علي الجرباوي | أستاذ في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية. تولّى سابقاً منصبَي وزير التخطيط والتنمية الإدارية ووزير التعليم العالي في السلطة الفلسطينية

كل شيء رهنٌ بالمواقف والسياسات المتقلّبة لكل الأفرقاء المعنيين، مع الإشارة إلى أن لا مصر ولا إسرائيل تريد ضمّ غزة إليها وتحمّل "أعبائها". إذن، يبدو أن مستقبل القطاع يكمن في فك ارتباطه بكلٍّ من هاتين الدولتين.

من هذا المنطلق، ثمة خياران مطروحان على بساط البحث – أحدهما هو الأقل ترجيحاً والآخر هو الأكثر احتمالاً: فإما أن تصبح غزة دولة فلسطينية صغيرة مستقلة تتمتع بسيادة كبيرة، إنما ليس بشكلٍ كامل، مايعني أيضاً أن إسرائيل ستبتلع الضفة الغربية. وإما أن تشكّل غزة جزءاً من دولة فلسطينية تتألف من منطقتين (هما غزة والضفة الغربية) تتمتعان بمستويات مختلفة من السيادة، فتُمنح "فتات" أراضي الضفة الغربية حكماً ذاتياً، وتكون مرتبطة بقطاع غزة المستقل الذي يتمتع بسيادة كبيرة. في كلتا الحالتين إذاً، ستسير غزة نحو الاستقلال في السنوات العشر المقبلة.


 

نورمان ج. فينكلشتاين | كاتب، صدر له مؤخراً كتاب بعنوان "غزّة: تحقيق حول استشهادها" Gaza: An Inquest Into Its Martyrdom (University of California Press)

بدأ تاريخ غزة المعاصر في العام 1948، مع التدفّق الهائل للمطرودين من دولة إسرائيل التي كانت حديثة العهد آنذاك. وفي العام 1967، باتت غزة ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي الغاشم. ومع أن إسرائيل تزعم أنها انسحبت من غزة في العام 2005، ثمة إجماع في صفوف الخبراء القانونيين بأنها لاتزال تشكّل قوة احتلال. في العام 2006، وبعد أن فازت حماس في الانتخابات التي وصفها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بأنها كانت "نزيهة وعادلة تماماً"، فرضت إسرائيل حصاراً على القطاع كان أشبه بنمط محاصرة القلاع في القرون الوسطى. وفي غضون ذلك، نفّذت ما لايقل عن ثماني "عمليات" على غزة منذ العام 2004. فبعد المجزرة الأخيرة التي ارتكبتها إسرائيل في العام 2014 والتي أطلقت عليها اسم "عملية الجرف الصامد"، زار رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بيتر ماورر، القطاع وعلّق على الوضع هناك قائلاً: "لم أرَ في حياتي هذا الحجم الهائل من الدمار".

لقد صرّحت وكالات الأمم المتحدة بأن غزة "مكان غير قابل للعيش". وقال روبرت بايبر، منسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في غزة، العام الماضي: "أرى أن هذه العملية اللاإنسانية والظالمة للغاية التي يشهدها القطاع تخنق بالتدريج مليوني مدني لايشكّلون فعلياً أي تهديد لأحد". وأشارت سارة روي من مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة هارفرد إلى أن "البشر الأبرياء في غزة، ومعظمهم من الشباب، يتسمّمون ببطء بسبب المياه التي يشربون، وربما أيضاً بسبب التربة التي يزرعون فيها". ومن المتوقّع أن يتفشّى وباءا التيفوئيد والكوليرا في غزة في القريب العاجل.

أطلق الغزّاويون في 30 آذار/مارس شرارة مظاهرات أسبوعية ترمي إلى رفع الحصار غير القانوني المفروض على القطاع. وبحسب منظمات حقوق الإنسان، فإن الغالبية الساحقة من المسيرات كانت سلمية، إلا أن نيران القنّاصين الإسرائيليين أسفرت عن مقتل أكثر من 110 غزّاويين وإصابة 3,700 آخرين. وقد خلُصت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن استخدام القوات الإسرائيلية المتكرّر للقوة القاتلة في قطاع غزة منذ 30 مارس/آذار 2018 ضد متظاهرين فلسطينيين لم يشكّلوا تهديداً على حياة الآخرين، قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب".

في تقرير للأمم المتحدة العام 2015، دعت قاضية ولاية نيويورك ماري ماكغوان ديفيس إسرائيل إلى رفع الحصار "على الفور وبلا قيد أو شرط". وكذا فعل البرلمان الأوروبي في العام 2018 عندما دعا إلى "إنهاء فوري وغير مشروط للحصار". لكن في حال فشل المجتمع الدولي في التحرّك قبل فوات الأوان، لن يكون حكم التاريخ متسامحاً. هل سيُطرح يوماً ما سؤال لماذا بقي العالم صامتاً عندما صُلبت غزة؟ من المستحيل التنبؤ بمستقبلها، لكن من البديهي القول إنه ما لم يتصرّف المجتمع الدولي الآن، فلن يكون للقطاع أي مستقبل.


 

دونالد ماكنتاير | مراسل سابق في القدس لصحيفة الإندبندنت، ومؤلّف كتاب "غزّة تتحضّر للفجر" Gaza: Preparing for Dawn (Oneworld Publications)

ما البديل عن يأس سكان غزّة بعد عقد من الحياة داخل القضبان، وبعد أن وصلت البطالة إلى مستويات قياسية، وانتشر الفقر الاقتصادي الكارثي ونقص الطاقة والمياه، والشقاق بين حماس وفتح، والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية الثلاث المدمّرة؟ من الممكن أن تطلّ هذه المنطقة برأسها مجدّداً لتكون محطة بحرية للاستيراد والتصدير نابضة بالحياة، ومصدّرة للصناعات والأسماك والمنتجات الزراعية، ومكتفية ذاتياً في مجال الطاقة من مخزون الغاز الطبيعي غير المستخرج بعد من البحر، ومركزاً سياحياً إقليمياً، لكن فقط من خلال إبرام اتفاق سلام عادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وهذا أمر يُعتبر مستبعداً إلى حدّ كبير في العقد المقبل. في الوقت نفسه، من شأن رفع الحصار الإسرائيلي (والمصري) الذي دام 11 عاماً ببساطة أن يُحدث نمواً اقتصادياً بنسبة 32 في المئة بحلول العام 2025، وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي يؤكد وجود صلة "غير قابلة للنقاش" بين الانتعاش الاقتصادي وبين الأمن الإسرائيلي، ناهيك عن الصلة بالكرامة الفلسطينية.

من دون ما سبق (إضافة إلى تجديد البنية التحتية الرئيسة)، يواجه سكان غزة بشكل متواصل نمواً سلبياً للفرد الواحد، ويتخبطون في منطقة تصبح على نحو متزايد غير قابلة للحياة، ويشهدون اضطرابات مستمرة على الحدود. وسيؤدي هذا الوضع إلى اندلاع حرب أخرى محتملة، ووقوع قتلى في صفوف الفلسطينيين بأعداد أكبر حتى من الذين قُتلوا خلال عملية الجرف الواقي في العام 2014.


 

مهنّد صبري | صحافي مصري ومؤلّف كتاب "سيناء: عماد مصر، حياة غزة، كابوس إسرائيل" Sinai: Egypt’s Linchpin, Gaza’s Lifeline, and Israel’s Nightmare

سيحمل المستقبل القريب معه تغييرات غير مسبوقة في قطاع غزة. وهي تغييرات لن يختارها شعب غزة بإرادته الحرّة، بل سيقرّرها لاعبون إقليميون ودوليون رئيسيون يرسمون الآن ما يبدو أنه خريطة جديدة للشرق الأوسط.

لايترك لنا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أي خيار سوى الاعتقاد بأنهم ينوون فرض رؤيتهم حول دولة فلسطينية على الفلسطينيين أنفسهم وعلى الجميع. دولة ستضمّ غزّة بالحدود التي نعرفها وجزء من شبه جزيرة سيناء سبق أن أخلاه جيش السيسي باستخدام القوة المُميتة. أما خيارات غزة الوحيدة فتتمثّل في قبول ما يُعرف الآن باسم "صفقة القرن"، أو مواجهة أي عمل عسكري إسرائيلي آخر سيدمّر القطاع بشكل كامل ونهائي.

ستقرّر أحداث الأشهر المقبلة الوضع في غزة خلال العقد المقبل، الذي إما سيكون عقداً من المعاناة والموت والدمار، أو حقبة من الذل والخضوع إلى إرادة الأنظمة الديكتاتورية القوية التي لازالت تخطط وتكرّس ما يبدو أنه شتاء عربي لاينتهي.