مارين كوس باحثة في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية، تركّز أبحاثها على الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الخليج، فضلاً عن الشبكات العابرة للحدود الوطنية في الإسلام السياسي. وهي صاحبة خبرة خاصة في شؤون حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، ومؤلّفة كتاب "المقاومة والسلطة ومفاهيم المنظومة السياسية في المنظمات الإسلامية – مقارنة بين حزب الله وحماس" (Resistance, Power and Conceptions of Political Order in Islamist Organizations—Comparing Hezbollah and Hamas (روتلدج، 2018). وقد كتبت مؤخراً مقالاً لمركز كارنيغي للشرق الأوسط حول الموضوع نفسه بعنوان "مقاومة مرنة: كيف يُصلح حزب الله وحماس ذات البين". أجرت "ديوان" مقابلة مع كوس في أواخر تموز/يوليو الجاري لمناقشة مقالها، وعلى نطاق أوسع، العلاقة بين حزب الله وحماس.

مايكل يونغ: نشر مركز كارنيغي للشرق الأوسط مؤخراً مقالاً لكِ حمل عنوان "مقاومة مرنة: كيف يُصلح حزب الله وحماس ذات البين". ما الحجّة التي تطرحينها في المقال، وما أهميتها؟

مارين كوس: أُبيِّن في المقال كيف يُفسّر حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية مفهومهما الإيديولوجي الجوهري عن المقاومة ويطبّقانه على نحو مرِن لتحقيق هدفهما الاستراتيجي الأساسي، وهو تثبيت مواقع نفوذهما في لبنان والأراضي الفلسطينية. وأجادل بأن التطبيق المرِن لمفهوم المقاومة سمح لهما بإبقاء إمكاناتهما العسكرية خارج نطاق الدولة اللبنانية أو السلطة الوطنية الفلسطينية، وتشريع ممارساتهما السياسية والعسكرية في لبنان والأراضي الفلسطينية، والحفاظ بالتالي على نفوذهما.

في القسم الثاني من المقال، أحلّل العلاقة المتبدِّلة بين حزب الله وحماس في الأعوام الأخيرة على ضوء إيديولوجيا المقاومة التي يتبنّاها التنظيمان وفكرهما السياسي الإسلامي على حدٍّ سواء. فقد كان حزب الله وحركة حماس حليفَين مقرّبَين قبل بدء الانتفاضات العربية في العام 2011، لكنهما تباعدا على خلفية القرار الذي اتّخذته حماس بالانسحاب من محور المقاومة غير الطائفي المناهض للغرب وإسرائيل، والذي كان يتألف حتى ذلك الحين من إيران وسورية وحزب الله وحماس نفسها. وقد بدأت الحركة الفلسطيني بانتقاد القمع العنيف الذي يمارسه الرئيس بشار الأسد بحق المعارضة في سورية، ونقلت مكتبها السياسي من دمشق إلى الدوحة، وقرّرت أيضاً توجيه أنظارها نحو الرئيس المصري آنذاك محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين المصرية التي هي المنظمة الأم لحماس. وقد ندمت على قرارها هذا بعد إطاحة مرسي والإخوان المسلمين في العام 2013. ولم يستأنف حزب الله وحماس علاقاتهما سوى منذ فترة وجيزة.

لتقييم سلوك حزب الله وحماس، من المهم فهم مُجمل ممارساتهما في السياق المتغيِّر للشرق الأوسط عبر النظر عن كثب إلى مفهومهما الجوهري عن المقاومة والروابط التي تجمعه مع تطلعات التنظيمَين إلى السلطة. فهذه المقاربة أجدى من محاولة تقييم حزب الله وحماس وفقاً لتصنيفات ضيّقة مثل "متشدّد" و"معتدل" أو "ديمقراطي" و"غير ديمقراطي".

يونغ: ما أوجه التشابه أو الاختلاف بين حزب الله وحماس؟

كوس: نشأ كلاهما كتنظيمَين إسلاميين مقاوِمَين خلال ثمانينيات القرن العشرين. وهما يمتلكان أجنحة دينية واجتماعية وسياسية وعسكرية، ويقاتلان إسرائيل. ينخرط حزب الله وحماس في السياسة الوطنية في لبنان والأراضي الفلسطينية على التوالي، وهما مدرَجان في الوقت نفسه على قائمة التنظيمات الإرهابية في الغرب وإسرائيل (أدرجَ الاتحاد الأوروبي الجناح العسكري لحزب الله على قائمته للتنظيمات الإرهابية، إنما لم يدرج الجناح السياسي).

عامل الاختلاف الأوضح بين حزب الله وحماس هو توجّههما الديني. فحزب الله تنظيم شيعي إسلامي ملتزم بمبدأ ولاية الفقيه الذي أطلقه آية الله روح الله الخميني. أما حماس في المقابل فتنظيم سنّي يتشارك ذهنية الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من هذا الاختلاف الفقهي بين حزب الله وحماس، التبعات على السياسة أقل بروزاً، فالفكر السياسي الإسلامي لكل تنظيم يُشكّل إطاراً مرجعياً، لكنه ليس عاملاً حاسماً في ممارساته السياسية. لايُطبّق حزب الله وحماس المصادر الإسلامية الأساسية بالمعنى الحرفي، بل يُعيدان تفسيرها منطقياً في سياق الظروف المتغيّرة التي يواجهانها.

كذلك يختلف حزب الله وحماس في هيكليتهما التنظيمية. فحزب الله يمتلك هيكلية قيادية موحّدة يرأسها شرعاً مجلس شورى، وهو الهيئة المعنيّة بصناعة القرارات في الحزب. لكن أمين عام الحزب، حسن نصرالله، أصبح بحكم الأمر الواقع الشخصية الأساسية في آليات صناعة القرارات داخل الحزب، الذي يتمحور حول شخصه، ولاتَخرج النقاشات الداخلية الخلافية في الحزب إلى العلن.

أما في حالة حماس فالأمر مختلف، إذ يمتلك هذا التنظيم الفلسطيني هيكلية قيادية متنوّعة. فالهيئتان الأساسيتان في حركة حماس هما مجلس الشورى الذي يقع مقره داخل الأراضي الفلسطينية، والمكتب السياسي الذي يتمركز تقليدياً خارج الأراضي إنما نُقِل إلى غزة في العام 2017. في حالة حماس، كانت النقاشات الداخلية في الماضي، وحتى البيانات المتناقضة في بعض الأحيان، تخرج إلى العلن. ولايُعزى ذلك وحسب إلى الهيكلية القيادية المتنوّعة داخل الحركة، بل أيضاً إلى توزُّع قادة حماس وأعضائها على بيئات مختلفة، بدءاً من السجون الإسرائيلية ومروراً بالأراضي الفلسطينية ووصولاً إلى دول أخرى مثل الأردن أو لبنان.

يونغ: من النقاط التي تشدّدين عليها أن للتنظيمَين تفسيراً مرِناً لمفهوم المقاومة. هل تشرحين لنا ماذا تقصدين، وكيف يؤثّر ذلك في سلوكهما؟

كوس: بالنسبة إلى حزب الله وحماس على السواء، المقاومة العسكرية هي الجانب الأهم في مفهومهما عن المقاومة، وترتبط مباشرةً بجناحَيهما المسلّحين. في الوقت نفسه، يطبّق حزب الله وحماس بمرونة مفهومهما عن المقاومة من أجل إضفاء شرعية على ممارساتهما والحفاظ على مواقع نفوذهما، وهذا مرتبطٌ على الدوام بالظروف المحددة التي يُضطران إلى التعامل معها.

لقد أعاد حزب الله تعريف مفهومه عن المقاومة ثلاث مرات منذ نشأته. أولاً، اعتبر الحزب أن الهدف الأساسي من المقاومة هو تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. وعندما انسحبت إسرائيل في العام 2000، أصبح حزب الله، كتنظيم مقاوِم، مهدَّداً بخسارة علّة وجوده ووضعه المسلَّح. فأضاف عندئذ معنى ثانياً إلى مفهومه عن المقاومة، وهو الردع. فقد اعتبر الحزب أنه لايزال بحاجة إلى سلاحه لأن إسرائيل تستمر في احتلال الأراضي اللبنانية، وأن هذا السلاح ضرورية لردعها والمساعدة على حماية حدود لبنان الجنوبية من التهديد الإسرائيلي. وفي العام 2013، وسّع حزب الله من جديد مفهومه عن المقاومة، إذ اعتبر نصرالله أن حزب الله انضمّ إلى النزاع السوري إلى جانب نظام الأسد بهدف حماية لبنان من التهديد الجهادي القائم في سورية.

في المقابل، لم تُغيّر حماس كثيراً مفهومها عن المقاومة، غير أنها عمدت على نحو مرِن إلى ترسيخ بعض جوانب هذا المفهوم أو إضعافها، واضعةً ذلك في إطار استراتيجي لإدارة النزاع. وفي حين أن المقاومة العسكرية تشكّل الجزء الأهم في مفهوم حماس عن المقاومة، وفق ما أشرتُ إليه آنفاً، تُقدِم الحركة على نزع التركيز عنها عند الاقتضاء. ويمكننا أن نجد أمثلة على ذلك في الحملات الانتخابية، عندما تتجنّب حماس تقريباً الإشارة إلى مفهوم المقاومة من الأصل، لأنها تسعى إلى استقطاب شريحة أوسع من الناخبين الفلسطينيين. وقد أطلقت حماس أيضاً مايُعرَف بالمقاومة الشعبية، وهي عبارة عن تظاهرات سلمية موجّهة ضد إسرائيل. ويُقدّم ما يُسمّى بمسيرة العودة الكبرى للعام 2018 مثالاً عن تبنّي حماس لهذا النهج من أجل تحسين شرعيتها الدولية.

يونغ: بعد قطيعة في العلاقات على خلفية الحرب في سورية، حصلت مصالحة بين حزب الله وحماس. لماذا أقدما على هذه الخطوة، وما مدى رسوخ هذه المصالحة، وكيف تجلّت في الآونة الأخيرة؟

كوس: يُفيد حزب الله وحماس على السواء من هذه المصالحة التي أفضت إلى انعقاد العديد من الاجتماعات بين مسؤولين كبار في التنظيمَين منذ العام 2017. في حالة حماس، تسهّل المصالحة مع حزب الله التقارب بين هذا التنظيم الفلسطيني وإيران، ذلك أن الحزب يمكن أن يشكّل صلة وصل بين حماس وطهران. والحركة بحاجة إلى الدعم الإيراني بعدما وجدت نفسها في وضع حرج في أعقاب سقوط الإخوان المسلمين في مصر في العام 2013، وبشكل خاص بعدما خفّضت راعيتها قطر دعمها المالي لغزة على إثر الأزمة القطرية التي بدأت في حزيران/يونيو 2017.

عبر المصالحة مع حماس، يأمل حزب الله، بدوره، التخلّص من الصبغة الطائفية التي وُصم بها بصورة مطّردة منذ تدخّله عسكرياً في النزاع السوري إلى جانب نظام الأسد. فحماس تنظيم فلسطيني، والقضية الفلسطينية تتخطّى الحدود الطائفية وترتدي أهمية بالنسبة إلى معظم الأشخاص في العالم الإسلامي. بناءً عليه، يأمل حزب الله بأن تساهم المصالحة مع حماس في تحسين صورته في لبنان والخارج.

ومما لاشك فيه أن العلاقة بين حزب الله وحماس ستحافظ على أهميتها في المستقبل. بيد أن حماس تتّبع راهناً استراتيجية قائمة على التنويع. فهي تعوّل على العديد من الأفرقاء، مثل إيران والإمارات العربية المتحدة ومصر وقطر والجزائر وماليزيا. وتعني هذه الاستراتيجية التحوّطية أن حماس لن تذهب بعيداً في اعتمادها على فريق واحد بعد الآن، ما يُتيح لها الاحتفاظ بهامش من المناورة.

يونغ: كيف ترين مستقبل حزب الله وحماس على ضوء خطة سلام فلسطينية-إسرائيلية، أو حتى عربية-إسرائيلية محتملة، تعمل إدارة ترامب على وضعها؟

كوس: من شأن خطة السلام الفلسطينية-الإسرائيلية التي تضع إدارة ترامب اللمسات النهائية عليها، أن تؤثّر أكثر على حماس منه على حزب الله. فكل ما نعرفه حتى الآن انطلاقاً من التقارير الإعلامية المختلفة عن الخطة التي رفضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يؤشّر إلى أن الخطة المذكورة ستزيد الانقسام بين الضفة الغربية وغزة، وستفصل تقريباً غزة عن أي أرض فلسطينية في المستقبل. كذلك كشفت تقارير إعلامية أن المبادرة الأميركية قد تسعى إلى تعزيز غزة اقتصادياً عبر التشديد على التعاون الاقتصادي الوثيق بينها وبين سيناء، وقد توجّه دعوة إلى بعض الدول العربية للاستثمار في مشاريع اقتصادية واسعة النطاق في القطاع.

على الرغم من أن مسؤولين كباراً في حركة حماس، على غرار العضو في المكتب السياسي عزت الرشق، شدّدوا على أن حماس تقف إلى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية في مواجهة مبادرة ترامب، قد تصبّ خطط ترامب، في نهاية المطاف، في مصلحة حماس. وإذا لم تتمكّن فتح وحماس من تحقيق المصالحة، وفي حال نجحت إدارة ترامب في تحسين الظروف الإنسانية والاقتصادية في غزة، فقد تتمكن حماس من ترسيخ حكمها هناك.