من الصعب للغاية اعتبار القرارات التي اتخذتها إدارة ترامب خلال الأشهر القليلة الماضية حيال المسألة الفلسطينية، محاولة معقولة وموثوقة لحلّ النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الأرجح، بدلاً من ذلك، أن توصف هذه القرارات بشكل أنسب بأنها مجرد خطوة ساذجة - أو خبيثة- لإنكار حقّ الفلسطينيين في إقامة دولة قابلة للحياة.

في هذه الأثناء، قد تشهد جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام قيام الولايات المتحدة بإماطة اللثام عن "صفقة العصر"، (على حدّ توصيف الرئيس ترامب لتسوية السلام الفلسطيني- الإسرائيلي) التي طال انتظارها. لكن، سواء حدث ذلك أم لا، يبدو أن إدارة ترامب بدأت بالفعل بتنفيذ بنود هذه الصفقة، من خلال سلسلة الخطوات التي وُجِّهَت كل سهامها ضد المصالح الفلسطينية. والحال أن القرارات الأخيرة، الخاصة بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وسحب الدعم المالي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) المنوط بها توفير الدعم للاجئين الفلسطينيين، لم تفعل شيئاً سوى جعل الأمور أكثر سوءاً في المنطقة. لماذا؟

لأن كل هذه القرارات تبدو جزءاً من استراتيجية لإزاحة المطالب الفلسطينية الأساسية عن طاولة المفاوضات، وفي مقدمها مطلبي القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية وإعادة اللاجئين إلى ديارهم. علاوةً على ذلك، كشف رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس النقاب مؤخراً عن أن الولايات المتحدة اقترحت عليه أن يجري ضمّ المناطق في الضفة الغربية التي قد لاترغب إسرائيل في الاحتفاظ بها، في كونفيدرالية مع الأردن. وهي الفكرة التي رفضتها كلٌ من القيادتين الفلسطينية والأردنية.

وبالتالي، يظهر أن الاستراتيجية الأميركية تستند إلى تقرير مصير القدس واللاجئين مسبقاً وسلفاً لصالح إسرائيل، وإلى إجبار الفلسطينيين بعد ذلك على قبول صفقة متدنّية انطلاقاً من كونهم ضعفاء ولا أمل بأن يحصلوا على ما عُرِضَ عليهم في مفاوضات سابقة. مثل هذه الاستراتيجية تفترض أيضاً أنه يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل، عبر إقامة علاقات وثيقة مع بلدان عربية أخرى كالسعودية ومصر والأردن، أن تقفز فوق السلطة الوطنية الفلسطينية لصالح هذه الأطراف العربية التي يُتوقّع منها بعد ذلك أن تَسُوق الفلسطينيين في أي تسوية أميركية.

ثمة قناعة ساذجة لدى هذه الاستراتيجية بأن الدول العربية قد تدعم أي تسوية لاتشمل القدس الشرقية، أو أن بمقدورها دفع الفلسطينيين إلى قبول أي ترتيب ليسوا راضين عنه. لكن تبقى الحقيقة بأن المعايير المُتصوّرة للصفقة التي تتفاوض الولايات المتحدة بشأنها راهناً متدنّية، لا بل مهينة، بحيث لن يستطيع أي قائد فلسطيني أو عربي أن يقبلها. وعلى أي حال، سلّطت الجولات التي قام بها المبعوثان الرئاسيان جايسون غرينبلات وجارد كوشنر للبلدان العربية في الأشهر القليلة المنصرمة الأضواء بجلاء وبشكل فاقع على هذه الحقيقة بالذات.

لكن، يبدو أن إدارة ترامب تحاول خلق وقائع جديدة على الأرض، إذ لم يُطلب من إسرائيل حتى الآن التخلي عن أي من مطالبها. ثم أن الولايات المتحدة تتجاهل الحقيقة بأن غالبية الجيل الجديد الفلسطيني قد نقلوا تركيزهم من شكل التسوية إلى مقاربة تستند إلى الحقوق. بكلمات أوضح: الأولوية لم تعد لإقامة دولة فلسطينية بل لنيل الحقوق المدنية والسياسية للفلسطينيين، حتى وهم يتطلعون في الوقت نفسه إلى رفع أكلاف الاحتلال عن كاهلهم.

ولذا، الحصيلة الأكثر ترجيحاً هي أن تولد الصفقة ميتة، وأن يستمر الأمر الواقع الراهن على حاله. لكن من غير المحتمل أن يبقى الوضع ساكناً، فيما البناء المتواصل للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية (ومعه وجود أكثر من 650 ألف مستوطن في الأراضي المحتلة اليوم)، يخنق أي فرصة حقيقية لحل النزاع وفق صيغة الدولتين.

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ إنها تعني أنه يتعيّن على الأسرة الدولية أن تنبري للتصدّي لمسألة موت حل الدولتين، بعد أن سقطت المحرمات حول الحديث عن بدائل (بما في ذلك مختلف تلاوين حل الدولة الواحدة). وهذا سيفرض مشاكل جديدة على الفلسطينيين والإسرائيليين. إذ هناك تعادل في الأرقام بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين في المناطق الخاضعة إلى السيطرة الإسرائيلية، فيما الفلسطينيون يصبحون بالتدريج الأغلبية تحت الاحتلال الإسرائيلي.

الآن، إذا ما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تأملان بالتخلّص من القضية الفلسطينية لصالح تل أبيب، فلديهما في الواقع أسلوباً غريباً للوصول إلى مثل هذه المحصلة. إذ لم تستطع أي أقلية في التاريخ أن تحكم إلى ما لا نهاية أغلبية ضمن حدودها. لكن يبدو أن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة تدركان هذه الحقيقة البسيطة، ولكن الصلدة والعنيدة.