ألكسي خليبنيكوف متخصّص في قضايا الشرق الأوسط في المجلس الروسي للشؤون الدولية. حاز على شهادة الماجستير في السياسة العالمية العامة من كليّة هوبرت همفري للشؤون العامة في جامعة مينيسوتا كباحث في برنامج إدموند سيكستوس موسكيللزمالة، وشهادتيْ البكالوريوس والماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة لوباتشيفسكي الحكومية في نيجني نوفغورود. أجرت "ديوان" مقابلة معخليبنيكوف في أواخر شهر أيار/مايو للاطلاع على وجهة نظره حول الدور الروسي في سورية، في إطار أجواء التوتّر المطّرد بين إسرائيل وإيران في ذلك البلد.

مايكل يونغ: هل يمكنكم أن تصفوا لنا الدور الذي تلعبه روسيا اليوم في محاولة تجنّب مواجهة إسرائيلية- إيرانية في سورية.

ألكسي خليبنيكوف: أوّلاً، من المهم أنّ نتذكّر أنّ كلا البلدين، إسرائيل وإيران، مهمَّان بالنسبة إلى روسيا، وأنّ موسكو تحاول دائماً تجنّب تصعيد واسع النطاق أو مواجهات عسكرية مباشرة بين بلدَيْن مقرّبَيْن منها. أما الأمر الثاني المهمّ الذي يجب أخذه في الاعتبار، فهو أنّ مصالح هذين الطرفَيْن متناقضة. إذ يعتمد الأمن الإسرائيلي على تضاؤل ​​الوجود الإيراني في سورية، في حين يرتبط نفوذ طهران في الشرق الأوسط بصورة وثيقة بتعزيز موقعها في سورية ولبنان، الأمر الذي يعني ضرب المصالح الإسرائيلية.

هذا السياق بالذات، يترك موسكو من دون خيارات جيّدة في تعاملاتها مع الإسرائيليين والإيرانيين. فمن ناحية، يعود الفضل في نجاح روسيا في سورية إلى التعاون مع إيران، كما أنّ موسكو تحتاج إلى القوّات الإيرانية على الأرض ولايمكنها أن تنفّر طهران، لأنّه من دونها ستصبح الأنشطة الروسية في سورية أكثر تعقيداً، هذا إذا لم تفشل كلياً. ومن ناحية أخرى، لا تريد موسكو أن تُفسد علاقاتها بإسرائيل التي تعدّ أيضاً شريكاً مهمّاً في مجالات عدّة.

من الناحية الاقتصادية، تُعدّ إسرائيل رابع أكبر شريك تجاري لروسيا في المنطقة، إذ بلغ معدّل دوران رأس المال 2.5 مليار دولار أميركي في العام 2017، مايفوق معدّل أعمالها مع إيران الذي سجّل 1.7 مليار دولار. وقد أقامت روسيا وإسرائيل تعاوناً وثيقاً وفعّالاً في المجالات العسكرية والاستخباراتية والأمنية، وعندما نشرت روسيا قوّاتها العسكرية في سورية، عمدت فوراً إلى إنشاء قناة تنسيق مع إسرائيل لتجنّب أي حوادث، وهذه القناة تعمل حتى الآن بشكل لاتشوبه شائبة. وهناك عامل آخر مهمّ هو أنّ إسرائيل تعمل كقناة خلفية إضافية للاتصال بين الولايات المتحدة وروسيا، كما أنّها تفهم المخاوف الروسية في المنطقة.

يونغ: أين تبدو الخلافات الروسية- الإسرائيلية أكثر وضوحاً؟

خليبنيكوف: تحاول روسيا الجلوس على كرسيَّيْن في الوقت نفسه، وهو ما قد يكون صعباً، إذ عليها أن تكون على اتصال مستمرّ مع إسرائيل وإيران، بحثاً عن تسويات. في نهاية المطاف، لايمكن لروسيا أن تسمح لإسرائيل بإطلاق مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، منشأنها أن تؤثّر سلباً على حسابات موسكو في سورية، بينما لا تستطيع إسرائيل قبول التنامي غير المحدود للنفوذ الإيراني في سورية لأنّه يهدّد أمنها القومي. كما يتعيّن على موسكو أن تأخذ في الحسبان المخاوف الأمنية المتعارضة لإسرائيل وإيران.

وهذا يطرح سؤالاً: إلى أي مدى تبدو روسيا وإسرائيل مستعدّتان للسعي وراء تحقيق مصالحهما الوطنية الخاصة في سورية؟ حتى الآن، تمكّن الطرفان من التوصّل إلى حلّ وسط، لكن ليس هناك ما يضمن بقاء الوضع على ما هو عليه إلى الأبد.

يونغ: غالباً مايتم تضخيم الخلافات الروسية-الإيرانية حول سورية، لكنّها تبدو اليوم حقيقية. ما هي أوجه الاختلاف بين موسكو وطهران؟

خليبنيكوف: لا تتفق الدولتان في الرأي حيال عدد من المسائل الأساسية، بما في ذلك مصير الرئيس بشّار الأسد، والإصلاحات السياسية لحقبة مابعد الحرب، ودور الأكراد، والتعاون مع الولايات المتحدّة، ومدى تواجدهما العسكري وتأثيرهما في سورية بعد الحرب، وهلمّ جرا. غير أنّ روسيا وجدت نفسها في وضع لايمكنها بموجبه السيطرة على تصرّفات إيران في سورية، خلافاً لما يعتقد كثيرون. فبينما حاولت موسكو زيادة الضغط على حلفائها لإفساح المجال أمام المزيد من التنازلات، يمكن لدمشق وطهران بسهولة تخريب أي مبادرة أو خطّة مقترحة من قبل روسيا لاتناسب مصالحهما. وقد سبق لهما أن فعلتا ذلك في مناسبات عدّة، خصوصاً في مايتعلّق بمناطق خفض التصعيد، والعملية السياسية في سورية. لذلك، سيكون من الصعب على موسكو التوصّل إلى اتفاق مع حلفائها، وبالتالي، سيحتاج الكرملين إلى مزيد من النفوذ لممارسة ضغط إضافي بهدف دفع العملية السياسية إلى الأمام.

لقد أظهرت أحدث زيارة خاطفة للأسد إلى سوتشي في 17 أيّار/مايو أنّ هذا الضغط قد يحدث بالفعل. فنتيجةً للاجتماع، وافق الأسد على إرسال ممثّلين حكوميين سوريين إلى جنيف للمشاركة في أعمال اللجنة الدستورية لصياغة الدستور السوري الجديد. وهذا تغيير مهمّ جدّاً، بعد أن كانت دمشق رفضت هذه المشاركة عقب مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عُقد في سوتشي في وقت سابق من هذا العام. شكّل ذلك صفعة لموسكو، لكن يبدو أنّ الكرملين ضغط للحصول على ما يريد، وستواصل موسكو زيادة الضغط على الأسد. فهي تحتاج إلى تحقيق نتائج في سورية، الأمر الذي يتطلّب تنازلات من دمشق وأنقرة وإيران وروسيا نفسها.

يونغ: كان من الملاحظ أنّ روسيا لم تستخدم صواريخها المضادّة للطائرات ضدّ الطائرات الإسرائيلية خلال هجماتها الأخيرة على أهداف إيرانية في سورية. ماذا كانت الرسالة من ذلك؟

خليبنيكوف:في الأشهر الأخيرة، شنّت إسرائيل عدداً من الهجمات على مواقع سورية وإيرانية في سورية، وتعامت موسكو عنها. كانت هذه إشارة قوية إلى الأسد بأنّ روسيا لاتستطيع ولاتريد أن تحمي جيشه إذا ما استمرّ الإيرانيون في توسيع وجودهم العسكري في سورية. كما أنّها شدّدت على أنّ روسيا تأخذ بواعث القلق الأمنية الإسرائيلية في الاعتبار.

لذا، فإنّ التحرّكات الروسية تتعلّق بجعل دمشق تفهم أنّها بحاجة إلى إبقاء الإيرانيين وحلفائهم بعيداً عن الحدود مع إسرائيل، وعدم استدراج الهجمات الإسرائيلية. وفي النهاية، يُلمح الروس إلى أنّ الأسد لن يستفيد من نفوذ إيران ووجودها المفرط في سورية، لأنّ هذا لن يؤدي سوى إلى مزيد من الضغط على دمشق، ماسيجلب المزيد من المشاكل ويعقّد التوصّل إلى تسوية سياسية.

الآن، من الحصافة قول ما يلي: كلّما كانت دمشق أقوى، كلّما تضاءلت الحاجة إلى وجود عسكري إيراني في سورية. ومع ذلك، السؤال الأكثر إلحاحاً هو إذا ما كانت دمشق تفهم هذا المنطق، وإذا ما كان الإيرانيون يقبلونه.