ريناد منصور | باحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، المعهد الملكي للشؤون الدولية، لندن

شهدت الانتخابات العراقية التي جرت خلال الصيف الفائت أدنى نسبة مشاركة منذ الغزو الأميركي للبلاد في العام 2003. وخلال عملية تشكيل الحكومة اللاحقة، عمدت الأطراف الفاعلة عينها إلى تقسيم السلطة في ما بينها، بيد أن هذه العملية لم تصبّ في صالح المواطنين. وعليه، لا يزال العديد من العراقيين مصابين بخيبة الأمل، فهم لا يعتقدون أن وجود الطبقة السياسية نفسها في النظام السياسي عينه يمكن أن يُحدث تغييراً حقيقياً.

نزل سكان البصرة والمحافظات الجنوبية إلى الشارع للاحتجاج على غياب فرص العمل، وانقطاع الكهرباء، وشحّ المياه، وهذه مشاكل تزداد وطأتها بشكل خاص خلال أشهر الصيف الحارة. لكن هذه الحركة الاحتجاجية المستمرّة منذ سنوات عدّة لا تريد استبدال القادة، بل تغيير نظام تقاسم السلطة المستند إلى المحاصصة الإثنية والطائفية. في هذا الإطار، قد تضمّ عملية تشكيل الحكومة مسؤولين جدداً لمحاولة تهدئة المحتجّين، لكن المشكلة بالنسبة إلى معظم العراقيين تكمن في الطبقة والنظام السياسيين اللذين عجزا عن حكم البلاد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. ويرى العديد من العراقيين أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يحدث من خلال عملية تشكيل الحكومة أو عبر مؤسسات الدولة الحالية، ما يسلّط الضوء على أن الشرخ بين الحكام والمحكومين سيبقى قائماً.


 

مارتن شولوف | مراسل صحيفة الغارديان في الشرق الأوسط

ليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها العراق احتجاجات، لكن ما حدث في الآونة الأخيرة لا مثيل له. فمنذ أكثر من شهر، اندلعت في أجزاء كبيرة من جنوب البلاد ووسطها حركات احتجاجية ضدّ دولة مشلولة لاتزال طبقتها السياسية العقيمة عاجزة عن تحقيق أي إنجاز يُذكر. ولا تلوح في الأفق مؤشرات على تشكيل حكومة في أعقاب الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في أوائل أيار/مايو. في غضون ذلك، تتنافس مصالح كثيرة، مُستفيدةً من "شرعية" العملية السياسية، على تقاسم الغنائم في بلد يُعتبر غنيّاً نسبياً في مرحلة مابعد الحرب، على الرغم من معاناته عقوداً من الحروب وحركات التمرّد.

لقد قدّم رئيس الوزراء حيدر العبادي عدداً من التنازلات، وقام بتعهّدات مالية، وزار جنوب البلاد الذي يشهد انقطاعاً متكرّراً للكهرباء وموجة حرّ شديدة للاستماع إلى مطالب السكان، إلا أنه لم ينجح في كسب ثقتهم. فالخدمات لاتزال في حالة يُرثى لها، ويتطلّب إصلاحها دعماً من دولة تعمل على قدم وساق، وهذا ما لايستطيع توفيره نظام سياسي متعثّر إلا في بعض الأحيان فحسب. ولم يتّضح بعد إذا ما سيتمكّن أي من مرشّحي القيادة الحالية من تخفيف وطأة التظلّمات الحقيقية الناجمة عن الفساد المستشري في كل مستويات الحكم.

عقب الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد في العام 2010، دامت المساومات الرامية إلى تشكيل حكومة تسعة أشهر، وكانت الأوضاع آنذاك أفضل مما هي عليه اليوم. أما هذه المرة، فالشارع العراقي المُلتهب هو الذي يُخضع قادته للمحاسبة والمساءلة بعيداً عن صناديق الاقتراع. وقد يؤدّي ذلك في نهاية المطاف إلى تحسين وضع الكهرباء وحالة الطرقات، إلا أنه لن يفضي إلى تشكيل حكومة في المستقبل المنظور.


 

مهنّد سلوم | محاضر مشارك في جامعة إكسيتر في المملكة المتحدة

مراكز الحكم في العراق ثلاثة هي: رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والوزراء الذين يتسلّمون وزارات "سيادية" أو "خدماتية"، وفقاً للتصنيف المحلّي. وفي هذا السياق، تعني الوزارات السيادية والوزارات الخدماتية على التوالي الوزارات القوية والوزارات الأقل قوة. ستؤثّر الاحتجاجات الراهنة في تسمية رئيس الوزراء المقبل ووزراء الحقائب الخدماتية. ولتلبية مطالب المحتجّين، سيتم على الأرجح تعيين وزراء من التكنوقراط في الوزارات الخدماتية، كي يساعدوا في توفير خدمات أساسية مثل الكهرباء والماء والرعاية الصحية والتخطيط والنقل. أما الوزارات السيادية، فمن المستبعد أن يُعهد بها إلى وزراء تكنوقراط، بل ستشدّد الأحزاب السياسية التي ستشكّل الحكومة العراقية المقبلة على تعيين شخصيات حزبية بارزة على رأس الوزارات السيادية، يتم اختيارهم على أساس المحسوبية السياسية، وليس على أساس الكفاءة. لذا، قد لا ترضي هذه الإصلاحات الجزئية بالكامل المحتجّين الذين يطالبون بإصلاحات حقيقية وملموسة.

كذلك، أصدرت المرجعية الشيعية الأعلى في 27 تموز/يوليو بياناً ردّد صدى الاحتجاجات التي عمّت المحافظات الجنوبية ذات الغالبية الشيعية وبغداد، إذ دعت فيه الأحزاب السياسية إلى تشكيل حكومة في أقرب وقت ممكن بقيادة رئيس وزراء "يكون حازماً وقوياً ويتّسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد". وقد تمّ توجيه انتقادات إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي لعدم اتخاذه خطوات كافية لمحاربة الفساد خلال السنوات الأربع الماضية. وفي الوقت نفسه، كشفت الحملة العنيفة التي تشنّها حكومته على المحتجّين عن انقطاع التواصل بين الشعب والطبقة السياسية. وبالتالي، تُعتبر فرصه للفوز بولاية جديدة، على ضوء مطالب المحتجّين، ضئيلة.


 

حارث حسن | باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

حتى الآن، أفضت الاحتجاجات في محافظات العراق الجنوبية إلى إبطاء عملية تشكيل الحكومة التي كانت تتعثّر أصلاً بسبب الطعون الكثيرة بسلامة العملية الانتخابية وقرار البرلمان إعادة إحصاء الأصوات بطريقة العدّ اليدوي. ومؤخراً، برز متغيّر جديد تمثّل بإعلان السيستاني دعماً أكثر صراحة لمطالب المحتجّين وتوجيهه تحذيراً غير مسبوق للطبقة السياسية من عواقب فشلها في الإسراع بتشكيل حكومة جديدة لا تقوم على المحاصصة الحزبية، واتخاذ إجراءات جديّة لمكافحة الفساد وتحسين الخدمات. وقد سلّط موقف السيستاني هذا مزيداً من الضغط على الجماعات الشيعية المهيمنة التي تدّعي على الدوام أنها تمتثل لتوجيهات المرجع الشيعي الأعلى. مع ذلك، فإن قدرة تلك الجماعات على تنفيذ مطالب السيستاني والمحتجّين تظل في موضع الشك، على الأقل لأن القوى السنيّة والكردية ستقاوم أي تغيير في ترتيبات تشكيل الحكومة يجرّدها من الحصص التي تطالب بها.

مع ذلك ونظراً إلى موقف السيستاني المستجد، وفي حال تواصل الاحتجاجات وارتفاع زخمها، قد تضطر الطبقة السياسية المهيمنة إلى القبول بتشكيل حكومة تتألف من التكنوقراط المستقلّين أو حكومة إنقاذ وطني. ثانياً، في حال تراجع زخم الاحتجاج، كما حدث في العام 2006، ليس من المتوقع أن يجري تغيير جوهري في طريقة تشكيل الحكومة وسياسة توزيع الغنائم بين القوى المهيمنة، وإن كانت تلك القوى ستستخدم تسميات جديدة وشعارات إصلاحية غير جديّة لتزكيتها، بما في ذلك الادّعاء بأنها حكومة تكنوقراط أو مستقلّين، بينما تحافظ الأحزاب الكبيرة على هيمنتها في الظل. إن الاحتجاجات الأخيرة كانت من القوة بحيث أرغمت الطبقة السياسية على التريّث في مسارها نحو تشكيل الحكومة، لكنها ليست قوية ومؤثّرة بما يكفي لتفرز خريطة إصلاح واضحة. وما لم تستشعر الطبقة السياسية المهيمنة بتهديد حقيقي من الحركة الاحتجاجية، فإنها لن تُقدِم سوى على تنازلات شكلية ومؤقتة.