تمتّع الجيش، لوقت طويل، بسلطة مستقلة نسبياً في الجمهورية التركية. ففي أعقاب الانقلاب العسكري في العام 1980 وخلال مرحلة التسعينيات، تمكّنت الدولة السلطوية، المتمحورة حول الجيش، من إعادة إنتاج نفسها وتثبيت دعائمها. بيد أن هذا الواقع تبدّل بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002، والذي أسفر عن كبح سلطة المؤسسة العسكرية. بالفعل، كان النصر في المعركة السياسية ضد القوات المسلحة السبيل الوحيد ليبسط هذا الحزب هيمنته على الدولة التركية.

من العوامل الأساسية التي أتاحت لحزب العدالة والتنمية فرض سطوته على الجيش، أنه تحلّى بالإرادة والقوة اللازمين لفرض السيطرة المدنية. فبين العامَين 2002 و2005، طبّقت الحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية إصلاحات دستورية وقانونية كانت مطلوبة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، واستُخدِمَت لكبح نفوذ المؤسسة العسكرية، ولاسيما نفوذ مجلس الأمن القومي. كذلك ساهمت التهدئة النسبية التي لجأت إليها الحكومة في الملف الكردي آنذاك، في تيسير هذه العملية، عبر تخفيف التشنّجات في نزاعٍ ساهم إلى حد كبير في توسيع هامش المناورة المتاح أمام العسكر في الدولة.

لكن في نيسان/أبريل 2007، وضعَ الجيش فيتو على ترشّح عبدالله غول، وهو من كبار قياديي حزب العدالة والتنمية، لرئاسة الجمهورية، مادفع بالحزب إلى خوض مواجهة مباشرة أكثر مع الجيش، عن طريق محاكمتَي إرغينكون وباليوز ابتداءً من العام 2008. فقد اتُّهِم عددٌ كبير من كبار الضباط العسكريين المتقاعدين وفي الخدمة – بما في ذلك القادة السابقين لهيئة الأركان في القوات الجوية والبحرية والبرية، إلى جانب مجموعة كبيرة من الصحافيين والمحامين والسياسيين والأكاديميين – بالتآمر لإطاحة الحكومة، وُحكِم عليهم بالسجن. وبعد استفتاء العام 2010، وبفضل هذه الآلية، أصبح حزب العدالة والتنمية يسيطر تدريجياً على هيئات قضائية أعلى مثل المحكمة الدستورية، والمجلس الأعلى للقضاة والمدّعين العامين. وأدّت التغييرات الدستورية إلى كبحٍ إضافي لسلطة الجيش على المحاكم العسكرية والمجلس العسكري الأعلى.

بيد أن فرض الحكم المدني لم يساهم في تحقيق دمقرطة السلطات السياسية أو العلاقات المدنية-العسكرية في البلاد. ففي مرحلة مابعد العام 2013، واجهت البلاد مشاكل اجتماعية وسياسية، مادفع بحزب العدالة والتنمية إلى تعزيز سلطوية الدولة. وقد عانت مساعي الحزب لتثبيت سلطته انتكاسة في انتخابات حزيران/يونيو 2015، عندما فشل في تشكيل حكومة حزب واحد. غير أن تجدّد عسكرة النزاع مع الأكراد في مرحلة لاحقة أتاح للدولة الجنوح أكثر نحو السلطوية، ناهيك عن المجهود الذي بذله الرئيس رجب طيب أردوغان لتغيير الدستور وإرساء منظومة رئاسية معزَّزة الصلاحيات استطاع من خلالها ترسيخ نفوذه بصورة مطّردة.

في 15 تموز/يوليو 2016، سعى عناصر في الجيش، تحرّكَ معظمهم باسم حركة غولن، إلى إطاحة أردوغان عبر تنفيذ انقلاب ضده، إلا أن المحاولة مُنيت بالفشل، وسرعان ما أدّت إلى فرض حالة طوارئ في البلاد، أسفرت عن إقالة أكثر من 116000 موظف حكومي، فضلاً عن حملات تطهير واسعة في الجيش طالت نحو 8200 ضابط. كذلك أقرّت الحكومة قوانين جديدة أعادت هيكلة العلاقات المدنية-العسكرية، ماوضع حدّاً أو خفّض إلى حد كبير الصلاحيات التي كانت ممنوحة لهيئة الأركان العامة، وقيادات القوات المختلفة، وسائر المؤسسات العسكرية. وأُعيد توزيع صلاحياتها على وزارة الدفاع الوطني، ووزارة الخارجية، ومكتب رئيس الوزراء، ومكتب الرئيس.

من أهم التغييرات إلحاق قيادات القوات البرية والبحرية والجوية بوزارة الدفاع الوطني، والقيادة العامة لقوات الدرك وقيادة خفر السواحل بوزارة الداخلية. كذلك مُنِح الرئيس ورئيس الوزراء صلاحية إصدار الأوامر مباشرة لقادة القوات العسكرية. كما تغيّرت هيكلية العضوية في المجلس العسكري الأعلى، وتواتُر اجتماعاته، واستخدامه لسلطته، بطريقة أسهمت في ترسيخ السيطرة الحكومية.

وقد عمدت الحكومة إلى إغلاق المدارس العسكرية (تُعادل مستوى المدارس التكميلية والثانوية)، ووضعت الكليات الحربية والأكاديميات العسكرية (للتحصيل العلمي بمستوى جامعي ودراسات عليا)، تحت إدارة جامعة الدفاع الوطني الخاضعة بدورها إلى سلطة وزارة الدفاع. سابقاً، كان الجيش يسيطر على هذه المؤسسات التربوية، وقد حرص المعنيون على ألا يكون للتغييرات تأثيرٌ على تدريب العسكريين وتجنيدهم.

أُجريَت تغييرات أيضاً في مؤسّستَين مهمتين في قطاع الدفاع – مستشارية الصناعات الدفاعية ومؤسسة تعزيز القوات المسلحة التركية – وقد أُلحِقَت كلتاهما بمكتب الرئيس. وأُجيز لجهاز الاستخبارات الوطنية، الذي بات يتبع الآن مباشرةً لرئيس البلاد، إجراء تحقيقات أمنية حول العاملين في وزارة الدفاع الوطني، والوكالات والمؤسسات التابعة لها، فضلاً عن العسكريين في الخدمة الفعلية وخارج الخدمة.

بعد انتخاب أردوغان لولاية رئاسية جديدة في 24 حزيران/يونيو الماضي، أصدر مراسيم رئاسية أعادت هيكلة المؤسسات في الدولة التركية، وكانت لعدد كبير منها تبعاتٌ على الجيش. لقد أعاد بعضها تكريس مراسيم صدرت خلال مرحلة الطوارئ، في حين كان بعضها الآخر جديداً. على سبيل المثال، أُلحِق رئيس هيئة الأركان العامة، ومجلس الأمن القومي وأمانته العامة مباشرةً بمكتب الرئيس. ومُنِح الرئيس سلطة تعيين كبار الضباط أو الموافقة على تعيينهم، ومنهم رئيس هيئة الأركان العامة، وقادة القوات المختلفة، والرؤساء ونواب الرؤساء في مديرية الاستخبارات الوطنية ومديرية الصناعات الدفاعية، كذلك الأمين العام ونوّابه في مجلس الأمن القومي. إشارة إلى أن جميع هذه المناصب يتولاّها ضباط برتبة كولونيل وجنرال.

كان الهدف من التنظيمات المتعلقة بالقطاع الأمني في شكل عام، والمؤسسة العسكرية في شكل خاص، بسط السيطرة الرئاسية على القوات المسلحة التركية. إلا أنه من المستحيل الحديث عن مسار ديمقراطي لفرض الحكم المدني على الجيش في حين أن صلاحيات الإشراف والسيطرة تبقى موضع احتكار من قبل رئيس خارق كلّي النفوذ.

لقد ولّد ذلك أزمةً عميقة على مستوى الدولة، تجلّت بصورة أساسية من خلال الصدامات المطوّلة بين النخب في الدولة، ومن خلال الابتعاد عن النزعة المؤسسية التقليدية. لقد حاول أردوغان تخطّي هذا الوضع عن طريق الرئاسة القوية، غير أن ذلك أحدثَ مفارقة. فالرئاسة التي تفرض سيطرتها الخاصة على الجيش تتسبّب فعلياً بتقويض الآليات القانونية وسائر الآليات المؤسسية الآيلة إلى كبح استقلاليته، مايُمهّد الطريق أمام أشكال جديدة من تسييس المؤسسة العسكرية. وقد تجد تركيا نفسها، لاحقاً، في مواجهة التداعيات الخطيرة لهذا الواقع.