في الشهر الماضي، تعرّضت امرأة في الجزائر للاعتداء على يد رجل وهي تمارس رياضة الجري في فترة ما بعد الظهر، بسبب تواجدها خارج المنزل في رمضان. وقال لها الرجل وفق ما أُفيد: "ماذا تفعلين هنا؟ اذهبي، فمكانك في المطبخ."

وعندما ذهبت إلى الدرك الوطني الجزائري لتقديم شكوى، سألها أحد عناصر قوّات الأمن: "وأنتِ لماذا خرجتِ للجري في هذا الوقت؟" وسُرعان ما اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهرها وهي تجهش بالبكاء نتيجةً لطريقة معاملتها. ونتيجةً لذلك، نُظِّم نشاط الركض التضامني على وسائل التواصل، وشارك فيه ما بين 300 و500 امرأة جزائرية للتأكيد على حقّهنّ في ارتياد الأماكن العامة.

وبعد أيام قليلة من هذه الحادثة، اعتدى رجل على فتاة تبلغ تسع سنوات من العمر على الشاطئ. وعندما تقدّمت أم الضحية بشكوى، ألقى عناصر الدرك اللّوم عليها لأنها ذهبت إلى الشاطئ "من دون زوجها".

إذاً، أكّدت هاتان الحادثتان، والكثير غيرهما، أنّ البعض في الجزائر لا يزال يعتبر وجود المرأة في الأماكن العامة من دون رجل أمراً خاطئاً. صحيحٌ أن المرأة يحق لها ارتياد الأماكن العامة، لكنها في غالب الأحيان لا تنخرط فيها، بل تعبرها فحسب. ولا يزال هذا الحق خاضعًا لقيود وشروط ومراقبة، ويجب تبريره بطريقة أو بأخرى. ويُعتَبَر التعليم أو العمل سببًا مشروعًا لتجوّل النساء في المدينة، لكن لا يزال الركض أو الذهاب إلى الشاطئ يلقى ردود فعل رافضة.

يكرّس قانون الأسرة الجزائري، الذي سُنّ في العام 1984 وعُدِّل في العام 2005، وضع المرأة غير المتساوي مقارنةً مع الرجل. فوفقاً لهذا القانون، تحتاج المرأة إلى موافقة الرجل كي تتزوّج، وعادةً يمنحها الأب أو الأخ هذه الموافقة. فليس قانون الأسرة هذا إذًا إلّا تجسيداً قانونياً لإيديولوجيا ذكورية لا تزال سائدة في الجزائر، ودليلاً على صمود نظام يمنع النساء من الحصول على عضويّة كاملة في أسرهنّ. ففيما يُلقي المسؤولون بانتظام خطابات حول المساواة بين الجنسين، وتفتخر الدولة الجزائرية بأنها تضم العدد الأكبر من النساء في البرلمان مقارنةً مع سائر دول العالم العربي، إلا أن الدولة تشرّع فعلياً اللامساواة السائدة في المجتمع، إذ تعمد، من خلال تنظيم دور المرأة داخل المنزل، إلى تنظيمه خارج المنزل أيضًا.

ومع ذلك، أثّرت عوامل عدّة مثل التحديث الاجتماعي والتحضّر والتعليم ودخول سوق العمل بشكل عميق في العلاقات بين الجنسَين عقب استقلال الجزائر في العام 1962، كان أهمها حصول المرأة على التعليم. ففي العام 2016، بلغ صافي معدّل الالتحاق بالمدارس الابتدائية 97.2 في المئة للفتيات مقابل 98.5 في المئة للفتيان. أمّا على مستوى التعليم الثانوي وما فوق، فقد تخطّى عدد الإناث عدد الذكور بأشواط. وهذا المنحى واضح أيضاً في الجامعات، حيث يفوق عدد الإناث عدد الذكور، ويعود ذلك إلى أنّ معدل نجاحهنّ في امتحانات البكالوريا أعلى بكثير، إذ كانت نسبة النجاح 65 في المئة للإناث مقابل 35 في المئة للذكور في العام 2017.

ونتيجةً لهذه التطوّرات، حسّنت المرأة انخراطها في سوق العمل، إذ تمّ توظيف 1.9 مليون امرأة في العام 2016 مقابل 1.14 مليون قبل عقد من الزمن. ومع ذلك، لا يزال وجود النساء في سوق العمل متواضعًا، إذ شكّلن 17.6 في المئة من القوّة العاملة في العام 2016.

وقد أدّى حصول النساء بشكلٍ متزايد على التعليم وفرص العمل، وتنامي ظاهرة التحضّر، إلى تسهيل عملية دخولهن إلى الأماكن العامّة، لكن هذا لا يعني أنّهن اندمجن بالكامل فيها، إذ لا يزال العديد من الأماكن مثل الملاعب والمقاهي في الغالب حكراً على الرجال. وفي الواقع، غالباً ما تجد المرأة الجزائرية نفسها مضطرّة إلى تبرير أي نزهة أو جولة تقوم بها، وفقاً للمعايير والمبادئ التقليدية التي تحكم الأسرة والمجتمع الجزائري. وبالتالي، لا تخضع النساء والرجال إلى المعايير نفسها في الأماكن العامّة، ويبقى الرجال أسيادها، إذ يمكنهم التجوّل أو ببساطة التسكّع هناك ليلاً نهاراً، بينما يُتوقّع من النساء القيام بأمور ذات مغزى، مثل إحضار الأطفال من المدرسة أو الذهاب إلى السوق أو حضور الاجتماعات.

وقد فرض ذلك تغييرات سلوكية لدى النساء. فمن خلال قدرتهنّ على إظهار أن ثمة جدوى من وجودهنّ في الأماكن العامة، يُبدين أنهن جديرات بالاحترام ويسعهنّ بالتالي المطالبة بدرجة معيّنة من الأمان. ويمكن للنساء نيل هذا الاحترام عبر تجنّب أي انتهاك للقواعد القائمة - على سبيل المثال، يشكّل التدخين في الأماكن العامة أحد أهمّ المحرّمات - ما يخفّف من مشاعر عدم الانتماء التي قد تساورهنّ. فمنذ نعومة أظافرهن، يتمّ تلقين الفتيات الصغار أن يكنّ "متواضعات"، فيما يتمّ السماح للفتيان باستكشاف العالم الخارجي، بل حتّى يتم تشجيعهم على ذلك. وﻓﻲ ﻓﺗرة اﻟﻣراهقة بشكلٍ خاص، ﺗنحسر اﻟﺣدود اﻟﻣﮐﺎﻧﯾﺔ ﻟﻟﻧﺳﺎء، وﮐﻟﻣﺎ كبرنَ في السنّ ازدادت القيود المفروضة عليهن في الأماكن اﻟﻌﺎﻣﺔ. فيستبطنّ عندئذٍ مفاهيم الأنوثة، التي تحدّد ما هو مُحتَرَم وما هو غير محترم، إلى أن تنمو في لاوعيهنّ القدرة على مراقبة أنفسهنّ.

إذاً، لا تزال الأماكن العامة بالنسبة إلى النّساء الجزائريّات مساحة خطرة تحمل فيها التفاعلات الاجتماعية تهديدًا كامنًا بالعنف. ويمكن أن يكون هذا العنف جسديًا، لكن ليس بالضرورة، ويثير شعورًا ثابتًا بعدم الارتياح. فقد تتعرّض النساء إلى التّحديق أو التحرّش اللفظي أو الملاحقة أو التلمّس أو الاعتداء الجنسي، لذا طَوَّرنَ تكتيكات قائمة على التجنّب من أجل التّعامل مع هذه المواقف والشعور ببعض الرّاحة في أماكن قد يشعرن فيها، لولا ذلك، بالانزعاج والخوف.

وأوضحت عالية، وهي أمّ لطفلَيْن تبلغ من العمر 32 عاماً: "لا يمكنك تجنّب ذلك. فما إن أفتح خزانة الثياب في الصباح حتى أبدأ في التّفكير: أيّ لون؟ أيّ ملابس؟ أيّ أحذية؟ تتجنّبين هذا النوع من الرجال باستمرار، وتتجنّبين نظراتهم المقزّزة وتعليقاتهم. وفي بعض الأحيان، أشعر بإرهاق شديد بسبب هذه المضايقات المستمرّة في الشارع لدرجة أنّني أفقد الرغبة في مغادرة المنزل".

وتتضمّن تكتيكات التجنّب هذه، التي وصفتها شاعرتان بشكلٍ حَذِق في مقطع فيديو مشوّق، اختيار مسار الرحلة بعناية، وارتداء نظارات شمسية لتجنّب التقاء العيون، والاستماع إلى الموسيقى حتى لا يتمّ سماع أي تعليقات بذيئة، وارتداء ملابس فضفاضة، وتفادي الألوان الصارخة، وتجنّب المشي بشكلٍ منفرد لأن هذا قد يفاقم الوضع. ولكل هذه الإجراءات عواقب حقيقيّة على حركة المرأة وحرية تنقّلها.

يجري إذاً الحفاظ على النظام الأبوي الذكوري في الجزائر من خلال إقامة أماكن عامة تشعر فيها المرأة بأن وجودها شاذّ وغير طبيعي. لكنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، بل إنّ ردود الفعل الذكورية الراسخة في المجتمع – وأيضًا في صفوف النخبة السياسية المتقدّمة جدًّا في السنّ التي يهيمن عليها الرجال بدرجة كبيرة والتي ترسم معالم الحياة الاجتماعية والسياسية إلى حدّ كبير – تعيق أيضًا قدرة المرأة الجزائرية على التمتّع بفرديتها الكاملة، ما يحرمها من حقوقها كمواطِنة.