"لماذا الصمت، أصبحت المياه نادرة، وكل الثروات التي سرقتموها هي ملك البصرة".

بهذه الكلمات تُستهَل أغنية جديدة يؤدّيها مطرب من البصرة، تُعبّر عن شعور بات شائعاً في المحافظة الغنية بالنفط التي تؤمّن نسبة عالية جداً تصل إلى 80 في المئة من الإيرادات العراقية، وتضم 60 في المئة من احتياطيات النفط المُثبَتة في البلاد. فضلاً عن ذلك، تحتضن البصرة الميناء الوحيد في العراق. وبات أبناؤها يلمسون بصورة مطّردة التناقض بين ماتتمتع به المحافظة من ثروات طائلة، وبين واقعهم اليومي الرازح تحت وطأة الفقر والإهمال والبنى التحتية المتداعية، والنقص في التيار الكهربائي ومياه الشفة. البصرة، التي كانت تُلقَّب سابقاً بـ"جوهرة الخليج"، هي اليوم أبعد مايكون عن ذلك، وعن ماضيها عندما كانت مركزاً تجارياً وسياسياً نابضاً بالحياة في المنطقة.

مدينة البصرة، التي كانت في مامضى عاصمة منطقة تتمتع بحكم ذاتي في ظل الإمبراطورية العثمانية، أصبحت لاحقاً رهينة السياسة في بغداد، بعد اكتشاف النفط في أراضيها. وقد باتت مُعتمدة على المخصصات المالية من الحكومة المركزية، على الرغم من أن الجزء الأكبر من موازنة الحكومة كان يعتمد على العائدات من الحقول النفطية في البصرة. فضلاً عن ذلك، يعتبر عدد كبير من سكّانها أن الطبقة السياسية الشيعية يطغى عليها إسلاميون من بغداد والنجف وكربلاء، في حين أن البصرة لاتحظى بتمثيل مناسب يتولاه سياسيون مرموقون. وهكذا، تستمر الهوة في الاتساع بين ماضي البصرة المتخيَّل وبين حاضرها القاتم؛ وأيضاً بين دورها الذي لاغنى عنه في تأمين استمرارية العراق الاقتصادية وبين دورها الهامشي في السياسة العراقية وعملية صنع القرارات في البلاد.

هذا الصيف، ترافق ارتفاع درجات الحرارة في البصرة، والتي بلغت 52 درجة مئوية، مع فترات انقطاع طويلة في التيار الكهربائي، وشحٍّ في مياه الشفة، ماأثار موجة غضب واحتجاجات. لقد ازدادت خيبة الناس من النظام في أعقاب الانتخابات الأخيرة، التي أكّدت أن التغيير الحقيقي لايتحقق بالضرورة عن طريق صناديق الاقتراع. فمع تصاعد وتيرة الاحتجاجات، دفعت مشاعر الغبن لدى المتظاهرين الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا، بعدد كبير منهم إلى استنباط سردية جديدة عن المدينة وعلاقتها مع باقي العراق. فقد اشتكى الشباب العاطلون عن العمل من غياب الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية، مادفع ببعض المثقّفين والسياسيين والتجّار في المحافظة إلى المطالبة بحصولها على استقلال ذاتي أكبر عن بغداد.

يقول سرمد الطائي، وهو صحافي بارز من البصرة: "اليوم، تحتضن البصرة مشاعر جديدة معارِضة للسلطة في بغداد"، مضيفاً: "مع كل برميل نفط جديد يتم تصديره من المحافظة، يكتسب الشعور بأن على البصرة أن تصبح سيّدة بيتها الداخلي جاذبية إضافية".

لاتزال هذه المشاعر في أطوارها الأولى، وسوف تستغرق وقتاً طويلاً كي تُترجم نفسها كمطالب سياسية أكثر تبلوراً. لكنها كانت قوية بما يكفي لإرغام الأعضاء في إدارة محافظة البصرة على توقيع عريضة للمطالبة بتحوّل المحافظة إلى منطقة تتمتع بحكم ذاتي. علاوةً على ذلك، شكّل نوّاب البصرة، الذين ينتمون إلى أحزاب تُدار من بغداد أو النجف، لجنة برلمانية بغية توحيد مواقفهم من الأزمة الراهنة وتحديد علاقة البصرة بالحكومة المركزية.

خلال جلسةٍ استثنائية عقدها البرلمان لمناقشة أزمة البصرة، ظهر الانتماء إلى المحافظة متفوّقاً على الانتماء السياسي، خلال سجال مشحون بين رئيس الوزراء حيدر العبادي وبين محافظ البصرة أسعد العيداني العضو في التحالف الذي يقوده العبادي. فرداً على انتقاد العبادي للمسؤولين المحليين في البصرة، عرض العيداني قضية المحافظة ضد بغداد. واشتكى من أن الحكومة لم تطبّق قراراً بمنح المحافظات المنتِجة للنفط حصة من الإيرادات النفطية، كما أنها لم تدفع للبصرة حصتها من الرسوم الحدودية. وحتى القرض الخارجي للمساعدة على تصليح شبكة الإمدادات المائية في البصرة، لم يلقَ طريقه إلى التنفيذ بسبب المعوقات البيروقراطية في بغداد، وفق قوله.

في المقابل، لدى بغداد شكاوى من المسؤولين في البصرة. إذ أُرغِم اثنان من محافظي البصرة السابقين على الاستقالة بعد توجيه اتهامات إليهما بالفساد أو عدم الكفاءة، واغتيل أحد المحافظيْن بعد سنوات قليلة من مغادرته منصبه. لكن يُنظَر عادةً إلى هذه المستجدّات، بأنها انعكاس للخصومات بين الأحزاب المتمركزة في بغداد، ولا للديناميكيات المحلية.

يقف مزيج مُهلك من المشاكل البنيوية والتوقعات غير المتحققة، خلف الأسباب التي دفعت بعدد كبير من أبناء البصرة إلى النزول إلى الشارع مؤخراً؛ في حين تجرّأ البعض على مهاجمة مباني حكومية ومكاتب تابعة لأحزاب سياسية وميليشيات. لقد أدّى الهبوط الشديد في أسعار النفط في العام 2013 والإنفاق على الحملة ضد الدولة الإسلامية، إلى خفض موارد الدولة، مازاد من صعوبة الاستثمار في البنى التحتية والخدمات. وفي الوقت نفسه، بات من الأصعب الحصول على وظيفة في القطاع العام المتضخّم الذي يوظّف أكثر من خمسة ملايين شخص، مايجعل الحكومة العراقية من الأكبر في العالم. وهكذا لم يبقَ أمام معظم الشباب غير القادرين على الوصول إلى شبكات الزبائنية الخاضعة إلى سيطرة الأحزاب السياسية، سوى خيارات قليلة. فإما أن ينضموا إلى إحدى الميليشيات، أو يعملوا في السوق السوداء، وأن ينخرطوا في أنشطة أخرى غير قانونية، أو يبقوا عاطلين عن العمل. ونظراً إلى أن البلاد تشهد نمواً ديموغرافياً سريعاً، حيث ينتمي نحو 60 في المئة من السكان إلى الفئة العمرية دون سن الـ24، فإن ذلك يخلق طلباً شديداً ومتواصلاً على الوظائف.

مَن يسعون إلى تأطير الاحتجاجات من منظار تاريخي أوسع نطاقاً، يحاولون إعادة اكتشاف الماضي الفريد للمحافظة، مميِّزين إياه ليس عن باقي العراق وحسب، إنما أيضاً عن باقي العراق الشيعي. في الماضي، كانت البصرة أقل تجانساً من المدن الشيعية الأخرى. فقد كانت تضم أقليات مسيحية ويهودية كبيرة، ولاتزال تقطنها أقلية سنّية كبيرة كانت ذات تأثير في السابق، فضلاً عن أتباع مذهب الشيخية الشيعي النافذ الذي تُميّزه معتقداته الشيعية عن المذهب الشيعي المسيطر في النجف. لقد انطبعت روابط البصرة التاريخية بموقعها كمدينة بحرية وعلاقاتها مع مشايخ الخليج ومع البلدان الواقعة خلف البحار، وليس مع بغداد أو طهران أو اسطنبول. وفي نظر البعض، ثمة أسبابٌ وجيهة لتخيُّل البصرة أكثر استقلالاً عن بغداد وأقل خضوعاً إلى السيطرة من النجف والإسلاميين الشيعة.

بيد أن مَن يسعون إلى إعادة اختراع هوية البصرة – وهذا الهاجس يراود في شكل أساسي المثقّفين والطبقة الوسطى المتعلّمة – يواجهون وقائع صعبة، وقد لايرصّون صفوفهم أبداً معاً في إطار حركة سياسية. لقد شهدت المحافظة تغييراً عميقاً خلال العقود المنصرمة. فقد تسبّبت ديكتاتورية صدام حسين، والحرب العراقية-الإيرانية، والحروب والعقوبات اللاحقة بقيادة الولايات المتحدة، بالتسريع في تدهور أوضاع البصرة وهجرة أفراد طبقاتها الوسطى وعائلاتها العريقة. وأدّت الاضطرابات السياسية في أعقاب الاجتياح الأميركي في العام 2003، إلى رحيل الأقليات وانتشار الميليشيات والمجموعات العنيفة التي يحتفظ بعضها بآراء إسلامية متزمّتة. وخلال العقد المنصرم، أفضى الانقسام المذهبي المتعمّق إلى تعزيز روابط البصرة مع باقي الشيعة في العراق، ماأدّى إلى زوال التركيز على الهويات الجهوية- الجغرافية. فضلاً عن ذلك، استقطبت مدينة البصرة نازحين من مناطق جنوبية أخرى، ولاسيما مع تراجع القطاع الزراعي وانتقال المزارعين للبحث عن وظائف في مدن أكثر نشاطاً على الصعيد الاقتصادي.

لعلّ الأهم هنا هو أنه من المستبعد أن تتبنّى مجموعات سياسية نافذة فكرة منح البصرة مزيداً من الحكم الذاتي، ولاسيما إذا كان ذلك يعني تعزيز صلاحيات المحافظة بما يخوّلها إدارة مواردها النفطية بنفسها. وبالفعل، في حين أفضت الاحتجاجات الأخيرة في البصرة إلى احتدام الخلاف السياسي بين العبادي والمجموعات المدعومة من إيران، ودفعت بمقتدى الصدر إلى التخلّي عن دعمه لفوز العبادي بولاية ثانية في رئاسة الوزراء، إلا أنه لم يخرج أي فريق للدفاع عن منح البصرة مزيداً من الحكم الذاتي.

لهذه الأسباب مُجتمعةً، لم تولّد مشاعر الغبن في البصرة، حتى الآن، إحساساً بالهوية الجهوية أقوى من الهويات الوطنية أو الطائفية. لكنها تنطوي على تحدٍّ للطبقة السياسية الإسلامية الشيعية التي بنت نفوذها عبر اعتماد أجندة سياسية تؤكّد الهوية الطائفية على حساب الهويات الجهوية. لقد شكّلت احتجاجات البصرة ابتعاداً إضافياً عن هذه السياسة الطائفية، وانعطافة نحو لغة سياسية جديدة وتعبئة سياسية، حيث تصبح المطالب الاقتصادية والاجتماعية والهويات الجهوية أكثر بروزاً.

من شأن تجاهل الحركة الاحتجاجية في البصرة وقمعها أن يساهم في تسريع هذا التحول. فالمحافظة التي ترزح تحت الوطأة الشديدة لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، والحوكمة السيئة، والفساد، والتدهور المديني، تمتلك مع ذلك، ثروات طائلة، فضلاً عن ذاكرتها التاريخية الغنية عن ماضٍ أفضل. وكلّ ذلك يمكن أن يغذّي تحوّلها إلى موئل للاضطرابات المتواصلة في المستقبل.