وهو فصيل انشقّ عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبايع الدولة الإسلامية. فقد أدّى مقتل غورديل بعد اختطافه بأيام عدة إلى إطلاق عملية بحث ومطاردة حثيثة، وإلى تكثيف جهود مكافحة الإرهاب لتطال الإرهابيين المتحصّنين في الجبال النائية في منطقة القبائل، ما أسفر عن مقتل حوالى 600 جهادي بين عامَي 2013 و2018. كذلك، عمدت قوى الأمن، بمؤازرة دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات) الجزائرية إلى تفكيك الشبكات اللوجستية لخلايا تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. لكن الدولة لم تلجأ فقط إلى العنف، بل اتّخذت أيضاً إجراءات تصالحية، كان أبرزها اعتماد ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في العام 2005، الذي نجح في دفع مئات الجهاديين إلى الاستسلام، تارةً بشكلٍ جماعي، وطوراً مع عائلاتهم

لهذه الأسباب كلّها، لم يعد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قادراً على تنفيذ هجمات كبيرة في الجزائر منذ الهجوم الذي شنّه ‎على موكب للجيش في عين الدفلى شمال البلاد في 8 تموز/يوليو 2015. ولم يكن لانتقال التنظيم إلى شرق البلاد، أي إلى ولايات مثل خنشلة وتبسة وجيجل وسكيكدة الأقرب إلى الحدود التونسية، تأثيرٌ بالغ، ذلك أن قوى الأمن الجزائرية ونظيرتها التونسية عمدت إلى تعزيز أمن الحدود والتنسيق في مابينها في مجال مكافحة الإرهاب. كما أُطلقت عمليات ناجحة عدة، أسفرت آخرها في شباط/فبراير 2018 عن مقتل ثمانية من قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في خنشلة. وكان التنظيم يأمل بأن يخوّله هذا الانتقال توحيد ألويته وإعادة إحياء كتيبة عقبة بن نافع، الفرع التونسي من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بيد أن هذه المحاولة باءت بالفشل.

ولذا، لاتبدو آفاق هذا التنظيم مشرقة في الجزائر، نظراً إلى محدودية عناصره والعيوب التنظيمية التي يعاني منها، ناهيك عن أنه لم يحقّق أيّاً من أهدافه في البلاد. فالحكومة الجزائرية لاتزال تنشط على قدم وساق، ولايزال من يصفهم التنظيم بالطواغيت أو الكفّار يحكمون البلاد. وتبعاً لذلك، بات من السذاجة الاعتقاد بأن من الممكن راهناً إنشاء خلافة إسلامية في الجزائر. ومع أنه من المستبعد أن تشهد البلاد أفول هذا التنظيم في القريب العاجل، إلا أن نهايته لاتبدو بعيدة المنال على ضوء الوقائع القائمة. وهذا أمر مهمٌّ حتماً، نظراً إلى السيف الذي سلّطه الجهاديون على عنق الدولة الجزائرية في الأمس القريب.