نيكولاس أي. هيراس | باحث في شؤون أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد

لاتؤثّر التحديات المحلية التي يواجهها الرئيس دونالد ترامب - على غرار تحقيق مولر ومعدلات تأييده المتراجعة في استطلاعات الرأي – كثيراً على سياسات الشرق الأوسط، إذ إن هذه الأخيرة لابدّ من أن تحظى بشعبية لدى قاعدة دعم ترامب المحلية، وهذا كلّ مايهمه. فهو أقدم على الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ومارس الضغط على الفلسطينيين للانصياع لمطالب الإسرائيليين، ويقوم بالاحتفاظ ببصمة عسكرية أميركية يمكن التحكّم بها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمحاربة تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة.

إضافة إلى ذلك، مقاربة "أميركا أولاً" التي انتهجتها ترامب في مايتعلق بالعلاقات الدولية، والتي تحظى أيضاً بشعبية في قواعده المحلية، يتمّ تطبيقها على أرض الواقع في الشرق الأوسط. "أميركا أولاً" تعني العمل من خلال الشركاء المحليين وتمكينهم لتحمّل عبء المحافظة على سلامة منطقتهم وأمنها. وهذا مايحدث الآن بالفعل، وخير دليل على ذلك يتمثّل في مدى فعاليّة الشراكة التي تجمع الأميركيين والإماراتيين في اليمن، ودعم الولايات المتحدة للسيادة البحرية الناشئة التي تبنيها الإمارات العربية المتحدة من خلال سيطرتها على مدن ساحلية في اليمن والقرن الأفريقي. ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، يجب أن يكون ترامب سعيداً لأن سياساته الشرق أوسطية ليست قضية سياسية خلافية يمكن أن يستخدمها خصومه ضدّ الجمهوريين.


 

آرون ديفيد ميلر | نائب رئيس المبادرات الجديدة، ومدير برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون الدولي للأبحاث في واشنطن العاصمة. وشغل أيضاً منصب مستشار سابق في وزارة الخارجية للمفاوضات العربية- الإسرائيلية (1988- 2003)

بعد أن وجد نفسه غارقاً أكثر فأكثر في مشاكل فضيحة ووترغيت، شعر ريتشارد نيكسون بأنه مُجبر على إثبات أن أميركا لازالت قادرة على استعراض سطوتها في الخارج. وبين العامين 1973 و1974، وبفضل الجهود التي بذلها أساساً وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر، لم تتمكّن الولايات المتحدة من إدارة الأزمة الخطيرة التي اندلعت عقب حرب العام 1973 بين العرب وإسرائيل وحسب، بما في ذلك التوترات الشديدة مع موسكو، بل وضعت أيضاً حجر الأساس لما أصبح في مابعد عملية السلام المصرية- الإسرائيلية.

لكن المفارقة هنا أن دونالد ترامب ليس نيكسون، ومايك بومبيو ليس كيسنجر، كما أن عدد الحروب القائمة التي يمكن التوسّط فيها والأزمات التي يمكن حلّها بسرعة ضئيل جداً. ولايمكن للمشاكل المحلية التي يواجهها ترامب سوى أن تصرف انتباهه عن تطوير سياسة خارجية متماسكة، أو التعامل مع أزمة طارئة. بيد أن هذا الخلل في السياسة الخارجية – أي استبدال وزيرين للخارجية، وثلاثة مستشارين للأمن القومي خلال عام ونصف العام - كان واضحاً وضوح الشمس منذ بداية إدارته، ومن المستبعد أن يتغيّر هذا الوضع الآن.

رسمت ثلاثة مؤثّرات معالم السياسات الخارجية لترامب منذ العام 2016 وهي: الوفاء بالتزامات حملته الانتخابية، وتلبية الاحتياجات النفسية لقاعدته؛ وعكس سياسات الرئيس السابق باراك أوباما؛ وفرض نزواته الشخصية ومايكره ويفضّل على عملية السياسة الخارجية. وعلى الرغم من التأثير العرضي لمستشاريه والتدخلات التي يفرضها الواقع (مثل إبقاء القوات الأميركية في سورية، والمحافظة على اتفاقية النافتا)، من المرجّح أن يواصل القيام بذلك.

هنا لابدّ من التساؤل: هل ستتمخّض مشاكل ترامب السياسية عن مفاجأة كبيرة من نوع ما في تشرين الأول/أكتوبر خلال الفترة التي تسبق الانتخابات النصفية – مثل اندلاع حرب محدودة مع إيران، أو تنفيذ المزيد من الهجمات المدمّرة على سورية إذا ما استُخدمت الأسلحة الكيميائية ضدّ المتمردين في إدلب، أو عقد قمة مع الرئيس الإيراني حسن روحاني أو رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون – سيكون من شأن أي منها احتلال العناوين الرئيسة، وصرف الانتباه عن الحقائق البيّنة، ومقالات الرأي الغُفل، والتحقيقات المتعلقة بالإعاقة والتواطؤ؟ الإجابة ببساطة أنه لايمكن استبعاد أي احتمال. لكن الجزء الأكبر مما سبق مُستبعد حصوله، ويُعزى ذلك إلى حدّ كبير إلى أن ترامب، ومثله مثل أوباما، يميل إلى العزوف بشكل كبير عن المخاطرة عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية. إذن سيبقى كل شيء على الأرجح على حاله: خلل وفوضى في السياسة الخارجية إلى جانب تنامي المخاوف المحلية.


 

جوزيف باحوط | باحث غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

يبدو أن ثلاثة من المحرّكات الكامنة لسياسات الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط تضرب جذورها في السياسات الأميركية الداخلية والمحن التي تمر بها الولايات المتحدة.

أولاً، يتصرّف ترامب انطلاقاً من "ضرورة معاداة أوباما"، مايدفعه بشكلٍ منهجي إلى أن يتّبع مساراً معاكساً للمسار الذي سلكه خلفه. وتجلّى هذا الأمر على المستوى الإقليمي من خلال حوافزه للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. وما ساعده في اتّخاذ هذا القرار، هو أن الانسحاب من الاتفاق كان المسألة التي وحّدت مختلف أقطاب الحزب الجمهوري، في خضمّ الانقسامات الكبيرة التي تشهدها الولايات المتحدة.

ثانياً، ثمة مقاربة "أميركا أولاً" التي ينتهجها ترامب، وماتنطوي عليه من نزعة شعبوية. وفي حين أن مبدأ مناهضة إيران شجّع دول الخليج، ومنحها الشعور بأنها تملك حرية تصرّف مُطلقة في الحرب على اليمن، إلا أن فكرة جعل القوى الإقليمية تدفع أكلاف إجراءات الدفاع عن نفسها، انعكست حتى الآن على شكل صفقة أسلحة مُربحة أبرمتها واشنطن مع المملكة العربية السعودية كانت أشبه بـ"صفقة قرن خاصة بالأسلحة"، بغضّ النظر عمّا ستؤول إليه "صفقة القرن" بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ثالثاً، ثمة قضية روسيا التي أدّت إلى فتح تحقيق في الولايات المتحدة بشأن التواطؤ المُحتمل بين موسكو وحملة ترامب الرئاسية. وفيما عمد ترامب فعلياً إلى وضع الملف السوري في عهدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو أيضاً إلى تسليم شؤون مصر إلى روسيا، إلا أن المحرّك نفسه دفعه، وهنا المفارقة، إلى التصدّي لتهم التواطؤ، من خلال إبداء صلابة في الموقف – وتجسّد ذلك على سبيل المثال من خلال قصف قوات تابعة لنظام الأسد أو قتل مجموعة من المرتزقة الروس في أيار/مايو الماضي.

الأخطر في ظل رئاسة ترامب التي ينظر إليها المراقبون على أنها متقلّبة أو قصيرة الأجل، هو أن يسعى الأفرقاء الإقليميون إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على وجه السرعة، من خلال اتّخاذ خطوات جريئة وفرض الأمر الواقع، قبل أن تتغيّر الإدارة الأميركية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الواقع يفاقم الوضع المتقلّب الذي صنعه الرئيس الأميركي بنفسه.


 

ديفيد ماك | باحث في معهد الشرق الأوسط، ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، وسفير الولايات المتحدة لدى الإمارات العربية المتحدة سابقاً

تستند مقاربة الرئيس دونالد ترامب تجاه مختلف المسائل بشكل شبه كامل إلى صيته في أوساط الرأي العام الأميركي. وغالباً مايضعه ذلك على طرفي نقيض مع رؤى كبار مستشاري الأمن القومي الأميركي، ناهيك عن النصائح المدروسة الدقيقة من عناصر الاستخبارات الأميركية، أو تلك الناتجة عن إجماع في صفوف الخبراء الأميركيين. والآن، في ظل الضغوط القانونية ومع اقتراب موعد انتخابات الكونغرس، قد تروق لاعتداد ترامب بنفسه كقائد حازم فكرة شنّ ضربة عسكرية سريعة (ضد القوات الإيرانية في سورية؟) لحشد دعم الناخبين.

يعتقد الرئيس أن لديه حدساً لايُخطئ في شؤون السياسة الخارجية وشجونها. كما أنه مقتنع بموهبته في خوض مفاوضات مباشرة مع القادة الدوليين، وبأنه قادر على تحقيق النتائج التي ستكسبه تأييداً شعبياً في صفوف الأميركيين. يُضاف إلى ذلك أن رؤيته الاستراتيجية أقرب إلى منطق العديد من القادة التوتاليتاريين أو حتى إلى الأنظمة المَلَكية المُطلقة، يومَ كانت العلاقات الدولية تتم بين قادة الدول أو بين الأسر الحاكمة فيها. التأييد الشعبي في هذه الحالة أمرٌ مُسلَّم به، كما أن القادة الدوليين الذين يفضّلهم ترامب هم في الغالب "رجال أقوياء" يحكمون سيطرتهم على مواطنيهم، إما بالقوة أم بالدهاء السياسي.