نورمان فينكلشتاين خبير في العلوم السياسية وكاتب وناشط أميركي صدر له للتو كتاب بعنوان "غزة: تقصٍّ عن استشهادها" (Gaza: An Inquest Into Its Martyrdom) (مطبعة جامعة كاليفورنيا). في رصيده العديد من الكتب، منها "صناعة المحرقة: تأمّلات في استغلال المعاناة اليهودية" (The Holocaust Industry: Reflections on the Exploitation of Jewish Suffering)، و"أبعد من الوقاحة: حول سوء استعمال معاداة السامية واستغلال التاريخ" (Beyond Chutzpah: On the Misuse of Anti-Semitism and the Abuse of History). صدر كتاب فينكلشتاين الأخير بالتزامن تقريباً مع تفاقم الأوضاع في غزة، على ضوء تنظيم الفلسطينيين ماأسموه مسيرة العودة الكبرى، واندلاع القتال بين حماس والقوات الإسرائيلية.

أجرت "ديوان" مقابلة مع فينكلشتاين في آب/أغسطس للوقوف على رأيه حول الأوضاع الراهنة في غزة، ومناقشة وجهات النظر التي عبّر عنها في كتابه عن الموضوع.

مايكل يونغ: يأتي كتابكم الأخير بعنوان "غزة: تقصٍّ عن استشهادها"، في توقيت مناسب، على ضوء التشنجات الأخيرة هناك. ماذا كان الدافع الأبرز وراء وضع الكتاب؟

نورمان فينكلشتاين: في كتاب "قرنٌ من العار" (A Century of Dishonor)، الذي وُضِع في أواخر القرن التاسع عشر، وثّقت هيلين هانت جاكسون تدمير الأميركيين الأصليين عن طريق تطبيق سياسة حكومية مدروسة ومتعمّدة. وقد جرى إلى حد كبير تجاهُل الكتاب، ثم دخلَ طيّ النسيان، قبل أن يُعاد اكتشافه وأخيراً من قبل الأجيال اللاحقة التي أبدت استعداداً لسماع الحقيقة وتحمّلها. كتبت جاكسون في إشارة إلى مصير أمة الشيروكي التي طُرِدت من موطن قبلي إلى آخر، وفي النهاية، جرّدتها الحكومة الأميركية من مقتنياتها القبلية: "ليس هناك من سجل أشد قتامة من سجل غدرها [أي غدر الحكومة الأميركية] بهذه الأمة".

لقد استلهمتُ كتابي عن غزة من مرثاتها الحارِقة. كان لديّ أملٌ ضئيل خلال عملي على تأليفه بأن يلقى إقبالاً لدى مُعاصريّ. في الواقع، وعلى الرغم من صدوره تزامناً مع اندلاع تظاهرات حاشدة متواصلة وغير عنفية في غزة (مسيرة العودة الكبرى)، وعلى الرغم من أن الجهة الناشرة هي مطبعة جامعية عريقة، ومع أنه كان موضع استحسان من الخبراء الأكاديميين الذين اعتبروه حاسماً وريادياً، إلا أنه لم يحصل على مراجعة واحدة في وسائل الإعلام التقليدية.

ومع ذلك، يجب أن يثابر المرء على قول الحقيقة؛ هذا أقل ماندين به للضحايا. لعله ذات يوم في المستقبل البعيد، عندما تحلّ أزمنةٌ أكثر استجابة، سيقع أحدهم على هذا الكتاب وقد تراكمَ عليه الغبار على رف في إحدى المكتبات، فينفض عنه خيوط العنكبوت، وينتابه غضبٌ شديد بسبب المصير الذي حلّ بشعبٍ، إن لم يتخلَّ عنه الله، إلا أنه خانَه جشعُ الإنسان الفاني وفساده، ووصوليته ووقاحته، ووهنه وجبنه. وكانت جاكسون توقّعت أنه: "سيأتي وقتٌ يبدو فيه للطالب الذي يدرس التاريخ الأميركي" أن ما أُلحِق بأمة الشيروكي "يكاد يكون عصياً على التصديق". أليس بحكم المؤكّد أنه ذات يوم، سيبدو أيضاً أن السجل الأسود لاستشهاد غزة يكاد يكون عصياً على التصديق؟

يونغ: غالباً ماتشير إسرائيل إلى أن عملياتها في غزة تندرج في إطار مجهود يهدف إلى الحفاظ على إمكاناتها في مجال الردع. لكن على ضوء العدد الكبير من المواجهات العسكرية خلال العقد المنصرم، إلى أي حد نجح الردع؟

فينكلشتاين: أولاً، بما أن غزة لم تشكّل قط تهديداً عسكرياً لإسرائيل، فإن أياً من "العمليات" (عبارة ملطَّفة يُقصَد بها المجازر) الإسرائيلية في القطاع لم يكن الهدف منه الحفاظ على قوتها الرادعة هناك. كان الهدف الأساسي لعملية "الرصاص المصبوب" (2008–2009) استعادة قدرة إسرائيل الرادعة في المنطقة – أي خوف العالم العربي-الإسلامي منها – بعد الإخفاق الذريع الذي مُنيت به إسرائيل في حربها ضد حزب الله في لبنان في العام 2006. أما عملية "عمود الدفاع" (2012) فكان الهدف منها تحجيم حماس التي كانت تعمل على تثبيت دعائم نموذجها للحوكمة في غزة وتُحقق بعض النجاح في مسعاها. لم تُشَنّ عملية "الجرف الصامد" (2014) عن سابق تصوّر وتصميم، لكن بعدما أطلقت إسرائيل العدوان الدموي، استغلّت الفرصة لتسديد ضربة مدمّرة لحماس.

ثانياً، بالكاد دفعت إسرائيل ثمناً في هذه الهجمات. على سبيل المثال، دمّرت إسرائيل، خلال عملية "الجرف الصامد"، 18,000 منزل فلسطيني، في حين أن صواريخ حماس لم تُدمّر سوى منزل إسرائيلي واحد. وقد قتلت إسرائيل 550 طفلاً فلسطينياً، أما حماس فلم تقتل سوى طفل إسرائيلي واحد.

ثالثاً، على الرغم من أن المعنويات في غزة ظلت مرتفعة بعد عمليتَي "الرصاص المصبوب" و"عمود الدفاع"، إلا أن الجحيم الذي أنزلته إسرائيل بغزة خلال عملية "الجرف الصامد" حطّم بعض الشيء من معنويات أبنائها. لقد استنفد خيار "المقاومة المسلحة" نفسه. لهذا سلكت حماس الآن طريق المقاومة الجماعية غير العنفية. في حالة لبنان، هناك قدرة ردع متبادلة – أو ماكان يُسمّى خلال الحرب الباردة "تدميراً مؤكّداً متبادلاً". يستطيع كل طرف أن يلحق بالطرف الآخر أضراراً شديدة بما يكفي لثنيهما معاً عن الرغبة في المجازفة باندلاع نزاع مسلّح.

يونغ: تُخصّصون جزءاً كبيراً من الكتاب للتمعّن من وجهة نظر نقدية في فحوى التقارير التي وضعتها هيئات دولية أو منظمات غير حكومية حول جولات العنف المتتالية في غزة. ما القواسم المشتركة بين هذه التقارير، ولماذا اخترتم التركيز عليها في كتابكم؟

فينكلشتاين: لدى إسرائيل حساسية مفرطة حيال الرأي العام الدولي. ولذلك تستثمر قدراً كبيراً من الوقت والطاقة في الـhasbara – التي تُترجَم رسمياً بالدبلوماسية العامة، لكن الترجمة الشائعة لها هي بروباغندا. على الرغم من ضعف التقارير الصادرة عن الجهات المدافِعة عن حقوق الإنسان، إلا أنها تمكّنت من فرض درجة من الضبط خلال المجازر الإسرائيلية الدورية في غزة.

عندما أصدر ريتشارد غولدستون تقريره المدمّر الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حول عملية "الرصاص المصبوب" في العام 2009، بدا وكأن يوم الحساب قد حلّ أخيراً على إسرائيل. وبما أن غولدستون كان صهيونياً أبياً ويهوداً أبياً على السواء، لم تستطع إسرائيل أن تُلصق به وبتقريره صبغة العداء لإسرائيل أو العداء للسامية. وقد انتاب المسؤولون الإسرائيليون خوفٌ من السفر إلى الخارج لأن مذكرات توقيف كانت تنتظرهم في المطارات الأجنبية. ثم حشدت إسرائيل مواردها الهائلة في الداخل والشتات (والتي تضم كما يُفترَض أجهزتها الاستخبارية) من أجل كسر إرادة غولدستون، ونجحت القوة الماحقة في تحقيق ذلك. فعمدَ غولدستون إلى سحب التقرير في ظروف لايزال يكتنفها الغموض، فكانت هذه بمثابة رسالة واضحة موجَّهة إلى الناشطين في مجال حقوق الإنسان، ومفادها: إذا تخطّيتم إسرائيل، فسوف تلقون مصير غولدستون.

لم تتأخر نتائج حملة الترهيب الصفيقة في التبلور. فقد عمدت منظمات حقوق الإنسان الأساسية إما إلى تلميع صفحة الجرائم الإسرائيلية خلال عملية "الجرف الصامد" (منظمة العفو الدولية، مجلس حقوق الإنسان)، وإما إلى تجاهلها (هيومن رايتس ووتش). كان ذلك تخلّياً فاضحاً ومخزياً عن المسؤولية في المحنة الأشد التي كانت تمرّ بها غزة.

يونغ: تشيرون مراراً وتكراراً في كتابكم إلى أنه من حق الفلسطينيين أن يمارسوا الدفاع عن النفس بموجب القانون الدولي، وهذا ماتُركّزون عليه في الملحق. هلا تختصرون لنا هذه النقطة، ولاسيما في مايتعلق بالخطوات التي يمكن القيام بها من أجل تغيير سلوك ماتُسمّونه "محتلّاً حروناً".

فينكلشتاين: من وجهة النظر القانونية، السمة الأساسية للاحتلال هي أنه يُفترَض به أن يكون مؤقتاً. فعندما لايعود مؤقتاً، يصبح ضماً بحكم الأمر الواقع. بموجب القانون الدولي، يُعتبَر الضم القسري ممارسة غير قانونية. ويرد هذا المبدأ الأخير، في مايختص بالاحتلال الإسرائيلي، في مقدّمة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي يذكّر بـ"عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحروب". في حالة احتلال ناميبيا من قبل جنوب أفريقيا التي كانت خاضعة إلى نظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، حكمت محكمة العدل الدولية بأنه لايجوز أن تستمر المفاوضات لإنهاء احتلالٍ ما إلى ما لانهاية. لاينبغي على قوة الاحتلال أن تدخل المفاوضات لأجل المفاوضات وحسب، بل يجب أن تتم هذه المفاوضات أيضاً بـ"حسن نية". وإلا تستطيع قوة الاحتلال أن تُبقي ببساطة على الاحتلال تحت ستار المفاوضات.

يجب أن يكون واضحاً، بعد نصف قرن من الاحتلال المصحوب بالمفاوضات، أن إسرائيل خرقت مبدأ حسن النية. فهي ترفض، منذ البداية، الإطار القانوني التوافقي لإنهاء النزاع – أي قيام دولتَين عند حدود حزيران/يونيو 1967 مع مقايضات طفيفة ومتبادلة في الأراضي؛ و"تسوية عادلة" لمسألة اللاجئين بالاستناد إلى العودة والتعويضات – وذلك تمهيداً للتوصل إلى تسوية نهائية عملاً بالقانون الدولي. إذن، يجب التوقف عن توصيف الوضع بأنه "احتلال" إسرائيلي للضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية) وغزة، بل يجب توصيفه بـ"الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني" أو – بدقّة أكبر – بـ"الضم غير القانوني" لتلك الأراضي. بالمناسبة، وبما أنه جرى فعلياً ضم الضفة الغربية وغزة، إسرائيل هي أيضاً، بما لايقبل الجدل، دولة فصل عنصري.

يونغ: كيف تنظرون إلى الجولة الأخيرة من العنف في غزة، في الإطار الأوسع للعمليات العسكرية الإسرائيلية في الأعوام الأخيرة في الأراضي؟ ماهي دوافع حماس، على وجه التحديد، وهل تتحرّك في هذه الحالة، وفق مالمّح إليه البعض، بالنيابة عن إيران التي تصالحت معها؟

فينكلشتاين: منذ انطلاق الاحتجاجات الحاشدة، وغير العنفية في الجزء الأكبر منها، في غزة في 30 آذار/مارس 2018، زعمت إسرائيل أنها تستخدم القوة المتكافئة والتمييزية للدفاع عن حدودها. أما منظمات حقوق الإنسان فادّعت، من جهتها، أن إسرائيل لجأت إلى القوة العشوائية وغير المتكافئة. غير أن الجانبَين يتفقان على فرضية أنه يحق لإسرائيل الدفاع عن حدودها. بيد أن السياج الذي يفصل غزة عن إسرائيل ليس "حدوداً" تماماً كما أن غزة ليست دولة. لقد وصف الأستاذ المرموق في الجامعة العبرية، باروش كيمرلينغ، غزة بأنها "معسكر اعتقال"، في حين قال عنها وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون إنها "سجن في الهواء الطلق". ووصفتها هيئة التحرير في صحيفة "هآرتس" بـ"الغيتو"، ومجلة "الإيكونوميست" بـ"كومة قمامة بشرية"، واللجنة الدولية للصليب الأحمر بـ"سفينة غارقة". غزة هي ماأسماه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان "حياً بائساً وساماً" حيث يعيش شعب بكامله "وكأنه في قفص... من المهد حتى اللحد". هل تملك إسرائيل الحق في اللجوء إلى القوة لحبس مليون طفل غزاوي في "غيتو" أو "حي بائس وسام"؟ ألايمتلك أبناء غزة الحق في التحرر من "معسكر الاعتقال"؟ هل يناقش أحد اليوم ما إذا كانت ألمانيا النازية قد استخدمت أم لا القوة "المفرطة" و"غير المتكافئة" لسحق غيتو وارسو؟ مَن يتساءل الآن ما إذا كان لألمانيا النازية "الحق في الدفاع عن النفس" ضد منظمة القتال اليهودية التي قاومت وهي تشهر السلاح؟ هل يمكن حتى مجرد التفكير في هذه الأسئلة؟

ربّ قائل بأن غزة ليست غيتو وارسو. لكن وفق ماقال صحافي إسرائيلي كان يعمل في غزة خلال الانتفاضة الأولى: " ليست المشكلة في التشابه... بل في عدم وجود نقصٍ كافٍ في أوجه الشبه". لقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن "أكثر من مليون شخص في قطاع غزة معرّضون إلى خطر الإصابة بأوبئة تنقلها المياه"، في حين يتوقّع خبير إسرائيلي أن يتفشّى وباء التيفوئيد ووباء الكوليرا قريباً في غزة، مثلما حدث في غيتو وارسو وتسبب بإبادة اليهود هناك.

الهدف الأساسي للقانون الإنساني الدولي هو حماية المدنيين من ويلات الحرب. والهدف الأساسي لقانون حقوق الإنسان الدولي هو حماية كرامة الأشخاص. فكيف يُعقَل أن يُستخدَم هذا القانون أو ذاك لتبرير اللجوء إلى القوة – أيّ قوة – التي تسعى إلى حشر المدنيين في جحيم حيث يتعرضون إلى الإذلال والتعذيب والقتل؟

لفتت ساره روي من مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد إلى أن "أشخاصاً أبرياء، معظمهم من الشباب، يُصابون شيئاً فشيئاً بالتسمم بسبب المياه التي يشربون، وربما التربة التي يزرعون". السؤال الوحيد السليم أخلاقياً الذي يُطرَح على ضوء الوضع في غزة هو الآتي، هل يحق لإسرائيل تسميم مليون طفل باسم "الدفاع عن النفس"؟ إنه لأمرٌ مؤسف أن هذا السؤال البسيط لم يُهمَّش وحسب، لابل ليس له أي أثر حتى في النقاش الراهن. الأسئلة من نوع، هل تُضمر حماس أم لا دوافع خفيّة (هل هناك من حزب سياسي لايمتلك أجندته الخاصة؟)، وهل تُقدّم لها إيران أم لا المشورة (هل من قانون يحظر ذلك؟)، وما إلى هنالك، هي أسئلة مضلّلة يراد بها صرف الانتباه عن المسألة الحقيقية. هدف حماس الرسمي والمعلَن هو إنهاء الحصار الإسرائيلي الدموي. وحده المسخ الأخلاقي يستطيع التشكيك في شرعيته. وكل ماتبقّى تعليقات لاتمت إلى الموضوع بصلة.