ديمتري ترينين | مدير مركز كارنيغي- موسكو

بالنسبة إلى موسكو، يُعتبر الاتفاق مع تركيا المتعلق بإدلب اختباراً مهماً آخر لعلاقتها مع أنقرة. فقد ألغى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العملية العسكرية في المحافظة، التي لاتشكّل شوكة في خاصرة النظام السوري وحسب، بل أيضاً مصدر خطر بالنسبة إلى القوات الروسية المتواجدة في محافظة اللاذقية المجاورة. ويبدو جلياً أن بوتين لم يرغب لا في حصول كارثة إنسانية في إدلب تُلقى لائمتها على روسيا، ولا في انقطاع العلاقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يُعتبر حليفاً قيّماً له في المنطقة.

مع ذلك، لايُعتبر قرار بوتين هذا تنازلاً لحليفه التركي، بقدر مايُعدّ فرصةً تسمح لأردوغان بتسوية الأوضاع في إدلب، أي ضبط قوات المعارضة السورية المدعومة من أنقرة والتخلّص من هيئة تحرير الشام (وأكبر مجموعة فيها هي تلك التابعة لتنظيم القاعدة في سورية المسماة جبهة فتح الشام والمعروفة سابقاً بجبهة النصرة) وغيرها من المجموعات المتطرّفة. ستمنع روسيا دمشق من المهاجمة، وتضبط إيران، في حين يتعيّن على تركيا القيام بالجزء الأكبر من العمل، وذلك في غضون بضعة أسابيع. وإذا ما فشل أردوغان في القيام بذلك، سيتوجّب عليه الإنصات إلى بوتين في المرة المقبلة.


 

سنان أولغين | باحث زائر في مركز كارنيغي أوروبا في بروكسل

يُعتبر هذا الاتفاق عموماً مؤشراً إيجابياً على وجود توافق بين تركيا وروسيا حول سورية. لقد اكتسب الروس نفوذاً كبيراً على دمشق، بينما يملك الأتراك تأثيراً في توجيه جزء على الأقل من المعارضة. لذا فعمل الدولتين سوياً سيزيد بالتأكيد من احتمالات التوصّل إلى تسوية سياسية دائمة في سورية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتمثّل في إمكانية أن يستمر هذا التوافق بالفعل. وحتى لو افترضنا أنه بالإمكان إيجاد حل للوضع في إدلب، من غير الواضح ما إذا كانت أنقرة وموسكو قادرتين على مواصلة العمل بالتوافق القائم حالياً. ومن الأمور التي تحتّل أهمية أساسية هو وجود تباين مُحتمل جداً في المصالح حول مستقبل سورية؛ فروسيا ستسعى جاهدةً كي تمتدّ سيطرة النظام على كامل الأراضي السورية. بيد أن أنقرة ستحاول أن تضمن معالجة مخاوفها الأمنية الرئيسة، التي تتعلق أيضاً بالوضع النهائي في المنطقة الكردية.


 

زياد ماجد | أستاذ مشارك في الجامعة الأميركية في باريس

ثمة العديد من المعوقات التي تقف في وجه تطبيق الاتفاق الروسي- التركي حول إدلب، أهمها كيفية التعامل مع هيئة تحرير الشام. مع ذلك، يعكس الاتفاق ديناميكيات جديدة في العلاقات بين روسيا وتركيا وإيران استناداً إلى ثلاثة اعتبارات.

الاعتبار الأول هو عزم تركيا على أن تبقى جهة فاعلة حاسمة في شمال سورية، وأن تقاوم أي محاولة من شأنها السماح لإيران والنظام السوري بالانتشار عند حدودها الجنوبية. وقد أدّى ذلك إلى انتشار القوات التركية والأسلحة الثقيلة في المنطقة، والقيام بمناورات لإظهار أن الحدود التركية لن تُغلق في وجه مجموعات المعارضة السورية خلال أيّ من العمليات المُقبلة، كما جرى في درعا.

الاعتبار الثاني هو أن روسيا متردّدة في السماح بشنّ حملة عسكرية واسعة في إدلب قد تتطلّب انخراط القوى الإيرانية والميشيات الشيعية. فموسكو تحاول احتواء دور إيران في سورية لتزيد حظوظها في إبرام صفقة مع الأميركيين الذين يصرّون على انسحاب إيران من البلاد.

الاعتبار الثالث هو أن أوروبا تخشى وقوع أزمة لاجئين جديدة تصل إلى أراضيها (عبر تركيا) في حال تم شنّ هجوم واسع النطاق على إدلب، ولاسيما أن روسيا تأمل في إقناع الأوروبيين بتمويل إعادة إعمار سورية. ولاشك أن وقوع أزمة لاجئين جديدة في أعقاب هجوم عسكري مُحتمل سيُعيق هذه الجهود.

أتاحت كل هذه الاعتبارات الثلاث وغيرها إيرام الاتفاق. لكن من الصعب افتراض أنه سيدوم أو أنه سيمتدّ ليشمل قضايا سياسية أخرى. فروسيا لاتريد أن تخسر تركيا، وأنقرة تريد البقاء ضمن أي إطار عمل أو تفاهم يمنحها دوراً أساسياً في شمال سورية، والقدرة على إضعاف الميليشيات الكردية هناك. لكن مصالح روسيا وتركيا تتباين في مايتعلّق بالتوصّل إلى حلّ نهائي، بانتظار ماستقرّره الولايات المتحدة حيال قواتها المنتشرة في شرق سورية، وسياساتها إزاء الدور الإيراني في المنطقة عموماً.


 

سام هيلر | محلّل أول في مجموعة الأزمات الدولية، تركّز أعماله على التنظيمات المسلّحة غير الدولتية

الاتفاق الروسي- التركي في سورية لايأتي بالضرورة على حساب الحكومة السورية. فروسيا بذلت جهودًا حثيثة كي يتمكّن حليفها السوري من إعادة بسط سيطرته على معظم الأراضي السورية. ثمّ أن الأرضية المشتركة التي توصّلت إليها روسيا مع تركيا، شملت مسائل تسهم في تحقيق الأهداف الروسية – خاصةً تقويض المشروع الذي ترعاه الولايات المتحدة ويقوده الأكراد في شرق سورية، والذي يعتبره كلٌّ من تركيا وروسيا تهديدًا لهما.

لايبدو أن الاتفاق الروسي- التركي حول إدلب يناوئ الحكومة السورية في دمشق، إذ إنه، عبر تفادي شنّ هجوم عسكري على إدلب، يحول هذا الاتفاق دون وقوع كارثة إنسانية. ومن الواضح أنه يلقى ترحيباً في موسكو ويحمي مصالح تركيا ويلبّي حاجاتها الأمنية. لكنه ربما يُثقل كاهل تركيا، إذ يلزمها بضبط المتمرّدين الأكثر تشدّداً، وأيضاً، في حال نجح ذلك، بتأمين الطرق الرئيسة داخل إدلب والتي تُعتبر الأهم لدمشق – وكل ذلك في غضون مهل قريبة وصعبة.

مهّدت روسيا لدور تركي أكبر وأنشط في إدلب، لكنه قد يصبّ في صالح الرئيس السوري بشار الأسد. فواقع الحال أن هذه الخطوة، قد تُضاف إلى سلسلة الخطوات التي اتّخذتها روسيا للموازنة والتوفيق بين مصالح الدول المجاورة لسورية، فيما تعمل هي تدريجياً على تعزيز حملتها الداعمة لدمشق.